مع توليستوي

في المقهى الذي حدّثتكم عنه قبل أيّام.. مقهى الواجمين الهائمين على وجوههم في الأرض، وعلى الكرسيّ المتهالك ذاته، جلستُ هذه المرّة أتأمّل ضعفَنا وقلّة حيلتنا وهواننا على الناس، وعيني مُعلّقة بذات الجدار عند صدر المقهى وما تعلّق به من صور المشاهير الغابرين، كعادة المقاهي التراثيّة في مُعاندة الزّمان..

كان بيني وبين تلك الصور قفىً عريض لعاملٍ يحاول تنظيف ما علِق بها من سُخَام مولّدات الكهرباء المختلط بسُخام عوادم السيّارات وما أرْهَجَت من غُبار الشارع الداخل علينا من كلّ صوب، يفعل ذلك بخرقة تستجير متوسّلةً التنظيف ممّا تلبّد عليها من وسَخ وأوضار، حتّى كدت أصيح به: أنِ اتْركها بما علق بها، فقد زدت طينها بلّة!!
لكنّني حمدت له محاولته إعادة صورة دوستويفسكي إلى موضعها وتعديلَها؛ وإن مالَت بيده صور آخرين..

بعد قليل، ولأنّه كان مُرهقاً مُثقلاً بما ألقت عليه الحياة من متاعبها مع بلادة بادية على وجهه المُسطّح، أخطأ التقدير، فأسقط صورة من الصور أرضاً، فانكسر زجاجها متشظّياً مُتطايراً في الأرجاء..

نظرت، فإذا هي صورة المسكين ليو توليستوي بسحنته البيضاء الشاحبة وقسماته الروسيّة الحادّة ولحيته الرَّبداء الشعثاء.. رفعها الرجل من موضعها في الأرض، وأعادها حيث كانت من الجدار، دون أن يُكلّف نفسه إزالة باقية الشظايا في إطار الصورة، فمالَت جهةَ اليمين هذه المرّة..
نظرتُ في عينَي «ليو»، فشعرت بحُزنه العميق من أثر يُتمه المبكّر وانتقاله بين أكفّ المربّيات والحواضن، مع نُبل لا يخفى على نبيل وأصالة لا تَخيل على أصيل.

قلت له: يا سيدي، ما بالك تتنكّر للربّ، متنكّباً طريق الدين، وأنت الفيلسوف الراسخ والإنسان النبيل؟!

قال: معاذ الله، يا ولدي.. وهل يجحد الخالقَ العظيم مثلي؟! إنّما ثِرتُ على سلطان الكنيسة وطغيان رجال الدين، وأنا أجدها وأجدهم يُتاجرون بالله، ويتّخذون عباده خَوَلاً، وأموال العباد دُولة بين الأغنياء منهم.. أما قرأت كتابي «مملكة الربّ بداخلك» ووعيته؟!
كانت ثورتي لتحرير الإنسان من عبادة العباد؛ لعبادة ربّ العباد، وهي رسالة نبيِّكم العظيم محمّد ونداؤه الخالد..

قلت: عليه صلوات الله وسلامه، نعم.. نعم، فقد كنتَ حفيّاً بدراسة العربيّة ولغات الشرق، وإن شغلتك الحياة عن التخصّص في هذا كلّه وإتمام دراستك الجامعيّة فيها. تدري، يا سيّدي؟!
قد تعلّمتَ هذا منّا، واليوم نحن أحوج إلى بعث هذه الروح في جسد أمّتنا وأوصال إنساننا، نحن أحوج اليوم لإخراج أهلنا من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، فقد ضاقت الدنيا علينا بما رحبت.. ضياع الهُويّة قاتل، يا توليستوي!
لكن، مع هذا.. أشكل عليّ أن تقول في «مملكة الربّ بداخلك» بنبذ العُنف، والتمسّك بالمقاطعة سلاحاً لردع الظالم المتجبّر والغاصب الغاشم، فأيّ مقاومة سلميّة وعدوُّنا مزّقنا ونكّل بنا، أو بأشرفنا على الحقيقة؟! ألا تعلم أنّ ما أُخذ بالقوّة لا يستردّ إلا بالقوّة؟!

قال: حنانيك بعمّك، يا ولدي.. أولستم تتبجّحون بأمّة المليارَي مسلم؟ أولستم خمسمائة مليون عربيّ؟ لو كنتم على قلب رجل واحد؛ لأخضعتم بمقاطعتكم الكيان وداعميه وركّعتموهم، وهم عَبَدة الدِّرهم والدّينار.. لكنّكم لم تستطيعوا أن تصبروا حتّى على المقاطعة، وهي أضعف إيمانكم، وخرج بينكم مَن يطلب الإذن من الحاكم على رقابكم ( = العبد بين يدي أسياده) في المقاطعة، وهي سلاح فتّاك بيد مَن لا حول له ولا طول، إلا الصبر على المكاره، وما أرخص الصبر وما أغلاه، لو كنتم تعلمون!
تخلّقتم بأخلاقهم وعبدتم مَعبودهم؛ فغلبوكم بفائض قوّتهم من السلاح الذي أتاحوا لكم منه القاصر الصَّدِئ.. ألا تعلم هذا وأنت العسكريّ السابق؟!

قلت: بلى، أعلم هذا وأتكلّم به دائماً، لكن لا رأي لمَن لا يطاع، كما يقول عبقريُّنا ابنُ أبي طالب!
تدري، يا سيّدي.. أنا محبط جدّاً، لولا ثقتي بالله ومكره وتدبيره.. محبط حدَّ الثُّمالة، من كلّ شيء، لكن لي أمل فتحته لي روايتك العبقريّة «الحرب والسلام» أو بالأحرى حقائقُ التاريخ التي سجّلتَها في بعض روايتك، فأنا اليوم أرجو أن تهزم أرضُنا العدوَّ عنّا، تخيّل ضعفنا ووهننا وقلّة حيلتِنا، مُقاتل يرجو النصر على يد الجُغرافيا أرضاً ومناخاً، كما غلبَت أرضُ روسيا ومناخها نابليونَ وجيشه المعتدي..

وهنا، انتبهت من وهمي بنفثة سُخام كثيفة ألقتها في فم المقهى شاحنة نفايات مُتهالكة، مرّت تجمع الأزبال من الشارع، وزادت بأن عصَرَ السائق المُحترم حاويَتها على ما حَوَت من أزبال، فألقت بعصيرها المُنتن بباب المقهى..
قلت في نفسي: هذه الخاتمة تليق بنا لا بك، يا توليستوي.. أيّها النبيل الأصيل!

#حوارت #فنطازيا #هموم_أمة #أدب_عالمي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى