د. محمد عباس محمد عرابي - القيم التربوية والأخلاقية في كتابات الأستاذ الدكتور محمد عيسى (1)

دارت الكتابات المميزة لسعادة العالم القدير والتربوي الجليل الأستاذ الدكتور محمد عيسى والتي نشرها على حسابه في (الفيس بوك )، حول العديد من القضايا التربوية والاجتماعية والثقافية ،وتعميما للفائدة يجمع هذا المقال هذه القضايا مشيرا إلى أهم القيم التربوية والأخلاقية التي تضمنتها هذه الكتابات ،والتي نعرضها تباعا في سلسلة مقالات وفيما يلي المقال الأول عنها :
*قيمة الاقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في أخلاقه:
فحول قيمة الاقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في أخلاقه، يقول كاتبنا:
"كانت السهولة صورةً من حياته كلها، وكان الذوق والأدب من أظهر صفاته في معاملته لأقلِّ تابعيه، فالتواضع، والشفقة، والصبر، والإيثار، والجُود صفات ملازمة لشخصه، وجالبة لمحبَّة جميع مَنْ حوله... وهو دائم الاشتغال والتفكير في راحة مَنْ حوله وهناءتهم" (المستشرق البريطاني "وليم موير").
وقال -في حقه-الشاعر الألماني جوته: "بحثتُ في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي العربي محمد".
هذا هو رسول الله، حبيبنا وملاك قلوبنا، وقدوتنا وأسوتنا، وشفيعنا يوم القيامة، الذي أرسله ربه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، والذي حمل رسالته الإنسانية (ليُتممَ مكارمَ الأخلاقِ)، و(رحمةً للعالمين).
كانت حياته أسمى وأنصع حياةٍ عرفتها الإنسانية؛ فاستحق رسول الله شهادَة الله تبارك وتعالى له بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}.
فــ) يا رب صلِّ وسلِّمْ دائمًا أبدًا
على حبيبك خيرِ الخلقِ كلهمِ
صلُّوا على الهادي البشيرِ محمدٍ
تحظَوْا من الرحمن بالغفران.
اللهم صل وسلم وبارك على نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ
ودمتم بكل خير سالمين آمنين. "

*قيمة صلة الرحم والدعاء للموتى الأقارب:
وحول قيمة صلة الرحم والدعاء للموتى الأقارب يقول كاتبنا:
"مهما حاول المرء أن يكتب؛ فإن الألفاظ على سعتها تنحني أمام وصف عِظم فضل الأم وحقها، وعِظم فضل الأب وحقه، وحنان الأخ وطيبته وقوته... ومصيبة ولوعة ومرارة فقدهم.
فالأم هي ريحانة الحياة ورضاها وتوفيقها، وحبُّها لا يُدانيه حبٌّ آخر "حُبُّ طَهورٌ لا يشوب نَقَاءَه كَدرٌ، ولا تَطغَى عليه حُقُود".
والأب هو الروح، والسند، والحصن المَنيع أمام عاديات الزمان، وعندما يموت الأب؛ يُولد اليُتم في أعماقنا، ونشعر بمرارة الفقد!
والأخ هو ظلنا وأمننا وقوتنا؛ فالمرء ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، وصدق الله تعالى: (سنشد عضدك بأخيك).
أسألك اللهم، بواسع رحمتك يا أرحم الراحمين، أن ترحم والديّ (أُمي وأَبي)، وأن ترحم أخويّ (أشرف وعماد) وأن تسكنهم الفردوس الأعلى من الجنة، وسائرَ أُمهاتِنا وآبائنا وأموات المسلمين أجمعين، اللهم بلا حساب ولا سابقة عذاب.
"اللَّهم آَمين""
قيمة الصبر وعدم الحزن وعدم القنوط والسخط والحث على الاستمرار في الدعاء:
فحول:"قيمة الصبر وعدم الحزن وعدم القنوط والسخط والحث على الاستمرار في الدعاء" يقول كاتبنا:
"أحيانًا نحزن إذا أجل الله الاستجابة لدعائنا، لكن الله لم يؤجل الإجابة عبثًا، ولا إهمالاً، بل إنه سبحانه وتعالى فعل ذلك لحكمة يعلمها ولا نعلمها؛ فلننتظر هذه الحكمة إلى أن تنكشف لنا بخيرها وجمالها.
إن نبي الله "يعقوب" عليه السلام، ظل يدعو ربه (40) سنة- حتى فقد بصره من شدة البكاء- لكي يرد الله عليه ابنه وحبيبه "يوسف عليه السلام"؛ فمن منا دعا ربه (40) سنة، ولم يستجب له؟!ولسنا بأفضل من سيدنا يعقوب عليه السلام، فلماذا اليأس مع أن فرج الله قريب؟! وهل نعدم الخير من رب رحيم، كتب على نفسه الرحمة؟!
وإن الله ليعجب من قنوط عباده عند احتباس الْقَطْر عنهم ويأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرجه ورحمته لعباده، بإنزاله الغَيثَ، وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون، وتأملوا قوله تعالى: (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ - وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ)، أي كانوا قبل إنزال رحمة الله يائسين قانطين.
فلا نحزن، ولا نستعجل، ولا نتوقف عن الدعاء، ولنحسن الظن بالله، قال صلى الله عليه وسلم: "يُستجاب لأحدكم ما لم يَعجل، يقول دعوتُ فلم يُستجب لي".
وفي الحديث الآخر، عنه صلى الله عليه وسلم:"ادْعُوا اللهَ وأنتمْ مُوقِنُونَ بالإجابةِ ، واعلمُوا أنَّ اللهَ لا يَستجيبُ دُعاءً من قلْبٍ غافِلٍ لَاهٍ"
يومكم طيب مبارك مستجاب الدعاء، مقبول الأعمال، بإذن الله تعالى."

*قيمة مجاملة الآخرين ممن تتعامل معهم:
وحول قيمة مجاملة الآخرين ممن تتعامل معهم يقول كاتبنا:
المُجاملة فن وثقافة، والمجاملة من الجمال، والجمال أرقى ما نطلب؛ فالمجاملة الكريمة العادلة مطلوبة مع كل الناس، حتى الأشرار؛ دفعًا لشرهم، وارتفاعًا عن النزول إلى فحشهم.. والأشخاص المحبوبون يُجيدون الإنصات، وفي الوقت نفسه يَسحبون لسانَك للحديث عن نفسك. .وهم ليسوا بالضرورة مُنافقين أو متملقين ....
وقد مجّد ديل كارنيجي في كتابه: (كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس)، وهو من أكثر الكُتب مبيعًا في العالم، فكرة المجاملة الصادقة ودورها في اكتساب الأصدقاء، وفي هذا الكتاب نصيحة ذهبية تقول: "عليك أن تدرك أن تسعة وتسعين بالمئة من الناس لا ينتقد أحدهم نفسه إطلاقًا مهما كان مُخطئًا، لا جدوى من الانتقاد الذي يضع الإنسان في موضع المُدافع عن نفسه لتبرير أفعاله، تذكر وأنت تتعامل مع الناس أنك لا تتعامل مع مخلوقات منطقية بل مع مخلوقات عاطفية".
وختامًا تذكر جيدًا قولَ نبيك: "خالق الناس بخلق حسن".
يومكم جميل، وأيامكم كلها سعادة وراحة بال بإذن الله تعالى
قيمة: الجزاء من جنس العمل:
فقد تحدث الأستاذ الدكتور محمد عيسى عن قيمة: الجزاء من جنس العمل ،واستشهد على ذلك بما ذكره الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي، في كتابه (مورد الصادي في مولد الهادي):
أنه "قد صَحَّ أنّ أبا لهبٍ يُخففُ عنه عذاب النار في مثل يوم الإثنين؛ لإعتاقه ثُويْبَةَ سرورًا بميلاد النبي"،
ثم أنشد:
إذا كان هـذا كافرًا جـاء ذمُّه وتبت يـداه في الجحـيم مخـلدًا
أتى أنـه في يـوم الإثنين دائـمًا يُخفَّفُ عنه للسـرور بأحــمدا
فما الظنُّ بالعبد الذي كان عمره بأحمد مَسْرورًا ومات موحـــدًا
(الكتاب ص: ٢٥ ، ٢٦)
اللَّهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وبَارِك على نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ
قيمة الاعتراف بفضل المعلم والدعاء له لفضله العظيم علينا:
فتحت قيمة الاعتراف بفضل المعلم والدعاء له لفضله العظيم علينا يقول الأستاذ الدكتور محمد عيسى "في يوم الوفاء للمعلم"
أدعو الله تعالى لأستاذيَّ الحبيبين؛ العالم القدير، الأستاذ الدكتور/ رشدي أحمد طعيمة، والأستاذ الدكتور/ عبد الفتاح عبد الحميد، أن يتغمدهما بواسع رحمته، ويغفر لهما، ويسكنهما عليا جناته.
وأدعوه سبحانه وتعالى أن يبارك عمر أستاذي الفاضلين، الأستاذ الدكتور/ عبدالله التطاوي أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب -جامعة القاهرة، والأستاذ الدكتور/ إبراهيم أحمد بهلول، أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية، بارك الله علمهما وعملهما، ومتعهما بموفور الصحة والعافية.
وأدعو الله تعالى لكل أساتذتنا الذين علمونا ومازال عطاؤهم وعلمهم يتدفق نورًا وهدايةً، أن يمد أعمارهم بالصحة والعافية. اللهم آمين.
قيمة التعاون من الجميع في تطوير نظام التعليم:
فحول قيمة " قيمة التعاون من الجميع في تطوير نظام التعليم" يقول كاتبنا :
أعتقد أن تطوير نظام التعليم في مصر، وتجاوز مشكلاته والقضاء على مظاهره السلبية وإصلاحه بكل عناصره ومراحله ومستوياته، ليس مرهونًا بالوزير وحده، أيًّا كان هو، ومهما كانت قدراته وخبراته ومهاراته .. بل إنه مرهون- في الأساس- بسياسة الدولة وأهدافها ونظرتها للتعليم، ومدى استعدادها وقدرتها للإنفاق عليه بما يضمن الجودة وتعليمًا أفضل لأبنائها وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين الطلاب بلا أدنى محاباة أو تجاوز، فضلا عن اعتبار التعليم مشروعًا قوميًا، وقضية أمن قومي، والوعي المجتمعي وتكاتف الجميع.
ومن دون ذلك سيظل تعليمنا يعاني من المشكلات والظواهر السلبية في كل عناصره ومراحله.
ودمتم بكل خير سالمين آمنين.
قيمة سُرعة البَديهة، والقدرة على الرد الذكي المُفحم:
فحول قيمة سُرعة البَديهة، والقدرة على الرد الذكي المُفحم يقول كاتبنا :
يمتاز بعض الناس بمهارة عزيزة وموهبة جميلة، وهي سُرعة البَديهة، والقدرة على الرد الذكي المُفحم، الذي يمزج بين الجد والهزل، وردّ السخرية تجاههم بأقسى منها؛ فيقلبون الوضع لمصلحتهم، ومن الأمثلة على ذلك:
أن رجلًا رأى امرأةً، فقال لها: كم أنتِ جميلة! فقالت له: ليتك جميلٌ لأبادلك الكلام نفسَه. فقال لها: لا بأسَ، اكذبي كما كذبتُ أنا!
وذُكر أن رجلًا قال للأديب الأيرلندي العبقري برنارد شو: أليس الطباخ أنفع للأمة وللناس من الشاعر أو الأديب؟ فردَّ عليه: الكلاب تعتقد ذلك..!
وقال أحدهم للشيخ عبد الحميد كشك -رحمه الله-: يا شيخ، لقد رأيت في المنام أنك مت! فرد عليه الشيخ بسرعة ومن دون أدنى تفكير : "يبقى استريحت من وشك يا أخي!"
وذات يوم التقى رجل سخيفٌ الشاعر الضرير بشّار بن بُرد، فقال له: «لا يصيب الله الانسان بمصيبة إلا ويعوّض له عنها بفضيلة، فما الذي عوّض الله عليك بفقدانك البصر؟»، فأجابه بشار على الفور: «عوّض عليّ بفضيلة كبرى: ألاّ أرى وُجوه السخفاء أمثالك».
ويروى أن أحد الرجال تناول وجبة عند أحد الأُمراء وكان يأكل بشراهة فقال له الأمير: ما لكَ تأكل الخروف كأن أُمه نطحتك؟! فرد الرجل قائلا: وما لكَ تُشفق عليه كأن أُمه أرضعتك؟!
وقالت زوجة لزوجها: لقد أعجبتْ صديقاتي اليوم بجمالي وأناقتي، ونحن في النادي! فقال لها: والأشياء القبيحة التي لديك، هل تكلموا عنها؟ فردت قائلة: لا، لا، لم نأتِ على ذكر سيرتك أبداً!
ومن أجمل الردود التي قرأتها أن رجلاً سُئل: أيهما أجمل أمك أم القمر؟ فقال إذا رأيت أمي نسيت القمر، وإذا رأيت القمر تذكرت أمي!
والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، غير أن القاسم المشترك بينها هو تحلي أصحابها بسرعة البديهة، وقوة الرد وطرافته وجماله.
ويمكن لأي منا اكتساب هذه المهارة الجميلة بالمران والتدريب، وقراءة سير المتقنين لها، وزيادة رصيده من الثقافة، وحفظ الأشعار والحكم والأمثال والكلمات المعبرة، والتحلي بالصبر، وطول البال، وعدم التوتر والغضب؛ إذ هما يُعميان البصيرةَ، ويُلغيان التفكير.
والرد المُفحم لا ينبغي أن يكون جارحًا أو خادشًا للحياء بل يكون بلغة هادئة مرحة وغير مألوفة.
ودُمتم بكل خير سالمين آمنين.
*قيمة نسيان الأحداث المؤلمة، والذكريات المحزنة:
وحول هذه القيمة يقول كاتبنا :
"السعيدُ مَن يَنْسى ما لا سبيلَ إلى إِصلاحهِ"
مثلٌ ألمانيّ، يُذكرنا بنعمةٍ من أعظم نِعم الله تعالى على عباده..نعمة "النسيان" التي لولاها لكانت الحياة أكثر صعوبةً وإظلامًا، يستحيل العيشُ فيها، أو تحمّل أوجاعها في الفقد والفراق، أو إساءة المسيئين، أو غدر الغادرين، أو قسوة القاسين..
يقول أحد الحكماء: "لله على الناس نعمتان: لا تَطيب من دونهما الحياةُ، ولا يَهنأ بغيرهما عَيشٌ، "النسيان والأمل"؛ فبالنسيان يتخطى المرء الأحزان والأوجاع، وينعم بالطمأنينة وراحة البال.
فلنحمد الله على نعمة نسيان الأحداث المؤلمة، والذكريات المحزنة، ولنتعلم كيف ننسى.. وكيف نشطب من قلوبنا وعقولنا ما لا نريد..، ومَن لا نريـد..، وما لا يقبل إصلاحًا!..، ولنبدأ صفحةً جديدةً مِلؤُها الأمل، والتفاؤل، والتسامح..، ولنردد كل صباح ومساء قول الله تعالى: «حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ» .
أحيا الله قلوبكم بالأمل والتفاؤل، وزين حياتكم بكل ما هو جميل.

وختامًا لقد تميزت كتابات الأستاذ الدكتور محمد عيسى بالبساط في العرض ،واشتمالها على القيم الإيجابية المفيدة ،والاعتماد على ذكر الأمثلة والمواقف التطبيقية على القيمة من الواقع المعاش الذي نحياه ،أو من تراثنا الخالد ،واتسم الغلق بذكر حديث نبوي والصلاة على نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ ،بالإضافة إلى الدعاء للقارئ والمستمع لهذه الكتابات .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى