خالد جهاد - صرخة من هناك

خرجت من تحت الأنقاض رمادي الهيئة والأحلام، تركت قلبي (هناك) ولم أسأل خطواتي عن وجهتها.. كنت كمن يمشي ويراوح مكانه، أعانق في الغربة ظلي ولا أملك سوى أماني تغرق في محيطٍ من الخوف، صوتي يختنق خلف نظراتي، تتدفق دموع جدي الذي لم أعرفه على وجنتيّ وكأن وجهي الذي يراه الناس ليس ملكاً لي، وتبدو ضحكتي كجرحٍ غائرٍ في روحي التي لا تعرف من المواسم سوى نكبتها، تحلق على ارتفاع وطنٍ بعيدٍ كالحب وقريبٍ كالخيبة، تحن إلى بيتٍ لم تسكنه ولا أثر للدماء على جدرانه، تعانق صباحاتٍ لم يغادرها الأمان ولم يطأ عتبتها وجع، تتسع لحكاياتٍ اختنقت في صدور أصحابها قبل أن يبوحوا بها.. ولأحلامٍ لم تفقد عذريتها رغم مرارة الإغتصاب..

على مشجب الشتاء علقت ربيعي، مشيت عارياً في غابةٍ من الغيوم، ألج من بوابة الغد إلى أمسي، أبحث عن أرضي كماعزٍ يتسلق شاهقات الجبال، الوحدة وطني ورحلتي، قدري وكذبتي، حقيقةٌ تتشكل كلوحةٍ من الضباب، تعلق كتعويذةٍ على صدر الليل الموحش، يخترقه شيءٌ من النشيج وكثيرٌ من السكوت، أزالوا الإشارات من الطريق.. تركوا صدىً لأصواتٍ لم توجد ذات يوم، ولدت من العدم ورحلت إليه كأمنيات اللاجئين في ليالي العيد، لا لغة تحتضنها ولا وسادة تحتويها ولا يصفها شيء مثل نظرة انكسارٍ في عين يتيم.. لا يملك سوى أن يحلم بعناق الربيع بعد أن خانته الفصول..

الحب خيمة لا تحمي ساكينها، لا ترد عنهم كابوساً، لا تحفظ لهم بسمةً ولا تقتلع الأشواك من فراشهم، وعدٌ بالمستحيل.. بغدٍ قد لا يأتي وفرحٍ لم يزر الكثيرين، خريطة كوكبٍ دائريٍ كالرغيف يراه البعض في منامهم ويراودهم عن أنفسهم دون أن يعرف إن كان هناك ما يمكنهم إعطائه سوى نكبتهم، ينام أطفالهم على فراشٍ من الخذلان.. يصحون على بحرٍ غاضبٍ لا يضحك في وجوههم، يمنع عنهم أصدافه، أمواجه مشبعةٌ بالأرق الذي لا لون له، والعتمة على شاطئه منفىً جديد لا يشبه حزن الشعراء..

الشعراء الذين حملوا أبياتهم بين ذراعيهم كصغارهم الذين لن يكبروا.. الذين تنكرت لهم اللغات والوجوه، جلدتهم ضحكات الأحبة، ورمتهم في أتون الغربة.. (هناك) حيث تسقط الأسماء.. تتهاوى الألقاب وتتبعثر الحروف.. ينظر الحاضرون إلى بعضهم بشيءٍ من الحياء.. يحكون بنبرةٍ تمهد للغياب.. يختارون مفرداتٍ من الماضي.. يلبسونها أثواباً من المخمل الأسود.. يحجبون عنها النور.. يسرقون النجوم من سماواتها.. يدعون أنها غيرت عنوانها.. رحلت مع أنقاضها.. لكنها تركت.. صرختها (هناك)..

خالد جهاد..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى