طارق البكري - أميرة القصر الأبيض

لكل شيء ضده
النَّاسُ في دنيانا اليوم، كما رأيناهم وخَبرناهم في حياتنا، من خلال تعاملنا معهم واحتكاكنا بهم؛ ليسوا جميعاً - في الغالب الأعم - سَواسيَة مُتساوين في الفكر والمنطق والعطاء والعمل..
وهذا الكلام حقيقة تثبتها التجارب، وليس مجرد كلام فارغ، للتسلية أو لتمضية الوقت، أو مجموعة من التخيلات الواهمة البعيدة عنِ الواقِعِ المحسوس.
فلا يظنن كلُّ أحدٍ أنَّ جميع ما نسمعه في القصص القديمة والجديدة، بما فيها من تفاصيل بعيدة عن واقع القارئ أو السَّامع، هي أمور تحدث فقط نتيجة أفكار المؤلف وأهوائه، وليس لها حظ من الحقيقة..
ولعلَّ كثيراً مما ترويه المسلسلات والأفلام التلفزيونية والسينمائية، فضلاً عن القصص، لا بد وأن يكون ثمرة ناضجة دانية من خيال الكاتب الجامح المنطلق، اعتقاداً بأنَّ في ثمارِ حَبكته "المدهشة" ما لا يحدث في الطبيعة الإنسانية وفي حياتنا الدنيا.
فقد يكون الذئب والتمساح المتخيلان في تجربتي ليلى (ذات الرداء الأحمر) -مثلاً- وهمين حقاً، سواء مع خصمها الأول اللدود في قصة (ليلى والذئب) القديمة، أو مع عدوها الثاني اللحوح في قصة (ليلى والتمساح) الجديدة.
هذا من حيث المبدأ طبعاً، وذلك على اعتبار أنه لا يوجد ذئب ولا تمساح يتكلم.. فهذا شيء غير منطقي ولا معقول.. وعقل الإنسان يعلم هذا ويدرك أنَّ ما يروى مجرد خيال.
فهل شاهد أحد منا أو منكم ذئباً مفترساً يتكلم ويكذب ويحتال كما كذب واحتال على البنت الجميلة الطيبة ذات الرداء الأحمر؟
ومن ذا الذي رأى أو قطة وفأراً يتعاركان ويتنافسان ويتبادلان المقالب كما رأينا مع قصص توم وجيري العالمية؟؟
وهل هناك من سمع أو رأى في الواقع تمساحاً مرعباً يحاور ويناور ويجادل ويقنع محاوره كما رأيناه يفعل في قصة ليلى والتمساح؟!!
في القصص الخيالية الترفيهية المعتادة الأمر مقبول إلى أبعد حدود.. وليس في ذلك مشكلة على الإطلاق، بل على العكس تماماً؛ فهذا شيء طريف ومعتاد ومطلوب ومرغوب، بل ويرتقي بالقصة وكاتبها إلى القمة إذا أحسن استخدام أدواته، من حرف وكلمة وحبكة وعقدة وحل.. إضافة إلى التفاصيل الدقيقة التي يعرفها كل من رغب بكتابة قصة من القصص الراقية، وإلى أي صنف انتمت.. فهذا الكلام نفسه يندرج أيضاً في سياق القصص الهادفة الرزينة التي تسعى إلى توصيل فكرة مفيدة أو غرس قيمة رفيعة.
وما أقصده: هل رأى أحد منا أو منكم على أرض الواقع؛ في الغابات أو في حدائق الحيوان على سبيل المثال.. أو حتى على القنوات الفضائية: ذئباً غداراً أو تمساحاً شرساً يتكلم؟!!!
ولنفترض أنَّ أحداً منا ادعى ذلك، فهل يمكن أن نصدِّقَه، هكذا.. وبكل بساطة وبتلقائية مباشرة ودون إعمال عقل؟!
هذا الأمرُ مستحيلٌ طبعاً، بل سوف نقول فوراً ودون تردد: إنَّ من يدعي ذلك فهو مَجنونٌ أو كذَّاب.. فلا يوجد في الواقع حيوان يتكلم، باستثناء الببغاوات طبعاً.
ومع أن الببغاوات تتكلم فإننا لا نستطيع أن نصفها بأنها حيوان ناطق.. فهي تردد فقط ما تسمع، دون دراية أو تفكير أو عقل، ومهما حاولنا بالتكرار والإصرار والمثابرة المرهقة فهي لن تردد سوى ما نعلمها إياه من بضع كلمات محدودة لا غير، وبشكل مجرد عن العقل.. فهي في الحقيقة لن تفهم ولن تستوعب ما نقول ولن تميز بين المعاني والمباني.
وبعيداً عن كل ذلك؛ فإنَّ ما وراء الذئبِ والتمساح في القصتين المذكورتين آنفاً: "حقيقة" واحدة لا مراء فيها ولا جدال..
فقد يكون بعض الناس على هيئة البشر الذين نعرفهم من حيث الشكل، لكن ليس من حيث الطبع والمضمون البشري الصافي الذي يولد عليه الإنسان، لإن الإنسان كما نعلم يولد على الفطرة الربانية الصافية، قبل أن يتحول إلى وحش من وحوش الدنيا إذا لم يحرص على الحفاظ على هذه الفطرة التي فطر عليها..
وفي الواقع قد يضمر هؤلاء الذين هم على هيئة بشر شكلاً لا مضموناً "أخلاق" وحش فاسد، أو "أحلام" ذئب مراوغ، أو "إحْسَاسَ" تمساح جائع..
أو قل ربما صفات أخرى لا تحصى من الصفات الشرسة..
ألا يقولون: "يروغ منك كما يروغ الثعلب"..
ويقولون أيضاً: "جلده تمسح".. بمعنى أنه لم يعد يتأثر بشيء، لأن جلد التمساح سميك جداً، بما يمكنه من تحمل الشدة والقسوة والضرب الشديد ولو كان الضرب بالحديد، كما أنه صلب عنيد، لا يستسلم ولا يهادن، فضلاً عن كونه لا يعترف بالهزيمة مطلقاً، وإن هزم فعلاً وفر هارباً من ميادين القتال!!
وحقيقة التمساح المقصودة في القصة وجوهرها واقع مألوف ملموس محسوس، ومثله الذئب وإن اختلفت الصفات، فإن لم يكن ذئباً برياً بأنياب حادة ومخالب جارحة فهو ذئب بلبوس بشر..
وقديما قالت الأمثال: "إذا لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب".. للدلالة على أنَّ المجتمعَ قد يشبه الغابة، حيث أن البقاء والصمود للأقوى وللأشرس..
أما الهين اللين الضعيف فمصيره - ربما - أن يكونَ فريسةً لغيره الأقوى منه، وهذا ما يَعتقده بعض الناس، وربما أغلبهم نظراً لما يرونه من مواقف مشابهة تحدث أمامهم..
والحياة عند المؤمنين بهذه المقولة قد لا يكون فيها سوى خيارين لا ثالث لهما: إمَّا أنْ تكونَ ذئباً بَين ذِئاب الحياة، أو أنْ تكونَ فَريسةً للذئاب، فلا مكان للضعفاء في الأرض، ولا رحمة ولا قانون عند الأقوياء.
لكنَّ هناكَ فئةً أخرى من النَّاسِ تَرفُضُ هذه المَقولةَ - وما يتبعها من رأي - جُملَةً وَتفصيلاً..
غير أن الأغلبية تقرُّ به وتعترف..
ولك فيما يكتب الكتاب والشعراء والأدباء والصحافيون وغيرهم الكثير من الشواهد..
وهناك من يرى أنَّ مثل هذه الأقوال تقتل المروءة والشرف، وتنزع المحبة من قلوب الناس، وتجعلهم كائنات فتاكة مفترسة..
ويقولون إنَّه بدلاً من أن نفكِّر بالافتراس المتبادل؛ علينا أن نفكر بالتَّراحم والتسَامح واحترام القوانين.
أما أنا فلا أظنُّ أنَّ الأمثال والأقوال هي وحدها التي تقتل المروءة وتنزع المحبة من قلوب الناس.. غير أن القلوب هي التي تقسو وتتحجر، فتمتنع المحبة عن السكنى في داخلها.
فمن يتجرأ على أن يكون ذئباً غريراً أوِ تمساحاً شريراً لا يحتاج لأقوال يستشهد بها، بل الأقوال هي التي تستشهد به.. والذكي النبيه هو من يجنب نفسه المزالق، ويستطيع أن يميز ما بين الحقيقة والخيال.. ويدرك الفرق ما بين الواقع والأحلام.
فلكل شيء ضده.. ومثل هذا ينطبق تماماً على "الطيبة" التي اشتهر بها حارس الغابة في قصتي ليلى الجميلة البريئة، والتي قد تكون طبعاً موروثاً..
وفي بعض الأحيان قد تكون خداعاً وتمويهاً..
وكما أن الوجوه تختلف وتتشابه في حسنها وقبحها؛ فإن القلوب والنفوس هي أيضاً تختلف وتتشابه.
ومن المعلوم أنَّ لكل شيء ضده، ولكلِّ صورة حسنة ما يقابلها من قبحٍ ودَمامَة، وقال الماضون فيما سبق من أزمنة خالية: "الضد يظهر حسنه الضد".
وكذلك قالوا: "بضدها تتميز الأشياء".
فقد يكون الأب طيباً حنوناً لطيفاً خلوقاً، محبباً لكل من حوله من أفراد أسرته وكل من يعرفه من أبناء الحي والمنطقة وزملاء العمل، ثم يأتي الأبناء، واحد منهم أو أكثر، ويكونون إمَّا متنافرين متضادين، أو أعداء متباغضين، على النقيض تماماً مما يجسده الأب من صِفات الرجولة والنبل والطيبة والجَمال والخير، فيُحسَبون من الأشرار لا منَ الأخْيار الأبرار.. أو على العكس من كل ذلك؛ فقد يكون الأب ظالماً شريراً، لكنَّ الأبناء يأتون وفي قلوبهم عُصارة بيضاء ناصعة براقة، يحملون على أكتافهم مشاعل الحرية والحق والأخلاق والطيبة..
وربما تكون الأم صالحة والأبناء عكسها تماماً..
وقد يختلف الأخ مع أخيه، وعن أمه وأبيه.. في كثير من الموازين والمقاييس، وفي أحيان كثيرة؛ يتفوق الابن على أبيه الطيب في الحسن والرقي والعلم والأخلاق.. والأب من جانبه لا يحزن، بل يفرح بهذا التفوق فرحاً بالغ التعقيد، بل وأكثر مما يفرح بالانتصار جندي محارب في ساحات الوغى بعد جلاء غبار المعركة.
ولا يتوقف الأمر على نطاق الأسرة فقط في زمن محدد ومكان معين، بل الفكرة تتعدى ذلك بكثير، وتبلغ مداها حتى تسري على كل إنسان في كل زمان ومكان.. وليس زمان ما مثل زمان آخر، ولا إنسان ما مثل إنسان آخر!!! وليس في هذا الكلام إبداع مبتكر جديد لم تسبق إلى معرفته الأوائل.. لكن لا بد من حمله وقوله من حين لآخر، إنه لذكرى، والذكرى تنفع من يريد الانتفاع.. أمَّا من أعرض عنها؛ فلا تنفع معه الزلازل المزلزلة، ولا البراكين المتفجرة، ولا الصواعق المزمجرة..
وكما أنه لا توجد في الكون بصمة إصبع إنسان واحد تتطابق مع بصمة إصبع إنسان آخر، كما أوجدها الله عز وجل بين البشر، فإنَّه لا مفر من فروق خَلقية (بالفتح) وخُلقية (بالضم)، هي موجودة حقاً، لكن ليس بالغصب والجبر والإكراه؛ بل باختيار الإنسان ورضاه.
وفي كل صفة من صفات البشر تباين وتقارب.. تجانس وتنافر.. تعارف وتناكر.. تآلف واختلاف.. حتى اليد الواحدة تختلف بصمات أصابعها، من الإصبع الصغير، وهو الخنصر، إلى الإصبع الكبير، وهو الإبهام..
لكن وبالنتيجة؛ فإنَّ الإنسان وإن كان لا يستطيع تحديد طريقة خَلقه وما سيكون مصيره ومستقبله وموعد ومكان وفاته.. كما قال الله تعالى في سورة لقمان (الآية 34): (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).. فإنه الوحيد الذي يستطيع أن يحدد طرقه وخياراته الأخلاقية والإنسانية، مهما كانت الصعاب والتحديات.. ولولا أن الاختيار بين الحسن والقبيح بيد الإنسان نفسه لما كانت هناك جنة ولا كانت نار.
وبغض النظر عن كل ما يحيط بالإنسان من مقادير ربانية، من أمور وحوادث سلبية أو إيجابية تصادفه بدون إرادة منه.. فإنَّ الله تعالى يعلم ما سيكون عليه أمر الإنسان وما الذي سيختاره دون أن يتدخل بإرادته، ودون أن يفرض عليه خيارات معينة.
فالله سبحانه لا يجبر الإنسان على فعل أمر من الأمور لا يريده إلا إذا كان ذلك بخيارات إنسانية تفرض عليه فرضاً، مثل حاكم ظالم - كبيراً كان أم صغيراً - فلا يقوم الإنسان ساعتها بالعمل السيء من تلقاء نفسه مخيراً بل مجبراً.. إذا لم يكن هناك مفر من هذا الحاكم الظالم.
والله - كما هو معلوم عند الجميع - يترك للإنسان مساحة واسعة من الاختيار، بل يترك له في الحالات الطبيعية ودون تدخل البشر الاختيار الكامل، في الاقوال والأفعال والتصرفات والمعتقدات.. بعيداً عما قد يجري من أمور لا يكون للإنسان عليها سلطان، أو التي تقع من حين لآخر للاختبار أو التمحيص أو التنقية.
والصائغ يفعل مع الذهب فعلاً مدهشاً عندما يعرضه للنار، فيتميز الذهب النقي عن غيره من المعادن، ويخلصه مما علق فيه من الشوائب والعوالق، ويعمل على صوغه بشكل جديد، بأبهى حلة وأجمل صورة..
والإنسان العاقل لا يقول هذا قدري في الحياة وذاك نصيبي ثم يستسلم، ويتعذر بزعمه: إنها "نفسي الأمارة التي تأمرني بالسوء".. بل عليه أن يسأل هذه النفس التي في داخله:
- لماذا تأمره بالسوء؟؟؟
- ولماذا لم تكن أمَّارة بالحسنى، أو على الأقل تكون نفس لوامة؟؟!!
بل بالأحرى عليه أن يسأل قلبه وعقله:
- أين أنا؟!
- أين عنفواني وقراري الحر المستقل كما يقول البعض؟!
- ولماذا لا تكون نفسي أمارة بالخير؟
- بل لماذا أستمع إلى هذه النفس الشريرة وأنفذ ما تأمرني به من خطايا ومعاص؟
- لماذا أطاوعها وأنفذ رغباتها ولا أقف أمامها صائحاً في وجهها رافضاً أوامرها، عوضاً عن الإنصات إليها والإذعان لما تأمر به من شر وتنهى عنه من خير؟
- ألم يكن الأجدى بمن وافقها على ما تريده وبمن اعتاد على ممارسة الخطأ وثابر عليه حسب تعليماتها أن ينتصر عليها ويثنيها عن أعمالها؟
وهذا بعض ما يجب أن يسأله لنفسه كل ذي رأي سديد وعقل لبيب..


د. طارق البكري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى