جعفر الديري - عالَم خاص... قصة قصيرة

عمَارات وبيوت ومحَلاتٍ تجَارية تنتشر على جَانبي الطريق!. ليس هذا ما قطع لأجلِه كلَّ هذه المسَافة. أين المزرعتان المتقابلتان؟ تُطلُّ خلف شِباكِها رؤوس النخيل، وأشجار الإترنج والتين واللوز والبمبر تنشر رائحة ذكيَّة، لا تزال عالقة بذهنه رغم الغربة الطويلة.

لا شيء من ذلك الآن، مجرَّد خرسانة من طوب واسمنت يابس، على هيئة بيوت مُتراصَّة، هي بالضبط ما كانت تقع عليه عينه في البلد الشقيق، فتثير في نفسه القرف والضجر من الناس ومن نفسه أيضا.

فما مجيئة لهذا المكان إذن؟ لقد جَاء راغبا في التسرية عن نفسه، بعد قضائه ثلاثة أشهر ملؤها الملل في بيته الجديد، في المدينة الحديثة. كان قد استقال من عمله في الدولة الشقيقة، بعد أن زيَّن له أصحابه العودة لبلده، فاكتشف لاحقا كم أنَّه أحمق كبير حين استبدل الحياة المنتجة، بالملل والسأم، بساعات طويلة تذهب هباءًا، وأوقات كثيرة يقضيها كأنَّه لا شيء في هذا الوجود، لا قيمة ولا أثر لا على أكبر الأشياء ولا على أصغرها، حتَّى الأولاد لا يعبؤون بوجوده، كلُّ له عالمُ خَاص، يرفض مشاركة أحد فيه.

قالت له زوجُه: لمَاذا لا تزر قريتك؟ ربَّما وجدت شيئا يطيَّب خاطرك. ولم يشكَّ لحظة أنَّها ضجِرت بجلوسه دون عمل، بمزاجه المُتقلِّب وعصبيَّته الكريهة، وتساءل: ماذا سيجد في قريته؟ صلته انقطعت بأصدقاء الأمس منذ زمن بعيد؟ لكن ... ربّما يكون حظُّه طيبا، فيجد شيئا يذكّره بطفولته السعيدة.

الحَقُّ أنه استقبل كلامَها بالرضَا التام، وعدَّ اقتراحَها توفيقا من الله، ربَّما منحه شيئا من سعادة تلك الأيام، حين كان طفلا شقيَّا لا يهدأ عن الحركة، وصبيَّا لا يملُّ لعب الكرة، وتسلَّق شِباك المزرعة، ومشاغبة الحارس الآسيوي، وسرقة الفاكهة، والهرب بها، ليس لشيء سوى التسلية.

أيَّام عزيزة على قلبه، استدعتها ذاكرته وهو يسوق السيارة، برز منها بشكل منفر، تلك اللحظات القاسية، حين علم بقرار السفر. لم يستطع مغالبة دموعه، شعر حينها كأنَّه يُجتثُ من أرضه، وصدق حدسه فما أن وصل إلى هناك، حتى أحسٌ بنفسه طائرا دون عشَّ يبيت فيه ولا شجرة يستند إليها. تعزَّى بالزيارات السنويَّة، لكنَّها لم تعد تثير في نفسه شيئا، كذلك علاقاته بالناس تقطَّعت، لم يعد يحنُّ لأحد ولا يشغله سوى مستقبله، وقد مرَّت السنوات وكبر ونجح حقَّا وتألَّق في حياته الجديدة، لكنَّ الثمن كان باهظا.

والآن وهو على هذا الطريق من زمن طفولته، يدرك المَدى البعيد الذي يفصله عن الأمس، وبدلا عن أن يعيش المشاعر والأحاسيس القديمة، ضاق صدره، فقرَّر الهرب من المكان. قفل راجعا لحيث ركن السيارة، وساقها، وخيبة الأمل تجثم بقوَّة على قلبه، لكنَّه سمع صوت أذان الظهر، يرتفع من مأذنة المسجد على يمين الشارع، فلم يستطع كبح تأنيب ضميره، وهو الحريص على أداء صلواته في أوقاتها، فعزم على أداء الصلاة والانصراف بسرعة عن المكان.

ولج ممرَّا فرعيَّا، فألفى نفسه عند باب مسجد صغير المسَاحة، كان جديدا لم يشاهده من قبل. ركن سيَّارته مُجدَّدا، وتوجَّه لدورة المياه، وتوضأ وانضمَّ لصفوف المصلِّين، محاولا تجنُّب الحديث مع أحد. أنهَى صلاته، فقام مسرعا وفي نيَّته مغادرة المكان، غير أنَّه وما أن أدار رأسه، حتى وجد رجلا يقبل عليه بابتسَامة كبيرة ...

- سعيد ... أهو أنت حقّا؟

تطلَّع باهتمام لمُحدِّثه، فعرف فيه عبدالله صديق الطفولة. كانت ملامحه كما هي لم يتغيَّر منها شيء، كذلك بدى نقيَّا طيَّبا كما عرفه دائما ...

- عبدالله.

ووجد نفسه تنساق لعناقه...

- أين أنت يا أخي؟

لزم الصمت، فأردف عبدالله معاتبا:

- أمعقول يا رجل؟ كلَّ هذه السنوات، ولا تسأل عن أصحَابك وأصدقائِك؟

- سَامِحْني يا صديقي، مشاغل الحياة كثيرة.

- إنْ كنت نسيتنا فنحن لم ننسك.

ونادى:

- يا جماعة الخير، أنظروا من جَاءنا اليوم.

تلفَّت حضور المسجد باهتمام، ثمَّ أقبلوا مستطلعين، وما ان وقفوا أمامه حتَّى عرفه عديد منهم، كانوا زملائه في المدرسة الإبتدائية والإعدادية، لذلك لم يصعب عليهم تبَّين ملامحه رغم السنوات الطوال. عانقوه بمودَّة، فشعر وكأنَّ سنوات البِعاد الطوال أزيلت من ذاكرته، فهو طفل يلعب وصبي لا يفقه سوى لغة المحبَّة والأنس إلى الأصحاب والأصدقاء.

تمت​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى