إحسان كمال - ممنوع دخول الزوجات...

ما كان ينبغي أن يكون صدمتها مروعة لهذه الدرجة، ماذا كانت تتوقع إذن؟ أن تمضى سفينة حياتهما في بحر هادئ رقراق؟ كيف وقد أساءت اختيار السفينة.. وأيضا المجرى الذي تبحر فيه ؟ كانت البداية خاطئة.. فلا بد إذن أن تكون النهاية من نفس النوع. تتعدد الأسباب في حالات اختيار الفتاة – أية فتاة – لشريك حياتها .. تبعا لاهتماماتها، منهن من ترجح الحب.. وغيرها اليسر المادي.. أو المكانة الاجتماعية.. أو الأخلاق والأصل الطيب… أ… أو… أو .. لكن… هل سمع أحد في الدنيا كلها عن فتاة تختار شريكها من قبيل العناد ؟ تدافع عن نفسها : لم أكن في حالة عادية.. كنت أمر بفترة يأس قاتلة!.. لكن ضميرها يواصل اتهاماته : وأنت بنفسك التي خطوت إلى هذه الحالة وأغلقت من خلفك الأبواب.. حتى لا يلحق بك أحد ممن حاولوا الأخذ بيدك.. كافة الأبواب.. عقلك وضميرك وأذنيك !..

كفت عن الاستمرار في الهروب.. حيث الطريق طويل، إن أطول طريق للهرب هو ما يجريه الإنسان بعيدا عن نفسه ، لا مفر من المواجهة.. الحقائق عنيدة.. مثل الصخور الصلدة

فعلاً لم تكن أول فتاة يتزوج والدها بعد وفاة أمها، وقد تأسى أية فتاة تجد نفسها في هذه الظروف.. لكن ثورة إلهام كانت عارمة.. مضت تصرخ كان المفروض أن يظل وفيا لذكرى من وهبته كل حياتها حتى الثمالة.. كان المفروض أن يضحى من أجل وحيدته فيكرس لها ما بقى من سنوات عمره.. الكثيرون يفعلون هذا ..

حاول خالها أن يهدئ من غضبها :

لكل شخص ظروفه.. ربما هو لا يستطيع تقبل جفاف الحياة دون شريك.. ربما بسبب طبيعة عمله لا يستطيع أن يدير أمور المنزل.. ربما بسبب

تدينه لا يريد الوقوع في الخطأ. لكنها أبدا لم تقتنع من أول يوم ناصبت زوجته – بل ناصبته هو نفسه – العداء، دائما حزينة باكية من أجل أن تستعدى ضميره عليه وتحمله إحساس الشعور بالذنب، لا يكاد يمر شهر واحد دون أن تترك المنزل إلى بيت خالتها لفترة قد تطول أسبوعًا.. وأحيانًا أسبوعين.

الوالد المسكين ظل على حلمه معها .. فلم يقس أو حتى يخشوشن في معاملته إياها، قدر ظروفها رغم أنها لم تقدر ظروفه.. تخيل أنه بذلك يقنعها عمليا بعظم عاطفته تجاهها.. وأنها ما زالت الأثيرة لديه، كان مقتنعا أن الأمر الواقع سيفرض نفسه آخر الأمر وأن غضبها لا بد سينقشع وثورتها لا بد الأيام.. ككل ثورة وأي غضب، لكن الشهور تمر حتى تكمل العامين وهى على نفس حالها رغم رقة تصرفاته معها .. أو ربما بسبب هذه الرقة.

بل وصل الأمر لدرجة اتهامه أنه بهذا الزواج قد تسبب في تشتت ذهنها من الاستذكار.. فكانت نتيجتها هذه المتواضعة في الثانوية العامة.. من ثم رفضت كافة الحلول التي طرحها عليها .. أن تدخل أحد المعاهد العالية أو أن تعيد امتحان الثانوية العامة، الخ، قررت أن تذهب إلى السودان وتلتحق بفرع الجامعة في الخرطوم، حاول أن يثنيها عن عزمها بأنه سيفتقدها وأنه لا يستطيع على بعادها صبرا .. لكنها أصرت على رأيها مكتفية بالرد على حججه بنظرة ساخرة جعلته يغض بصره. أكدت له أن بعدها عن “الواقع” الذي يثير الأسى والمرارة ربما يساعدها على أن تتفرغ للمذاكرة. عندها لم يجد مناصاً من الموافقة.. بل شد الرحال معها إلى هناك لمساعدتها في تقديم الأوراق وتسهيل الإجراءات. مؤكدًا لها أنه لن يعود إلى القاهرة إلا بعد أن يطمئن أنها بدأت الدراسة بالفعل. وانتظمت فيها .. فيما بعد قالت لوالدها:

– كما ترى كان لا بد أن أسافر إلى الخرطوم.. وإلا فأين كنت سألتقي بزاهر.. ذلك الشاب الذي قدرت له الأقدار أن أرتبط به؟!

هكذا هي.. تتصرف برأيها غير ملقية بالا إلى نصائح أو توجيهات أحد.. وبعدها تلقى تبعة اختياراتها على الأقدار في الخرطوم التقت بزاهر إذن في النادي الرياضي.. ليلقى شباكه حولها من أول يوم.. كعادته كلما رأى فتاة حسناء وهو لم يكن يبذل في ذلك أي جهد.. أغلب الفتيات كن يدخلن شباكه من قبل أن يلقيها .. وسيم جدًّا ، بل فاتن.. إذا جاز أن يطلق هذا الوصف على رجل ! شديد الجاذبية.. التي ربما كان اكتسابه إياها امتزاج خفة الدم السودانية. ممثلة في والده بالجمال ..الإنجليزي الذي امتلكت منه والدته القدر الكبير.
وبدأ يتابعها.. في النادي في الفندق.. في التليفون خجل سنها المبكرة يحول دون تجاوبها فيتقدم طالبا يدها، دهش الوالد، لكنه استمهله حتى يرد

عليه مجرد حركة مجاملة .. لا يليق أن يقول له مباشرة.. أنت مرفوض مرفوض بكل المقاييس.. والسبب؟ عشرون سببا وسبب البنت صغيرة جدا .. لم تكمل التاسعة عشرة، أى تصغره بستة عشر عامًا، عدا أنها لم تلتحق بعد بالجامعة.. فطبعا يخشى أن يصرفها الزواج عن الدراسة، كذلك فإن فترة تعارفهما ضئيلة.. لا تكفي للحكم على مشاعر أى منهما، أيضا فالسمعة التي يلوكها الناس عن تنقله من زهرة إلى زهرة لا تشجع على قبوله، ثم إنها وحيدته.. فكيف يزوجها بعيدا عنه ؟ لكن إلهام تقبل الخطبة.. وتصرف عليها ، قالت له في مواجهته

3لم أكن موافقة على زواجك.. فهل عملت برأيي؟..

ثم أضافت لزوجة صديق له يعمل بالتدريس هناك :

السبب الأخير لرفض أبى هو السبب الأول لموافقتي! ألا يدرى أن زواجه حرمني منه.. ولو بالفكر؟.. إذن لا بد أن أتزوج بعيدا عن مصر حتى أحرمه منى بالفعل

ذهلت الصديقة: تسوقين العناد إذن؟!..

لم ترد إلهام فعادت الأخرى تردف: هذا أغرب سبب زواج سمعته في حياتي.

مثل كل مرة.. ومثل كل أمر.. اعترض ..الأب.. وناقش وساق الحجج والأسانيد . احتد ثم ثار.. ثم ترفق لكن شيئًا من كل ذلك.. لم يُجد فتيلا! أقيم حفل الزفاف الأنيق في أجمل فنادق العاصمة السودانية، وبعد أيام عاد الأب إلى القاهرة وحده، قال لزوجته

– ذهبت معها إلى الخرطوم كي أدخلها الجامعة ولكني أدخلتها في عصمة العريس

كان يتكلم بسخرية.. لكنها كانت سخرية مريرة ، هونت عليه زوجته: في كلتا الحالتين كنت ستتركها هناك… بعيدة عنك، الآن المفروض أن تكون أكثر اطمئنانًا عليها وهى في رعاية زوجها وحماتها عنها لو كانت في المدينة الجامعية.

زفر.. في الجامعة كنت سأصبر نفسي أنها فترة وتنقضي ثم تعود إلى مصر، أيضا فإن أكثر ما يقلقني خشيتي أن تترك الدراسة.

أوه يا حامد .. لا تشغل نفسك بدون داع.. هذا غير معقول طبعا بعد أن التحقت بالكلية التي كانت ترغبها.

لكن ما خشيه الأستاذ حامد تحقق في أقل من سنة، تركت إلهام الكلية نهائيا واكتفت بأن تكون زوجة متفرغة للثرى الأمثل زاهر وليتها كانت زوجة سعيدة، دائمًا خطاباتها لوالدها تمتلئ بالشكوى.. من انشغال زاهر عنها بأملاكه ودراساته.. وأيضًا من تحكم حماتها في كل كبيرة وصغيرة في حياتها.. حتى جاءت “ترمين”.. الحفيدة الأولى لحامد، بكى وهو يقلب الصور:

بعد ولادة إلهام تمنيت أن يرزقني الله بأخ أو بأخت لها .. لكنها كانت أحلام.. بددتها الأيام، من ثم حولت أمنيتي إلى حفيد أو حفيدة.. وها هي ذي تأتي ولكن.. بعيدا بعيدا …

لم يعد يرى إلهام أكثر من مرتين في العام مرة في الشتاء عندما يسافر هو إليها.. والأخرى في الصيف عندما تحضر مع زوجها وحماتها للقاهرة، هو معذور في قلة الزيارات.. صحته لم تعد تساعده.. مضى العمر ولم تبق إلا فلوله ، ولكن ماذا عن إلهام؟.. تراها ما زالت ناقمة على زيجته الثانية، لكنها تفاحته عند زيارته الأخيرة لها .. ألقت برأسها على كتفه وانفجرت تبكي:

– أخطأت كثيرًا في حقك يا أبى.. لكني أطمع في عفوك.

كنت صغيرة السن قليلة التجارب، إنني نادمة على كل تصرفاتي التي كنت أعاندك بها.. كلها عدا شيء واحد .. زواجي من زاهر حيث أصبحت أحبه.. أحبه لدرجة لا يتصورها أحد ، إنني الآن أراه كل العالم.. عالمي أنا على الأقل هذه المشاعر العاطفية الرقيقة.. وأيضًا مشاعر الأمومة العذبة – وكلها جديدة على.

غيرت نظرتي للحياة، بل أعادت صياغتي إنسانة جديدة، من حق كل إنسان أن يحب ويحب.. كان من حقك تماماً أن تتزوج.. كيف كنت ستعيش وحيدا بعد أن تتقدم في العمر وأتزوج أنا؟

إنني سعيدة أن غضبتي وثورتي لم تنجح في أن تجعلك تعدل عن مشروعك.. كان ذلك حريا بأن يجعلني الآن في منتهى الألم والعذاب.. وأيضا إحساس الشعور بالذنب.. الذي ربما حطم نفسيتي وبدد السعادة والبهجة كلية من حياتي!

بدون أن يدرى يجد الأستاذ حامد نفسه يبكى هو الآخر لتمتزج دموعهما معا، حلم طويلاً بهذه اللحظة. منذ بداية زواجه وتعقد المشكلة وهو يتوقع.. ثم يتمنى حدوثها.. تأخر تحقيقها كثيرًا، لكن حمدا لله.. أخيرًا أتت…وهو يهنئ زاهر لحصوله على الماجستير.. اقترح عليه أن يحضر إلى القاهرة لعمل رسالة الدكتوراه لكن والدة زاهر تضحك ساخرة

معقول ؟ .. يترك جامعات لندن ليذهب إلى القاهرة ؟

وقد كان.. انتقل الركب بأكمله إلى لندن، لكن ما تكاد تمضى الأستاذ حامد عليهم شهور هناك إلا وترحل الأم، وكأنها كانت تحس باقتراب منيتها فصممت على السفر إلى إنجلترا لتموت في بلدها عندما سمع بالنبأ، خبط كفا بكف وهو يقول في أسف:

– ترى لو أن سفر إلهام وزوجها تأخر بضعة شهور.. لما بعد وفاة مسز عثمان.. أكان زاهر يستجيب اقتراحي ويكمل دراسته في القاهرة؟.. وتحاول زوجته التهوين عليه.

– لا أحد يستطيع أن يجزم بالضبط، لكن لو حتى كان الرد بالإيجاب فقد انتهى الأمر..

تنهد : نعم سامحها الله .. زرعت ابنتي في لندن.. ثم رحلت.

رغم صقيع لندن إلا أن الخطابات التي ظل الأستاذ حامد يتلقاها منها كانت تتسم بالدفء، تعودت إلهام أن تكتب إليه بكل ما يحدث لها يوما بيوم… وكأنه معها. كتبت إليه عن انتقالها وزوجها للإقامة في شقة أنيقة، يتقاسمانها مع مبعوث مصري آخر وزوجته.. التي سرعان ما ارتاحت إليها وتألفت معها..وكأنها أخت شقيقة.. مما خفف عنها ضجرها لانشغال زاهر عنها بدراسته..

في أول العام الجديد كتب حامد لابنته يهنئها .. ويلفت نظرها إلى أن موعد زيارته السنوية لها بالطبع سوف يتغير.. بتغير مكان إقامتها .. لتصبح صيفية ومن الآن حتى يحل شهر يونيو.. اكتبي لي بكافة طلباتك.. كي أصطحبها معا حين أتى إليك بإذن الله..

لكن قبل أول زيارة له وقعت الواقعة، ذات يوم خرجت إلهام مع اعتدال – شريكتها في المسكن – كي تشتريا بعض الملابس الشتوية من شارع أكسفورد.. الذي يبعد عن حيهما بمسافة طويلة ، وإذا بالأمطار تفاجئهما قبل أن يركبا المترو الذاهب إلى هناك.. فتقررا العودة.. وتأجيل الشراء ليوم آخر أمام باب المنزل يتصدى لهما البواب.. معلنا إياهما أن أوامر السيدين” تقضى بعدم السماح لأحد بالدخول وتحتج اعتدال:

نعرف هذه الأوامر.. حيث هما يريدان الاستذكار.. لكن المقصود بهذه الأوامر طبعا الزوار.. خشية تعطيلهما.

وصرخت إلهام أجننت؟

نحن زوجتا السيدين.. أنت حقاً جديد في عملكم هنا .. لكنك بالتأكيد رأيتنا أمس وتعرفنا جيداً.

ويرد البواب نافد الصبر: بالطبع أعرفكما .. لكن الأوامر كانت صريحة.. “ممنوع دخول أي إنسان.. وبالذات الزوجتين.. لمدة ثلاث ساعات”.

تتبادل إلهام واعتدال النظرات في دهشة .. تتحول إلى ذهول.. ثم غضب..وأخيرًا إلى ثورة وتهددانه.. إذا لم يفتح لهما ستبلغان البوليس، أسقط في يد البواب فلا يجد مفرا من فتح الباب، وتدخلان مندفعتين.. لتجدا الشقة وقد تحولت إلى ماخور حقير الزوجان المبجلان في حالة تبذل.. ومعهما فتاة ليل رخيصة .. من أدنى مستوى. لا تساوى قلامة ظفر أي منهما !

في الطائرة المسافرة إلى القاهرة.. بدا الذهول في نفس إلهام يخلى مكانه لشعور الأسى المرير.. لذلك مضت تناجي نفسها :

ما كان ينبغي ان تكون صدمتي مروعة لهذه الدرجة .. ماذا كنت أتوقع إذن؟ أن تمضي سفينة حياتنا في بحر هادئ رقراق؟ كيف وقد أسأت اختيار السفينة.. وأيضا المجري الذي تبحر فيه كانت البداية خاطئة.. فحتما أن تكون النهاية ت كما حدث بالضبط ت من نفس النوع.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتبة مصرية من سوهاج، أول أعمالها قصة (جاء الشتاء) نشرت بمجلة الإذاعة عام 1958/ فازت بعدة جوائز أبرزها جائزة نجيب محفوظ.
من مواليد 13 ديسمبر عام 1934، وهى صاحبة بصمة رائدة فى فن القصة القصيرة فى مصر، نشرت أول أعمالها جاء الشتاء بمجلة الإذاعة فى 1958. كانت عضوة مؤسسة لجمعية الكاتبات المصريات وعضوة جمعية الأدباء ونادى القصة ونائب لرئيس الصالون النسائى الأدبي. ترجمت بعض أعمالها للغات عالمية.
لها أكثر من 200 قصة قصيرة ومجموعات قصصية. منهم: سجن الملكة: مجموعة قصصية، 1965، أحلام العمر كله: مجموعة قصصية، 1971، أقوى حب: مجموعة قصصية، 1982، ممنوع دخول الزوجات: مجموعة قصصية، 1988، سطر مغلوط، خيط لا ينقطع: مجموعة قصصية، 2013.
حصلت على عدة جوائز من قبل منها: وجائزة نجيب محفوظ وجائزة محمود تيمور ( 1994)، وقد تم تحويل 15 قصة لها إلى مسلسلات وأفلام وسهرات تليفزيونية وحصل بعضها على جوائز، كما مثلت مصر فى مهرجانات عالمية.



1716325768827.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى