خالد جهاد - الخطر القادم من الشرق

المقال رقم (٣٢) ضمن سلسلة مقالات (القبح والجمال)..

ليس من السهل على أيٍ منا أن يخرج ولو لبرهةٍ من (نفسه).. من قناعاته ومن الأفكار التي عاش عليها أو اعتادها في البيئة المحيطة به أو تم زرعها في داخله على أنها من المسلمات، ربما لأن الحياة تحمل عدة وجوه تفوق قدرة العقل البشري على استيعابها كماً ونوعاً، وربما لتنبهنا أن ما نجهله اليوم قد نعرفه غداً، وأن ما لا تدركه الحواس قد تحضنه الروح، وأن وجود حقيقةٍ ما لا يعني بالضرورة استحالة وجود حقيقةٍ أخرى تناقضها، فيرى الكثير منا الأمور بإتجاهٍ واحد خاصةً فيما يتعلق ببعض المشكلات الإجتماعية المتصلة بالسياسة والدين والتي تشكل (عصب الحياة)، دون أن يستوعب خصوصية وتعقيد بعض القضايا التي قد تأتي نتيجتها في الكثير من الأحيان مغايرة تماماً لتلك الفكرة التي اعتقدناها ذات يوم..

ومن تلك الأفكار تأتي علاقتنا بالثقافات الأخرى ونظرتنا إليها بين انفتاحٍ مبالغ فيه وذوبان للهوية بشكل كامل وبين توجس وخوف قد يصل إلى العنصرية والكراهية بغض النظر عن الأسباب، ووسط حالة الزحام والفوضى التي شهدتها مجتمعاتنا حيث كانت كل مرحلة فيها تؤسس لما بعدها.. جاءت حالة الإنفتاح الكبير على الثقافات الشرقية بالتوازي مع الثقافات الغربية ونعني بها ثقافات بلاد مثل (تركيا، الهند، إيران، كوريا الجنوبية، الصين، اليابان)، والتي يشكل كلٌ منها حالةً قائمة بحد ذاتها لها ظروفها وأبعادها وانعكاساتها من عوامل تبدأ بوفود مفردات هذه الثقافات علينا (لغوياً)، مروراً بالطعام والأزياء والعادات والإشارات والرموز التي تغلغلت في مجتمعاتنا ووصلت بنسب متفاوتة إلى مختلف الشرائح العمرية والفئات الإجتماعية وانتهاءاً بالمعتقدات والمفاهيم والفلسفات الدينية التي وصلت إلينا تحت (مسميات روحانية) وعلوم مثل (علوم الطاقة واليوغا والتأمل والريكي) وغيرها، والتي تستمد تعليماتها وخطواتها من (البوذية والهندوسية) بشكل رئيسي، والتي يجب التنويه إلى أن ممارستها بشكل احترافي يختلف عن الصورة التي تظهر في الإعلام ويروج لها الكثيرون دون علم، كونها تحتوي على ممارسات وشعائر دينية لبعض الآلهة وبلغات غير مفهومة كالسنسكريتية (وهي لغة مقدسة تستخدم في طقوس العبادة الخاصة بعدة أديان شرقية) خاصةً بعد الوصول إلى مستويات متقدمة فيها، وليست فقط مجرد تمارين تساعد على الإسترخاء كما يعتقد البعض إلى جانب تيارات أخرى مثل (الكونفوشيوسية والطاوية)..

وبلا شك فإن الكثير منا أصبح يسمع من الأوساط المحيطة به في بيئة العمل وربما في العائلة مصطلحات مثل(الكارما، الشاكرات) وغيرها من المفاهيم التي جاءت عبر الثقافات الشرقية وتحولت إلى موجة رائجة خاصةً بين بعض أبناء الطبقات المترفة أو من يحاول الإنتساب إليها سواءاً كان ذلك من أفراد عاديين أو (وجوه معروفة) تبحث عن لفت الأنظار والمزيد من الشهرة، حيث يعتبرها البعض بمثابة شكل من أشكال التحضر والرقي و(السلام) لمجرد قرائته بعض (العناوين العريضة) عنها بشكل سطحي (كالعادة) دون أن يحاول القيام بقراءة معمقة لها ولمضمونها ولحقيقة تعاليمها ولمقارنتها بما يتم ممارسته على أرض الواقع، لأنه من الأساس لم يقم بتلك القراءة في بيئته الأم بمختلف عواملها، حيث يمكننا أن نستمع لتجارب أشخاص غاصوا في ثقافتهم واختلفوا معها لسبب أو لآخر كونهم خاضوا التجربة وسعوا نحو المعرفة وخرجوا بنتيجة قد تحتمل الصواب أو تحتمل الخطأ، لكن كيف لنا أن نثق في آراء تتأثر بأي موجة عابرة ؟، وهنا لا نقول ذلك من باب الإساءة إلى أي ثقافة لكن عندما نلاحظ حالة التغير في الذوق والأفكار والإهتمامات وتركيبة المجتمع علينا التوقف أمام هذه الحالة التي أصبحت ظاهرة بشكلٍ أو بآخر، فباتت تزاحم ثقافاتنا الأم وتخلق (مجتمعات صغيرة) ناطقة باسم ثقافات أخرى (بعضها بعيدة عنا كلياً)، ولم تكن موجودة داخل المجتمع الكبير الذي يفترض أنه فضاء يضم جميع أبنائه..

ومن جانب آخر يخلط الكثير من الناس بين العلاقة بالدين والعلاقة مع ثقافة بلدين مثل (إيران وتركيا) واللذين نؤكد على محبة واحترام شعبيهما، فنحن وبرغم التقارب الجغرافي واللغوي في كثير من المفردات عدا عن التشابه في العديد من الجوانب والعادات والتقاليد والأزياء وحتى الطعام نحمل خصوصية تميز هويتنا ومجتمعاتنا عنهم وهذا لا يعني تفضيل مجتمع عن الآخر، إلاّ أننا لا نريد أن نكون تابعين لأي ثقافة شرقيةً كانت أم غربية، ليس لوجود نزعة شوفينية أو عنصرية بل حمايةً لهويتنا واحتراماً لكينونتنا دون الإساءة إلى أحد، أما الدين فهو علاقة سامية وخاصة بين الإنسان وبين الله ولا تعني الإرتباط ببلدٍ ما.. لأن الأديان إنسانية سماوية تساوي بين جميع البشر وتحفظ لكل شخص خصوصيته وهويته، والأجدر بنا أن ننفتح على جميع الثقافات التي تشاركنا بلادنا وعلى رأسها (الأكراد والأمازيغ) قبل الإنفتاح (دون وعي) على ثقافات نحترم أصحابها لكنها بعيدة عنا، وذلك عبر الإطلاع على تراثهم الضخم والعريق وتعلم بعض الكلمات بالكردية أو الأمازيغية لنتقرب من بعضنا بدلاً من تعلم البعض للغة الكورية(وهي حرية شخصية) فهم يتحدثون العربية مثلنا تماماً ويعيشون ما نعيشه في الوطن.. الوطن الذي يعني الهوية ويعني القلب بعيداً عن أي اتجاهات..

خالد جهاد..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى