مع دوستويفسكي

على كرسيّ مُتهالك في مقهىً يغشاه الواجمون الهائمون على وجوهم في الأرض، ممّن أرهق حياتَه في البحث عن ذاته والمعنى، كنتُ ساهماً واجماً أُحدّق في اللاحيث، حيث الجدار مغطى بتصاوير شتّى لواجمين هائمين ممّن سبق إلى دُروب الحياة، ودَرَج في دروب الموت..

لا أدري ما الذي حرّك صورةً في الوسط عن موضعها، فمالَت إلى جهة اليسار، كأنّها تريد لفت انتباهي.. نظرتُ، فإذا هي صورة دويستوفسكي. غُصت في وجهه المتجهّم وجبهته العريضة ولحيته المُرسلة، فتهيّأ لي وهو يُتمتم قائلاً: «أكثر ما يؤلمني في الحياة، ألّا أكون جديراً بآلامي».

فأجبته من فوري: تدري، أيّها العبقريّ المُسدّد.. لا شيء في الحياة يصلح أن يكون مقياساً للشرف والنبل وحتّى الإنسانيّة مثل جدارة الإنسان بمعاناته وآلامه.
فقال: وكيف ذلك؟!
قلت: عجيب، فأنت صاحب المقولة العبقريّة، وما أنا إلا مغترف من جود بحرك!
قال: ألا تقولون: الشاعر لا يشرح شعره؟!
قلت: بلى.. كذا يقولون؛ لأنّ شرح الشاعر شعرَه يوصد أبواب التأويل ويضيّق المخرج على المتأمل في النص، فيفقد العمل رسالته الفنيّة وكثيراً من معانيه.
قال: طيّب، فأسمع منك إذاً!

قلت: لو كان لمثلي أن يتكلّم بحضرة مثلك حول نصّ كنصّك العبقري هذا، لقلت: الألم رَحم الإبداع، وهو عُصارة الكفاح، وأمارة الفَلَاح، والطريق الموصلة للنجاح..
ولم أرَ في حياتي شعوراً يوقظ حواسّ الإنسان ويفجّر طاقاته كالمعاناة والألم.
حتّى ما قد يُصيب الإنسان من خدرٍ لدعة أو سرور = لا يَستلُّك منه إلا الألم، على مذهب صِنوك في العبقريّة المتنبّي، حيث يقول:
أشدّ الغمّ عندي في سرورٍ * تيقّن عنه صاحبه انتقالا

قال: جيّد، فما صلة هذا بمقولتي؟!
قلت: الصلة وثيقة، فإذا كان الألم يعني كلّ ما أسلفتُ لك، فأكاد أجزم أنّه حياة الجادّين في حَيَواتهم، الباحثين عن المعنى فيها، وأشدّ الغمّ عندي هنا ألا يكون الإنسان جديراً بآلامه؛ لأنّها الحياة على الحقيقة.
قال: نعم، نعم.. آلامنا هي حيواتنا!

قلت: تدري؟
فأجاب ممازحاً مناكفاً، على غير عادته في الحشمة: لا، طبعاً.. لا أدري!
تبسّمت، والألم يعتصر كياني: أنا أغبطك وإخوانك في «بيت الموتى»، أغبطكم جميعاً أن لم تُدركوا كلّ ما نعاني من ظُلم وعسف وقهر وألم، فإذا كنتَ خائفاً ألا تكون جديراً بآلامك، فحريّ بنا أن نقتل أنفسنا أسفاً على تقصيرنا بجنب آلامنا..
قال، وعاد إلى تجهّمه: تغبطنا على عذاباتنا التي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً؟!
قلت: نعم، أغبطكم على هذا.. فأشدّ من ألم النفس، أن ترى أخاً لك في الدين أو نظيراً في الخلق يُظلم ويقهر ويتألّم، ولا تملك له نفعاً ولا تستطيع عنه دفعاً.. العجز، يا سيّدي ثيودور، أشدّ ممّا عانيتَ ومُجايليك، وهو تجسيد مقولتك المؤلمة الحكيمة هذه بحقّ، فتقبّل وسامح!

#أدب_عالمي #رسائل_في_الصميم #فهم #حوارات_الطوفان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى