سعد عبدالرحمن - طقوس العقاد في السماع

لم يقتصر اهتمام العقاد في سماع الموسيقى والغناء العربي على فنان بعينه من الرواد فقد امتد اهتمامه سماعا وتذوقا إلى اغلب رواد الموسيقى والطرب في أوائل القرن العشرين، وفي إحدى مقالاته يقول: وقد سمعت هؤلاء الرواد جميعا ما عدا عبده الحامولي وألمظ.
ثم اقتنى العقاد حاكيا (فونوغرافا) وظل هذا الحاكي لديه سنوات طويلة يسمع من خلاله شتى ألوان الموسيقى والغناء حتى بعد ظهور الإذاعات الأهلية ثم الإذاعة الرسمية الحكومية عام 1934، وكان يطلق على الصندوق الذي يحتوي على الفونغراف كما جاء في كتابه الصغير "في بيتي" اسم (التابوت) ويطلق على إسطوانات الموسيقى والأغاني المصاحبة للحاكي اسم (المزامير)، وللعقاد بشأن التسميتين (التابوت والمزامير) تعليل في الكتاب المذكور.
وقد كان العقاد ذواقة للموسيقى شرقيها وغربيها، فكما كان يسمع الموسيقى والغناء العربي كان يسمع أيضا الموسيقى والغناء الغربي، وكان في التابوت مع الفونوغراف بضع مئات من مسموعات الشرق والغرب، ومنها توقيعات على بعض الآلات السماعية العجيبة التي تختلف بسلمها الموسيقي عن السلم الشائع مثل توقيعات اهل الصين.
وكان له في سماع الموسيقى والغناء بالبيت طقوس معينة فهو حين يستمع إلى لون من الموسيقى الرفيعة لا يمكنه الانشغال عنها بشيء آخر فلا يأكل مثلا ولا يتحدث، بل يحتشد بكامل وعيه وشعوره للسماع إذ ليس من كرامة الموسيقى الرفيعة في رأيه ان تنشغل بشيء آخر وأنت تستمع إليها، ويعلل ذلك بأنها شاغل كاف لمن يستوعبها ويتقصاها ويتأمل في معانيها وإشاراتها، أما الموسيقى التي يمكنه أن يستمع إليها بينما هو مشغول بأمر آخر كأن يأكل أو يتحدث فإنها بحسب تعبيره تعد قياسا إلى الموسيقى الرفيعة بمنزلة الجارية المستعبدة من السيدة المطاعة؛ لأنها تسليك وتلهيك ولا تخاطب روحك وخيالك ووجدانك فتستدعيك إلى الإصغاء والمبالاة.
ومن طقوسه أيضا في سماع الموسيقى والغناء انه كان يختار للسماع ساعات كساعات التهجد في جنح الظلام فإن كان الوقت شتاء فأكثر سماعه الموسيقى والغناء في ساعات اليقظة الباكرة بعد هدأة النوم الأولى، ففي الشتاء كما يقول يطول الليل وتثقل المطالعة في الهزيع الثاني أو الثالث من ليل الشتاء المديد، فيعرض عن القراءة ويحتشد للسماع لا ضجرا بالمطالعة ولا دفعا للسأم والأرق بل يحتشد للسماع تلبية لنجوى العبقريات (عبقريات أساطين الموسيقى والغناء) في وقت لا يسمع فيه غيرها ولا يوحي فيه السكون السابغ على الكون بغير وصية الإصغاء.
والعقاد يود سماع الموسيقى والاستمتاع بها في كل وقت سواء في الصيف او الشتاء كلما انتبه في ذلك الموعد من الليل ولكن الشتاء مقفل مستور والصيف مفتح مكشوف، ويفسر ذلك بأن سماع الموسيقى صيفا في ذلك الوقت من الليل لا شك أنه قد يزعج جيرانه بل قد يجعلهم بعد ليلة او ليلتين على الأكثر يظنون بعقله الظنون.


* من كتاب (الموسيقى والغناء في حياة العقاد وفكره) الصادر مؤخرا عن المجلس الأعلى للثقافة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى