الرّمل مدار الواجهة ومدار الشعر والكلام
الرمل برموزه المتعددة يتناثر هنا وهناك في القصيدة وعند تفكيكها يتوجّب محاولة اماطة الغموض عن هذه الرموز التي وظّفها الشاعر لتشكيل رؤيته للوجود والحياة.
وحين ياخذ القاريء بعين الإعتبار الفرق بين دالّ "الرّمل" الذي هيمن على مقاطع الواجهة ودالّ"التراب" الذي ذكر مرتين فقط تتولّد الحيرة وتتعمّق.فهل يوجد في هذا المدخل في القراءة ما يساعدنا على ولوج عمق القصيدة والابحار في تفاصيلها وقراءتها قراءة تنساب معها ولا تُسقٓط عليها؟
من المهمّ والضّروري بداية،البحث في معنيي الرمل والتّراب لغة. فالرمل كما ورد في لسان العرب هو (نوع معروف من التّراب وجمعه الرّمال،والقطعة منها رملة)اذا فالرّمل نوع من التّراب، هوعنصر خاصّ ينضوي تحت عنصر عامّ هو التّراب
والتّراب كما عرِّف في معجم المعاني الجامع (هوما نعم من اديم الأرض).
يختلف الرمل عن التراب في كونه لا يحتفظ بالماء والعناصرالغذا ئية والهواء لأن المسافة بين جزئياته الخشنة كبيرة يتسرّب منه الماء بسهولة لانّه اخفّ وزنا منه .وقد رأيت أنه من الاجدرفي هذه القصيدة التّركيز على الرّموز الكثيرة للرّمل ،هذا العنصر الواحد الذي يجعل له الشاعر مدلولات متعدّدة،حبيبات تتفرّق وتتباعد ثمّ تتجمّع في دالّ واحد هو الرّمل،اضافة الى البحث في رمزيّة التراب مقارنة بالرّمل.
تنفتح القصيدة بالرمّل مرتبطا بزمن يحضر في وعي الشّاعر عند الكتابة"باب القيامة" يبدا بالنّهاية،يستحضرمشهد القيامة فيحضر الرّمل من خلال قنوات وصف متعدّدة،بصرًا"يبدو درمكا في الشمس " ولمسًا "املس كالمرايا" وهياما مشاعر" والهَيام حسب ما ورد في معجم المعاني الجامع هو(ما كان ترابا دفاقا يابسا لا تستطيع ان تمسك به لدقة ترابه)..كما يحضر صوتا ايضا "العزيف" وهو صوت (وقع الرمل بعضه على بعض)
إذا يحضر الرمل في البدء بكل ثقله الدّلالي في وعي الشاعر مرتبطا بزمن خارج الزّمن مثلما ورد في الموروث الديني والثقافي العربي: وقوف الانسان بين يدي الذات الالاهية للمساءلة لا حاجز بين جلده والرّمل،الرّمل الذي هو جزء من الطين الذي صنع منه،تجرّدٌ من كلّ عوالق الدّنيا وتوحّدٌ مع الرّمل تحت شمس توحي بالحرارة أو النار تعاضدها مفردة "مستعر"...اطار زماني ومكانيّ ملائم يجعل الانسان في حالة فزع،حالة انتظار ،كيف لا والرّمل يحضر أيضاً رمزا للزمن من خلال قول الشاعر"ساعة رملية تسيل كما العرق"
الرّمل/الزّمن
الساعة الرّملية في روما القديمة هي رمز للموت
والرّمال هي رمز للقدريّة وكلّ حبّة رمل هي ثانية لا تقدّر بثمن...الساعة الرمليّة تقول إنه لا يمكن للوقت أن يتحرّك للخلف,لا شيء يعود إلى الوراء والانتظار على باب القيامة كم هو موجع،تنفلت الثواني ثانية ثانية يزيدها الهَيام وجعا...
ينتقل لنا الشاعر من مشهد مابعد الموت ويعود لنا إلى مشهد الحياة في المقطع0,مشهد متّسع حتى حدود الغيم:
الرّمل. الشاطئ ..ألوان الازورد والعشب.
إطار مكانيّ يمهّد من خلاله الشاعر لظهوره،للانا للبدايات...
في المقطع1يتجلى صوت الانا،صوت الشاعر"صغيراكنت أعرف أني رمل"
هو يعرف،معرفة بالذات وتكوينها،معرفة لا يكتفي بها بل يواصل البحث ،يقول:"بي شغف لاثقب رملة حتى أرى قاع الوجود.".وفي هذا المعنى يقول اناتول فرانس "إبحث انت عن المعرفة فالمعرفة لا تبحث عن أحد"
الرّمل/التاريخ..تاصيل للمدينة
في المقطع5 الرمل أداة معرفة الشاعر فيه يبحث عن السحاتيت القديمة،يذكر بإصالة المدينة وعراقتها منذ روما والآشوريين،بحث مرتبط بالبراءة الاولى حين تنهار الأحلام على شاطيء لا يغادره الملح يتاكد ذلك في ما ورد في المقطع3 "الرمل سرّ الله يبتلع الحياة " الرمل هنا هو الأرض "غزة"أو فلسطين...التي "تحتها ما تشاء من المدن" من يلمسها ياخذه الموت،فرمل غزة لا يخلو من مريدي الحرّية ،من"وئدوا امام الشّمس،من ركضوا وراء الطّير.."
يضجّ المقطع5...برائحة الموت،حتى ان الشاعر وهو يتامّل يرغب في ان يستوقف الرّيح التي تاتي بالموت(الرّوامس الصّامته)وأكيد انه استعمل كلمة --ريح_مفردة عن وعي،لما تحمله من دلالات. وعن الفرق بين الريح والرياح،قال تعتبر في صورة الحافّة"امّا عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية" وقال "من آياتهم ان يرسل الرّياح مبشّرات وليذيقكم من رحمته"اذا فالرّيح تاتي بالراومس بالقبور الصّامته بالموت لمن يحلم بالهواء ،الهواء الذي ارتبط عند الصّوفيّة بالطّيران والعروج الى السّماء،الانعتاق والحرّية
الرّمل /مكان للحبّ والحياة
في المقطع2الرٌمل مكان للحبّ،هرب فجأة من ذكرياته وعاد للحديث عنها(المرأة)،كلّما توغّل في فكرة ،توقف لحظات يستعيد حكاية الحبّ,هي مهرب من كلّ هذه التأملات والهواجس،وهذه الملاحظة تنسحب على كل الواجهات في المجموعة الشعريّة.فها هو الرّمل "فراش للعاشقين تحت الظلّ والظلّ يوجد حين يوجد الضّوء،حين توجد الحياة ..
يتكرر هذا المشهد في آخر المقطع 8
" وننسى أنا كنامعا في الرمل نفقد فيه ماء الرّغوة المتدّفق فيما دائماً.."
معجم حسّي يحكي العشق ضمن اطار مكانيّ هو الرّمل الشاهد على اللذة،هو الرّغبة التي تسيل في دمنا تضجّ في كلمات العارفين تسجّل في رسائل وصحف يرويها المنشدون،تغدو حكايات لا ينساها التاريخ الحبّ عند الشّاعر فلسفة ،اذ هي ترتبط بالحسّ،بالملموس،بالاصوات ،الحبّ هو ملهم الصّادقين والعارفين.
غير انّه كان يعترف انه يشتهي الاعتذار لزهرة صباح لم يرتّب رملها مكتفيا بمديحها الفاني،اليس ترتيب الرمل مرادف للاهتمام، لاستدعاء الحياة؟
الرّمل أيضاً يسمع وشوشات الليل ولا يبوح بها كالصّمت يعيق الرّيح يجعل الاسرار في وسائد الضّمير "لا تسرّب ما تفاءلنا به في الحلم "
ارتبط الرمل اذا بالزمن الذي ينفلت،بالذكريات،بالتاريخ باللذة التي تتماهى مع التراب، فكيف انتهى فى الأخير الى استعمال مصطلح "التّراب "؟
كيف وظّفه في القصيدة وما هي دلالته؟
-التّراب/الوطن./المرأة
يقول الشاعر في المقطع 10
"ربّما هذا التراب علاقة رمزية بين الحياة ومفردات الظنّ.."
التّراب هنا ربّما هو الوطن هذا الذي يقتضي تصالحا مع الحياة وانكارا للماضي لكن هذا التصالح يبقى غامضا "ليس دائما واضحا" ويتاكد ذلك في قوله "عيناك اوقات التامّل واتساع الشاطئ المكتوب عن عمد على رمل بلا وطن ونحن نراه اوطانا نموت لاجلها "
هنا يضع يده على الجرح،ازمة الهويّة والانتماء ،رمل /وطن مغتصب ،ولكن يموت الفلسطينيّ من أجله ويُنسى...وهنا يحضرني قول محمود درويش "تنسى كانك لم تكن..تنسى كمصرع طائر "
وطن نموت لاجله لكنه رمل ينفلت بين الاصابع ومن أجله نصبح "شواهد تحت رايات النضال"غير انها الحبيبة تخرجه من دائرة العبث فيقول "وأنت غدوت لي وطنا ترابيّ الملامح "ولم يقل "رملي الملامح "
أليس التراب في معناه اللغوي هو أثقل من الرّمل قادر على امتصاص الماء والهواء،منبع للخصوبة والحياة ،اذا فالتراب هو رمزللأرض، للجذور ،للهوية..
اذا ،لم يصف ملامحها بالرملية ،حتى لا يكون حضورها هشّا..بل كانت عيناها مرادفا للوطن الذي يجسده خارج دائرة العبث وقد اكّد على ذلك حين وصفها
هي/الوطن،قائلاً:"كاملا كشجرة الرّمان ،مأمونا كالوان الشرقرق، سالماً من كل سوء"
اليست هذه صورة للوطن المنشود ؟الوطن الذي يحلم به الشاعر، وطن كامل ،لم يقسّم ولم يغتصب، آمنا كالوان الشرقرق، والشرقرق طير،هو الوروار الاروبي يبني أعشاشه في المنحدرات الطينيّة من الطيور الزائرة لفلسطين صيفا الوانه زاهية، ألوان البهجة والحياة.
يؤمن الشاعر بأن الحياة تستمرّ،يجفّ التّفاح ولكنّه يصبح طعاما للعصافير،يتحوّل ولكنه لا يندثر..ويقرّ أن المكان لمع على الندى وما اكتمل،ولكنه قد يكتمل،رقعة التراب هذه قد تكتمل ويكون الوطن كما نحب.
-التّراب/المنادى
في المقطع 13التراب هو الطين.. الذي منه خلقنا يتوجه إليه الشاعر بالخطاب قليلاً: تحيتنا اليك يا اديمنا الفطريّ ها قلنا الكثير وما اهتممنا، ولا يغيرك الذي قلنا".
يأخذ الشاعر مسافة من الرّمل من الوجود من الزّمن وهويمضي وتبقى التساؤلات والحيرة الوجودية،غير ان الحبّ يتعلّق باللحظة الحاضرة حيث يقول لحبيبته "لو مرّة صرنا معا، لا تنظري للخلف.."
حيرة الشاعر الوجودية تنتهي إلى أنّ الحبّ مهرب، وقت مستقطع في معناه الصّوفيّ، نعيش فيه "الآن" وننفلت من سلطة الزّمن معترفا بسلطة القدر والنّهايات الاّ انّ اعترافه لم تتحمّله الحبيبة فأغلقت النّوافذ واكتفت بسماع اغنية لها قبل المطر "حبيبتي لم تحتمل هذا فاقفلت النّوافذ واكتفت بسماع أغنية لها قبل المطر "
قصيدة تثير تساؤلات حول الوجود وعبثه، منطلقها تامّل في الرّمل وتجاوز لدلالته الحافّة إلى رموز برع الشّاعر في تصويرها ليحكي قصّة الانسان والوطن..
وتنتهي رغم استسلام الشاعر في النهاية للزمن وعجزه امام جبروته..بعبارة "مطر"
بكلّ ما تحمل العبارة من دلالات الخصب والتطهر والحياة، خاصّة إذا عانق أتراب الوطن.
رابط القصيدة
pulpit.alwatanvoice.com
الرمل برموزه المتعددة يتناثر هنا وهناك في القصيدة وعند تفكيكها يتوجّب محاولة اماطة الغموض عن هذه الرموز التي وظّفها الشاعر لتشكيل رؤيته للوجود والحياة.
وحين ياخذ القاريء بعين الإعتبار الفرق بين دالّ "الرّمل" الذي هيمن على مقاطع الواجهة ودالّ"التراب" الذي ذكر مرتين فقط تتولّد الحيرة وتتعمّق.فهل يوجد في هذا المدخل في القراءة ما يساعدنا على ولوج عمق القصيدة والابحار في تفاصيلها وقراءتها قراءة تنساب معها ولا تُسقٓط عليها؟
من المهمّ والضّروري بداية،البحث في معنيي الرمل والتّراب لغة. فالرمل كما ورد في لسان العرب هو (نوع معروف من التّراب وجمعه الرّمال،والقطعة منها رملة)اذا فالرّمل نوع من التّراب، هوعنصر خاصّ ينضوي تحت عنصر عامّ هو التّراب
والتّراب كما عرِّف في معجم المعاني الجامع (هوما نعم من اديم الأرض).
يختلف الرمل عن التراب في كونه لا يحتفظ بالماء والعناصرالغذا ئية والهواء لأن المسافة بين جزئياته الخشنة كبيرة يتسرّب منه الماء بسهولة لانّه اخفّ وزنا منه .وقد رأيت أنه من الاجدرفي هذه القصيدة التّركيز على الرّموز الكثيرة للرّمل ،هذا العنصر الواحد الذي يجعل له الشاعر مدلولات متعدّدة،حبيبات تتفرّق وتتباعد ثمّ تتجمّع في دالّ واحد هو الرّمل،اضافة الى البحث في رمزيّة التراب مقارنة بالرّمل.
تنفتح القصيدة بالرمّل مرتبطا بزمن يحضر في وعي الشّاعر عند الكتابة"باب القيامة" يبدا بالنّهاية،يستحضرمشهد القيامة فيحضر الرّمل من خلال قنوات وصف متعدّدة،بصرًا"يبدو درمكا في الشمس " ولمسًا "املس كالمرايا" وهياما مشاعر" والهَيام حسب ما ورد في معجم المعاني الجامع هو(ما كان ترابا دفاقا يابسا لا تستطيع ان تمسك به لدقة ترابه)..كما يحضر صوتا ايضا "العزيف" وهو صوت (وقع الرمل بعضه على بعض)
إذا يحضر الرمل في البدء بكل ثقله الدّلالي في وعي الشاعر مرتبطا بزمن خارج الزّمن مثلما ورد في الموروث الديني والثقافي العربي: وقوف الانسان بين يدي الذات الالاهية للمساءلة لا حاجز بين جلده والرّمل،الرّمل الذي هو جزء من الطين الذي صنع منه،تجرّدٌ من كلّ عوالق الدّنيا وتوحّدٌ مع الرّمل تحت شمس توحي بالحرارة أو النار تعاضدها مفردة "مستعر"...اطار زماني ومكانيّ ملائم يجعل الانسان في حالة فزع،حالة انتظار ،كيف لا والرّمل يحضر أيضاً رمزا للزمن من خلال قول الشاعر"ساعة رملية تسيل كما العرق"
الرّمل/الزّمن
الساعة الرّملية في روما القديمة هي رمز للموت
والرّمال هي رمز للقدريّة وكلّ حبّة رمل هي ثانية لا تقدّر بثمن...الساعة الرمليّة تقول إنه لا يمكن للوقت أن يتحرّك للخلف,لا شيء يعود إلى الوراء والانتظار على باب القيامة كم هو موجع،تنفلت الثواني ثانية ثانية يزيدها الهَيام وجعا...
ينتقل لنا الشاعر من مشهد مابعد الموت ويعود لنا إلى مشهد الحياة في المقطع0,مشهد متّسع حتى حدود الغيم:
الرّمل. الشاطئ ..ألوان الازورد والعشب.
إطار مكانيّ يمهّد من خلاله الشاعر لظهوره،للانا للبدايات...
في المقطع1يتجلى صوت الانا،صوت الشاعر"صغيراكنت أعرف أني رمل"
هو يعرف،معرفة بالذات وتكوينها،معرفة لا يكتفي بها بل يواصل البحث ،يقول:"بي شغف لاثقب رملة حتى أرى قاع الوجود.".وفي هذا المعنى يقول اناتول فرانس "إبحث انت عن المعرفة فالمعرفة لا تبحث عن أحد"
الرّمل/التاريخ..تاصيل للمدينة
في المقطع5 الرمل أداة معرفة الشاعر فيه يبحث عن السحاتيت القديمة،يذكر بإصالة المدينة وعراقتها منذ روما والآشوريين،بحث مرتبط بالبراءة الاولى حين تنهار الأحلام على شاطيء لا يغادره الملح يتاكد ذلك في ما ورد في المقطع3 "الرمل سرّ الله يبتلع الحياة " الرمل هنا هو الأرض "غزة"أو فلسطين...التي "تحتها ما تشاء من المدن" من يلمسها ياخذه الموت،فرمل غزة لا يخلو من مريدي الحرّية ،من"وئدوا امام الشّمس،من ركضوا وراء الطّير.."
يضجّ المقطع5...برائحة الموت،حتى ان الشاعر وهو يتامّل يرغب في ان يستوقف الرّيح التي تاتي بالموت(الرّوامس الصّامته)وأكيد انه استعمل كلمة --ريح_مفردة عن وعي،لما تحمله من دلالات. وعن الفرق بين الريح والرياح،قال تعتبر في صورة الحافّة"امّا عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية" وقال "من آياتهم ان يرسل الرّياح مبشّرات وليذيقكم من رحمته"اذا فالرّيح تاتي بالراومس بالقبور الصّامته بالموت لمن يحلم بالهواء ،الهواء الذي ارتبط عند الصّوفيّة بالطّيران والعروج الى السّماء،الانعتاق والحرّية
الرّمل /مكان للحبّ والحياة
في المقطع2الرٌمل مكان للحبّ،هرب فجأة من ذكرياته وعاد للحديث عنها(المرأة)،كلّما توغّل في فكرة ،توقف لحظات يستعيد حكاية الحبّ,هي مهرب من كلّ هذه التأملات والهواجس،وهذه الملاحظة تنسحب على كل الواجهات في المجموعة الشعريّة.فها هو الرّمل "فراش للعاشقين تحت الظلّ والظلّ يوجد حين يوجد الضّوء،حين توجد الحياة ..
يتكرر هذا المشهد في آخر المقطع 8
" وننسى أنا كنامعا في الرمل نفقد فيه ماء الرّغوة المتدّفق فيما دائماً.."
معجم حسّي يحكي العشق ضمن اطار مكانيّ هو الرّمل الشاهد على اللذة،هو الرّغبة التي تسيل في دمنا تضجّ في كلمات العارفين تسجّل في رسائل وصحف يرويها المنشدون،تغدو حكايات لا ينساها التاريخ الحبّ عند الشّاعر فلسفة ،اذ هي ترتبط بالحسّ،بالملموس،بالاصوات ،الحبّ هو ملهم الصّادقين والعارفين.
غير انّه كان يعترف انه يشتهي الاعتذار لزهرة صباح لم يرتّب رملها مكتفيا بمديحها الفاني،اليس ترتيب الرمل مرادف للاهتمام، لاستدعاء الحياة؟
الرّمل أيضاً يسمع وشوشات الليل ولا يبوح بها كالصّمت يعيق الرّيح يجعل الاسرار في وسائد الضّمير "لا تسرّب ما تفاءلنا به في الحلم "
ارتبط الرمل اذا بالزمن الذي ينفلت،بالذكريات،بالتاريخ باللذة التي تتماهى مع التراب، فكيف انتهى فى الأخير الى استعمال مصطلح "التّراب "؟
كيف وظّفه في القصيدة وما هي دلالته؟
-التّراب/الوطن./المرأة
يقول الشاعر في المقطع 10
"ربّما هذا التراب علاقة رمزية بين الحياة ومفردات الظنّ.."
التّراب هنا ربّما هو الوطن هذا الذي يقتضي تصالحا مع الحياة وانكارا للماضي لكن هذا التصالح يبقى غامضا "ليس دائما واضحا" ويتاكد ذلك في قوله "عيناك اوقات التامّل واتساع الشاطئ المكتوب عن عمد على رمل بلا وطن ونحن نراه اوطانا نموت لاجلها "
هنا يضع يده على الجرح،ازمة الهويّة والانتماء ،رمل /وطن مغتصب ،ولكن يموت الفلسطينيّ من أجله ويُنسى...وهنا يحضرني قول محمود درويش "تنسى كانك لم تكن..تنسى كمصرع طائر "
وطن نموت لاجله لكنه رمل ينفلت بين الاصابع ومن أجله نصبح "شواهد تحت رايات النضال"غير انها الحبيبة تخرجه من دائرة العبث فيقول "وأنت غدوت لي وطنا ترابيّ الملامح "ولم يقل "رملي الملامح "
أليس التراب في معناه اللغوي هو أثقل من الرّمل قادر على امتصاص الماء والهواء،منبع للخصوبة والحياة ،اذا فالتراب هو رمزللأرض، للجذور ،للهوية..
اذا ،لم يصف ملامحها بالرملية ،حتى لا يكون حضورها هشّا..بل كانت عيناها مرادفا للوطن الذي يجسده خارج دائرة العبث وقد اكّد على ذلك حين وصفها
هي/الوطن،قائلاً:"كاملا كشجرة الرّمان ،مأمونا كالوان الشرقرق، سالماً من كل سوء"
اليست هذه صورة للوطن المنشود ؟الوطن الذي يحلم به الشاعر، وطن كامل ،لم يقسّم ولم يغتصب، آمنا كالوان الشرقرق، والشرقرق طير،هو الوروار الاروبي يبني أعشاشه في المنحدرات الطينيّة من الطيور الزائرة لفلسطين صيفا الوانه زاهية، ألوان البهجة والحياة.
يؤمن الشاعر بأن الحياة تستمرّ،يجفّ التّفاح ولكنّه يصبح طعاما للعصافير،يتحوّل ولكنه لا يندثر..ويقرّ أن المكان لمع على الندى وما اكتمل،ولكنه قد يكتمل،رقعة التراب هذه قد تكتمل ويكون الوطن كما نحب.
-التّراب/المنادى
في المقطع 13التراب هو الطين.. الذي منه خلقنا يتوجه إليه الشاعر بالخطاب قليلاً: تحيتنا اليك يا اديمنا الفطريّ ها قلنا الكثير وما اهتممنا، ولا يغيرك الذي قلنا".
يأخذ الشاعر مسافة من الرّمل من الوجود من الزّمن وهويمضي وتبقى التساؤلات والحيرة الوجودية،غير ان الحبّ يتعلّق باللحظة الحاضرة حيث يقول لحبيبته "لو مرّة صرنا معا، لا تنظري للخلف.."
حيرة الشاعر الوجودية تنتهي إلى أنّ الحبّ مهرب، وقت مستقطع في معناه الصّوفيّ، نعيش فيه "الآن" وننفلت من سلطة الزّمن معترفا بسلطة القدر والنّهايات الاّ انّ اعترافه لم تتحمّله الحبيبة فأغلقت النّوافذ واكتفت بسماع اغنية لها قبل المطر "حبيبتي لم تحتمل هذا فاقفلت النّوافذ واكتفت بسماع أغنية لها قبل المطر "
قصيدة تثير تساؤلات حول الوجود وعبثه، منطلقها تامّل في الرّمل وتجاوز لدلالته الحافّة إلى رموز برع الشّاعر في تصويرها ليحكي قصّة الانسان والوطن..
وتنتهي رغم استسلام الشاعر في النهاية للزمن وعجزه امام جبروته..بعبارة "مطر"
بكلّ ما تحمل العبارة من دلالات الخصب والتطهر والحياة، خاصّة إذا عانق أتراب الوطن.
رابط القصيدة