تحدث الأستاذ الدكتور محمد عيسى في بعض كتاباته ومقالاته عن دور الشعر في بيان كيفية التعامل مع القضايا الحياتية، وبين أن السعادة أو الراحة التي ينشدُها الإنسان في الدنيا لا تأتي إلا بعد بذل الجُهد، والكَد والتَّعب، وأن من طبيعة الدنيا ألا تصفو لأحد على الدوام؛ فهي مُتقلبةٌ، وحث على التفاؤل وحذر عن التشاؤم، ونهى عن تصيد الزلات، ونهى عن عدم الشكوى إلا لله، وغيرها من قضايا عرضها هذا المقال من خلال سبعة محاور على النحو التالي:
المحور الأول: مجيء الخير والشر:
حول هذا المحور يقول كاتبنا:
"الخيرُ لا يأتيك مُتصلاً .... والشَّر يسْبقُ سَيلَه المَطرُ!» مَثلٌ من الشعر الجاهلي، يُبرز أن السعادة أو الراحة التي ينشدُها الإنسان في الدنيا لا تأتي إلا بعد بذل الجُهد، والكَد والتَّعب، وأن من طبيعة الدنيا ألا تصفو لأحد على الدوام؛ فهي مُتقلبةٌ. وقد عبر أبو تمام عن هذه الحقيقة في بيت رائع في عِبرته:
بَصُرْتَ بالراحةِ الكُبرى فلم أرَها * * * تُنالُ إلا عَلَى جِسْرٍ من التّعَبِ
ولذا فالعاقل مَن يتعامل مع الحياة وصعابها وأثقالها بالحزم والعزم، والصبر وقوة الإيمان، والعمل وعُلو الهمّة، بعد التوكل على الله وحسن الظن به.
وفي الحديث الشريف عنه صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ"
المحور الثاني: نعم للتشاؤم لا للتشاؤم
حث الأستاذ الدكتور محمد عيسى على التفاؤل ونهى عن التشاؤم حيث يقول:
"نظم الشاعر اللبناني الكبير (إيليا أبو ماضي) أبياتًا رائعةً يدعو فيها الشاكي المتشائم، الذي ملَّ الحياة، واعترى قلبه الصدأ والروتين، إلى التفاؤل والشعور بجمال الحياة وإنسانيتها، وألا يرى الجوانب المظلمة فقط في حياته؛ فتصبح حياته عبئًا على نفسه، بل وعلى الحياة نفسها. فالأفضل للإنسان أن يتفاءل دائمًا تحت أي ظرف، وأن يرى الحياة بمنظارٍ أجملَ، وأن يسعد بالكثير من النعم التي أنعم الله بها عليه وألا يتغافل عنها، وفي الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله).. وحين نحسن بالله تعالى الظن والثقة بما عنده، ساعتها سنرى كُل ما حولنا طيبًا وجميلًا .. فتأملوا معي هذه الأبيات :
أيها ذا الشاكي وما بكَ داءٌ ... كن جميلاً ترَ الوجــــودَ جميــــلا
ليس أشقى ممن يرى العيشَ مُراً ... ويظنُّ اللذاتِ فيه فُضـولا
أحكمُ الناسِ في الحياةِ أناسٌ ... عَلَّلوها فأحسَنوا التعليـــلا
والذي نفسُه بغيرِ جمالٍ ... لا يرى في الوجودِ شيئاً جَميــــلا
فتمتعْ بالصبحِ مادمْتَ فيه ... لا تخفْ أن يزولَ حتى يزولا
كُلُّ نجمٍ إِلى الأفولِ ولكن ... آفةُ النجمِ أن يخافَ الأفولا
هو عبءٌ على الحياةِ ثقيلٌ ... من يظنُّ الحياةَ عبئاً ثقيلا
المحور الثالث: لا لتصيد الزلات والسقطات:
نهى كاتبنا عن تصيد الزلات والسقطات حيث يقول:
"بشَّار بن بُرد، من أبرز الشعراء المجددين في العصر العباسي، وُلدَ ضريرًا لأبٍ فارسي من خراسان، عاش حياته متمردًا على القيم الاجتماعية؛ فلحقته التهمة والريبة، برع في الشعر أكثر من غيره، وخاصة في غرضي الغزل والهجاء، وبرغم ما اُتهم به فقد أبدع قصيدة عامرةً بالقيم الأخلاقية السمحاء، أودع فيها روائع حكمته، وخلاصة تجربته؛ حيث عالج قيمة التسامح ومساوئ المؤاخذة الدائمة، والعتاب والتبرّم المستمرين لتصرفات صديقٍ أو زميلٍ أو قريبٍ، بأسلوبٍ جميلٍ شائقٍ، دفاعًا عن تماسك العلاقات الاجتماعية، ومما جاء في هذه القصيدة:
إذا كنتَ في كُلِّ الأمور مُعاتبًا.. صديقَكَ؛ لم تَلْقَ الَّذي لا تُعاتِبُهْ!
فعِش واحدًا، أو صِلْ أخاك فإنَّهُ .. مقارفُ ذَنْبٍ مَرَّةً ومُجانِبُهْ
وَمَن ذا الذي تُرضَى سَجَاياهُ كُلُّها! كَفى المَرءَ نُبلاً أَنْ تُعَدَّ مَعايِبُهْ.
فلا أحدَ يسلم من العيب والخطأ، فكل الناس خطّاء، وما منا من أحد إلا وبه عِلة يمكن أن يُؤاخذ عليها؛ فلابد من غض الطرف، والتماس العذر لمن يُخطئ، خاصة من تحتاج لأن تتعامل معه باستمرار ولا غنى لك عنه، كما ينبغي ألا تُبيِّن له أنك تتفضل عليه بتلك المسامحة.
فما أشد حاجتنا إلى مثل هذه الحِكم والتجارب من شاعر حكيم مجرب؛ لكي تستمر الحياة دون تعكير صفوٍ، وتصيّد زلاتٍ وسقطاتٍ!
تسامحوا تصحوا .. ودمتم بكل خير سالمين آمنين"
المحور الرابع: لا للشكوى إلا لله
حول هذا المعنى يقول كاتبنا "يشكو كثير من الناس ويتبرمون على اختلاف الأسباب والمظاهر، ويبحثون عمن يستمع إليهم، أو يتعاطف معهم، ويتفهم حقيقة توجعاتهم وآلامهم، لكنهم يُصدمون كثيرًا أو أحيانًا لردود الفعل تجاه شكواهم.
وقد نجح الشاعر المبدع «كريم العراقي» في رسم صورة رائعة لشكوى الناس وما يحيط بها من أجواء واستجابات بقصيدة معبرة، نابضة بالمشاعر والحكمة، اخترت لكم منها عدة أبيات، أرجو أن تعجبكم:
لا تَشْكُ للناس جُرْحًا أَنْتَ صَاحِبُهُ
لا يُؤْلِمُ الجَرْحُ إلا مَن بِهِ ألَمُ
شَكْوَاكَ لِلنَّاسِ يا ابنَ النَّاس منْقصَةٌ
ومَن مِنَ النَّاسِ صَاحِ مَا بِهِ سَقَمُ
فالهمُّ كالسّيْلِ والأحزان زاخِرَةٌ
حُمْرُ الدَّلائلِ مَهْمَا أهْلُها كَتمُوا
فَإِنْ شَكَوْتَ لِمَنْ طَابَ الزَّمَانُ لَهُ
عَيْنَاكَ تَغْلِي وَمَنْ تَشْكُو لَهُ صَنَمُ
وَإِذَا شَكَوْتَ لِمَنْ شَكْوَاكَ تُسْعِدُهُ
أَضَفْتَ جُرْحًا لِجُرْحِكَ اِسْمُهُ النَّدَمُ
هَلِ الْمُوَاسَاةُ يَوْمًا حرَّرَتْ وَطَنا
أم التّعازي بَدِيلٌ إنْ هَوَى العَلَمُ
مَنْ يُنْدبُ الْحَظَّ يُطْفِئُ عَيْنَ هِمّتِهِ
لَا عِينَ لِلَحْظِ إنْ لَمْ تُبصرِ الْهِمَمُ
اِشرب دمُوعك واجْرع مُرَّهَا عَسَلًا
يغزو الشُّموعَ حَريقٌ وهِيَ تَبتَسِمُ
مِنْ سِوَى اللهِ نَأْوِي تَحْتَ سِدْرَتِهِ
وَنَسْتَغِيثُ بِهِ عَوِّنَا وَنَعْتَصِمُ
خلاصة الكلام:
إن الالتجاء الى الله، وطلب العون منه، وبث الشكوى إليه أقوى الطرق للخلاص من كل متاعب الدنيا وآلامها.
أسأل الله تعالى العافية لي ولكل من تألم وتشكّى؛ إنه سميع قريب مجيب".
المحور الخامس: مبارزة شعرية:
حول هذا المحور يقول الدكتور محمد عيسى:" من لطيف ما قرأت في المبارزة الشعرية
قبل عدة سنوات، حضرت الشاعرة الكويتية سعاد الصباح مهرجان الشعر العربي في مصر، وكان يجلس في الصف الأول الشاعر السوري الكبير نزار قباني، وعندما رأت "سعاد الصباح" "نزار قباني"، وهي تستعد لإلقاء بعض من أبيات شعرها، تلعثمت الكلمات في فمها، ولم تتمكن من إلقاء الشعر بشكل جيد
فقال نزار: انزلي وتعلمي العربية قبل الشعر، وطلب من القائمين إنزالها عن منصة الإلقاء
وبعد فترة كتبت سعاد الصباح قصيدة بديعة غنتها صاحبة الصوت الدافئ الحنون نجاة الصغيرة، وأهدتها لنزار قباني الذي اعتذر منها بدوره، وحضر لها في مصر قصائدها الجديدة، واستمر على صداقتها حتى وافته المنية رحمه الله
وقد عاتبته سعاد بكلمات القصيدة، ووجهت له لومًا يحمل تقديرًا لحجم نزار ومكانته، وفي الوقت نفسه تسائله كيف يحرجها، ولم يرفق بها؟!، كما تأتي القصيدة رمزًا وتعبيرًا عن مشاعر الانبهار التي تشعر بها الفتاة الغريرة صوب رجل أحلامها...وإليكم أبيات القصيدة:
لا تنتقد خجلي الشديد .. فإنني بسيطة جدًا وأنت خبيرُ
يا سيد الكلماتِ هَبْ لي فرصة.. حتى يذاكر درسه العصفورُ
خذني بكل بساطتي وطفولتي.. أنا لم أزل أحبو وأنت كبيرُ
من أين تأتي بالفصاحة كلها.. وأنا يتوه على فمي التعبيرُ
أنا في الهوى لا حول لي أو قوةً.. إن المحبَّ بطبعه مكسورُ
يا واضع التاريخ تحت سريره.. يا أيها المتشاوف المغرورُ
يا هادئ الأعصاب إنك ثابت.. وأنا على ذاتي أدور أدورُ
الأرض تحتي دائمًا محروقة.. والأرض تحتك مخمل وحريرُ
فرق كبير بيننا يا سيدي.. فأنا محافظة وأنت جسورُ
وأنا مقيدة وأنت تطيرُ.. وأنا محجبة وأنت بصيرُ
وأنا مجهولة جدًّا.. وأنت شهيرُ
فرق كبير بيننا يا سيدي.. فأنا الحضارةُ، والطغاة ذكور"
*المحور السادس: معنى الكلمة وقيمتها وشرفها
بين الدكتور محمد عيسى في هذا المحور أنه:" كان من أجمل ما قرأ عن وصف معنى الكلمة قول الراحل عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته الشعرية «الحسين ثائرًا»: مفتاح الجنَّة في كلمة... دخول النَّار على كلمة... وقضاءُ الله هو كلمة... الكَلِمةُ نورٌ وبعض الكلمات قبور... بعض الكلمات قِلاعٌ شامخة، يعتصم بها النُّبل البشري... الكلمةُ فرقانٌ بين نَبيّ وبَغىٍّ ...
كلمات عبقرية مبدعة لخصت معنى الكلمة وقيمتها وشرفها، أرجو أن نقرأها جيدًا؛ حتى ندرك مدى قدسية الكلمة وأمانتها وقدرها، وتأثيرها في النفس وفي الحياة ..، وأن نتذوق ونرتقي بكلماتنا لتمس القلوب بنورها، وتكون أداة بناءٍ وتواصل، لا هدم وقطعية ..
وصدق الله العظيم إذ يقول: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً، كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَة،ٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ، الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ، خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ». (سورة إبراهيم: 24).
*المحور السابع: الصباح والمساء:
يقول الدكتور محمد عيسى هنا:
صبّحته عند المساء فقال لي
تهزأ بِقْدرِي أم تَرومُ مزاحا؟
فأجبته: إشراقُ وجهك غرَّني
حتى توهمتُ المساءَ صباحا
وأتساءل: أي جمال لهذه المرأة، وأي نورٍ ساطعٍ لها؛ حتى تخيل الشاعر المساء صباحًا؟
صبحكم الله بالنور والجمال
صبحكم الله بالخير والسرور
ولعل أبرز الدروس التي نستفيدها عمليا من ذلك بالإضافة إلى قراءة عيون وفرائد القصائد الشعرية في كل العصور ،الاستبصار بما يجب علينا اتباعه لنحيا سعداء ،مراعاة قيمة الكلمة وقدسيتها وشرفها، التواضع مع الكبار واحترمهم وتقديرهم ،والاعتذار عند حدوث خطأ غير مقصود ، التسامح والبعد عن المؤاخذة الدائمة، والعتاب والتبرّم من الآخرين ،عدم الشكوى إلا لله ،فعل الخير والبعد عن الشر ، التفاؤل وعدم التشاؤم ، عن تصيد الأخطاء .
المحور الأول: مجيء الخير والشر:
حول هذا المحور يقول كاتبنا:
"الخيرُ لا يأتيك مُتصلاً .... والشَّر يسْبقُ سَيلَه المَطرُ!» مَثلٌ من الشعر الجاهلي، يُبرز أن السعادة أو الراحة التي ينشدُها الإنسان في الدنيا لا تأتي إلا بعد بذل الجُهد، والكَد والتَّعب، وأن من طبيعة الدنيا ألا تصفو لأحد على الدوام؛ فهي مُتقلبةٌ. وقد عبر أبو تمام عن هذه الحقيقة في بيت رائع في عِبرته:
بَصُرْتَ بالراحةِ الكُبرى فلم أرَها * * * تُنالُ إلا عَلَى جِسْرٍ من التّعَبِ
ولذا فالعاقل مَن يتعامل مع الحياة وصعابها وأثقالها بالحزم والعزم، والصبر وقوة الإيمان، والعمل وعُلو الهمّة، بعد التوكل على الله وحسن الظن به.
وفي الحديث الشريف عنه صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ"
المحور الثاني: نعم للتشاؤم لا للتشاؤم
حث الأستاذ الدكتور محمد عيسى على التفاؤل ونهى عن التشاؤم حيث يقول:
"نظم الشاعر اللبناني الكبير (إيليا أبو ماضي) أبياتًا رائعةً يدعو فيها الشاكي المتشائم، الذي ملَّ الحياة، واعترى قلبه الصدأ والروتين، إلى التفاؤل والشعور بجمال الحياة وإنسانيتها، وألا يرى الجوانب المظلمة فقط في حياته؛ فتصبح حياته عبئًا على نفسه، بل وعلى الحياة نفسها. فالأفضل للإنسان أن يتفاءل دائمًا تحت أي ظرف، وأن يرى الحياة بمنظارٍ أجملَ، وأن يسعد بالكثير من النعم التي أنعم الله بها عليه وألا يتغافل عنها، وفي الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله).. وحين نحسن بالله تعالى الظن والثقة بما عنده، ساعتها سنرى كُل ما حولنا طيبًا وجميلًا .. فتأملوا معي هذه الأبيات :
أيها ذا الشاكي وما بكَ داءٌ ... كن جميلاً ترَ الوجــــودَ جميــــلا
ليس أشقى ممن يرى العيشَ مُراً ... ويظنُّ اللذاتِ فيه فُضـولا
أحكمُ الناسِ في الحياةِ أناسٌ ... عَلَّلوها فأحسَنوا التعليـــلا
والذي نفسُه بغيرِ جمالٍ ... لا يرى في الوجودِ شيئاً جَميــــلا
فتمتعْ بالصبحِ مادمْتَ فيه ... لا تخفْ أن يزولَ حتى يزولا
كُلُّ نجمٍ إِلى الأفولِ ولكن ... آفةُ النجمِ أن يخافَ الأفولا
هو عبءٌ على الحياةِ ثقيلٌ ... من يظنُّ الحياةَ عبئاً ثقيلا
المحور الثالث: لا لتصيد الزلات والسقطات:
نهى كاتبنا عن تصيد الزلات والسقطات حيث يقول:
"بشَّار بن بُرد، من أبرز الشعراء المجددين في العصر العباسي، وُلدَ ضريرًا لأبٍ فارسي من خراسان، عاش حياته متمردًا على القيم الاجتماعية؛ فلحقته التهمة والريبة، برع في الشعر أكثر من غيره، وخاصة في غرضي الغزل والهجاء، وبرغم ما اُتهم به فقد أبدع قصيدة عامرةً بالقيم الأخلاقية السمحاء، أودع فيها روائع حكمته، وخلاصة تجربته؛ حيث عالج قيمة التسامح ومساوئ المؤاخذة الدائمة، والعتاب والتبرّم المستمرين لتصرفات صديقٍ أو زميلٍ أو قريبٍ، بأسلوبٍ جميلٍ شائقٍ، دفاعًا عن تماسك العلاقات الاجتماعية، ومما جاء في هذه القصيدة:
إذا كنتَ في كُلِّ الأمور مُعاتبًا.. صديقَكَ؛ لم تَلْقَ الَّذي لا تُعاتِبُهْ!
فعِش واحدًا، أو صِلْ أخاك فإنَّهُ .. مقارفُ ذَنْبٍ مَرَّةً ومُجانِبُهْ
وَمَن ذا الذي تُرضَى سَجَاياهُ كُلُّها! كَفى المَرءَ نُبلاً أَنْ تُعَدَّ مَعايِبُهْ.
فلا أحدَ يسلم من العيب والخطأ، فكل الناس خطّاء، وما منا من أحد إلا وبه عِلة يمكن أن يُؤاخذ عليها؛ فلابد من غض الطرف، والتماس العذر لمن يُخطئ، خاصة من تحتاج لأن تتعامل معه باستمرار ولا غنى لك عنه، كما ينبغي ألا تُبيِّن له أنك تتفضل عليه بتلك المسامحة.
فما أشد حاجتنا إلى مثل هذه الحِكم والتجارب من شاعر حكيم مجرب؛ لكي تستمر الحياة دون تعكير صفوٍ، وتصيّد زلاتٍ وسقطاتٍ!
تسامحوا تصحوا .. ودمتم بكل خير سالمين آمنين"
المحور الرابع: لا للشكوى إلا لله
حول هذا المعنى يقول كاتبنا "يشكو كثير من الناس ويتبرمون على اختلاف الأسباب والمظاهر، ويبحثون عمن يستمع إليهم، أو يتعاطف معهم، ويتفهم حقيقة توجعاتهم وآلامهم، لكنهم يُصدمون كثيرًا أو أحيانًا لردود الفعل تجاه شكواهم.
وقد نجح الشاعر المبدع «كريم العراقي» في رسم صورة رائعة لشكوى الناس وما يحيط بها من أجواء واستجابات بقصيدة معبرة، نابضة بالمشاعر والحكمة، اخترت لكم منها عدة أبيات، أرجو أن تعجبكم:
لا تَشْكُ للناس جُرْحًا أَنْتَ صَاحِبُهُ
لا يُؤْلِمُ الجَرْحُ إلا مَن بِهِ ألَمُ
شَكْوَاكَ لِلنَّاسِ يا ابنَ النَّاس منْقصَةٌ
ومَن مِنَ النَّاسِ صَاحِ مَا بِهِ سَقَمُ
فالهمُّ كالسّيْلِ والأحزان زاخِرَةٌ
حُمْرُ الدَّلائلِ مَهْمَا أهْلُها كَتمُوا
فَإِنْ شَكَوْتَ لِمَنْ طَابَ الزَّمَانُ لَهُ
عَيْنَاكَ تَغْلِي وَمَنْ تَشْكُو لَهُ صَنَمُ
وَإِذَا شَكَوْتَ لِمَنْ شَكْوَاكَ تُسْعِدُهُ
أَضَفْتَ جُرْحًا لِجُرْحِكَ اِسْمُهُ النَّدَمُ
هَلِ الْمُوَاسَاةُ يَوْمًا حرَّرَتْ وَطَنا
أم التّعازي بَدِيلٌ إنْ هَوَى العَلَمُ
مَنْ يُنْدبُ الْحَظَّ يُطْفِئُ عَيْنَ هِمّتِهِ
لَا عِينَ لِلَحْظِ إنْ لَمْ تُبصرِ الْهِمَمُ
اِشرب دمُوعك واجْرع مُرَّهَا عَسَلًا
يغزو الشُّموعَ حَريقٌ وهِيَ تَبتَسِمُ
مِنْ سِوَى اللهِ نَأْوِي تَحْتَ سِدْرَتِهِ
وَنَسْتَغِيثُ بِهِ عَوِّنَا وَنَعْتَصِمُ
خلاصة الكلام:
إن الالتجاء الى الله، وطلب العون منه، وبث الشكوى إليه أقوى الطرق للخلاص من كل متاعب الدنيا وآلامها.
أسأل الله تعالى العافية لي ولكل من تألم وتشكّى؛ إنه سميع قريب مجيب".
المحور الخامس: مبارزة شعرية:
حول هذا المحور يقول الدكتور محمد عيسى:" من لطيف ما قرأت في المبارزة الشعرية
قبل عدة سنوات، حضرت الشاعرة الكويتية سعاد الصباح مهرجان الشعر العربي في مصر، وكان يجلس في الصف الأول الشاعر السوري الكبير نزار قباني، وعندما رأت "سعاد الصباح" "نزار قباني"، وهي تستعد لإلقاء بعض من أبيات شعرها، تلعثمت الكلمات في فمها، ولم تتمكن من إلقاء الشعر بشكل جيد
فقال نزار: انزلي وتعلمي العربية قبل الشعر، وطلب من القائمين إنزالها عن منصة الإلقاء
وبعد فترة كتبت سعاد الصباح قصيدة بديعة غنتها صاحبة الصوت الدافئ الحنون نجاة الصغيرة، وأهدتها لنزار قباني الذي اعتذر منها بدوره، وحضر لها في مصر قصائدها الجديدة، واستمر على صداقتها حتى وافته المنية رحمه الله
وقد عاتبته سعاد بكلمات القصيدة، ووجهت له لومًا يحمل تقديرًا لحجم نزار ومكانته، وفي الوقت نفسه تسائله كيف يحرجها، ولم يرفق بها؟!، كما تأتي القصيدة رمزًا وتعبيرًا عن مشاعر الانبهار التي تشعر بها الفتاة الغريرة صوب رجل أحلامها...وإليكم أبيات القصيدة:
لا تنتقد خجلي الشديد .. فإنني بسيطة جدًا وأنت خبيرُ
يا سيد الكلماتِ هَبْ لي فرصة.. حتى يذاكر درسه العصفورُ
خذني بكل بساطتي وطفولتي.. أنا لم أزل أحبو وأنت كبيرُ
من أين تأتي بالفصاحة كلها.. وأنا يتوه على فمي التعبيرُ
أنا في الهوى لا حول لي أو قوةً.. إن المحبَّ بطبعه مكسورُ
يا واضع التاريخ تحت سريره.. يا أيها المتشاوف المغرورُ
يا هادئ الأعصاب إنك ثابت.. وأنا على ذاتي أدور أدورُ
الأرض تحتي دائمًا محروقة.. والأرض تحتك مخمل وحريرُ
فرق كبير بيننا يا سيدي.. فأنا محافظة وأنت جسورُ
وأنا مقيدة وأنت تطيرُ.. وأنا محجبة وأنت بصيرُ
وأنا مجهولة جدًّا.. وأنت شهيرُ
فرق كبير بيننا يا سيدي.. فأنا الحضارةُ، والطغاة ذكور"
*المحور السادس: معنى الكلمة وقيمتها وشرفها
بين الدكتور محمد عيسى في هذا المحور أنه:" كان من أجمل ما قرأ عن وصف معنى الكلمة قول الراحل عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته الشعرية «الحسين ثائرًا»: مفتاح الجنَّة في كلمة... دخول النَّار على كلمة... وقضاءُ الله هو كلمة... الكَلِمةُ نورٌ وبعض الكلمات قبور... بعض الكلمات قِلاعٌ شامخة، يعتصم بها النُّبل البشري... الكلمةُ فرقانٌ بين نَبيّ وبَغىٍّ ...
كلمات عبقرية مبدعة لخصت معنى الكلمة وقيمتها وشرفها، أرجو أن نقرأها جيدًا؛ حتى ندرك مدى قدسية الكلمة وأمانتها وقدرها، وتأثيرها في النفس وفي الحياة ..، وأن نتذوق ونرتقي بكلماتنا لتمس القلوب بنورها، وتكون أداة بناءٍ وتواصل، لا هدم وقطعية ..
وصدق الله العظيم إذ يقول: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً، كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَة،ٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ، الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ، خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ». (سورة إبراهيم: 24).
*المحور السابع: الصباح والمساء:
يقول الدكتور محمد عيسى هنا:
صبّحته عند المساء فقال لي
تهزأ بِقْدرِي أم تَرومُ مزاحا؟
فأجبته: إشراقُ وجهك غرَّني
حتى توهمتُ المساءَ صباحا
وأتساءل: أي جمال لهذه المرأة، وأي نورٍ ساطعٍ لها؛ حتى تخيل الشاعر المساء صباحًا؟
صبحكم الله بالنور والجمال
صبحكم الله بالخير والسرور
ولعل أبرز الدروس التي نستفيدها عمليا من ذلك بالإضافة إلى قراءة عيون وفرائد القصائد الشعرية في كل العصور ،الاستبصار بما يجب علينا اتباعه لنحيا سعداء ،مراعاة قيمة الكلمة وقدسيتها وشرفها، التواضع مع الكبار واحترمهم وتقديرهم ،والاعتذار عند حدوث خطأ غير مقصود ، التسامح والبعد عن المؤاخذة الدائمة، والعتاب والتبرّم من الآخرين ،عدم الشكوى إلا لله ،فعل الخير والبعد عن الشر ، التفاؤل وعدم التشاؤم ، عن تصيد الأخطاء .