د. محمد العدوي - الآثار الباقية.. كتاب البيروني

دائما ما ينظر بعين السخرية إلى ما كتبه الإخباريون العرب حول الحضارات القديمة وما سردوه من أقاويل ومبالغات لا تتفق مع الكشوف الأثرية الحديثة .. لكن نظرة واحدة مدققة إلى مؤلفات العديد من علماء العصر الوسيط سوف تخبرنا أنهم اجتهدوا اجتهادا كبيرا في الترجمة وحصر ما أتيح لهم الاطلاع عليه ..
ومنهم أبو الريحان البيروني مؤلف كتاب (الآثار الباقية من القرون الخالية) والذي احتوى على سجل بأسماء فراعنة مصر (الأسرات العشر الأخيرة) ونقلها غالبا من كتب يونانية فقدت الآن .. ويظهر في هذا السجل تقارب كبير مع المكتشفات الأثرية الحديثة وقوائم الملوك المتعددة ..
فهو يذكر الملوك الكوشيين ويصفهم بالأحباش (الأسرة 25) ويذكر الفرعون أمازيس (أحمس الثاني الأسرة 26) ويذكر أيضا أمير تايوس الذي قاوم الفرس (الأسرة 28) كما ذكر الرعامسة (الأسرة 20) بوصف (ديسفوليتا) وهو نفس المصطلح الذي ذكره مانيتون في قوائمه ويعني (ملوك من طيبة) دون أن يفصل أسماءهم التي كانت كلها متشابهة (من رمسيس الثالث وحتى رمسيس الحادي عشر) لكنه ذكر مدة حكمهم بالضبط وهو 178 عام ..
وذكر أيضا كلا من شيشنق وأوسركون وبسماتيك ونخاو مع سنوات حكمهم .. وهذا الكتاب القيم يجعلنا نعيد النظر بالتأكيد في كل ما أنتجته قريحة المؤلفين في ذلك العصر وأن نخضعها من جديد للتحليل والفحص وأن نجعلها مرة أخرى في بؤرة الاهتمام لأنها قد تكمل لدينا بعض المعلومات وتسد ثغرات كثيرة فقدت مع فقدان الكثير من الآثار الفرعونية المنهوبة عبر زمن طويل وكذلك ضياع الكتب اليونانية في أوروبا بسبب وصمها بالوثنية من قبل أباطرة الرومان المسيحيين ..
ولعل الفائدة الكبرى من تراجم اليونان التي عكف عليها البيروني وغيره تعطينا وجهة النظر الشعبية التي رصدها رحالة اليونان عن مصر الفرعونية وذلك في مقابل الكتابات الرسمية المنقوشة على المعابد والتي كانت تعبر عن وجهة نظر الحكام والكهنة والتي لا تعبر بالضرورة عن حقيقة الأوضاع وقتها بل ربما تعطينا الأسباب الحقيقية لانهيار هذه الحضارة العظيمة التي جاوزت أربعين قرنا من الزمان .. وهو أمر لو تعلمون عظيم.

ارحموا التاريخ ومصادر التاريخ





1673339814675.png 1673339864517.png 1673339954040.png 1673340032762.png 1673340087206.png





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى