سعيد الشحات - بهاء طاهر إن حكي

اكتملت شحنة الجمال في قلبي حين أغمضت عيني علي آخر جملة في رواية بهاء طاهر الرائعة "واحة الغروب"، شعرت بجمال مغلف بالشجن، ومكتمل بفعل الأحداث التي تؤكد أن كل جيل هو ابن أيامه بحلوها ومرها.
يرسم بهاء في هذه الرواية الجديدة المدهشة التي تدور وقائعها في نهاية القرن ال19 لوحة إنسانية بديعة تشمل كثيرا من المعاني، أبرزها إنه لايبقي للإنسان شيء إن انطفأ فيه نور الأمل ، ولا تبقي للروح قيمة إن غادرها وهج الحلم، وأذكر أنني قلت نفس المعاني منذ سنوات بعد روايته الجميلة "الحب في المنفي"، فيما يعني أن بهاء طاهر قادر بعالمه الروائي أن يجعلنا نعيش حالة واحدة.
يمارس بهاء في "واحة الغروب" هوايته في تشريح النفس البشرية التي تعيش في الدنيا دون أن تعرف لماذا تعيش، فتظل غريبة عن زمانها ومكانها حتي لو ارتفع بها المقام، يسكن الانكسار حاضرها بعد أن ضاع ماضيها بضياع حلمها بوطن جميل، وتزداد أوجاعها حين تتذكر أن هذا الحلم كان بين أصابعها لكنه طار بفعل الخيانة، كما حدث في الثورة العرابية، تلك الثورة التي تأتي في الرواية بوصفها البصمة التاريخية علي شخصية محمود عبدالظاهر ضابط الشرطة وبطل الرواية.
ولاتتحدث الرواية عن الثورة كسرد تاريخي، وإنما كمحطة توزيع للأحداث التي يمكن أن نتنبأ من خلالها بما ستكون عليه مصر، وللحياة التي ستبقي ثقيلة علي محمود، وهنا تتجلي الهواية الثانية لبهاء طاهر في قدرته علي الإمساك بلحظات التاريخ، وذات مرة ومنذ سنوات سألته عن ذلك، فقال لي :"التاريخ امتداد معاصر، أو ما أسميه التاريخ اللحظة الحالية..أضاف :"أنا دائم الحوار مع شخصيات التاريخ، وأفكر في اختياراتها المفصلية، وأسأل :"ماذا لوسمع عرابي نصيحة محمد عبيد بقتل الخديو توفيق؟..ماذا لو لم يعمل عرابي سهرة ليلة معركة التل الكبير؟.
كانت هذه الكلمات لبهاء ضمن حوار مطول لي معه لم ينشر، ووجدتها ضمن أوراقي، وأنا أعيش "واحة الغروب"، فهل كان وقتها يختزن هذه الأسئلة حتي تأتي كسوتها الروائية.
يبدو سؤالي طبيعيا وأنا أقلب صفحات الرواية منذ أن يتلقي محمود عبدالظاهر قرارا بالانتقال إلي واحة سيوة علي سبيل الترقية مأمورا لقسم الشرطة بها، فيتعامل مع القرار وكأنه نفس الانتقال النفسي المدمر من توهج حلمه مع الثورة إلي انكساره بفشلها، ويبدو في ذلك أنه النموذج الإنساني المتولد من كل هزيمة في تاريخ مصر، والنموذج الذي فيه قطعة مني ومنك ، ومن كل الحالمين القلقين علي وطنهم، كما أنه الشخص المتولد من أسئلة ومحاكمات لنفسه لاتنتهي :"أدمنت التفكير في نفسي، وكلما فتحت صفحة وجدتها أسوأ من التي سبقتها..ليتني لم أكن؟ ما الذي يعيدني إلي أيام المجد في لحظات الخيبة.
يصطحب محمود زوجته الأيرلندنية "كاثرين" إلي سيوة، ومنذ بدء الرحلة وحتي استقراره لم ينقطع حواره مع نفسه، ويستخدم بهاء في ذلك أسلوب "الفلاش باك" ببراعة متناهية، ولغة شاعرية ساحرة معهودة منه، ومن خلالها نعرف محمود الذي عاش في بيته بعابدين أواخر أيام الخديو إسماعيل، وعرف الأفغاني في مقهي متاتيا، وأدمنه إلي جانب إدمانه الخمر والنساء ، وبحث عن الحزب الوطني للانضمام إليه، وألحقه والده بالشرطة بعد إفلاسه في التجارة حتي يمكنه أن يعول أمه وأخاه، ومن بيته رأي كيف تم كسر عرابي ب"ولس الباشوات والبكوات ونواب البرلمان الذين صفقوا وخطبوا له ثم انتقلوا إلي صف الخديوي".
يجد محمود واحة سيوة مغلقة وبقسوة علي نفسها وتقاليدها، وتجدها كاثرين فرصة لتحقيق حلمها بالعثور علي مقبرة الإسكندر الأكبر، وفي هذه الأجواء تظهر الشخصيات..يأتي بعضها من أحداث التاريخ البعيد كالإسكندر الأكبر، والقريب كمحمد عبيد بطل الثورة العرابية، والبعض الآخر من أبناء الحاضر كالشيخ يحي، ومليكة، والشاويش إبراهيم، وفوينا.
ويمتزج الكل تحت عنوان "الانكسار"، فالاسكندر الأكبر فاتح الدنيا رأي نفسه وهو يموت "الإنسان الذي لايستحق"، ومليكة فائقة الجمال تمردت علي زواجها من رجل مسن، وغرست السكين في قلبها وهي تسأل أمها "لماذا باعتها؟.. لماذا رمتها".. ويعتزل خالها يحي الدنيا لأنه أحبها وعجز عن فعل شيء لصالحها، وكاثرين تكتشف حب محمود لشقيقتها فيونا المريضة" القديسة" التي تموت، ومحمد عبيد الذي عرض قتل الخديو فاتهمه عرابي بالجنون.
كلها شخصيات خسرت أحلامها فضاعت، ومنها من مات كمدا، ومنها من عاش وهو لايعرف لماذا يعيش؟..وعلي النقيض يعيش هؤلاء الذين يتخذون الخيانة مشروع حياة مثل الضابط وصفي، الذي يصف أبطال الثورة العرابية ب"البغاة".
خسر محمود عبدالظاهر حلمه، وتمكن منه سؤال: لماذا نعيش؟..فانطلق إلي المعبد في الواحة وقام بتفجيره وهو بداخله بالديناميت، قام بتفجيره وهو يقول :"هذا إذن المجد الذي يكتشفه لنا الإنجليز لنعرف أننا كنا عظماء، وأننا الآن صغار".
لم يكتف محمود، وإنما أراد بفعله أن يقول:" كفي غناء بالماضي، لأننا صغار في الحاضر".. قالها محمود قبل أكثر من 100 عام، ولوعاد إلي الحياة، فالمؤكد أنه سيقولها من جديد.


* "المصري اليوم" بتاريخ 13 يناير 2007 ..

1667086334547.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى