د. سامي عبدالعال - السعادة قهراً...

هل يتلون القهرُ بنكهةٍ من السعادةِ في حياة الناس؟! هل الإنسان البائس يرفلُ في بهجة قريبةٍ أو بعيدةٍ حتى؟! كيف يجتمع الشقاءُ مع السعادة في رأس واحدٍ؟! إنَّ مثل هذه الأسئلةً تستدرجها لوحاتُ الفنان المصري محسن أبي العزم عبر إجابات فنية مشفرةٍ. والإجابات الفنية هي إلتقاط ( لحظات إنسانية وجودية ) تُظهر مفارقة اجتماع النقائض( القهر والسعادة - البؤس والبهجة - الشقاء والفرحة ). فالواقع موروث بأشكاله المشبعة بالركض وراء فرص العيش، بل إنَّ كيان الإنسان باتَ وثيقةً تاريخية، باتَ حفرية للأزمنة الثقافية المختلفة. والنقائض السابقة تجتمع كجانب من مناكفة الواقع وتحولاته. وهي صيغ للتحايل على تقلبات الزمن وانكار البؤس والشقاء بزيادة طعم السعادة ولو مخاتلةً وافتعالاً.

ولكي نؤكد ذلك، هناك فكرة مؤداها: أنَّ التاريخ لا يذهب إلى أوراق المؤرخين وقصص الرحالة وصفحات الرقائق والوثائق والحفظ الإلكتروني الديجيتال مع التطور التكنولوجي المتأخر. فالتاريخ يُختزّن ويُسجل في جينات البشر، ضمن جوانب الحياة المشتركة، وداخل أبنية المجتمعات. إنَّ أنماط حياة الناس وطرائق ممارساتهم للطقوس والشعائر ترتهن بالموروثات طويلة الأمد. فهذا الشخص أو ذاك من الناس هو تراكم خبرات ومفاهيم وصور ثقافية، تدمغه بخاتمها النوعي في نظراته وحركاته وأساليب التعبير عن وجوده.

لعلَّ المجتمع- أي مجتمع - سيترك بصماته ضمن ملامح الناس وعبر وجوههم وداخل عيون أصحابه. إنَّ( لفةً بسيطةً ) من إنسان عابر تستطيع إخبارنا عن كونه مشحوناً بمعانٍ معينةٍ ليست راهنة، لكنها تداخلت مع وجوده التاريخي بفضل الثقافة العميقة. لقد ركحَ الفرد إلى السراب في مجتمعاتنا العربية – ولاسيما المجتمع المصري- بما يكفي أجيالاً وأجيالاً. الفرد العادي في ذاته يتكون عن عصور وممارسات منعكسة داخله وهو الحلقة الضعيفة في دائرة الواقع. لم يكف طوال حياته عن المسير وكأنه في ماراثون نحو المصير، نتيجة صعوبات العيش والكد اليومي الذي ينتظره من وقتٍ لآخر.

حيث ألقت به الأحوال هنا وهناك، وكأنَّ وجوده نتاج مراس طويل من التحايل على المشكلات والأحداث والظواهر. فالتغيرات الحاصلة نتيجة عوامل عدة ترتد إليه بما لا يُحتمل، ومع ذلك فالفرد يمزج وجوده بنوع من البهجة ( النكتة - السخرية – الابتسامة- روح الدُعابة – المسرّحة – الكلام الهازل - الرقص – الدجل– الهوس بالطقوس- الانشغال بالعادات والتقاليد – تقديس الأضرحة والأسياد – التمحُك بالخطابات والعبارات الرائجة – التلون مع السلطة – السذاجة المريحة- الانقياد السعيد ) حتى يتمكن من ابتلاع الواقع. وقد نسمي ذلك ( طبيعة الحياة ) بألف ولام التعريف أو ( أكل عيش ) أو قدرتنا على ( مسايرة الأوضاع ) أو البحث عن( موطئ قدم ) أو الهروب من الواقع.

تحكي لوحات أبي العزم ( سعادة القهر- بهجة البؤس- فرحة الشقاء ) إنْ صحت التعبيرات. وهي مسألة ترك ( المسحة السعيدة ) على شقاء شخصياته الفنية. فكل إنسان لا يخلو من آثار الظروف الحياتية المنقوشة على وجوده فرداً ومجتمعاً. وتوضح اللوحات أنَّ ثمة تاريخاً من البؤس مرتبط بالسعادة، وتلك اللحظات خافية حتى عن أصحابها. ليس كلُّ الناس يدركون أنَّ السعادة مبنية على وجوه من القهر والبؤس. فلوحات أبي العزم واضحة المعالم في عالم الشعبيات وتصوير حياة البسطاء والدهماء الذين يوجدون كملح الأرض في كل مكانٍ. وهؤلاء الناس يشكلون حائطَاً عالياً تتلاطم عليه جميع أمواج وتوجهات المجتمعات البشرية. فهم قد شكلوا جلداً سميكاً للمجتمع .. يحميه، ويصون ساحته من الانزلاق نحو النهاية. وفي الوقت نفسه، تنقش على الجلد أثار الضرب واللطم المُبرح نتيجة يد الظروف الاقتصادية ونمط العيش الجاري.

إنَّ تلك المرأة التي تدخن الإرجيلة هي( مومياء معاصرة ) في مقدمة المشهد الفني. مومياء مصرية على قيد الحياة - كما أشرت- لكونها وثيقة مدموغة بمنعطفات الحياة الإنسانية. تلك الهيئة الشعبية، وهذا الوجه الشرقي، وتلك الملابس، وهذا الكيان الهش ... متعلقات توضع في متحف إجتماعي. هي لوحة ساردة بالمقام الأول لما مرت به من أحوال. وتلخص كلَّ ذلك هذه الاستراحة التي تدخن المرأة خلالها الأرجيلة، وتنظر نظرة فاحصة حول موضوعٍ ما. وكأنها تتفحص المستقبل الذي لم ترتح له.

وهذا اللون من النساء لم تعركهم الحياة فقط، بل دهستهم بالفعل، حتى جعلتهم والأرض سواء بسواءٍ. والدهس يعني أنهن إمتلأن تجارب ومماسات وخبرات بكل ألوان الطيف الاجتماعي. وبتن على شفا الانفلات من القواعد والتقاليد، ولكنهن أذكى من الظروف عادة. حيث تفهم هذه المرأة الحياة فهماً عملياً، وتعيش كما تريد أنْ تعيش، مع أنها لم تدرس فلسفةً، ولم تتلق تعليما ًجامعياً، ولم تعرف أبجديات الواقع المتحول.

بدا الأثاث التي جلست المرأة عليه رثاً، وجلست جلسة المحنكات من النساء (المعلمات)، غير أنها أتت من الأخر مع الزمن. فكأنها تقول: كم دقّت فوق الرؤوس طبول، وكم عجنتني الحياة لدرجة الذوبان. وها أنا الآن آخذ استراحة محارب من لهاث الحياة الطويل. وها أنا أضع ظهراً إلى غوائل الواقع متوسدةً خيبة آمالي سواء التي مرت أو التي ستأتي. فالمرأة في مجتمعاتنا العربية هي مصفاة لكل الظروف الإجتماعية بوجوهها المتباينة.

وعلى الرغم من وفرة الطرافة في لوحة ( المرأة – الأرجيلة ) بالنسبة لمن لم يرها هكذا من أول وهلةٍ، إلاَّ أنّها ( إمرأة منقوعة ) في مكابدة الواقع، إلى حد أن الفنان ترك عليها غبار معارك لم تنته بعد. ولاسيما أنَّ المرأة في اللوحة علامةٌ فارقة نستشف من ورائها أبعاداً إنسانية كثيرة. ليست أقلها مكانة الإنسان وتعامل المجتمع المصري مع الموروثات الاجتماعية. وكيف تتحول المرأة إلى كائن غريب حتى عن نفسها؟!

من جانبٍ آخر، ظهر أن هناك مفتاحاً في يد المرأة اليمنى أثناء حمل ذراع الأرجيلة، وهو يرمز إلى الباب الذي يجب فتحه من الحياة، وقد يشير إلى إغلاق الأبواب دونها مما دفعها إلى هذا الطريق. والجلسة واضحة كأنها جلسة رجل لا إمرأة، مما يسرب إلى المتلقي كون الذكورة هي الشكل النهائي للتعامل مع الواقع. والثقافة المصرية ترفض في سرها هذه الصفات بصدد المرأة، سواء إذا كانت تمتلك مفتاحاً لحل المشكلات أم إذا أخذت دلالة الرجل. فما كان من المرأة إلا أن تواصل وجودها على هذه الشاكلة المحنكة والمتمردة.

ولذلك سرعان ما تعود لوحات أبي العزم إلى تصدير( المرح ) كمصْل لإزالة الكآبة والحزن. فعلى الرغم من بؤس الواقع، إلاَّ أن اللوحة تلتقط لوناً من البهجة الراقصة. كما في لوحة تصور إمرأة ترقص بينما القائم بكي الملابس ( المكوجي) يغازلها مع أنَّه يقوم بعمله. وكأنَّ هناك سيناريو متفق عليه سلفاً بين الرجل والمرأة. ولكن الفنان يقصد هذه التيمة صارفاً الأنظار عن مظاهر الحوائط المتهالكة والأثاث القديم والأجواء الخانقة.

وهذه المشاهد تعالج ثقل الواقع بنوع من الدواء السريع. فالسعادة لا تقضي على الشقاء، بالأحرى لا تخفي البهجة تجاعيد الشقاء. فالإنسان- رجلاً وإمرأة- توقف عند تلك الهيئة من الحياة، لم يتطور بعد. ولوحات أبي العزم تقتصر على رسم هذه الفئات الإجتماعية.
فالرجل ذو ملامح فوضوية ومُوغلة في التكوين الشعبي ويجسد ابتسامة متوددة للمرأة الآتية من المستوى الاجتماعي نفسه. لكن ما الذي يجعلهما سعداء إلى هذه الدرجة؟ بالطبع لا يوجد داع لذلك، فلا الموقف يعبر عن البهجة حيث ينهمك المكوجي في العمل، ولا المكان مناسب لذلك، فمن المفترض أنه مكان عمل بالأساس.

إذن هناك شيء ثالث هو تدخل الفنان كمنتج للوحة والمشهد برمته. وهنا يظهر التفاعل الثقافي معها من باب الدوران مع الأسباب وإخفائها كذلك. حيث لو كان المشهد مجرد إمرأة بتلك السمات ذاهبة إلى كي الملابس لما أثار فضول المتلقي، غير أن الرقص والحركات الهزلية كانت أدعى لصرف النظر عن أحوال هذه الطبقة الشعبية. وقد مسحت مسحاً خفيفاً على تضاريس الأوضاع البائسة، وجعلت الشقاء البادي في الأركان يتراجع إلى خلفية اللوحة.

ومن ذلك يحرص الفنان محسن أبو العزم على ايجاد لون من الزحام داخل بعض لوحاته، وهو يريد أن يعبر فنياً عن ضجيج المشاهد، حتى يغطي على حقائق أخرى. ففي إحدى اللوحات نرى الدجال والأطفال والنساء يزغردن والفرقة الموسيقية تعزف والأصوات ترتفع وبعض الأفراد في حالة فرحٍ وابتهاج .. وكل هذا لرسم صورة خالصة لذاتها من غير التساؤل عن أية أشياء أخرى. فليس خافياً اجتماع الدجل بالنساء والموسيقي وسط الناس العاديين، فلربما هناك مناسبة معينة أو لربما هناك حالة من البهجة المنتظرة. بيد أن ذلك كله يعنى كون الصورة هي ما ستقول ذلك في التو واللحظة، وأن هناك اكتفاء بالمعنى المباشر ليس أكثر. وهناك فكرة مطروحة أن العراف بجانب الفرقة الموسيقية يدلان على السعادة والأريحية دون عناء. وأن الناس لو لم يكونوا سعداء بهكذا حال لما اندمجوا في المشهد.

وعليه، فلا ينبغي للمتلقي أن يجهد عقله في فهم المشهد ككل، ولا ينبغي عليه التساؤل: لماذا هؤلاء الناس بهكذا هيئة؟! وهل مازالوا على تلك الوضعية إلى اللحظة؟! فمن المفترض أنْ يعطينا هذا المشهد أو ذاك من روحه الجمالية حتى يفيض على حدود وجودنا. ولكن لوحات أبي العزم تُطلعنا بطرف من السعادة أن (منقوع البؤس) ليس عابراً هو الآخر. لكأن اللوحات تقول إن تلك الشخصيات ستنخرط في بكاء ونشيج طويل بمجرد أن يغرب المشاهدون عن ساحتها. وأن الشخصيات الفرحة بشقائها ستنزل من مكانتها الجمالية إلى تجسيد تراجيديا الواقع وأحوال الشعبيات.

بطريقةٍ أخرى أنَّ اللوحات تدفع المتلقي للإبتسام، كي يشعر بأحوال هذه الشخصيات على أصالتها. ليست كل أصالة تدعو إلى الإعجاب، فبعضها يناشدنا للتساؤل عن بقائها كما هي. فالأصالة دعوة لتشييد أصالة أخرى لا عودة إلى الوراء دائماً. وتلك حيلة جمالية تُمرر بعض المشاعر بالنقيض كمن يبكي مع الابتسام أو يبتسم مع البكاء. أو كما يقول المثل الشعبي: " يابخت من بكّاني وبكى عليّ، ولا ضّحكني وضّحك الناس عليَّ".

ليس بالضرورة أن يسير الفن وفقاً للمعاني المباشرة ولن يفعل، لأنه سيترك العكس أو النقيض للمتلقي. كما في لوحة المرأتين اللتين تتهامسان حول شيء معين من الأسرار أو الأخبار التي يتقرب بها النساء أحيانا.

فاللوحة توثق حالة واسعة الانتشار بين نشاء المناطق الشعبية، حين يجتمعن بعلة احتساء مشروب الشاي كما يبدو، ولكن تلك الجلسة عبارة عن تناقل أخبار المنطقىة برمتها والأفعال التي تمت فيها خلال الفترة الزمنية القريبة. وتمثل هذه المشاهد أمراً اعتيادياً في غالب الأحيان. ولكن بإمكاننا التفتيش عن أجواء التخلف الاجتماعي وتكريس الجهل وإدامة أجواء التكتم والغياب الاجتماعي عن التطور. وهو ما يساعد على انتشار النميمة والاشاعات. فصحيح أن اللوحة ترسم وتؤصل، ولكنها تطرح أسئلة عن الحلقات المفقودة التي أدت إلى هكذا أوضاع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى