الخيط الرفيع

رغم غموض الحياة ومصاعبها التي تحار فيها العقول وكأنها ولدت لتمتحن إلا أن هنالك الكثير من أسئلتها الكبيرة والعميقة معروف الإجابة.. هذا ما يميزها.. بسيطة حد التعقيد وواضحة بشكلٍ ضبابي يعمي الأبصار.. لكن أغلب البشر ورغم معرفتهم بذلك يخاف من الإقتراب من علامات الإستفهام كي لا يصل إلى اللحظة التي سيضطر فيها إلى ترتيب الجمل والعبارات ووضع الفواصل فاصلةً تلو الفاصلة وصولاً إلى النقطة التي (قد) ينتقل بعدها إلى سطرٍ جديد..

فبرغم الكثير من الإشارات الواضحة في رحلة كلٍ منا ورغم المبادئ التي زرعت فينا استعداداً لها إلا أنها لا تلبث (أي الحياة) أن تقدم ذاتها في صورةٍ مغايرة تلد فيها نفسها مرة أخرى بين أحضان الشيء ونقيضه وخارج معادلة الثنائيات.. فهي ليست خيراً أو شراً مطلقاً، وليست حالةً متأرجحة بين الحزن والفرح أو شعوراً متطرفاً بين المحبة والكراهية، لكنها حقيقة تختار التنكر في انتظار من يميزها عن السراب، ولذلك يبحث الكثيرون عن مسمىً.. عن عنوان.. عن شيءٍ يشبه المظلة أو الجماعة أو القبيلة لينضوي تحت لوائها ناشداً الأمان رغم محاولاته للتمرد (الشكلي) على كل ما سبق.. جاعلاً نفسه في موضع المقارنة مع من لا يشبهونه على الأغلب رغبةً في التمايز عن بعض من أوجعوه أو الذين نشأ على أنهم (قد) يوجعونه بعد سلسلةٍ متوارثة من الأحقاد التي شابها الكثير من الظلم للنفس وللآخر على حدٍ سواء..

فينحاز البعض إلى طائفة وينحاز البعض الآخر إلى جنسية أو نوع أو قومية أو فئة معتقداً بذلك أنه وصل إلى الحقيقة المطلقة ونهاية الرحلة لكنه لا يلبث أن يكتشف من جديد أنه بعيد عنها تماماً، وكلما هم بفتح باب وجد خلفه باباً آخر أوسع وأكبر وأضخم، وهو ما قد يدفعه إلى مواصلة اللهاث خلف العناوين الكبرى أو يدفعه إلى التوقف لتقييم مشواره وترتيب أفكاره وإعادة صياغة أسئلته من جديد.. بدءاً منذ السؤال الأول.. السؤال الذي قد يفارق الكثير منا الحياة دون أن يجدوا له إجابة.. السؤال الأهم والأصعب.. من أنا ؟

وهو السؤال الذي فشل أغلبنا في الإجابة عليه سواءاً كان ذلك بشكلٍ فردي أو جماعي والدليل الأبسط على هذا الفشل هو عدم وجود شعور أو فكرة واضحة من قبلنا جميعاً حول ما يجري في غزة أو السودان رغم أنها باتت كذلك أمام المواطن العادي في الغرب.. كونه اختار وأؤكد هنا على كلمة (اختار) بمنتهى التجرد أن يبحث عن الحقيقة ليعرفها كما هي.. دون إقحام لأهواء شخصية أو محاولة لتجميل صورة أو تغيير واقع أو تقديم حسابات خاصة عليها.. فاختارها رغم اختلافها عنه دون أن يضع شروطاً مسبقة لقبولها كونه راغباً بها في الأساس ومدركاً أنها تتسع للجميع، فما من حقيقة تبنى على كذبة ولا ديمومة لكيانٍ ينسج صورته من خيطٍ رفيع بين النفاق والترهيب..

خالد جهاد..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى