خرجتُ أمسِ أتريّض في مُتنزّه قريب يزدحم بالنّاس حتّى ساعة متأخّرة من الليل، فتعبت قليلاً بعد شوط صالح من الجري..
أدرت عيني على المتيسّر من المقاعد في وسط المتنزّه، فوقعَت على رجل يجلس على طرف مقعد بجوار صغيرته التي احتضنت لعبتها بحرص شديد يَشِي بحبّ زائد وتعلّق أكيد.. سلّمتُ واستأذنت بمشاركتهما...
في المقهى الذي حدّثتكم عنه قبل أيّام.. مقهى الواجمين الهائمين على وجوههم في الأرض، وعلى الكرسيّ المتهالك ذاته، جلستُ هذه المرّة أتأمّل ضعفَنا وقلّة حيلتنا وهواننا على الناس، وعيني مُعلّقة بذات الجدار عند صدر المقهى وما تعلّق به من صور المشاهير الغابرين، كعادة المقاهي التراثيّة في مُعاندة...
على كرسيّ مُتهالك في مقهىً يغشاه الواجمون الهائمون على وجوهم في الأرض، ممّن أرهق حياتَه في البحث عن ذاته والمعنى، كنتُ ساهماً واجماً أُحدّق في اللاحيث، حيث الجدار مغطى بتصاوير شتّى لواجمين هائمين ممّن سبق إلى دُروب الحياة، ودَرَج في دروب الموت..
لا أدري ما الذي حرّك صورةً في الوسط عن موضعها،...
تمهيد ومقاربات:
مائة طبعة وتزيد لروايته «آدوجيفيثام» أو «حياة الماعز» الصادرة عام 2008 بلغتها الأصليّة (*1) كانت كفيلة بأن تقفزَ باسم بِنِي دانيال (1971 -) إلى صدارة المشهد الأدبـيّ في ولاية كيرالا الهنديّة، بعد أن كان الرجل نسياً منسيّاً. رُشّح الرّجل المعروف باسمه الأدبيّ «بِنيامين» عن هذا...
عند الأصيل والشمسُ تَمَصَّصُ رِيقها، التقيتُ الأديبَ زَكي مُبارك على شاطئ دِجلة، عند مقام سيدنا الخَضِر بجانب الكرخ من بغداد. كان يُسند ظهره إلى أصل شجرة صغيرة لا تكاد تُلقي عليه شيئاً من الفَيّ؛ لتفرُّق أغصانها وقلّة أوراقها، مُفترشاً الأرض، مُلتحفاً الأغصان وظلّها غير الظليل..
سلّمتُ على...
واعذِلُونا...! فالهوى أرَبُ * حملُهُ في بؤسنا تعبُ
وكفاحُ الموت سلوتُنا * وخلاصٌ صوته عَذِبُ
بين رشّاش يُهَلهِلهُم * قاصفَ الأشعار، يَنتخبُ
وأبابيلٍ سقَت لهُمُ * من حميمٍ رِيُّهُ لهبُ
بين ما يُلقُون من حُممٍ * فوق مَن لم يُلهِهِ اللعبُ
ليس كالأطفال في دَعة * ظِئرُه البارود والغضبُ
مسَّهُ...، ما...
متى ترتاحُ من نَبضِ.. تغيبُ بِظُلمة الغَمضِ؟
متى تُلقي عَصا التّرحال مِن أرضٍ إلى أرضِ؟
وتدنو من شواطِي العُمرِ، في مَدٍّ وفي قَبضِ؟
وتبذُلُ من عُرامِ العُمرِ ما لسكونهِ تُفضيْ؟
متى عن سابحاتِ الرّوحِ في ملكوتهِ تُغضيْ؟
تُلَمْلِمُ مِن بقايا النَّجمِ والشِّعرَى سناً بَضِّ؟
وتُطفِي باهيَ الأقمارِ...
كانَ يغبط نفسَه على منجزات حقّقها، لم يُشاركه فيها أحد، مُتوهّجَ الوجه، منفرجَ الأسارير، مؤجّلَ الظلّ إلى حين.. وكيف يكون لمثله ظلّ والأضواء تغمره من كلّ جانب؟!
هكذا هم البشر، منهم من تؤجّل آماله وتحضر آلامه، ومنهم من يُطوّف من الغبطة في الهواء، فيؤجّل ظلُّه وأشياء أخرى.
ويختلي يوماً بنفسه في...
بعدَ إيماضة عُمْرٍ..
طالَ في الوهمِ كثيراً
وهْو أيّامٌ وآهاتٌ وأحلامٌ
ستُنسَى:
هل لهذا القلب مرسَى؟!
**
أم سَيبقى سائحَ الرّوحِ
شَريداً في بلادِ اللهِ..
يرعَى كُلَّ نجمِ؟!
عبقريَّ الهَمِّ
والهائمُ يأسَى
أم سيُرديهِ طِماحٌ
في خَبايا النَّفس دُسّا؟!
**
هل سيَمضي بحنينٍ..
ينهشُ الذاتَ بظُفرِ...
مدّ يده لصفحة النيل، يُعمّدها مراراً وتكراراً بمائه الطهور، أمواجه تلطم صفحة سياج المقهى، نوارسُهُ تحوم بحذاء الجالسين عند ضِفّته على طِوار السياج، رأى فيها نوارسَ دجلة، رغم ما بين النيل والفرات من شبه وصلة.. رأى دجلة في النيل وطيوره عند مقهى «قصر النيل».
قالوا قديماً بأنّ دجلة النهر الخالد...
أعجبُ شيءٍ في الوجود هذا الذي نُسمّيه الوطن.. شيء نعيش فيه، وهو في الحقيقة يعيش فينا، نُحبّه حتّى التضحية بالمال والأهل والنّفس، ولا ندري إذا ما بادلنا حُبّاً بحُبّ...
بحثتُ في أعماق نفسي عن هذا الشيء كثيراً، وفي مراحل مختلفة من عُمُري الذي جاز النصف قرن بعام واحد اليوم، فلم أجد له تعريفاً...
أيومي ساءكِ، أم كان أمسيْ؟
أقلّي اللوم عن خطرات بؤسيْ!
فهذا القلب مذبوح، ويأبى..
مُناكفة على أطلال حِسِّ
يُعافر ألف هَمّ في ثبات
ويكبو؛ إن دنت كفٌّ لجَسِّ
وتقتله المعاني غائمات
وثغرٌ بين تَمْتمة ونَبْسِ
وأبكارٌ عدتهُ إلى عَييٍ
فسامَ القولَ فيها كلَّ بخسِ
وذنبي أنّني بالرُّوح أشري
شريفَ اللفظ من...