كيرلي

خرجتُ أمسِ أتريّض في مُتنزّه قريب يزدحم بالنّاس حتّى ساعة متأخّرة من الليل، فتعبت قليلاً بعد شوط صالح من الجري..
أدرت عيني على المتيسّر من المقاعد في وسط المتنزّه، فوقعَت على رجل يجلس على طرف مقعد بجوار صغيرته التي احتضنت لعبتها بحرص شديد يَشِي بحبّ زائد وتعلّق أكيد.. سلّمتُ واستأذنت بمشاركتهما المقعد، فرحّب مع ابتسامة وقور.

قلت للبنت: ما بالُ (الحبّابة) مقطّبة الحاجبين؟!
فلوت شفتيها الصغيرتين ورفعت كتفيها أن "لا أريد الحديث.."
تدخّل أبوها قائلاً: تدري لِم هي واجمة ساهمة؟
قلت: لا، خيراً؟!
قال: كانت تحدّثني قبل قليل عمّا يحصل في غزّة من مجاعة، واقترحَت عليّ أن أبيع لُعبتها وأشتري بثمنها طعاماً أوصله إلى أهلنا ثمّة، علّهم يَطعمون..

هنا، تدخّلت هي بعصبيّة لَم تغلب ما في نبرتها من دلال قائلة: لكنّ أبي رفض ذلك، وقال بأنّه صعب.. لِم يصعب علينا أن نوصل إليهم طعاماً.. لِم سهل علينا أن نأكل ونشرب، سهل على النّاس في كلّ مكان، صعب عليهم.. ها، قُل لي؟!

ذُهلت لمنطق البنت وأذهلتني حُرقتها الصادقة أكثر، فكثير منّا تبلّدت أعصابه وتجمّدت مشاعره.
قلت لها: كثيرون مثلك، يا عزيزتي.. يحاولون إيصال ما يدفع عن أهلنا المجاعة، ولا يصل منها إلا القليل.. لسنا بحاجة دُميتك، أو أنتِ أحوج إليها من أيّ بنت أُخرى فيما أرى من احتضانك لها، والمشكلة ليست في المال.. المشكلة، يا صغيرتي، في توحّش العدو، وخُنُوع الأخ، وضعف الصديق، إن فهمت عليّ.

قال والدها: تدري ما الذي اقترحته عليّ أمس؟
قلت: ماذا؟!
قال: اجتمعنا على الغداء، فأبت أن تأكل.. تحايلتُ عليها أنا وأمّها لنعرف سبب رفضها، فتبيّن أنّه ذات الموضوع.
بعد أخذ وردّ معها، قالت لي: ما هذا الطعام الكثير الذي ازدحمت به المائدة؟! إذا كان ولا بدّ، فلنأكل ما يسدّ الرَّمَق، أمّا أن نأكل ما نشتهي ونُتخم، وأهلنا جوعى، فهذا كثير..
عنّي، لن آكل الشوكولا ولا الآيس كريم حتّى يتبدّل الحال.

يقول الأب: ذهلت حقيقة ممّا قالت، وعلمت أنّنا مقصّرون.. فإذا قصُرت أيدينا عن إيصال شيء لأهلنا هناك ممّا يسدّ جَوْعتهم ويردّ صولة الموت عنهم = فلا أقلّ من مواساتهم في أنفسنا واستشعار ألمهم وجوعهم وعطشهم، بما لا يُتلف أنفسنا؛ لأنّها وديعة عندنا، ولا يُرخي لها الحبل، فتخذر وتتبلّد.

تحيّرت من أمر البنت وأبيها، وتعجّبت من وعيهما، وقلت في نفسي: ما أخطأ مَن قال من العرب: الولد سِرّ أبيه، والولد في لغتهم هو كلّ مولود، ذكراً كان أو أنثى، مفرداً أو مثنّى أو جمعاً.

لطالما خامرتني هذه الفكرة التي تحدّثت بها البنت بفطرتها السليمة ونفسها الشفّافة وذكائها الوقّاد، وطبّقتُها مراراً..
لكنّني من اليوم، سأحاول أن أتّخذها منهجَ حياة، حتّى يُرفع هذا البلاء ويردّ هذا الحيف وتتوقّف هذه المهزلة!

عدت لوعيي بعد هذا الخاطر، التفتّ إلى الرجل أدعو له ولابنته المُذهلة، مَسحت على شعرها المجعّد الطويل (كيرلي)، وألقيت عليهما السلام، وانطلقت عائداً إلى البيت، ماشياً غير مهرول، وتركت فكري عند البنت وأهلنا في غزّة، وعيني ترمق رحمة الله بلسان حال يقول: علمك بحالنا يُغنيك عن سؤالنا، يا أرحم الراحمين!

#سرد #غزة_مأساة_العصر #ذكرى

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى