المأكل والمشرب والملبس ونمط البناء والفنون، هي شكل من أشكال التعبير عن الحضارة الإنسانية، فما من نمط مميز محدد واحد جامع لأي من حضارات الشعوب المختلفة، فلكل حضارة رئيسية أشكالها ونمطها المختلف بشكل أو بآخر، ومن المؤكد أن العامل البيئي الجغرافي هو الأصل في غالبية الاختلافات وإنعكاساتها، نتيجة الاختلاف الطبيعي في أنماط الحياة اليومية المعيشية للمجتمعات المختلفة.
وباعتبار الطعام أحد ألوان التراث لأي شعب، لذلك تهتم الدول بتنظيم مهرجانات عالمية تقوم على إعداد الأطباق والأكلات الشعبية الخاصة بها من أجل الإثبات والتمكين لهويتها والترويج لثقافتها، بل إن الدول المتقدمة التي تولى الثقافة والتراث أهمية بالغة وتسعي إلى تسجيل أطعمتها التقليدية وقهوتها أو مشروباتها الشعبية في قائمة التراث العالمي لدي منظمة اليونسكو.
والأكل أو – الطبخ- هو أحد معايير الرصيد الحضاري. شأنه شأن الفن والكتابة. يوجد علي مدار تاريخ الإنسان. وكلما تعقدت أوصافه وتنوعت مكوناته كلما علا المعيار.
ولما كان العرب أهل كرم، (رجل كريم، وقوم كرم، ونسوة كرائم، كرام والتكريم والإكرام والاسم منه الكرامة، والحسب: الكرم، والحسب الشرف الثابت في الآباء وقيل هو الشرف في الفعل وفي الحديث، والحسب المال والكرم التقوى، والمجد الكرم والشرف، والمجد نيل الشرف، وقيل لا يكون إلاّ بالآباء وقيل المجد كرم الآباء خاصة. قال تعالى: "أو إطعام في يوم ذي مسغبة"(البلد: 14) والمسبغة: الجوع، قالت العرب: الكرم في الطعام والسخاء في المال. والكرم عند العرب: رجولة وشجاعة وعزيمة) توسعوا في الأطعمة والمآكل في انتظار من يؤاكلهم فقد كان الرجل منهم لا يأكل وحده ويمكث أياما جائعاً حتى يجد من يؤاكله ومنه قول الشاعر:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي.
لذا اجتهد العرب في تكثير الأيدي على الطعام قال صلي الله عليه وسلم: "اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه"، وقال أنس رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل وحده، بل قال خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي". كان في العرب الكثير من المطعمون الذين يكثرون الطعام للأضياف والحجيج.
لذا قالت العرب: إذا جمع الطعام أربعاً فقد كمل: إذا كان حلالا، وكثرت عليه الأيدي، وسمي الله على أوله، وحمد في آخره!.
ومن الثابت والمعلوم أن تنوع المائدة دليل علي رقي ذوق وموارد وحياة وحضارة الشعوب والمائدة العربية غنية بشتى أصناف الطعام وأطايبه، ومع أصناف هذه الأطعمة العربية نبقي قليلاً
والطعامُ عند العرب ضُروب. والدعوة اسم جامع، وكذلك الزّلة، ثم منه العرس، والخرس، والإعذار، والوكيرة، والنقيعة و، والعقيقة، والنزل، والقري، والتحفة، والعذوة أو الوضيمة، والعجالة، والقفاوة.
المأدبة: اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعات. يقول طرفة بن العبد.
نحْنُ في المًشتَاةِ ندعو الجَفَلى ج لا ترى الآدِبَ فينا ينْتَقِرْ.
والأدب: صاحب المأدبة، الجفلى: دعوه عامه، النقرى: دعوة الخاصة.
وجاء في الحديث الشريف: "القرآن مأدبة الله" من حديث ابن مسعود بلفظ: "عليكم بهذا القرآن، فإنه مأدبة الله. فمن استطاع منكم أن يأخذ مأدبة الله فليفعل، فإنما العلم بالتعلم".
وقيل: إن العرس هو الوليمة، لقول النبي صلي الله عليه وسلم لعبد الرحمن "أولم ولو بشاة" وهو خطاب لعبد الرحمن بن عوف، إذ قال: تزوجت أنصارية، فقال عليه السلام: "بارك الله لك أولم ولو بشاة".
وكان ابن عون والأصمعي من بعده يذمان عمرو بن عبيد، ويقولان: لا يجيب الولائم. يجعلان طعام الإملاك والإعراس، والسبُوع، والختان وليمةً.
الإعذار: طعام الختان- وليمة يدعى الناس إليها في ليلة الختان-: يقال: صبي معذُور، وصبي مُعذر جميعاً. وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - وهو يريد تقاربهم في الأسنان: "كنا إعذار عام واحد".
الخُرْس: الطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال والنساء. وأصل ذلك مأخوذ من الخُرسة، والخرسة طعام النُفسا. قالت جارية: "وَلَدت حين لم يكن لها من يخدمها ويمارسُ لها ما يمارس للنفساء" ويقال:"تخرّسي، لا مخرِّسة لك".
العقيقه: دعوة على لحم الكبش الذي يُعق عن الصبي، والعقيقه اسم للشعر نفسه، والأشعار هي العقائق. وقولهم عُقوا عنه، أي أحلقوا عققته. ويقولون: عقَّ عنه، وعقَّ عليه، فسمي الكبش لقرب الجوار، وسبب الملتبس عقيقه. ثم سموا ذلك الطعام باسم الكبش.
الوكيرة: طعام البِناء. كان الرجل يطعم من يبني له، وإذا فرغ من بنائه، يبرك بإطعام أصحابه ودُعائهم.
النزل: النزيل الضيف، والنزل: ما هيئ للضيف إذا نزل على مضيفه، ونزيل القوم أعظمهم حقوقاً، وحق الله في حق النزيل، ونزل القوم أنزلهم المنازل. وليمة واجبة على كل من نزل بقربه جار جديد أن يدعيه ويدعى على شرفه الجيران الآخرين ويعرفه بهم ويتوالى الجيران على إقامة الولائم. وفي آخرها يرد النزيل على ولائمهم جميعاً بوليمة اسمها رد النزلة.
العزوة أو الوضيمة: (طعام المأتم) من العزاء، وأيام العزاء ثلاثة (التعزية مستحبة عند العرب قبل الدفن وبعده وتكره بعد ثلاث أيام لأن التعزية لتسكين القلب المصاب والغالب سكونه بعد ثلاثة أيام فلا يجدد الحزن. يقول الشافعي: أنها لا تجوز بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين وهما: إذا كان المُعَزِي أو المُعَزَى -صاحب المصيبة- غائباً حال الدفن فاتفق رجوعه بعد ثلاث) يتكفل فيها الجيران أو أهل القرية أو المحلة، بإطعام أهل العزاء وكل المعزين الذين يدركون أوقات الطعام.
القفاوة: ما يرفع من المرق للإنسان، قال الشاعر:
ونقفي وليد الحي إن كان جائعاً ونُحسبه إن كان ليس بجائع.
العجالة: طعام المستعجل قبل إدراك الغذاء.
ومما لا شك فيه أن تطور الحضارات والمجتمعات يتبعه تطور في أنواع الأطعمة وطرق تحضيرها وتقديمها وتناولها. هذا ما حدث مع فن الطعام العربي فقد تطور مع المدنية. فعرف العرب على مدار الأيام، أن العين تأكل قبل الفم أحياناً. فاعتنوا بتزيين موائدهم بإضافة الزهور والشموع إليها. وتفننوا في مدّ أغطية الموائد المزخرفة، وتطور فن صناعة الأطباق فرسمت الورود على الصحون الخزفية وطليت بماء الذهب. وأكل الأغنياء بملاعق الفضة. وزخرفت سيدات البيوت مأكولاتهن بأنواع الخضراوات الملونة. فجاءت صحاف الطعام لوحات فنية رائعة.
ومع تطور الحضارة العربية أصبح الطعام وسيلة لتكريم الأعزاء. وتعبيراً عن الود والصداقة.
ففي الحضارة العربية كان المطبخ العربي كسائر مناحي الحياة الحضارية ثري بخصائصه ومحتوياته. يدل على ذلك أخبار كثيرة وردت في بطون الكتب من ذلك ما رواه الأحنف بن قيس: "دخلت على معاوية فقدم لي من الحار والبار والحلو والحامض ما كثر تعجبي منه، ثم قدم لي لونا لم أعرف ما هو فقلت له ما هذا؟ فقال: مصارين البط محشوة بالمخ قد قلي بدهن الفستق.
وقد ترك لنا الحسن بن سهل دليلاً لمآكل المترفين العرب من المخ والمح والحمل الذي رضع شهرين، والدجاج الفتي المسمن بلباب البر، وفراخ الحمام البيتي، ومن الحلواء: اللوزنج بالطبرزد وماء الورد المبخر، والخبيصة، والزلابية، والقطائف، والكنافة والهريسة، ومن الفواكه قصب السكر والرطب والتين الوزيري والعنب الرزاقي والتفاح الشامي.
وفصل يزيد بن ربيع أنواع الطعام العربي حسب المكانة المادية والاجتماعية فقال: "الكباب طعام الصعاليك، والماء والملح والخبز والتمر طعام الأعراب، والهرائس والرؤوس طعام السلاطين، والخل والزيت والخبز طعام أمثالنا".
ومن الطرائف التي تتصل بألوان الطعام العربي أن رجلاً دخل على آخر فقال: ما تقول في صفحة أرز مطبوخ فيها نهر من سمن، على حافاتها كثبان من السكر المنخول؟ فدمعت عين الرجل، فقال له الأول: ما لك؟ قال أبكي شوقاً إليه.
المطبخ العربي:
من أزهي فترات المطبخ العربي فترة العصر العباسي. (بين القرن التاسع ونهايات القرن الثالث عشر) فتاريخ ظهور أقدم المؤلفات المعروفة في فنون المطبخ العربي يعود إلي النصف الأول من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وقتها كانت هناك مؤلفات مستقلة بالطبخ كما كانت هناك المؤلفات الخاصة بآداب المائدة وسلوك الآكلين باعتبارها عملية أساسية لإعداد الإنسان وتحضره وتأهيله لنوعية ارقي من الحياة. حيث أن هناك في قوانين الحضارة الإنسانية ربط مباشر بين سمو الحضارة ونوعية المطبخ. وقبلها كانت ثقافة الطعام موجودة ضمن ثنايا مؤلفات عربية في الشعر والأدب أو السير.
وبفضل الحضارة العربية عرف في العالم في ذلك الوقت – القرن التاسع الميلادي- موجة جديدة للطبخ، ولدت علي أرض بغداد حيث الحدائق والبساتين والقصور والأدب والمساجد والأسواق. صحيح أن موجة الطهي البغدادي لم تكن بغدادية صرفا فقد حملت أطياف المذاقات التي أغناها خليط سكاني يمثل أطياف الأرض في ذلك الوقت وقد وثقت موجة الطبخ الجديدة هذه توثقيا تاريخيا بفضل اثني عشر اسما من علماء وأطباء وشعراء وخلفاء الحضارة الإسلامية وهم المأمون والواثق والمعتصم (خلفاء) وإبراهيم بن عباس الصولي (شاعر) ويحي بن خالد البرمكي (وزير) و يحي بن أبي منصور (فلكي) ويوحنا بن ماسويه (طبيب) وأربعة طباخين مجهولين لم نتعرف إلا علي أحدهم وهو: (أبا سمين) الطباخ الخاص للخليفة الواثق. أما المصدر الثاني عشر والأهم فهو أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي ألأخ الأصغر للخليفة هارون الرشيد وعم الخليفة المأمون والواثق وصديق الطبيب ابن ماسوية صاحب أول مؤلف شامل جامع للطبخ في اللغة العربية. ولد إبراهيم بن المهدي عام 163هـ/779م في قصر الرصافة شرق بغداد توفي والده الخليفة المهدي وهو بعد لم يتجاوز السادسة ومما يذكر أنه كان عادلا وكريما وممن له باع في الأدب، وله ذوق رفيع فيما يتعلق بالطعام. إبراهيم متذوق اللقمة والكلمة تربي بعد وفاة والده تحت إشراف أخيه هارون الرشيد. وقد أصابه الولع بالموسيقي ولأدب والطبخ. ولأن ليالي الشعر والغناء لم تكن تكتمل بغير الطعام والشراب. حتى في مجالس السياسة لم يكن الطعام مجرد حلية أو لازمة من لزمات السهر لكنه بحد ذاته كان موضوعا للبحث والجدل والشعر. فقد كان إبراهيم يخصص مجلسه في ليالي رمضان من كل عام للحديث عن الطعام. وقد نظم أشعارا في محاسن (الملح) وأعد شعرا وصفات للطعام فقد كان طاهيا شاعرا أو شاعرا طاهيا وفي الحالتين كان ذواقة مبدعا خلاقا. اخترع بعض الأكلات والحلويات التي حملت اسم (ألإبراهيمية) نسبة وإكراما للمعلم الكبير الذي أثر في أجيال وكون مدارس وجعل من الطبخ معرفة. معرفة وثقافة لا تخص الطباخين وحدهم وسمي – بالمتذوق الأكبر- امتد العمر بإبراهيم حتى عصري الخليفة المأمون والمعتصم وتوفي في عمر الستين (226هـ/839م)
النظافة والنظام أهم شروط المطبخ العربي:
لعظمة ما كانت عليه حضارة العرب ورقيها في مجال الطبخ والاعتناء بالغذاء كان لازماً عليها الاعتناء بنظافة المطبخ، وبإزالة الروائح منه ومن الأواني المستخدمة في هذا المجال.
فنحن اليوم لا يجد المرء، أي صعوبة في تنظيف أواني الطعام: قدور، صحون، ملاعق الخ. حيث يتوافر في هذا العصر مواد للتنظيف، من سوائل ومرشات تزيل الزيت والرائحة والطعم، كما يتوافر قدور لا يلصق بها الزيت ومخلفات اللحوم والخضر والبقول.
أما القدور والأواني في العصور السابقة فكانت مصنوعة من المعادن والفخار أو الخشب والأولي يجب أن تنظف حالاً بعد الاستعمال لأنها تصدأ، والصدأ مضر، أما الفخار والخشب فهما مادتان مساميتان تدخل الزيوت فيهما، ويحتاج تنظيفها إلي جهد مضاعف عشرات المرات لكي تزال الرائحة والدسم منها. لنسأل أنفسنا كيف نزيل الدهون من صحن خشبي إن لم يكن لدينا سائل تنظيف، وإن لم يكن لدينا إسالة ماء معاصرة، أي صنبور، نفتحه فيتدفق ماء نظيف، معقم. فكيف كان أجدادنا ينظفون قدورهم؟ آنياتهم؟.
قديماً كان لزاماً لإتمام عملية نظافة الأواني المستخدمة في المطبخ العربي لابد من الذهاب إلي النهر. أو إلي ساقية تمر غير بعيد، وقد كان الخليفة العباسي المنصور عبقرياً إلي درجة لا توصف، عندما طلب من المعماريين المخططين لبغداد حفر قنوات دائرية تأخذ المياه من دجلة وتنتهي بها، كي يستطيع الناس كلهم أخذ الماء منها، وقضاء حاجيات التنظيف فيها بسهولة، لذ وصف أحد الجغرافيين بغداد في نهاية العصر العباسي بأنها: يحيطها خمسون قناة.
ولابن سيار في كتابه الطبيخ وصية لتنظيف قدور الطبخ جاء فيها: "تغسل القدور، ثم تطين، ثم تغسل من الطين الأول، ثم تطين ثانية، وتترك في الطين ليلة كاملة، ثم تغسل مرة أخري، ثم يأمر بشمها، فإن كان فيها رائحة (دهن. زيت) غسلت مرة أخري بالكرفس، فإن وجد فيها رائحة فعليه إعادة غسلها مرة أخري".
ويبدو أن وظيفة الطباخ لدي الخلفاء والوزراء والأغنياء وذوي الشأن لا يتولاها إلاّ المجيدون، فمن الشروط المهمة: كيفية إزالة الرائحة من القدور، وهي مهمة سهلة الآن، فعندنا في الوقت الحاضر آلات غسل تلقائي، وعشرات مواد كيماوية وتنظيفيه تزيل الرائحة والطعم خلال ثوانٍ، أما آنذاك فلا سبيل غير العادات المتوارثة التي نقرأ عنها في عشرات كتب التراث، وما استقر عليه طلب الأطباء من توصيات، وأهمها هي أن يمسك الطباخ بحصاة نظيفة، ويشمها، ثم ينظف القدر، ويشمه، فإن رأي اختلافاً في الشم، عاود الغسل، حتى يري الرائحة نفسها في الحصاة والقدر
مؤلفات الطبخ العربية:
باٌلإضافة لكتاب الطبيخ لإبراهيم بن المهدي هناك كتاب الطبيخ للحارث بن بسخنر، وكتاب الطبيخ لإبراهيم بن العباس الصولي، وكتاب الطبيخ لعلي بن يحيى المنجم، وكتاب الطبيخ لمخبرة، وكتاب الطبيخ لأحمد بن الطيب، وكتاب الطبيخ لجحظة، وكتاب فضائل السكباج له، وكتاب أطعمة المرضى للرازي وكتاب الطبيخ له، وكتاب الطبيخ لنطاحة، وكتاب الطبيخ ليحيى بن أبي منصور الموصلي، وكتاب الطبيخ لابن خرداذبه وكتاب الطبيخ لابن الداية، وكتاب الطبيخ لابن مندويه، وكتاب الأشربة وكتاب الطبيخ لمسكويه، وكتاب الطبيخ لكشاجم، وكتاب المعزي في الطبيخ لموسى بن العازار ألفه للمعز الفاطمي، وكتاب الطبيخ ليوحنا بن ماسويه، وكتاب الطبيخ ابن سيار الوراق، وكتاب الطبيخ لأبن الأنباري، والأنموذج فيما ورد في الفلوذج لمحمد بن طولون الدمشقي، وكتاب الطبيخ للبغدادي، وكتاب الخبز والزيتون، وكتاب حرب اللحم والسمك لابن الشاه الظاهري، ثم الكتاب الفريد كتاب الطبيخ الذي كتبه السرخسي للمعتضد على الشهور والأيام.
ماهية الطعام العربي:
الخبز:
كان ولا يزال سيد الموائد العربية. فالخبز معروف، يصنع من دقيق البر والشعير والذرة والقمح، قال الشاعر:
لم يشتر الناس ولا باعوا خيرا من الخبز إذا جاعوا.
وقال آخر:
ألا ليت خبزا قد تسربل رائيا وخيلا من البرني فرسانها الزبد.
واشتهر بين العرب نوع من الخبز يقال له – الخشكنان- وهو خبز يابس رقيق مطعم بالملح أقرب إلى ما يسمي اليوم بالبسكويت، قال الشاعر:
يا خير ركب سلكوا طريقا ويمموا مكة والعقيقا
وأطعموا ذا الكعك والسويقا والخشكنان اليابس الرقيقا.
والعرب يأكلون الأخباز طرية ويابسة وأديمة وقفارا فيتعدد الخبز ويتنوع تعدد الأدم، ويبل الخبز بالماء فيؤكل مبروداً ، تقبل عليه النسوة ليسمن، ويميل العرب إلى الخبز أديم شحم وألية، كما يحبون دلكه بالسمن، فأشهى ما يكون الخبز أبيض من البر الأسمر ملبقاً بالسمن، ورغيفاً أديم شاة مشوية وصلاء وكركر وسنام وصناب، وأطيب ما يكون ثريداً.
الثريد:
إعتبر الثريد طعام العرب وسيد الأطعمة، والثريد من الثرد وهو الهشم والفت والكسر، ومنه قيل لما يهشم ويبل بالمرق وغيره ثريداً، وإذا كانت كلمة (المرق) تفيد الشيء الذي يمرق من اللحم، فإن غيره تحيل على شيء آخر يثرد به الخبز، فكلما كانت العرب تصنع الثريد من اللحم وعراقه والقديد، كانت تعالجه بالزيت والسمن وتتخذه من التمر، ولعلها تثرد الخبز بالزيت زمن الشدة
وهناك أنواع متعددة من الثريد عند العرب، منها الزريقاء، وثريد التمر، وثريد الرغيف والماء، وحسب المعاجم غالباً ما يكون الثريد من لحم، وقد أرخت كتب السيرة والمغازي للحياة اليومية بمكة، واشتركت في وصف طعام سادة قريش وأشرافها الذين كانوا يذبحون الجذور، ويثردون بمرقها الخبز طعاماً في مواسمهم ولأضيافهم، كما وصفت هذه المصادر ما كان يقدم للنبي وما كان يفضل من المآكل، وكان الثريد باللحم أكثر ما يهدى إليه، وأحسن ما يستطيب، فغدا الثريد الحجازي ثريد السادة والأشراف. وأضحى اللحم رمز الثريد يطلق عليه مجازاً حتى إن غاب اللحم من القدر، وجعل فيها عراقة أو القديد أو الشحم، أو أغلي فيه الزيت أو اللبن أو الزبد أو السمن ليثرد به الخبز، لا يكون ذلك طعاماً آخر غير الثريد
إقترن الثريد في الثقافة الإسلامية بهاشم، فقيل أنه أول من ثرد الثريد، وتجمع المصادر أنه أتى بالدقيق والكعك من الشام، ولئن بدت رحلة هاشم إلى الشام حدثاً تاريخياً، فهي لا تخلو من أبعاد رمزية، فرواية هشم الخبر تشير على رحلة سكان أرض لا زرع فيها أضناهم القحط فطلبوا شيئاً آخر غير ما تجود به إبلهم، ورغبوا في تحقيق حلم إبراهيم القادم من الشام، يدعو ابنه إلى تغيير عتبة بيته عساه ينعم بالحب والولد، قصد هاشم الشام حتى يأتي بالغرائر المملوءة خبزاً ودقيقاً، فيحقق أول خصب أهل مكة ،فالخبز هو رمز لنشاط الإنسان وفعله في الطبيعة، وسيطرته عليها تثرده قريش، فتخرج العرب من البداوة إلى التحضر والتمدن، وتؤسس لثقافة جديدة، يكون الفضل كل الفضل فيها للأب (إبراهيم /قصي /هاشم ) الذي جاء محمد من صلبه.
والثريد على بساطته كان في مقدمة ما تؤثره الخاصة والعامة من الطعام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "سيد الطعام الثريد" ولمنزلة الثريد عند قريش سموا عمرو بن مناف هاشما حين هشم الخبز واتخذ منه الثريد ليطعم الضيوف والحجيج، وفيه يقول الشاعر:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه = ورجال مكة مسنتون عجاف.
اللحم:
جاء في التراث العربي أن العرب قوم لاحمون شاحمون، يأكلون لحوم الصيد من أرنب، وحمار وحش، وظبي، ونعام، وطير، ويقرمون إلى لحوم الإبل والغنم والماعز، ويحبون شحومها، ولكنهم لا يفضلون على لحوم الإبل لحماً، فهي حيوانهم الذي يعتمدون عليه في معاشهم، خاصة أهل الوبر منها.
وللعرب طرق في طبخ اللحم ما زلنا نتبع أكثرها إلى اليوم فاللحم يكون قديراً يطبخ في الماء والملح، وقد يتولبون ماء القدر، مع إضافة التوابل. وقد تضيف العرب إلى اللحم القدير الحمص والقرع أو الدباء ويطبخ أهل اليمن اللحم بالخل، ويبقى الطعام في القدر شهراً أو شهرين جامداً لا يفسد، وإذا أسخن، تظهر فيه رائحة يومه. وتكون قدور العرب من معدن أو فخار أو حجارة منحوتة وقد يقلى اللحم وتستعمل المقلاة لذلك وغالباً ما يشوى.
وتحب العرب الجنيد وهي كلمة تدل على الشواء عموماً، فقد جاء أن الجنيد هو الذي قطر ماؤه وقد شوي وهو الشواء الذي لم يبلغ في نضجه
تأكل العرب اللحم طرياً ومجففاً، تشرحه قطعاً طوالاً فيكون قديداً، وعراضاً فيكون صفيفاً، وتقطعه صغاراً فيكون متمماً، وتغلي اللحم بالملح إغلاءه قبل تجففه فيكون وشيقاً، وتقدم سناب البعير شطانب، وتجفف الكرش فتملؤها لحماً وشحماً مقددين مطبوخين، وتصب عليهم الودك حتى يجمد، وتحفظها في حوالق تخزنه.
وتفضيل العرب اللحم السمين فالعرب لا تميل إلى اللحم الغثيث (الهزيل) كما لا تحب المرأة الهزيلة، ولا الرجل الغث، وتستطيب العرب الآلية والشحم فتأتدم بالشحم (ما أذيب من الآلية) وتفضل اللحم السمين تجتمله، كما تستديف الشحم، وتستلذ المرقة المتحيرة، والمدومة والدوامة
والعربي يستلذ كل سمين، الناقة التي روعها الكلا، والمرأة الروعاء التي يرويها الطعام ويروعها بالسمن، والتامر الذي فيه إهالة وجميل، مثل جميل الكبش السمين، يوحل فيه الضارس ويغيب، فالسمن والشحم والزبد أغذية دسمة تسوغ في الحلق تلسب لسباً وتمطخ مطخاً، وتلمص لمصاً، كما ترمز هذه الأغذية إلى الوفرة والثروة، والطاقة الحيوية، وهي أطعمة ثمينة في ثقافة يكون فيها الحيوان قطب الوجود.
وكان العرب يقدمون اللحم على كثير من الطعام. وفضل بعضهم اللحم على التمر، قال شاعرهم:
قريتي عبيد تمرها وقريتها سنام مصراة قليل ركوبها
فهل يستوي شحم السنام إذا شتا وتمر جواثا حين يلقى عسيبها.
وكانت العرب تضرب المثل بمضيرة معاوية، وثريد غسان، وفالوذج ابن جدعان.
مضيرة معاوية هي صنف من الطعام كان مشهورا بين أطعمة معاوية بن أبي سفيان الفاخرة، وهي عبارة عن لحم يطبخ باللبن المضير (اللبن الحامض).
أما أشهر الأطعمة العربية فهي السكبجة، عبارة عن مرق من اللحم والخل. والهلام هو مرق السكباجة بعد تبريده وتصفية من الدهن. قال الشاعر:
نفسي تحن إلى الهلا = م الموت من دون الهلام
من لحم جدي راضع = رخص المفاصل والعظام
حي القدور الراسيا = ت وإن صممن عن الكلام
وقصاعهن إذا أتيـ = ـنك طافحات بالسلام
لهفي على سكباجة = تشفي القلوب من السقام!
والمرق: هي اللحم يطبخ بالماء، قال صلي الله عليه وسلم: "إذا اشتري أحدكم لحماً فليكثر مرقته، فإن لم يجد لحما أصاب مرقه وهو أحد اللحمين".
ومن أطعمة العرب الخاصة: المصوص وهو لون من لحم الطير يطبخ وينقع في الخل، والجواذب وهو طعام يتخذ من سكر وأرز ولحم، والكمأة (الكمأة: نبات ينقص الأرض فيخرج كما يخرج الفطر) بالزبد والفلفل، والقلية وهي نضيد اللحم.
ومن أطعمة العرب البسيطة: الطفيشل نوع من المرق البسيط بالخبز. ومثله الكرنبية والفجيلة وكلها ألوان من المرق الخفيف. تذكر عادة عند ذكر طعام البخلاء.
التمور والألبان:
كانت العرب تتأدم بأصناف من الأكل إرتكزت أساساً على عنصر التمر واللبن، كمادة رئيسية وأساسية على موائدها. فتفننت فيه حتى عرف العرب بأنهم أمة تامرة ولابنة، فصنعوا من التمر واللبن أصنافاً وألواناً من الطعام، اختلفت حسب أصناف وأنواع التمر واللبن.
من اللبن تصنع العرب الأقط والزبد والسمن، فيخلط السمن مع الزيت، أو التمر والأقط، أو الدقيق، أو الجراد، أو اللبن الحليب، ويصنع من الزبد واللبن الدليك، ومن الرطب والزبد اللوقة، ومن الأقط (الإقط: من طعام البادية وهو طريقة للاستفادة من الحليب في أيام الوفرة في الربيع, حيث يكثر الحليب بسبب وفرة المراعي الخضراء بعد هطول الأمطار. فكانوا يخضون الحليب حتى يصير لبناً وهو الحامض الطعم) الحيس والبكيلة والربيكة، ولشدة ما ألفت العرب اللبن والسمن، أصبح هذان الغذاءان رمزاً على البداوة والعروبة.
وللتمر احتفاء شديد لدى العرب وكانت تأكله "بسراً ورطباً وتمراً وقسباً"، وهي كثيرة في بلادها خاصة في اليمامة ويثرب وهجر، وهي أنواع يستطاب منها الصفري والبرني والتعضوض والبردي والجدامية والنرسيانية، والصيحاني، وقد جاء في التراث الإسلامي تفضيل العجوة على سائر التمور، والعجوة تعتبر أم التمر بالحجاز، وهي تضرب إلى السواد
ومازالت سنة أكل التمر لدى العرب في رمضان متواصلة إقتداء بعادات العرب في الحجاز. فالصائم لا بد أن يفطر على التمر، رغم توفر ألوان أخرى ألذ وأشهى، لكن يبقى التمر كالتعويذة يبدأ بها وإليها المنتهى. تصبيرة في افتتاحية الأكل وتحلية في خاتمته.
*وللعرب في أطعمة الألبان ولع لا مثيل له، فمن أقوالهم: "الحمد لله الذي أغنانا باللبن عما سواه" واللبن إذا كان على مائدة الأعرابي لم يطمع في شيء سواه قط.
والألبان أنواع، قال أعرابي: "ليس من الألبان أحلى من لبن الخلفة، وهو مخاض النياق أو غيرها من الحيوانات التي تدر ألبان.
ومن الأطعمة العربية التي تعتمد على الألبان: الحريرة، وهي دقيق يطبخ بلبن أو دسم، والبخيرة وهي عبارة عن لبن يخلط بالطحين، والسليقة وهي ذرة تدق وتطبخ باللبن، والرغيفة وهي لبن يغلى ويذر عليه دقيق.
الكمأة:
الكمأة (الترفاس أو الفقع) هبة الطبيعة للإنسان، فطر بري موسمي ينمو في الصحراء بعد سقوط الأمطار بعمق من 5 إلى 15سنتيمتر تحت الأرض وتعتبر ثمار الكمأة التي تنمو بشكل طبيعي كفطر في أراضي البادية من ألذ وأثمن أنواع الفطريات الصحراوية التي يقبل عليها العرب ويتناولونها في موسم ظهورها وحصادها والذي يبدأ عادة مع بداية شهر يناير ويستمر حتى أواخر فصل الربيع يتناولونها مسلوقة أو مقلية أو مطبوخة مع لحم الغنم البلدي. ويتم تناول الكمأة إما شيّاً مع البصل ودهن الخروف البلدي وعلى الفحم المشتعل، أومسلوقة بعد هرسها مع الزبدة البقرية أو الغنمية أو تحمص مع قطع لحم الخروف البلدي وتضاف لها البهارات للنكهة اللذيذة. والكمأة من أقدم ما أكله الإنسان، ومن ألذ وأثمن أنواع الفطريات الصحراوية. ينمو الكمأة على شكل درنة البطاطا في الصحاري، فهو ينمو بالقرب من نوع من النباتات الصحراوية قريبا من جذور الأشجار الضخمة، كشجر البلوط على سبيل المثال.
يستطيب العرب الكمأة فتقشرها وتأكلها بالملح وقد تشرب اللبن عليها. ولعل البعض كان يجففها ويطبخها ويخبزها.
الباقلاء:
الباقلاء(الفول): عرف العرب الفول كصنف من البقول (البقل من النبات ما ليس بشجر دقّ ولا جل) وأكلوه، وقد تغنى بذكره أحد الشعراء فقال:
فصوصٌ زمرّد في غلف درّ = بأقماع حكت تقليم ظُفرِ
وقد خاط الربيع لها ثيابًا لها = وجهان من خُضرٍ وصُفرِ.
ويقال للفول الباقلاء، وهو بارد رطب وقيل يابس. وكان العرب إذا ذكروا البقلاء قالوا: "إن الباقلاء تقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي آكله!".
ومن الطرائف العربية الخاصة بالباقلاء: كان أهالي الحلة في العراق يكثرون من زراعة الباقلاء فصار جيرانهم يعيرونهم بذلك فيغضبوا إذا ذكرت في مجالسهم ومنتدياتهم، وكان أحد علماء النجف يقضي شهرين من فصل الصيف في أحدى القرى بضواحي الحلة وإذا مر شق موكبه الحلة نصفين حتى يصل إلى تلك القرية وكان أحد تلاميذه يتحرش بأهل الحلة ويعيرهم بالباقلاء فيتبادل معهم السباب والشتائم مما أزعج الشيخ ودفعة لإنذار تلميذه بعدم اصطحابه مرة أخري إذا لم يكف عن هذا العمل الذي أساء إليه وأوقعه في الحرج فاعتذر التلميذ وحلف أن لا يفتح فمه مرة أخرى ولا ينبش أمامهم بشيء عند مروره بالحلة مع شيخه ولكن ما كاد الشيخ يمر في المرة الثانية والتلميذ معه راكب إلى المصيف المعتاد حتى سمع الشتائم تتوالى فالتفت الشيخ لمعرفة الخبر فإذا التلميذ صامت كما وعد ولكنه كان رافعا كفه إلى سكان الحلة حاملا سبحة من الباقلاء يلوح بها أمام الناس يمينا وشمالا. فصارت مضرب مثل عندهم.
الحلو العربي:
العرب بعامة يحبون الحلواء وكان الرسول عليه السلام يعجبه أن يفطر على الرطب وعلى التمر إذا لم يكن رطب ويختم به وقد سأله عبد الله بن عباس أي الشراب أفضل؟ فقال: الحلو البارد – أي العسل – وتقول العرب: "كل طعام لا حلواء فيه فهو خداج" أي ناقص غير تام. وكانت الحلواء يختم بها الطعام كما نفعل نحن الآن. يقول بختيشوع: الحلواء كلها، حقها أن تؤكل بعد الطعام، لآن للمعدة ثورانا عقب الامتلاء كفوران الفقاع- شراب يرتفع الزبد في رأسه- فإذا صادفت الحلاوة سكنت. ثم يقول، قول الناس إن في المعدة زاوية لا تسدها إلا الحلاوة علي أصله، والأكل إذا اشتهي الحلاوة ثم فقدها وجد حواسه ناقصة
العصائد والأحساء والهرائس:
من الدقيق صنعت العرب العصائد = والهرائس والأخباز(الحلو)
فمن الدقيق صنعت العصيدة والعصيدة دقيق يلت بسمن ويطبخ في ماء القدر إلى أن ينضب.
ويتخذ من الدقيق الحسو، ومنه ما يكون رقيقاً كالرغيفة، ومنه ما يكون خاثراً بين الحسو والعصيدة، ومن الأحساء ما يكون من ماء، ومنها من لبن كالفجينة والحريرة، ومن الحنطة تصنع الجشيشة، وتخلط البسيسة، ويكون السويق طعاماً يلت ويبس بالماء أو الأدم وشراباً، ويمكن أن يسف سفاً، وقد يكون منقوداً، وهو طعام المسافر، وطعام العجلان، وغذاء المبكر، ومن الدقيق والعسل والسمن يكون الخبيص.
وقد كانت الخزيرة أو الحريرة (الخزيرة من النخالة والحريرة من الدقيق) والنفيتة (النَفيتَةُ: الحريقةُ، وهو أن يُذَرَّ الدقيقُ على ماءٍ أو لبن حتَّى يَنْفِتَ. وهي أغلظ من السَخينةِ) والسخينة (طعامٌ يُتَّخَذُ من الدقيق دون العصيدة في الرقّة وفوق الحَسَاء) من الأطعمة التي يتوسع بها صاحب العيال لعياله إذا غلبه الدهر، وغلا السعر، وعجف الماء، وقد عُيرت قريش بأكل السخينة، وجاء أنها تقتصر عليها عند غلاء الأسعار حتى صار هذا اللفظ لقباً لها، وورد أنه كانت تكثر من أكل السخينة، فعيرت بها، حتى سميت قريش سخينة.
ومن أطايب أطعمة الحلو العربية:
- الفالوذج، أول من صنعه عبدالله بن جدعان وكان يقدمه للأضياف، وكان له مناد يناد عليها في الموسم: "هلموا إلى الفالوذ" وبهذا مدحه أمية بن أبي الصلت بقوله:
له داع بمكة مشمعل = وآخر فوق درانه ينادي
إلى ردح من الشيزي عليها = لباب البر يلبك بالشهاد.
والفالوذج: بفتح الذال: حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل. وقد جاء الفالوذج بهذه الصيغة في القاموس، وحكي الرازي في مختار الصحاح: الفالوذ والفالوذق معربان، قال يعقوب: "ولا تقل الفالوذج". وفي الحديث: "أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأكل الدجاج والفالوذ".
ومن الأطعمة العربية الشهيرة الزبد والتمر: يحبه أهل البداوة بخاصة، وفيه يقول الشعبي: "ما رأيت فارسا أحسن من زبد علي تمر". وقال الحجاج لجلسائه: "ليكتب كل رجل رقعة في أحب الطعام إليه، ويجعلها تحت مصلاي"، فإذا الرقاع كلها الزبد والتمر.
- الخبيصة أو الخبيص: (الحلواء المخبوصة من التمر والسمن) وأصل الخبيص: الخلط. ويعمل في الأصل من السمن والتمر، وقد يعمل من العسل ونقي الدقيق، وكان سفيان يقول: لابد للعاقل في كل أربعين يوما من خبيصة تحفظ عليه قوته. ويحكي مالك بن أنس عن ربيعة الرأي: أكل الخبيص يزيد في الدماغ. وأول من خبص الخبيصة عثمان بن عفان رضي الله عنه،- خلط بين العسل ونقي الدقيق-، ثم بعث به إلي الرسول صلي الله عليه وسلم في منزل زوجه السيدة أم سلمه، فقال: من بعث بهذا؟ فقالوا:عثمان، فرفع الرسول الكريم وجهه إلى السماء وقال: "اللهم إن عثمان يسترضيك فارض عنه.
- الهريسة: من أنواع الحلوى، تصنع من دقيق أو جريش البر والسمن والسكر، والهريس أو الهريش: طعام معروف بدأ ظهوره ببلاد اليمن وشبه الجزيرة العربية ، مصنوع من الحب المدقوق بالمهراس قبل طبخه. يقول دوسر المديني مفرقا بين طعام الحضر والبدو – وهو الحضري- لنا الهرائس بأنواعها، ولأهل البدو اللبأ والسلاة والجراد والكمأة والخبزة في الرائب والتمر بالزبد.
- الحيس: تمر يخلط بسمن ويعجن بعد إخراج نواه.
- العصيدة: من الأكلات والحلويات الشعبية المشهورة وتختلف أنواع العصيدة باختلاف مكوناتها ففي بعض البلدان العربية تصنع من دقيق الذرة وفي مناطق أخرى من دقيق الدخن وهي عبارة عن دقيق قمح مطبوخ بالماء، يقدم على شكل نصف كرة وتؤكل باليد. وقد يضاف إليها العسل، أو السمن أو رُب التمر أو رُب الخروب أو اللبن وتختلف العصيدة عن العصيدة في بلاد المغرب العربي فهي ليست سائلة بل كتلة متماسكة مما يجعلها وجبة حقيقية يضاف إليها المرق، الحقين. يقول جعيفران الموسوس واصفا عصيدة:
وماء عصيدة حمراء تحكي = إذا أبصرتها ماء الخلوق
تزل عن اللهاة تمر سهلا وتجري = في العظام وفي العروق.
وختاما:
الطعام العربي له ولا شك، أهمية تتعدى كونه وسيلة لتغذية الجسم بغية الحياة، لأن الطعام يرتبط بالبيئة، والاقتصاد، والدين والمعتقدات الشعبية، وربما بكافة مظاهر الحياة الإنسانية المادية والفكرية.
المراجع:
- الفيروزاباذى: القاموس المحيط، طبعة دار الشعب 1963م.
- ابن منظور: لسان العرب، الجزء الثالث، طبعة دار المعارف 3 1978 م.
- أبوالعلاء المعرى: سقط الزند، طبعة الدار القومية 1977م
- أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البخلاء، تحقيق عباس عبد الساتر، الطبعة الثانية، دار ومكتبة الهلال بيروت 1985م
- أبو هلال العسكري، التلخيص في معرفة أسماء الأشياء، تحيق عزة حسن، الطبعة الثانية، دار صادر بيروت 1413هـ
- د/ محمد رجب النجار: من فنون الأدب الشعبي في التراث العربي، سلسلة الدراسات الشعبية 83 الهيئة العامة لقصور الثقافة الجزء الأول 2003م
- صفي الدين الحلى: العاطل الحالي والمرخص الغالي، تحقيق: د/ حسين نصار. مركز تحقيق التراث الهيئة المصرية للكتاب 1981م
- محمد عبد الواحد: حرائق الكلام في مقاهي القاهرة، مكتبة الأسرة 2004م
- د. حسين نصار: الشعر الشعبي العربي، الهيئة العامة لقصور الثقافة - القاهرة- 2002م
- د/أحمد صبحي منصور، تاريخ الفكر في الحضارة الإسلامية، كتاب مقرر على طلاب السنة النهائية لكلية اللغة العربية، جامعة الأزهر، المقدمة، بدون ذكر الطباعة والتاريخ.
- أبوبكر عبد الله المالكي، رياض النفوس، تحقيق: حسين مؤنس، القاهرة 1951م
- د/ محمد بن فارس الجميل، الأطعمة والأشربه في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، حوليات كلية الآداب مجلس النشر العلمي جامعة الكويت، الحولية السابعة عشر 1996- 1997م
- محمد السموري، تقاليد الكرم عند العرب، كتاب المجلة العربية العدد 376 مايو 2008م
- عبدالمجيد الشاوي، الأطعمة عند العرب، مجلة قافلة الزيت، رمضان 1384م
- محمّد رجب السامرّائي: رمضان في الحضارة العربية والإسلامية، دار الأوائل للنشر والخدمات الطباعية، دمشق، سورية 2002م
وباعتبار الطعام أحد ألوان التراث لأي شعب، لذلك تهتم الدول بتنظيم مهرجانات عالمية تقوم على إعداد الأطباق والأكلات الشعبية الخاصة بها من أجل الإثبات والتمكين لهويتها والترويج لثقافتها، بل إن الدول المتقدمة التي تولى الثقافة والتراث أهمية بالغة وتسعي إلى تسجيل أطعمتها التقليدية وقهوتها أو مشروباتها الشعبية في قائمة التراث العالمي لدي منظمة اليونسكو.
والأكل أو – الطبخ- هو أحد معايير الرصيد الحضاري. شأنه شأن الفن والكتابة. يوجد علي مدار تاريخ الإنسان. وكلما تعقدت أوصافه وتنوعت مكوناته كلما علا المعيار.
ولما كان العرب أهل كرم، (رجل كريم، وقوم كرم، ونسوة كرائم، كرام والتكريم والإكرام والاسم منه الكرامة، والحسب: الكرم، والحسب الشرف الثابت في الآباء وقيل هو الشرف في الفعل وفي الحديث، والحسب المال والكرم التقوى، والمجد الكرم والشرف، والمجد نيل الشرف، وقيل لا يكون إلاّ بالآباء وقيل المجد كرم الآباء خاصة. قال تعالى: "أو إطعام في يوم ذي مسغبة"(البلد: 14) والمسبغة: الجوع، قالت العرب: الكرم في الطعام والسخاء في المال. والكرم عند العرب: رجولة وشجاعة وعزيمة) توسعوا في الأطعمة والمآكل في انتظار من يؤاكلهم فقد كان الرجل منهم لا يأكل وحده ويمكث أياما جائعاً حتى يجد من يؤاكله ومنه قول الشاعر:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي.
لذا اجتهد العرب في تكثير الأيدي على الطعام قال صلي الله عليه وسلم: "اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه"، وقال أنس رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل وحده، بل قال خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي". كان في العرب الكثير من المطعمون الذين يكثرون الطعام للأضياف والحجيج.
لذا قالت العرب: إذا جمع الطعام أربعاً فقد كمل: إذا كان حلالا، وكثرت عليه الأيدي، وسمي الله على أوله، وحمد في آخره!.
ومن الثابت والمعلوم أن تنوع المائدة دليل علي رقي ذوق وموارد وحياة وحضارة الشعوب والمائدة العربية غنية بشتى أصناف الطعام وأطايبه، ومع أصناف هذه الأطعمة العربية نبقي قليلاً
والطعامُ عند العرب ضُروب. والدعوة اسم جامع، وكذلك الزّلة، ثم منه العرس، والخرس، والإعذار، والوكيرة، والنقيعة و، والعقيقة، والنزل، والقري، والتحفة، والعذوة أو الوضيمة، والعجالة، والقفاوة.
المأدبة: اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعات. يقول طرفة بن العبد.
نحْنُ في المًشتَاةِ ندعو الجَفَلى ج لا ترى الآدِبَ فينا ينْتَقِرْ.
والأدب: صاحب المأدبة، الجفلى: دعوه عامه، النقرى: دعوة الخاصة.
وجاء في الحديث الشريف: "القرآن مأدبة الله" من حديث ابن مسعود بلفظ: "عليكم بهذا القرآن، فإنه مأدبة الله. فمن استطاع منكم أن يأخذ مأدبة الله فليفعل، فإنما العلم بالتعلم".
وقيل: إن العرس هو الوليمة، لقول النبي صلي الله عليه وسلم لعبد الرحمن "أولم ولو بشاة" وهو خطاب لعبد الرحمن بن عوف، إذ قال: تزوجت أنصارية، فقال عليه السلام: "بارك الله لك أولم ولو بشاة".
وكان ابن عون والأصمعي من بعده يذمان عمرو بن عبيد، ويقولان: لا يجيب الولائم. يجعلان طعام الإملاك والإعراس، والسبُوع، والختان وليمةً.
الإعذار: طعام الختان- وليمة يدعى الناس إليها في ليلة الختان-: يقال: صبي معذُور، وصبي مُعذر جميعاً. وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - وهو يريد تقاربهم في الأسنان: "كنا إعذار عام واحد".
الخُرْس: الطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال والنساء. وأصل ذلك مأخوذ من الخُرسة، والخرسة طعام النُفسا. قالت جارية: "وَلَدت حين لم يكن لها من يخدمها ويمارسُ لها ما يمارس للنفساء" ويقال:"تخرّسي، لا مخرِّسة لك".
العقيقه: دعوة على لحم الكبش الذي يُعق عن الصبي، والعقيقه اسم للشعر نفسه، والأشعار هي العقائق. وقولهم عُقوا عنه، أي أحلقوا عققته. ويقولون: عقَّ عنه، وعقَّ عليه، فسمي الكبش لقرب الجوار، وسبب الملتبس عقيقه. ثم سموا ذلك الطعام باسم الكبش.
الوكيرة: طعام البِناء. كان الرجل يطعم من يبني له، وإذا فرغ من بنائه، يبرك بإطعام أصحابه ودُعائهم.
النزل: النزيل الضيف، والنزل: ما هيئ للضيف إذا نزل على مضيفه، ونزيل القوم أعظمهم حقوقاً، وحق الله في حق النزيل، ونزل القوم أنزلهم المنازل. وليمة واجبة على كل من نزل بقربه جار جديد أن يدعيه ويدعى على شرفه الجيران الآخرين ويعرفه بهم ويتوالى الجيران على إقامة الولائم. وفي آخرها يرد النزيل على ولائمهم جميعاً بوليمة اسمها رد النزلة.
العزوة أو الوضيمة: (طعام المأتم) من العزاء، وأيام العزاء ثلاثة (التعزية مستحبة عند العرب قبل الدفن وبعده وتكره بعد ثلاث أيام لأن التعزية لتسكين القلب المصاب والغالب سكونه بعد ثلاثة أيام فلا يجدد الحزن. يقول الشافعي: أنها لا تجوز بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين وهما: إذا كان المُعَزِي أو المُعَزَى -صاحب المصيبة- غائباً حال الدفن فاتفق رجوعه بعد ثلاث) يتكفل فيها الجيران أو أهل القرية أو المحلة، بإطعام أهل العزاء وكل المعزين الذين يدركون أوقات الطعام.
القفاوة: ما يرفع من المرق للإنسان، قال الشاعر:
ونقفي وليد الحي إن كان جائعاً ونُحسبه إن كان ليس بجائع.
العجالة: طعام المستعجل قبل إدراك الغذاء.
ومما لا شك فيه أن تطور الحضارات والمجتمعات يتبعه تطور في أنواع الأطعمة وطرق تحضيرها وتقديمها وتناولها. هذا ما حدث مع فن الطعام العربي فقد تطور مع المدنية. فعرف العرب على مدار الأيام، أن العين تأكل قبل الفم أحياناً. فاعتنوا بتزيين موائدهم بإضافة الزهور والشموع إليها. وتفننوا في مدّ أغطية الموائد المزخرفة، وتطور فن صناعة الأطباق فرسمت الورود على الصحون الخزفية وطليت بماء الذهب. وأكل الأغنياء بملاعق الفضة. وزخرفت سيدات البيوت مأكولاتهن بأنواع الخضراوات الملونة. فجاءت صحاف الطعام لوحات فنية رائعة.
ومع تطور الحضارة العربية أصبح الطعام وسيلة لتكريم الأعزاء. وتعبيراً عن الود والصداقة.
ففي الحضارة العربية كان المطبخ العربي كسائر مناحي الحياة الحضارية ثري بخصائصه ومحتوياته. يدل على ذلك أخبار كثيرة وردت في بطون الكتب من ذلك ما رواه الأحنف بن قيس: "دخلت على معاوية فقدم لي من الحار والبار والحلو والحامض ما كثر تعجبي منه، ثم قدم لي لونا لم أعرف ما هو فقلت له ما هذا؟ فقال: مصارين البط محشوة بالمخ قد قلي بدهن الفستق.
وقد ترك لنا الحسن بن سهل دليلاً لمآكل المترفين العرب من المخ والمح والحمل الذي رضع شهرين، والدجاج الفتي المسمن بلباب البر، وفراخ الحمام البيتي، ومن الحلواء: اللوزنج بالطبرزد وماء الورد المبخر، والخبيصة، والزلابية، والقطائف، والكنافة والهريسة، ومن الفواكه قصب السكر والرطب والتين الوزيري والعنب الرزاقي والتفاح الشامي.
وفصل يزيد بن ربيع أنواع الطعام العربي حسب المكانة المادية والاجتماعية فقال: "الكباب طعام الصعاليك، والماء والملح والخبز والتمر طعام الأعراب، والهرائس والرؤوس طعام السلاطين، والخل والزيت والخبز طعام أمثالنا".
ومن الطرائف التي تتصل بألوان الطعام العربي أن رجلاً دخل على آخر فقال: ما تقول في صفحة أرز مطبوخ فيها نهر من سمن، على حافاتها كثبان من السكر المنخول؟ فدمعت عين الرجل، فقال له الأول: ما لك؟ قال أبكي شوقاً إليه.
المطبخ العربي:
من أزهي فترات المطبخ العربي فترة العصر العباسي. (بين القرن التاسع ونهايات القرن الثالث عشر) فتاريخ ظهور أقدم المؤلفات المعروفة في فنون المطبخ العربي يعود إلي النصف الأول من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وقتها كانت هناك مؤلفات مستقلة بالطبخ كما كانت هناك المؤلفات الخاصة بآداب المائدة وسلوك الآكلين باعتبارها عملية أساسية لإعداد الإنسان وتحضره وتأهيله لنوعية ارقي من الحياة. حيث أن هناك في قوانين الحضارة الإنسانية ربط مباشر بين سمو الحضارة ونوعية المطبخ. وقبلها كانت ثقافة الطعام موجودة ضمن ثنايا مؤلفات عربية في الشعر والأدب أو السير.
وبفضل الحضارة العربية عرف في العالم في ذلك الوقت – القرن التاسع الميلادي- موجة جديدة للطبخ، ولدت علي أرض بغداد حيث الحدائق والبساتين والقصور والأدب والمساجد والأسواق. صحيح أن موجة الطهي البغدادي لم تكن بغدادية صرفا فقد حملت أطياف المذاقات التي أغناها خليط سكاني يمثل أطياف الأرض في ذلك الوقت وقد وثقت موجة الطبخ الجديدة هذه توثقيا تاريخيا بفضل اثني عشر اسما من علماء وأطباء وشعراء وخلفاء الحضارة الإسلامية وهم المأمون والواثق والمعتصم (خلفاء) وإبراهيم بن عباس الصولي (شاعر) ويحي بن خالد البرمكي (وزير) و يحي بن أبي منصور (فلكي) ويوحنا بن ماسويه (طبيب) وأربعة طباخين مجهولين لم نتعرف إلا علي أحدهم وهو: (أبا سمين) الطباخ الخاص للخليفة الواثق. أما المصدر الثاني عشر والأهم فهو أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي ألأخ الأصغر للخليفة هارون الرشيد وعم الخليفة المأمون والواثق وصديق الطبيب ابن ماسوية صاحب أول مؤلف شامل جامع للطبخ في اللغة العربية. ولد إبراهيم بن المهدي عام 163هـ/779م في قصر الرصافة شرق بغداد توفي والده الخليفة المهدي وهو بعد لم يتجاوز السادسة ومما يذكر أنه كان عادلا وكريما وممن له باع في الأدب، وله ذوق رفيع فيما يتعلق بالطعام. إبراهيم متذوق اللقمة والكلمة تربي بعد وفاة والده تحت إشراف أخيه هارون الرشيد. وقد أصابه الولع بالموسيقي ولأدب والطبخ. ولأن ليالي الشعر والغناء لم تكن تكتمل بغير الطعام والشراب. حتى في مجالس السياسة لم يكن الطعام مجرد حلية أو لازمة من لزمات السهر لكنه بحد ذاته كان موضوعا للبحث والجدل والشعر. فقد كان إبراهيم يخصص مجلسه في ليالي رمضان من كل عام للحديث عن الطعام. وقد نظم أشعارا في محاسن (الملح) وأعد شعرا وصفات للطعام فقد كان طاهيا شاعرا أو شاعرا طاهيا وفي الحالتين كان ذواقة مبدعا خلاقا. اخترع بعض الأكلات والحلويات التي حملت اسم (ألإبراهيمية) نسبة وإكراما للمعلم الكبير الذي أثر في أجيال وكون مدارس وجعل من الطبخ معرفة. معرفة وثقافة لا تخص الطباخين وحدهم وسمي – بالمتذوق الأكبر- امتد العمر بإبراهيم حتى عصري الخليفة المأمون والمعتصم وتوفي في عمر الستين (226هـ/839م)
النظافة والنظام أهم شروط المطبخ العربي:
لعظمة ما كانت عليه حضارة العرب ورقيها في مجال الطبخ والاعتناء بالغذاء كان لازماً عليها الاعتناء بنظافة المطبخ، وبإزالة الروائح منه ومن الأواني المستخدمة في هذا المجال.
فنحن اليوم لا يجد المرء، أي صعوبة في تنظيف أواني الطعام: قدور، صحون، ملاعق الخ. حيث يتوافر في هذا العصر مواد للتنظيف، من سوائل ومرشات تزيل الزيت والرائحة والطعم، كما يتوافر قدور لا يلصق بها الزيت ومخلفات اللحوم والخضر والبقول.
أما القدور والأواني في العصور السابقة فكانت مصنوعة من المعادن والفخار أو الخشب والأولي يجب أن تنظف حالاً بعد الاستعمال لأنها تصدأ، والصدأ مضر، أما الفخار والخشب فهما مادتان مساميتان تدخل الزيوت فيهما، ويحتاج تنظيفها إلي جهد مضاعف عشرات المرات لكي تزال الرائحة والدسم منها. لنسأل أنفسنا كيف نزيل الدهون من صحن خشبي إن لم يكن لدينا سائل تنظيف، وإن لم يكن لدينا إسالة ماء معاصرة، أي صنبور، نفتحه فيتدفق ماء نظيف، معقم. فكيف كان أجدادنا ينظفون قدورهم؟ آنياتهم؟.
قديماً كان لزاماً لإتمام عملية نظافة الأواني المستخدمة في المطبخ العربي لابد من الذهاب إلي النهر. أو إلي ساقية تمر غير بعيد، وقد كان الخليفة العباسي المنصور عبقرياً إلي درجة لا توصف، عندما طلب من المعماريين المخططين لبغداد حفر قنوات دائرية تأخذ المياه من دجلة وتنتهي بها، كي يستطيع الناس كلهم أخذ الماء منها، وقضاء حاجيات التنظيف فيها بسهولة، لذ وصف أحد الجغرافيين بغداد في نهاية العصر العباسي بأنها: يحيطها خمسون قناة.
ولابن سيار في كتابه الطبيخ وصية لتنظيف قدور الطبخ جاء فيها: "تغسل القدور، ثم تطين، ثم تغسل من الطين الأول، ثم تطين ثانية، وتترك في الطين ليلة كاملة، ثم تغسل مرة أخري، ثم يأمر بشمها، فإن كان فيها رائحة (دهن. زيت) غسلت مرة أخري بالكرفس، فإن وجد فيها رائحة فعليه إعادة غسلها مرة أخري".
ويبدو أن وظيفة الطباخ لدي الخلفاء والوزراء والأغنياء وذوي الشأن لا يتولاها إلاّ المجيدون، فمن الشروط المهمة: كيفية إزالة الرائحة من القدور، وهي مهمة سهلة الآن، فعندنا في الوقت الحاضر آلات غسل تلقائي، وعشرات مواد كيماوية وتنظيفيه تزيل الرائحة والطعم خلال ثوانٍ، أما آنذاك فلا سبيل غير العادات المتوارثة التي نقرأ عنها في عشرات كتب التراث، وما استقر عليه طلب الأطباء من توصيات، وأهمها هي أن يمسك الطباخ بحصاة نظيفة، ويشمها، ثم ينظف القدر، ويشمه، فإن رأي اختلافاً في الشم، عاود الغسل، حتى يري الرائحة نفسها في الحصاة والقدر
مؤلفات الطبخ العربية:
باٌلإضافة لكتاب الطبيخ لإبراهيم بن المهدي هناك كتاب الطبيخ للحارث بن بسخنر، وكتاب الطبيخ لإبراهيم بن العباس الصولي، وكتاب الطبيخ لعلي بن يحيى المنجم، وكتاب الطبيخ لمخبرة، وكتاب الطبيخ لأحمد بن الطيب، وكتاب الطبيخ لجحظة، وكتاب فضائل السكباج له، وكتاب أطعمة المرضى للرازي وكتاب الطبيخ له، وكتاب الطبيخ لنطاحة، وكتاب الطبيخ ليحيى بن أبي منصور الموصلي، وكتاب الطبيخ لابن خرداذبه وكتاب الطبيخ لابن الداية، وكتاب الطبيخ لابن مندويه، وكتاب الأشربة وكتاب الطبيخ لمسكويه، وكتاب الطبيخ لكشاجم، وكتاب المعزي في الطبيخ لموسى بن العازار ألفه للمعز الفاطمي، وكتاب الطبيخ ليوحنا بن ماسويه، وكتاب الطبيخ ابن سيار الوراق، وكتاب الطبيخ لأبن الأنباري، والأنموذج فيما ورد في الفلوذج لمحمد بن طولون الدمشقي، وكتاب الطبيخ للبغدادي، وكتاب الخبز والزيتون، وكتاب حرب اللحم والسمك لابن الشاه الظاهري، ثم الكتاب الفريد كتاب الطبيخ الذي كتبه السرخسي للمعتضد على الشهور والأيام.
ماهية الطعام العربي:
الخبز:
كان ولا يزال سيد الموائد العربية. فالخبز معروف، يصنع من دقيق البر والشعير والذرة والقمح، قال الشاعر:
لم يشتر الناس ولا باعوا خيرا من الخبز إذا جاعوا.
وقال آخر:
ألا ليت خبزا قد تسربل رائيا وخيلا من البرني فرسانها الزبد.
واشتهر بين العرب نوع من الخبز يقال له – الخشكنان- وهو خبز يابس رقيق مطعم بالملح أقرب إلى ما يسمي اليوم بالبسكويت، قال الشاعر:
يا خير ركب سلكوا طريقا ويمموا مكة والعقيقا
وأطعموا ذا الكعك والسويقا والخشكنان اليابس الرقيقا.
والعرب يأكلون الأخباز طرية ويابسة وأديمة وقفارا فيتعدد الخبز ويتنوع تعدد الأدم، ويبل الخبز بالماء فيؤكل مبروداً ، تقبل عليه النسوة ليسمن، ويميل العرب إلى الخبز أديم شحم وألية، كما يحبون دلكه بالسمن، فأشهى ما يكون الخبز أبيض من البر الأسمر ملبقاً بالسمن، ورغيفاً أديم شاة مشوية وصلاء وكركر وسنام وصناب، وأطيب ما يكون ثريداً.
الثريد:
إعتبر الثريد طعام العرب وسيد الأطعمة، والثريد من الثرد وهو الهشم والفت والكسر، ومنه قيل لما يهشم ويبل بالمرق وغيره ثريداً، وإذا كانت كلمة (المرق) تفيد الشيء الذي يمرق من اللحم، فإن غيره تحيل على شيء آخر يثرد به الخبز، فكلما كانت العرب تصنع الثريد من اللحم وعراقه والقديد، كانت تعالجه بالزيت والسمن وتتخذه من التمر، ولعلها تثرد الخبز بالزيت زمن الشدة
وهناك أنواع متعددة من الثريد عند العرب، منها الزريقاء، وثريد التمر، وثريد الرغيف والماء، وحسب المعاجم غالباً ما يكون الثريد من لحم، وقد أرخت كتب السيرة والمغازي للحياة اليومية بمكة، واشتركت في وصف طعام سادة قريش وأشرافها الذين كانوا يذبحون الجذور، ويثردون بمرقها الخبز طعاماً في مواسمهم ولأضيافهم، كما وصفت هذه المصادر ما كان يقدم للنبي وما كان يفضل من المآكل، وكان الثريد باللحم أكثر ما يهدى إليه، وأحسن ما يستطيب، فغدا الثريد الحجازي ثريد السادة والأشراف. وأضحى اللحم رمز الثريد يطلق عليه مجازاً حتى إن غاب اللحم من القدر، وجعل فيها عراقة أو القديد أو الشحم، أو أغلي فيه الزيت أو اللبن أو الزبد أو السمن ليثرد به الخبز، لا يكون ذلك طعاماً آخر غير الثريد
إقترن الثريد في الثقافة الإسلامية بهاشم، فقيل أنه أول من ثرد الثريد، وتجمع المصادر أنه أتى بالدقيق والكعك من الشام، ولئن بدت رحلة هاشم إلى الشام حدثاً تاريخياً، فهي لا تخلو من أبعاد رمزية، فرواية هشم الخبر تشير على رحلة سكان أرض لا زرع فيها أضناهم القحط فطلبوا شيئاً آخر غير ما تجود به إبلهم، ورغبوا في تحقيق حلم إبراهيم القادم من الشام، يدعو ابنه إلى تغيير عتبة بيته عساه ينعم بالحب والولد، قصد هاشم الشام حتى يأتي بالغرائر المملوءة خبزاً ودقيقاً، فيحقق أول خصب أهل مكة ،فالخبز هو رمز لنشاط الإنسان وفعله في الطبيعة، وسيطرته عليها تثرده قريش، فتخرج العرب من البداوة إلى التحضر والتمدن، وتؤسس لثقافة جديدة، يكون الفضل كل الفضل فيها للأب (إبراهيم /قصي /هاشم ) الذي جاء محمد من صلبه.
والثريد على بساطته كان في مقدمة ما تؤثره الخاصة والعامة من الطعام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "سيد الطعام الثريد" ولمنزلة الثريد عند قريش سموا عمرو بن مناف هاشما حين هشم الخبز واتخذ منه الثريد ليطعم الضيوف والحجيج، وفيه يقول الشاعر:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه = ورجال مكة مسنتون عجاف.
اللحم:
جاء في التراث العربي أن العرب قوم لاحمون شاحمون، يأكلون لحوم الصيد من أرنب، وحمار وحش، وظبي، ونعام، وطير، ويقرمون إلى لحوم الإبل والغنم والماعز، ويحبون شحومها، ولكنهم لا يفضلون على لحوم الإبل لحماً، فهي حيوانهم الذي يعتمدون عليه في معاشهم، خاصة أهل الوبر منها.
وللعرب طرق في طبخ اللحم ما زلنا نتبع أكثرها إلى اليوم فاللحم يكون قديراً يطبخ في الماء والملح، وقد يتولبون ماء القدر، مع إضافة التوابل. وقد تضيف العرب إلى اللحم القدير الحمص والقرع أو الدباء ويطبخ أهل اليمن اللحم بالخل، ويبقى الطعام في القدر شهراً أو شهرين جامداً لا يفسد، وإذا أسخن، تظهر فيه رائحة يومه. وتكون قدور العرب من معدن أو فخار أو حجارة منحوتة وقد يقلى اللحم وتستعمل المقلاة لذلك وغالباً ما يشوى.
وتحب العرب الجنيد وهي كلمة تدل على الشواء عموماً، فقد جاء أن الجنيد هو الذي قطر ماؤه وقد شوي وهو الشواء الذي لم يبلغ في نضجه
تأكل العرب اللحم طرياً ومجففاً، تشرحه قطعاً طوالاً فيكون قديداً، وعراضاً فيكون صفيفاً، وتقطعه صغاراً فيكون متمماً، وتغلي اللحم بالملح إغلاءه قبل تجففه فيكون وشيقاً، وتقدم سناب البعير شطانب، وتجفف الكرش فتملؤها لحماً وشحماً مقددين مطبوخين، وتصب عليهم الودك حتى يجمد، وتحفظها في حوالق تخزنه.
وتفضيل العرب اللحم السمين فالعرب لا تميل إلى اللحم الغثيث (الهزيل) كما لا تحب المرأة الهزيلة، ولا الرجل الغث، وتستطيب العرب الآلية والشحم فتأتدم بالشحم (ما أذيب من الآلية) وتفضل اللحم السمين تجتمله، كما تستديف الشحم، وتستلذ المرقة المتحيرة، والمدومة والدوامة
والعربي يستلذ كل سمين، الناقة التي روعها الكلا، والمرأة الروعاء التي يرويها الطعام ويروعها بالسمن، والتامر الذي فيه إهالة وجميل، مثل جميل الكبش السمين، يوحل فيه الضارس ويغيب، فالسمن والشحم والزبد أغذية دسمة تسوغ في الحلق تلسب لسباً وتمطخ مطخاً، وتلمص لمصاً، كما ترمز هذه الأغذية إلى الوفرة والثروة، والطاقة الحيوية، وهي أطعمة ثمينة في ثقافة يكون فيها الحيوان قطب الوجود.
وكان العرب يقدمون اللحم على كثير من الطعام. وفضل بعضهم اللحم على التمر، قال شاعرهم:
قريتي عبيد تمرها وقريتها سنام مصراة قليل ركوبها
فهل يستوي شحم السنام إذا شتا وتمر جواثا حين يلقى عسيبها.
وكانت العرب تضرب المثل بمضيرة معاوية، وثريد غسان، وفالوذج ابن جدعان.
مضيرة معاوية هي صنف من الطعام كان مشهورا بين أطعمة معاوية بن أبي سفيان الفاخرة، وهي عبارة عن لحم يطبخ باللبن المضير (اللبن الحامض).
أما أشهر الأطعمة العربية فهي السكبجة، عبارة عن مرق من اللحم والخل. والهلام هو مرق السكباجة بعد تبريده وتصفية من الدهن. قال الشاعر:
نفسي تحن إلى الهلا = م الموت من دون الهلام
من لحم جدي راضع = رخص المفاصل والعظام
حي القدور الراسيا = ت وإن صممن عن الكلام
وقصاعهن إذا أتيـ = ـنك طافحات بالسلام
لهفي على سكباجة = تشفي القلوب من السقام!
والمرق: هي اللحم يطبخ بالماء، قال صلي الله عليه وسلم: "إذا اشتري أحدكم لحماً فليكثر مرقته، فإن لم يجد لحما أصاب مرقه وهو أحد اللحمين".
ومن أطعمة العرب الخاصة: المصوص وهو لون من لحم الطير يطبخ وينقع في الخل، والجواذب وهو طعام يتخذ من سكر وأرز ولحم، والكمأة (الكمأة: نبات ينقص الأرض فيخرج كما يخرج الفطر) بالزبد والفلفل، والقلية وهي نضيد اللحم.
ومن أطعمة العرب البسيطة: الطفيشل نوع من المرق البسيط بالخبز. ومثله الكرنبية والفجيلة وكلها ألوان من المرق الخفيف. تذكر عادة عند ذكر طعام البخلاء.
التمور والألبان:
كانت العرب تتأدم بأصناف من الأكل إرتكزت أساساً على عنصر التمر واللبن، كمادة رئيسية وأساسية على موائدها. فتفننت فيه حتى عرف العرب بأنهم أمة تامرة ولابنة، فصنعوا من التمر واللبن أصنافاً وألواناً من الطعام، اختلفت حسب أصناف وأنواع التمر واللبن.
من اللبن تصنع العرب الأقط والزبد والسمن، فيخلط السمن مع الزيت، أو التمر والأقط، أو الدقيق، أو الجراد، أو اللبن الحليب، ويصنع من الزبد واللبن الدليك، ومن الرطب والزبد اللوقة، ومن الأقط (الإقط: من طعام البادية وهو طريقة للاستفادة من الحليب في أيام الوفرة في الربيع, حيث يكثر الحليب بسبب وفرة المراعي الخضراء بعد هطول الأمطار. فكانوا يخضون الحليب حتى يصير لبناً وهو الحامض الطعم) الحيس والبكيلة والربيكة، ولشدة ما ألفت العرب اللبن والسمن، أصبح هذان الغذاءان رمزاً على البداوة والعروبة.
وللتمر احتفاء شديد لدى العرب وكانت تأكله "بسراً ورطباً وتمراً وقسباً"، وهي كثيرة في بلادها خاصة في اليمامة ويثرب وهجر، وهي أنواع يستطاب منها الصفري والبرني والتعضوض والبردي والجدامية والنرسيانية، والصيحاني، وقد جاء في التراث الإسلامي تفضيل العجوة على سائر التمور، والعجوة تعتبر أم التمر بالحجاز، وهي تضرب إلى السواد
ومازالت سنة أكل التمر لدى العرب في رمضان متواصلة إقتداء بعادات العرب في الحجاز. فالصائم لا بد أن يفطر على التمر، رغم توفر ألوان أخرى ألذ وأشهى، لكن يبقى التمر كالتعويذة يبدأ بها وإليها المنتهى. تصبيرة في افتتاحية الأكل وتحلية في خاتمته.
*وللعرب في أطعمة الألبان ولع لا مثيل له، فمن أقوالهم: "الحمد لله الذي أغنانا باللبن عما سواه" واللبن إذا كان على مائدة الأعرابي لم يطمع في شيء سواه قط.
والألبان أنواع، قال أعرابي: "ليس من الألبان أحلى من لبن الخلفة، وهو مخاض النياق أو غيرها من الحيوانات التي تدر ألبان.
ومن الأطعمة العربية التي تعتمد على الألبان: الحريرة، وهي دقيق يطبخ بلبن أو دسم، والبخيرة وهي عبارة عن لبن يخلط بالطحين، والسليقة وهي ذرة تدق وتطبخ باللبن، والرغيفة وهي لبن يغلى ويذر عليه دقيق.
الكمأة:
الكمأة (الترفاس أو الفقع) هبة الطبيعة للإنسان، فطر بري موسمي ينمو في الصحراء بعد سقوط الأمطار بعمق من 5 إلى 15سنتيمتر تحت الأرض وتعتبر ثمار الكمأة التي تنمو بشكل طبيعي كفطر في أراضي البادية من ألذ وأثمن أنواع الفطريات الصحراوية التي يقبل عليها العرب ويتناولونها في موسم ظهورها وحصادها والذي يبدأ عادة مع بداية شهر يناير ويستمر حتى أواخر فصل الربيع يتناولونها مسلوقة أو مقلية أو مطبوخة مع لحم الغنم البلدي. ويتم تناول الكمأة إما شيّاً مع البصل ودهن الخروف البلدي وعلى الفحم المشتعل، أومسلوقة بعد هرسها مع الزبدة البقرية أو الغنمية أو تحمص مع قطع لحم الخروف البلدي وتضاف لها البهارات للنكهة اللذيذة. والكمأة من أقدم ما أكله الإنسان، ومن ألذ وأثمن أنواع الفطريات الصحراوية. ينمو الكمأة على شكل درنة البطاطا في الصحاري، فهو ينمو بالقرب من نوع من النباتات الصحراوية قريبا من جذور الأشجار الضخمة، كشجر البلوط على سبيل المثال.
يستطيب العرب الكمأة فتقشرها وتأكلها بالملح وقد تشرب اللبن عليها. ولعل البعض كان يجففها ويطبخها ويخبزها.
الباقلاء:
الباقلاء(الفول): عرف العرب الفول كصنف من البقول (البقل من النبات ما ليس بشجر دقّ ولا جل) وأكلوه، وقد تغنى بذكره أحد الشعراء فقال:
فصوصٌ زمرّد في غلف درّ = بأقماع حكت تقليم ظُفرِ
وقد خاط الربيع لها ثيابًا لها = وجهان من خُضرٍ وصُفرِ.
ويقال للفول الباقلاء، وهو بارد رطب وقيل يابس. وكان العرب إذا ذكروا البقلاء قالوا: "إن الباقلاء تقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي آكله!".
ومن الطرائف العربية الخاصة بالباقلاء: كان أهالي الحلة في العراق يكثرون من زراعة الباقلاء فصار جيرانهم يعيرونهم بذلك فيغضبوا إذا ذكرت في مجالسهم ومنتدياتهم، وكان أحد علماء النجف يقضي شهرين من فصل الصيف في أحدى القرى بضواحي الحلة وإذا مر شق موكبه الحلة نصفين حتى يصل إلى تلك القرية وكان أحد تلاميذه يتحرش بأهل الحلة ويعيرهم بالباقلاء فيتبادل معهم السباب والشتائم مما أزعج الشيخ ودفعة لإنذار تلميذه بعدم اصطحابه مرة أخري إذا لم يكف عن هذا العمل الذي أساء إليه وأوقعه في الحرج فاعتذر التلميذ وحلف أن لا يفتح فمه مرة أخرى ولا ينبش أمامهم بشيء عند مروره بالحلة مع شيخه ولكن ما كاد الشيخ يمر في المرة الثانية والتلميذ معه راكب إلى المصيف المعتاد حتى سمع الشتائم تتوالى فالتفت الشيخ لمعرفة الخبر فإذا التلميذ صامت كما وعد ولكنه كان رافعا كفه إلى سكان الحلة حاملا سبحة من الباقلاء يلوح بها أمام الناس يمينا وشمالا. فصارت مضرب مثل عندهم.
الحلو العربي:
العرب بعامة يحبون الحلواء وكان الرسول عليه السلام يعجبه أن يفطر على الرطب وعلى التمر إذا لم يكن رطب ويختم به وقد سأله عبد الله بن عباس أي الشراب أفضل؟ فقال: الحلو البارد – أي العسل – وتقول العرب: "كل طعام لا حلواء فيه فهو خداج" أي ناقص غير تام. وكانت الحلواء يختم بها الطعام كما نفعل نحن الآن. يقول بختيشوع: الحلواء كلها، حقها أن تؤكل بعد الطعام، لآن للمعدة ثورانا عقب الامتلاء كفوران الفقاع- شراب يرتفع الزبد في رأسه- فإذا صادفت الحلاوة سكنت. ثم يقول، قول الناس إن في المعدة زاوية لا تسدها إلا الحلاوة علي أصله، والأكل إذا اشتهي الحلاوة ثم فقدها وجد حواسه ناقصة
العصائد والأحساء والهرائس:
من الدقيق صنعت العرب العصائد = والهرائس والأخباز(الحلو)
فمن الدقيق صنعت العصيدة والعصيدة دقيق يلت بسمن ويطبخ في ماء القدر إلى أن ينضب.
ويتخذ من الدقيق الحسو، ومنه ما يكون رقيقاً كالرغيفة، ومنه ما يكون خاثراً بين الحسو والعصيدة، ومن الأحساء ما يكون من ماء، ومنها من لبن كالفجينة والحريرة، ومن الحنطة تصنع الجشيشة، وتخلط البسيسة، ويكون السويق طعاماً يلت ويبس بالماء أو الأدم وشراباً، ويمكن أن يسف سفاً، وقد يكون منقوداً، وهو طعام المسافر، وطعام العجلان، وغذاء المبكر، ومن الدقيق والعسل والسمن يكون الخبيص.
وقد كانت الخزيرة أو الحريرة (الخزيرة من النخالة والحريرة من الدقيق) والنفيتة (النَفيتَةُ: الحريقةُ، وهو أن يُذَرَّ الدقيقُ على ماءٍ أو لبن حتَّى يَنْفِتَ. وهي أغلظ من السَخينةِ) والسخينة (طعامٌ يُتَّخَذُ من الدقيق دون العصيدة في الرقّة وفوق الحَسَاء) من الأطعمة التي يتوسع بها صاحب العيال لعياله إذا غلبه الدهر، وغلا السعر، وعجف الماء، وقد عُيرت قريش بأكل السخينة، وجاء أنها تقتصر عليها عند غلاء الأسعار حتى صار هذا اللفظ لقباً لها، وورد أنه كانت تكثر من أكل السخينة، فعيرت بها، حتى سميت قريش سخينة.
ومن أطايب أطعمة الحلو العربية:
- الفالوذج، أول من صنعه عبدالله بن جدعان وكان يقدمه للأضياف، وكان له مناد يناد عليها في الموسم: "هلموا إلى الفالوذ" وبهذا مدحه أمية بن أبي الصلت بقوله:
له داع بمكة مشمعل = وآخر فوق درانه ينادي
إلى ردح من الشيزي عليها = لباب البر يلبك بالشهاد.
والفالوذج: بفتح الذال: حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل. وقد جاء الفالوذج بهذه الصيغة في القاموس، وحكي الرازي في مختار الصحاح: الفالوذ والفالوذق معربان، قال يعقوب: "ولا تقل الفالوذج". وفي الحديث: "أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأكل الدجاج والفالوذ".
ومن الأطعمة العربية الشهيرة الزبد والتمر: يحبه أهل البداوة بخاصة، وفيه يقول الشعبي: "ما رأيت فارسا أحسن من زبد علي تمر". وقال الحجاج لجلسائه: "ليكتب كل رجل رقعة في أحب الطعام إليه، ويجعلها تحت مصلاي"، فإذا الرقاع كلها الزبد والتمر.
- الخبيصة أو الخبيص: (الحلواء المخبوصة من التمر والسمن) وأصل الخبيص: الخلط. ويعمل في الأصل من السمن والتمر، وقد يعمل من العسل ونقي الدقيق، وكان سفيان يقول: لابد للعاقل في كل أربعين يوما من خبيصة تحفظ عليه قوته. ويحكي مالك بن أنس عن ربيعة الرأي: أكل الخبيص يزيد في الدماغ. وأول من خبص الخبيصة عثمان بن عفان رضي الله عنه،- خلط بين العسل ونقي الدقيق-، ثم بعث به إلي الرسول صلي الله عليه وسلم في منزل زوجه السيدة أم سلمه، فقال: من بعث بهذا؟ فقالوا:عثمان، فرفع الرسول الكريم وجهه إلى السماء وقال: "اللهم إن عثمان يسترضيك فارض عنه.
- الهريسة: من أنواع الحلوى، تصنع من دقيق أو جريش البر والسمن والسكر، والهريس أو الهريش: طعام معروف بدأ ظهوره ببلاد اليمن وشبه الجزيرة العربية ، مصنوع من الحب المدقوق بالمهراس قبل طبخه. يقول دوسر المديني مفرقا بين طعام الحضر والبدو – وهو الحضري- لنا الهرائس بأنواعها، ولأهل البدو اللبأ والسلاة والجراد والكمأة والخبزة في الرائب والتمر بالزبد.
- الحيس: تمر يخلط بسمن ويعجن بعد إخراج نواه.
- العصيدة: من الأكلات والحلويات الشعبية المشهورة وتختلف أنواع العصيدة باختلاف مكوناتها ففي بعض البلدان العربية تصنع من دقيق الذرة وفي مناطق أخرى من دقيق الدخن وهي عبارة عن دقيق قمح مطبوخ بالماء، يقدم على شكل نصف كرة وتؤكل باليد. وقد يضاف إليها العسل، أو السمن أو رُب التمر أو رُب الخروب أو اللبن وتختلف العصيدة عن العصيدة في بلاد المغرب العربي فهي ليست سائلة بل كتلة متماسكة مما يجعلها وجبة حقيقية يضاف إليها المرق، الحقين. يقول جعيفران الموسوس واصفا عصيدة:
وماء عصيدة حمراء تحكي = إذا أبصرتها ماء الخلوق
تزل عن اللهاة تمر سهلا وتجري = في العظام وفي العروق.
وختاما:
الطعام العربي له ولا شك، أهمية تتعدى كونه وسيلة لتغذية الجسم بغية الحياة، لأن الطعام يرتبط بالبيئة، والاقتصاد، والدين والمعتقدات الشعبية، وربما بكافة مظاهر الحياة الإنسانية المادية والفكرية.
المراجع:
- الفيروزاباذى: القاموس المحيط، طبعة دار الشعب 1963م.
- ابن منظور: لسان العرب، الجزء الثالث، طبعة دار المعارف 3 1978 م.
- أبوالعلاء المعرى: سقط الزند، طبعة الدار القومية 1977م
- أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البخلاء، تحقيق عباس عبد الساتر، الطبعة الثانية، دار ومكتبة الهلال بيروت 1985م
- أبو هلال العسكري، التلخيص في معرفة أسماء الأشياء، تحيق عزة حسن، الطبعة الثانية، دار صادر بيروت 1413هـ
- د/ محمد رجب النجار: من فنون الأدب الشعبي في التراث العربي، سلسلة الدراسات الشعبية 83 الهيئة العامة لقصور الثقافة الجزء الأول 2003م
- صفي الدين الحلى: العاطل الحالي والمرخص الغالي، تحقيق: د/ حسين نصار. مركز تحقيق التراث الهيئة المصرية للكتاب 1981م
- محمد عبد الواحد: حرائق الكلام في مقاهي القاهرة، مكتبة الأسرة 2004م
- د. حسين نصار: الشعر الشعبي العربي، الهيئة العامة لقصور الثقافة - القاهرة- 2002م
- د/أحمد صبحي منصور، تاريخ الفكر في الحضارة الإسلامية، كتاب مقرر على طلاب السنة النهائية لكلية اللغة العربية، جامعة الأزهر، المقدمة، بدون ذكر الطباعة والتاريخ.
- أبوبكر عبد الله المالكي، رياض النفوس، تحقيق: حسين مؤنس، القاهرة 1951م
- د/ محمد بن فارس الجميل، الأطعمة والأشربه في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، حوليات كلية الآداب مجلس النشر العلمي جامعة الكويت، الحولية السابعة عشر 1996- 1997م
- محمد السموري، تقاليد الكرم عند العرب، كتاب المجلة العربية العدد 376 مايو 2008م
- عبدالمجيد الشاوي، الأطعمة عند العرب، مجلة قافلة الزيت، رمضان 1384م
- محمّد رجب السامرّائي: رمضان في الحضارة العربية والإسلامية، دار الأوائل للنشر والخدمات الطباعية، دمشق، سورية 2002م