رايفين فرجاني - الإتصالات,وجهة نظر نفسية وإجتماعية

تتجلى القوة الهائلة لتقنيات الإتصال المختلفة,سواء متمثلة في الإتصالات الهاتفية أم الشبكية (وسائل التواصل الإجتماعي) في قدرتها على خلق فضاءات تحاكي فضاء المكان المتعين فيه الواقع بأبسط صوره التي نعرفها. ولا تكتفي بذلك فحسب,بل وتحاكي مظاهر العيش البشرية بما فيها من إتصال مع الآخر,وهذا هو الأساس الذي قامت عليه في الأصل.

أي أنها تنبني على قاعدتين

أولا قنوات الإتصال العديدة التي تتيح أماكن افتراضية تتحقق فيها عناصر اللقاء النصية والسمعية والبصرية والتفاعلية,ومع تقدم تقنيات الشحن ليواكب الثورة الرقمية,باتت هناك خيارات عديدة من التفاعل تقرّب حرفيا المسافات عبر تقليص الوقت إلى درجة إلتصاق الأماكن ببعض افتراضيا (عبر الشبكة وقنوات الاتصال المختلفة) أو فعليا (عبر تطوير تقنيات ووسائل السفر والنقل). والافتراضي صار له نفس حضور المكان الواقعي الفعلي,في نوع من تخليق واقع موازي غير مقتصر على عوالم الخيال العلمي بل تعداها إلى واقعنا فعلا,خاصة بعد تطوير أداة ويب 3.0 والتحول من التركيز على الواجهة الأمامية,إلى فتح نوافذ خلفية بأعداد لانهائية للمستخدم,مع إمكانيات عديدة للتفاعل بوسائل مختلفة. وهي التي تطورت لاحقا إلى ويب 4.0 وربما ويب 5.0 قيد التطوير. بالتوازي مع ارتقاء تقنيات التسويق من 1.0 إلى التسويق (5.0).

ثانيا تمثلت القاعدة الثانية في تماهي العلاقات نفسها,وتطورها بما يتلائم مع الأشكال الجديدة من تقنيات ووسائل الإتصال والتواصل الإجتماعية المختلفة. فمنذ زمن بعيد -تقريبا منذ بوكير الثورة الرقمية مع مطلع الألفية- تجاوز الأمر مسألة التعارف,إلى درجة اختيار شريك حياتك والزواج به,بل وظهرت لاحقا مجموعة من المواقع التي تعمل دور (الخاطبة) للأعضاء بها,موقع مسلمة Muslima على سبيل المثال والذي يروج للزيجات الإسلامية على غرار تطبيق هارمونيكا Harmonica للمواعدة وفق التقاليد العربية,أُطلقه عام 2017 مؤسس التطبيق سامح صالح وتم تغيير اسم التطبيق لاحقا إلى هوايا Hawaya.

وكل هذا ينقلنا إلى معرفة طبيعة الإعلام.

الإعلام هو علم مختص بعملية الإتصال الحادثة بين طرفين؛أحدهما هو المرسل (بشكل شبه دائم بحسب النموذج التقليدي),عادة يكون مؤسسة إعلامية أو سياسية أو تجارية. والآخر هو المستقبل / المستهلك (بشكل شبه دائم بحسب النموذج التقليدي),وعادة هو الجمهور.

والإعلام معني بطبيعة الرسائل,وتوظيفها في قنوات اتصال معينة,لإيصالها إلى الجهات المعنية.

على عكس المعلوماتية (أو علم المعلومات,والذي يتفرع عنه علم الاتصالات) التي تعني بطبيعة الرسالة / المعلومة وظيفيا,دون توجيهها إلى وظيفة معينة. علم المعلومات وظيفته تطوير المعلومة,وسائل نقل المعلومات,بحيث تصلح في جميع الوظائف. على عكس الإعلام الذي يتبنى قضية أو وظيفة محددة سلفا. دون التخلي التام عن الحيادية (بحسب توجهات بعض المؤسسات الإعلامية والتسويقية التي يمكن أن نصفها بالنزيهة),ولكنه يكشف عن حقيقة كون الإعلام وسيط غير حيادي.

لذا فالإعلام هو نوع من الإتصال يتحدد تبعا لطرفي الإتصال,وعليه لا يخرج محتوى الإتصال (الرسالة) عن المحددات الآتية

فهو أحد خيارين

1-الإعلام

2-الدعاية

الإعلام هو كل خبر يراد نقله إلى المتلقي من باب العلم بالشيء والإطلاع على محيطه,وهذا الخبر يفترض أنه معني به جميع الناس لأن فيه تنويعات وتلوينات حياتية من أخبار المجتمع الذي هو منتمي إليه,على جميع الأصعدة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية.

الدعاية أو التسويق أو الإعلان هو كل خبر لا يعني سوى شريحة معينة من المجتمع,وفي بعض الأحيان قد لا يعني أحد ولكنه يصدر إليهم وقد يفرض عليهم بإستخدام الوسائل الإعلامية التي تجعل من الخبر حدثا. وتخلق علاقة حميمية أو ضرورية بين هذا الخبر / الحدث (الذي قد يتمثل عادة في صورة منتج) وبين المتلقي / المستهلك.

وعبر علائق / عناصر وآليات الإعلام (القنن) يتشكل الإعلام في مسارين رئيسيين

1-الإعلام الكتابي
أو الإعلام النصي (تسميته التقليدية؛الصحافة),وهو الإعلام التقليدي المتمثل في كل كتابة أو صورة معروضة للمتلقي. وبشكل أساسي في وثيقتي / مادتي (الصحيفة) حيث الكتابة,و(اللافتة) حيث الصورة.

ويشمل الإعلام الكتابي فرع رئيس هو (الترجمة).

2-الإعلام البثي
أو الإعلام البصري (سوف نفترض أن تسميته التقليدية هي الإعلام مقابلا للصحافة) وهو الإعلام المتمثل في صور ضوئية مرسلة عبر جهازي بث وإلتقاط مخصصين للإتصالات المنبثقة / المنبثة عن نوع معين من الأشعة الضوئية.

ويشمل تفريعة رئيسية هي الإعلام السينمائي / التلفزيوني.

ويمكن تقسيمه إلى نوعين

1-الإعلام القمري
هو الإعلام التقليدي المتمثل في التلفزيون,وشقيقه الأصغر الراديو,وهو عبارة عن صور وبيانات يتم بثها عبر الأقمار المحلقة في الفضاء إلى أجهزة مخصصة لإلتقاط هذه البيانات. أجهزة صورية (المرياة / التلفزيون),وأجهزة صوتية (المذياع / الراديو),مثلا في الأولى كان ذلك يتم عبر عصا معدنية طويلة تسمى لاقط أو هوائي (إريال Aerial),ثم تطور إلى طبق واسع يسمى طبق الـ (الدش Dish) أو طبق القمر الصناعي,وجهاز تنظيم للقنوات يسمى (Dish ريسيفر). أما في الأولى,فقد تطور التلفاز عبر أجهزة الهاتف التي وثبت في قفزة تقنية متخطية للأجيال مرورا بشاشات اللمس الذكية وصولا إلى منصات اليوتيوب (وتأسيسها على إرتباط حتمي بأجهزة الحاسوب الشخصية والهاتف الذكية والكاميرات حتى كاد اليوتيوب أن يبتلع التلفزيون وقد أوشك إلا قليلا). وفي الثانية تطورت الصوتيات ولحقت هي الأخرى بمنصات البث والتدوين الصوتي بودكاست Podcast (رحم الله شرائط الفيديو والكاسيت وأيامها الجميلة العتيقة).

2-الإعلام الشبكي
وهو مستوى أكثر تعقيدا من الإعلام القمري,قائم على مفهوم الشبكة / الإنترنت.

والشبكة العالمية (الإنترنت Internet) هو نظام إتصالات بين نقاط مركزية موزعة حول العالم. تتفرع عنها نقاط شبكية يتفرع عنها بدورها نقاط أكثر وصولا إلى الأجهزة الحاسوبية الشخصية المحمولة أو المنزلية.

ويمكن أن نضيف نوع ثالث هو

3-الإعلام الهاتفي (الإتصالات التقليدية)

ويظهر لكل من له بصر أو بصيرة أن كل الأنواع المذكورة,منصهرة جزئيا أو كليا,حاليا أو لاحقا في نوع رئيس هو الإعلام الشبكي (الإنترنت). على سبيل المثال,التلفزيون تحول إلى اليوتيوب.

وهناك ثلاثة عشرة -ربما أكثر- منظومة كبرى للإعلام والاتصالات تتميز بمسارات مستقلة هي

1-التسويق

2-المخابرات

3-العلاقات

4-الشائعات

5-التاريخ

6-الصوتيات

7-البصريات

8-السياحة

9-الترجمة

10-النظم

11-الفن

12-السرد

13-الاعتقاد

هذه هما المسارات الثلاثة (التلفزيون,الشبكة,الهاتف,ويمكن أن نضيف الإعلام الورقي التقليدي مكملا ومسارا رابعا) الحتمية من الناحية التقنية في جميع وسائل الإعلام والتسويق والاتصالات,أما من الناحية التخطيطية (الإستراتيجية Strategy) فتتفرع المسارات وتتوزع على عدد كبير من المخططات والنظم المستخدمة في الإعلام أو الدعاية.

في الواقع,هناك نظم عديدة تفوق ما يمكن حصره هنا,منها الغريب فعلا مثل (نظرية المؤامرة) -وهي تختلف عن (غسيل الأدمغة),وإن كانت ترتبط بها- ومنها نظم الإشهار المستخدمة في الإعلام والتسويق وفي (التوكيدات العُرفية) مثل إشهار زواج وتسجيله بالشهر العقاري.

ومع تطور الإنترنت كعلم مستقل تماما عن أي عناصر تقنية أو اجتماعية,بل هو مزيج بينهما,سوف أحرص لاحقا,وفي مشروع قائم بالفعل,على احتواء -وآمل ألا أقول اختزال- جميع العناصر التسويقية وعلم التسويق داخل علوم الإنترنت. بما في ذلك بالطبع العلاقات العامة والخاصة,العلوم المخابراتية (وإدارة الفكر والإعلام بالأمن الوطني أو أمن الدولة) والفضاء الافتراضي (السايبرانية Cyberism) وبعض من علوم الإتصال,وعلوم السياسة الجماهيرية (سواقة القطيع) و(التحكم بالشائعات). مع العلم أنه لا يجب أن يكون بالضرورة المتحكم هنا شخصا بعينه,بل قد يكون نظاما قائما ومستقلا عن أي شخوص بشرية.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد,بل إن الإعلام,والإعلام الشبكي (الإنترنت) قادر تقريبا على استيعاب جميع علوم الاتصال المختلفة,مثل علم الإتصال,والإعلام,وبل وحتى علم الإشارات أو العلامات (بمعناها الدعائي أو السيميائي).

ثم؟

...

يمكن تقسيم مسارات الإعلام من الناحية التخطيطية على ثلاثة إستراتيجيات / منهجيات أساسية متبعة في الإعلام المؤثر,وهي

1-الحضور الافتراضي

2-الإقصاء والاحتواء

3-التحليل النقدي

وهو ما نتعرض له في مقالات قادمة.

تعليقات

أعلى