يحيى بركات - فتح أمام مرآتها الأخيرة

فتح أمام مرآتها الأخيرة
من مؤتمر التنظيم…
إلى سؤال المشروع الوطني بعد الإبادة
حين يصبح المؤتمر سؤالًا عن معنى الحركة…
لا عن أسماء قيادتها
في الخارج…

قبل أن تُفتح أبواب القاعة…
كانت فتح كلّها تتكلم.
قوائم تُنشر.
أسماء تُستبعد.
أسماء تُضاف.
غضب يتصاعد.
منشورات طويلة كأنها لوائح اتهام.
تهاني مبالغ فيها كأن العضوية خلاص وطني.
دفاع مرتبك.
تشهير جارح.
خوف من التوريث.
حديث عن المحسوبيات.
رهان على الأسرى.
حنين إلى البدايات.
وقاعدة فتحاوية واسعة تسأل، لا بصوت واحد، بل بأصوات متكسّرة:
أين فتح؟
لم يكن هذا كله مجرد نقاش حول مؤتمر.
كان المشهد أشبه بمرآة كبيرة وُضعت فجأة أمام الحركة.
وفي المرآة لم تظهر الأسماء وحدها…
بل ظهر التعب كله.

أنا لا أعرف أغلب أعضاء المؤتمر.
ولا يعنيني أن أزعم معرفتهم.
ولا أريد أن أحاكم أسماءً لا أعرف مساراتها بدقة.
لكنني أعرف فتح.
أعرف لماذا انتميتُ إليها.
وأعرف لماذا بقيتُ أرى فيها أكثر من تنظيم.
وأعرف أن فتح، حين كانت فتح، لم تكن قائمة أسماء، ولا لجنة مركزية، ولا مجلسًا ثوريًا فقط.
كانت معنى.
كانت حركة شعب.
حركة اتسعت للمقاتل والمثقف، للطالب والعامل، للطبيب والمهندس، للشاعر والفنان، للفلاح ورجل المال، للأسير والمنفي، للفيلسوف والسياسي، ولأولئك الذين لم يأخذوا شيئًا منها… لكنهم أعطوها حياتهم.
كانت فتح، في بداياتها، أكبر من جهاز.
كانت خيالًا سياسيًا فلسطينيًا مفتوحًا.
تختلف داخلها الأفكار، وتتعدد المناهج، لكن البوصلة كانت واضحة:
فلسطين.

لهذا لا أستطيع أن أقرأ ما يجري اليوم كخلاف عابر على عضوية مؤتمر.
حين يكتب كادر فتحاوي طويل التجربة رسالة مفتوحة يقول فيها، بمعنى موجع، إن عمره كله كان يمشي باتجاه باب… وحين وصل، وجد الباب مفتوحًا لآخرين ومغلقًا في وجهه…
فنحن لا نكون أمام “زعل تنظيمي” فقط.
نحن أمام شهادة على اهتزاز المعيار.
هو لا يقول فقط: أدخلوني المؤتمر.
بل يقول: كيف أصبح تاريخ كامل من العمل أقل قيمة من العلاقات والنفوذ والصورة؟
وهنا تكمن الخطورة.
لأن الحركة الثورية لا تنهار فقط حين تُهزم في معركة.
أحيانًا تنهار ببطء… حين يتغير تعريف: من يستحق؟
من الكادر الذي يصعد عبر التجربة والنضال والفكر والعمل الميداني…
إلى كادر يصعد عبر القرب والنفوذ والاصطفاف.
من التنظيم الذي يصنع الرجال…
إلى الإدارة التي توزع المواقع.
وهذا أخطر من استبعاد اسم أو إدخال اسم.
إنه سؤال ثقافي داخل الحركة:
أي نموذج من الفتحاويين تريد فتح اليوم؟

قرأتُ خلال الأيام الماضية نصوصًا كثيرة.
بعضها صرخ.
بعضها شتم.
بعضها خوّن.
بعضها دافع عن الحركة كما لو أن الدفاع عنها يكون بمهاجمة الآخرين.
وبعضها حاول أن يبقى داخل الفكرة الفتحاوية وهو ينتقدها.
وهذا النوع الأخير هو الأهم.
لأنه لا يهاجم فتح كفكرة.
بل يقول إن هناك فجوة بين فتح التي نعرفها… وفتح التي تظهر في آليات المؤتمر.
هنا لا تعود المسألة: من حضر ومن غاب؟
بل: ما الذي تغيّر في ميزان القيمة داخل الحركة؟
هل معيار فتح هو النضال والكفاءة والتمثيل؟
أم إدارة النفوذ والتوازنات؟
هل هي حركة تحرر وطني؟
أم حزب سلطة؟
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.
ليست معركة مواقع فقط…
بل معركة تعريف.
ما هي فتح أصلًا؟

حتى الدفاع عن فتح في بعض المقالات كان يكشف الأزمة دون أن يقصد.
من قال إن فتح بخير لأنها تُنتقد علنًا، بينما غيرها لا يحتمل النقد، وقع في نصف الحقيقة.
نعم، أن تُنتقد حركة علنًا قد يكون دليل حياة.
لكن هذا الانفجار الكبير في النقد ليس مجرد حيوية ديمقراطية.
إنه أيضًا علامة على اهتزاز داخلي عميق.
حين تتحول مواقع التواصل إلى ساحة نشر قوائم، وتبادل اتهامات، وتشهير، وتخوين، وسخرية، وغسيل داخلي…
فهذا ليس نقاشًا صحيًا فقط.
إنه قلق على المعنى نفسه.
فتح ليست بخير فقط لأن حماس مغلقة.
وحماس ليست بخير فقط لأن فتح مفتوحة.
المشهد الفلسطيني كله مأزوم.
والسؤال ليس: من الأسوأ؟
بل: ماذا حدث للحركة الوطنية الفلسطينية كلها؟
فتح لا تحتاج إلى من يدافع عنها بشتم الآخرين.
ولا إلى من يحول نقاشها إلى مقارنة سطحية.
فتح تحتاج إلى من يسأل:
كيف تعود حركة تحرر… لا مجرد مساحة جدل على مواقع التواصل؟

وهنا يصبح الفرق مهمًا بين التنظيم كوسيلة… والتنظيم كغاية.
الفصائل الفلسطينية وُلدت، في الأصل، كردّ فعل على النكبة.
كانت وسيلة لأهداف وطنية كبرى: التحرير، العودة، تقرير المصير، بناء الإنسان الفلسطيني، وصون الحق.
لكن أخطر ما يحدث لأي حركة تحرر…
أن تنسى لماذا وُجدت أصلًا.
حين يصبح همّ التنظيم: كيف يحافظ على نفسه؟
لا كيف يحقق مشروعه.
حين يصبح السؤال: من داخل المؤتمر؟
لا: ماذا سيفعل المؤتمر؟
حين تتحول الحركة من أداة لتحرير الشعب…
إلى بنية تدافع عن استمرارها…
فهنا تبدأ النكبة الثانية:
نكبة المعنى.
الأسماء مهمة، نعم.
والقيادة مهمة.
لكن الأسماء يجب أن تُقاس بالمشروع… لا العكس.
الحركة الوطنية لا تُبنى حول الأشخاص.
تُبنى حول الهدف، والبرنامج، والرؤية، والدور التاريخي.
ولهذا يصبح السؤال الحقيقي:
هل سيعيد المؤتمر فتح إلى موقعها الطبيعي داخل المشروع الوطني؟
أم سيعيد إنتاجها كإدارة وتنظيم وسلطة فقط؟

في هذه اللحظة، لا يمكن أن نتجاهل الحرب على غزة.
ما قبل 7 أكتوبر 2023 ليس كما بعده.
وما قبل الإبادة ليس كما بعدها.
المخطط لم يعد خافيًا.
لم تعد المسألة مفاوضات متعثرة، أو عملية سلام مجمدة، أو خلافات فلسطينية داخلية.
هناك محاولة لوأد القضية الفلسطينية نهائيًا.
تهجير.
ضم.
تجويع.
إبادة.
تدمير المخيمات.
محاصرة الضفة.
تصفية فكرة الدولة.
وضرب معنى التمثيل الفلسطيني ذاته.
وفي لحظة كهذه، يصبح النقاش حول فتح أكبر من فتح.
هل تملك الحركة الوطنية الفلسطينية، بأدواتها القديمة وبناها المتعبة، القدرة على مواجهة مرحلة جديدة بهذا الحجم؟
هل يكفي أن نجدد الأسماء؟
هل يكفي أن ننتخب لجنة مركزية جديدة؟
هل يكفي أن نعلن شعارات عن الصمود والحرية والاستقلال؟
بعد الإبادة، اللغة القديمة تتعب.
والشعارات القديمة لا تكفي.
والفلسطيني الخارج من الركام لا يريد خطابًا طويلًا عن الشرعية فقط.
يريد أن يعرف:
من يحمل القضية الآن؟
وإلى أين؟
وبأي مشروع؟

لذلك، فإن سؤال فتح لا ينفصل عن سؤال منظمة التحرير.
فتح لا تستعيد معناها إذا بقيت أسيرة السلطة.
ولا تستعيد دورها إذا بقيت تدير واقعًا لا تغيّره.
المطلوب ليس أن تكون فتح بديلًا عن الحامل السياسي الوطني.
بل أن تعود قوة رئيسية داخله.
منظمة التحرير يجب أن تعود حاملةً سياسية للشعب كله:
الداخل، والضفة، وغزة، والقدس، و48، والشتات، والمخيمات، والأسرى، والجرحى، والذين لا صوت لهم في غرف القرار.
السلطة يجب أن تعود إلى حجمها الطبيعي:
جهاز إداري تنفيذي تحت الاحتلال، يخدم الناس، ولا يحتكر القرار الوطني.
أما القرار الوطني، فيجب أن يعود إلى مستوى أوسع من السلطة، أوسع من الفصيل، أوسع من الجغرافيا الضيقة.
هنا فقط يمكن أن تعود فتح إلى معناها:
حركة تحرر داخل حامل سياسي وطني مقاوم…
لا مركزًا مغلقًا يدور حول نفسه.

حتى المقارنة العابرة التي كتبها سفيرنا في فيتنام تحمل دلالة موجعة.
حين يقول إن المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب الشيوعي الفيتنامي شارك فيه 1586 عضوًا، وهو حزب يقود دولة من مئة مليون إنسان ويضم أكثر من ستة ملايين عضو…
فالمسألة ليست مقارنة أرقام.
المسألة مقارنة معنى.
هل المؤتمر أداة لصناعة القرار؟
أم مساحة لإدارة التوازنات والترضيات؟
هل المهم عدد المشاركين؟
أم وضوح المشروع؟
فالمؤتمر ليس كبيرًا بعدد مقاعده.
بل بقدرته على الإجابة عن سؤال المرحلة.

وسط كل هذا، هناك أمل لا يجوز الاستهانة به.
هناك كتلة كبيرة من الأسرى المحررين.
رجال دفعوا عشرين عامًا وأكثر من أعمارهم خلف القضبان.
هؤلاء لا يحتاجون إلى أوراق اعتماد من أحد.
وجودهم في المؤتمر لا يجب أن يكون رمزيًا.
الرهان عليهم ليس لأنهم أسرى سابقون فقط…
بل لأن تجربة الأسر تمنح الإنسان فرصة قاسية لمراجعة المعنى، واختبار القناعة، وتمييز الصلب من الزائف.
لكن السؤال يبقى:
هل يؤثرون في المتكلسين؟
أم يتأثرون بهم؟
هل يدخلون ليعيدوا إلى الحركة شيئًا من نارها الأولى؟
أم تبتلعهم البنية كما ابتلعت غيرهم؟
هذا سؤال لا يخص الأسرى وحدهم.
بل يخص كل كادر حقيقي داخل فتح.

في النهاية…
قد يخرج المؤتمر بلجنة مركزية جديدة.
ومجلس ثوري جديد.
وخطابات جديدة.
وربما صور جديدة.
لكن السؤال الحقيقي سيبقى خارج القاعة.
في غزة… بين الركام.
في الضفة… تحت الزحف الاستيطاني.
في المخيمات… حيث يعود اللجوء إلى صورته الأولى.
في عيون الأسرى.
في وجع الأمهات.
وفي قلب كل فتحاوي يسأل بصمت:
هل ما زالت فتح تشبه ما انتمينا إليه؟
أنا لا أكتب لأحاكم الأسماء.
الأسماء ستتغير.
المواقع ستتغير.
اللجان ستتغير.
لكن ما لا يجوز أن يتغير هو المعنى.
إذا استطاعت فتح أن تحافظ على المعنى، والبرنامج، والهدف، والفكرة…
فإن أسماء من حضر ومن انتُخب تصبح أقل أهمية.
أما إذا فقدت المعنى…
فلن تنقذها الأسماء مهما كانت كبيرة.
فتح ليست بحاجة إلى مؤتمر يرضي الخواطر.
ولا إلى مؤتمر يوزع المواقع.
ولا إلى مؤتمر يؤجل الأسئلة.
فتح بحاجة إلى لحظة صدق مع نفسها.
لأن الشعب يرى.
والقاعدة ترى.
والأسرى يرون.
والشهداء، في ذاكرة الناس، يرون.
ولأن ما بعد الإبادة ليس كما قبلها.
لن يكون السؤال بعد اليوم: من فاز؟
بل: من يستطيع أن يحمل فلسطين في زمن يريدون فيه دفنها؟
وهنا فقط…
يصبح المؤتمر مهمًا.
أو بلا معنى.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
7/5/2026


FB_IMG_1778163642230.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى