كرة القدم عزالدين ميهوبي - فلسطين نجمة المونديال..

ظلّ علمُ فلسطين مطاردًا، مثل المئات من أيقونات النضال الفلسطيني، جو جمال وأبو نضال وغسان كنفاني ويحي عياش وغيرهم.. في العالم وفي ملاعب الدّنيا، كأنّهُ مادّة ممنوعة ومهرّبة، بينما يحقّ لنجمة داوود أن تظهر في كل مكان، وفي مباريات الريال وتوتنهام وبرشلونة ومانشستر.. وفي مختلف الفعاليات الرياضيّة الكبرى والمونديالات، بينما يلاحَق حاملو الراية الفلسطينيّة وكأنّهم أرهابيون.. وبسببها عوقبَ لاعبون كُثر لأنّهم أعلنوا تضامُنهم الصريح مع غزّة التي كلما اقتربت انتخابات الكنيست، هيّأت للجحيم، وبعضهم لم يقف صامتا إزاء القمع الذي يتعرّض إليه شعبٌ محاصر وأعزل من أيّ سلاح، ذنبه أنه صاحب حقّ. والأمثلةُ كثيرةٌ ولا تحتاجُ إلى تذكير..
فلسطين ليسن نكرة في التاريخ الرياضي والأولمبي، بل هي عريقة فيه.. ذلك أنّ منتخب الجبّارين الفلسطيني شاركَ في تصفيات مونديالي 1934 و1938، وأنه كان قاب قوسين أو أدنى من بلوغ نهائيات روما وباريس لولا أنّه اصطدم بصخرة مصر في المباراة الفاصلة.. كما أنّهُ كان حاضرا في دورات عالمية سابقة للمونديال، ذلك أنّ الاتحاد الفلسطيني يعدُّ من أعرق الاتحادات العالمية، فقد انضمّ إلى الفيفا في 1929.. قبل النّكبة بعشرين عاما، وقبل أن يسمع العالم بكيانٍ طارئٍ ومسخ اسمهُ إسرائيل.. ورغم الاحتلال فإنّ فلسطين لم تتخلّ عن جبّاريها.. فأثّث الرّواد من نجومها الكبار المشهد الكروي الفلسطيني، من أمثال د. حيدر عبد الشافي ورشاد الشّوّا وجورج مارديني وعبد الرحمن الهبّاب.. الذين كان لهم دورهم السياسيُّ أيضًا..
‏وأذكُرُ أنّني التقيتُ الفريق جبريل الرجوب رئيس الاتحاد الفلسطيني على هامش تكريمنا في القاهرة. قلتُ له، عليكم أن تقتفوا أثر فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري الذي كان ذراعًا متينة للقضية الجزائرية، وما قصة هروب نجوم الجزائر المحترفين في ملاعب أوروبا عام 1958، ملبّين نداء الجبهة والالتحاق بالثورة من خلال الترويج للقضية الوطنية في ملاعب العالم إلاّ دليلا على ذلك.. بل إنّه لو سُمح لذلك المنتخب الذي يضم مخلوفي وسوكان وزيتوني.. بالمشاركة في تصفيات مونديالي السويد والشيلي لنافس على اللقب بشهادة خبراء تلك المرحلة لوجود لاعبين كانوا يُسيلون لعاب كبرى الأندية في أوروبا..
‏وأذكر أنني قلت له أيضًا، إنّ على فلسطين أن تستفيد من قوانين الفيفا التي تسمح باستقدام اللاعبين من أصل فلسطيني وهم كثيرون خاصة في أمريكا اللاتينية والوسطى.. وفهمتُ منه أنّ هناك عملا يتمّ في هذا الاتجاه وسيتعزّز أكثر مستقبلا.. لأنّ نزعة الانتماء عند الفلسطينيين قويّة وراسخة.. وأنّ مشاركة واحدة في المونديال من شأنها أن تحرّر القضية من أسرِ التسويات السياسيّة الفاشلة التي جعلت خريطة فلسطين تنكمشُ كلّ يوم كتنّورة امرأة قادمة من الحيّ اللاتيني..
في مونديال قطر، حضرت فلسطين وكأنها المنتخب الثالث والثلاثين في المونديال، كما قال أحدهم، فتردد اسمها في حناجر الجماهير، ورفرفت رايتُها بقوّة، حتّى اعتقدَ بعضهم أنّ منتخبها ينافس في ملاعب لوسيل وخليفة والثمامة والجنوب وغيرها.. حتّى تهيّأ للجمهور أنّ هذا الحضور "المزعج" هو إحراجٌ العالم وإمعانٌ في رفع منسوبِ الضغط على المتطرفين ناتنياهو وبن غفير ومن ظلوا يعتقدون أنّ غلقَ ملف القضيّة الفلسطينية قاربَ على نهايته.. وكأنّ النّاس سيقفون أمام شاهدة قبر في القدس العتيقة كُتب عليها "هنا قبرُ فلسطين. اقرأوا عليها الفاتحة". لكنّ الذي تبيعهُ السياسة ليلاً، تكشفهُ بطولات جنين ونابلس والخليل نهارًا.
في فلسطين المحتلّة، أسّس عربُ 1948 فريقًا اسمهُ سخنين، وقارعوا به فرقَ الكيان الطارئ، ونالوا الكأس عام 2004 وشاركوا في دوري كأس أوروبا.. وكرّمتهم قطر في 2006 ببناء ملعب الدّوحة، فجنّ جنون المتطرفين، واعتبروا ذلك خيانة وتواطؤا مع بلد عربيّ عدوّ (..) ففرضت عليهم سلطات الاحتلال ضغطًا لحرمانهم من أيّ دعم.. بينما ينام الكيانُ في سرير من حرير ترعاهُ أمريكا وأتباعها.
في الدّوحة اعتقدَ فريق صحفيّ يمثّل إحدى قنوات الكيان الطارئ أنّهُ سيلقى ترحابًا من الجمهور العربي، وأنّهم سيتهافتون عليه كما يتهيّاُ له، لكنّهُ وجد نفسهُ كالجمل الأجربِ لا يقتربُ منه أحد.. فراح يشكو أمرهُ لتل أبيب، فأخبروه أنّ يحزم أمتعتهُ ويعود.. فلا مكان هناك لليهود!‏

عزالدين ميهوبي



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى