نجيب صالح طه (أمير البؤساء). - طفولة شيخ

يتحلقون حول قبره، كنمل يطوق قطعة حلوى، يحتشدون بكثرة صباح الخميس والجمعة من كل أسبوع،
يرفعون أكفا غضروفية، بدعوات تبللها دموع أعينهم البريئة، يضعون الورد ما بين فترة وأخرى، بلوعة حرى تصطلي أجسادهم الصغيرة، زفرت إحدى الزهور، وقد انزوت خلف شجرة طلح كبيرة، بحسرة تجهش بالبكاء :
_ (الله يرهمت يا أعم " مهسن" ويستنت الدنة)،
تجمع حولها كثير من الأطفال بأعمار مختلفة، قابلها جلوس مشفقة لابن الثالثة عشرة، رفعت بلطف رأسها من على ذراعها، استدر " كم جاكتها" الصوفي الأنيق دموعها أكثر :
_ الله يرحمك يا عم "محسن"،
اطمئني، اطمئنوا جميعا العم "محسن" ، في الجنة، تعالوا لنعقد عهدا، بألا ننساه من دعائنا ما حيينا، وقعته قلوبهم النقية، بصدق لا يعرفه غبار أحذية العابرين، والتي استثارت تلك الظاهرة المتكررة حفيظة أسئلتهم وبخاصة أمين المقبرة :
_أيعقل أن تكونوا جميعا أبناء وأحفاد الفقيد الثمانيني العمر؟!
_ تعددت الإجابات، تزاحمت، اختلفت وكلها صحيحة، غير أن طفلا نبيها، استجمعها بقوله :
_ لاتربطنا به أي صلة لقرابة، فقد كان رحمه الله عقيما، لكنه والدنا جميعا!
تعجب مسؤول المقبرة!
انتعشت روحه، طابت أنفاسه، بما اكتشفه لاحقا،
فقد كان العم " محسن" الرجل الوحيد، في تلك الحارة الذي أخرج الطفل الذي بداخله ، وعاش به معهم!
وبخاصة بعد تقاعده، فقد كان مدرسا، وبتفاصيل كثيرة تثير الدهشة والإكبار!
كابتكاره للعديد من اللعب المفيدة ، والتي كان يلعبها معهم، وبخاصة لعبته الشيقة والهادفة :
( إبحث عن الإجابة في كتابك! )،
وقف على قبره داعيا له بالرحمة :
لم تمت عقيما يا أستاذ" محسن"، رحلت وبقي أثرك،
أتراك تعلم أن عملك لم ولن ينقطع ؟!
نم قرير العين، فعجوزك قد رزقها الله، عددا كبيرا من البنين والبنات البارين بها، أكثر من بر بعضهم بأمهاتهم وآبائهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى