الرؤية والصمت

بات من الصعب في الآونة الأخيرة خاصةً بعد الأحداث التي تمر بها منطقتنا بشكل استثنائي منذ بدء العدوان على قطاع غزة أن نتحدث عن وجود مبادرات أو أفكار أو كتابات أو أعمال فنية أو ثقافية ذات قيمة ترتقي إلى مستوى ما نعيشه إن لم نقل أن المشهد والفكر عموماً في تراجع مستمر، وإذا أردنا أن نرى بصورةٍ أكثر عمقاً وشمولاً واتساعاً سنجد أن غياب أو تغييب (الإنسان) بات سمةً واضحة تساهم في محنته الأشد في هذه المرحلة من التاريخ، كونها تقع في عصرٍ تتوافر فيه كل العوامل التي يفترض أن تجعله يعيش على النقيض مما نراه يحدث في كل لحظة في مكانٍ ما من العالم وليس فقط في فلسطين أو السودان أو سوريا..

ولعل نواة أي مشروع تنشأ من بضعة أسئلة تبدأ صغيرة ثم تكبر ليتضح لنا كم هي بالغة التعقيد رغم البساطة التي تبدو عليها.. فما الهدف الذي قد يسعى إليه أيٌ منا من خلال الإنخراط أو (محاولة) الإنخراط في تجارب (فنية أو ثقافية أو أدبية) ؟ ما الذي ستقدمه أو ستضيفه خاصةً في هذا التوقيت ؟ هل ستقدم نهجاً جديداً ؟ هل ستتبنى الواقع أم ستعيد تقديم نفس (الكليشيهات) والقوالب الجاهزة للمرة المليون ؟ هل ستقدم ما تؤمن به أم ستقدم ما اعتاد الكثيرون افتعاله من فرقعات وإثارة للجدل ؟ والأهم من كل هذا هل سنسعى أو نحاول على الأقل أن ننقل على الأقل صورة متوازنة أقرب إلى الحقيقة والشفافية أم أننا سنختار تقديم نماذج بعينها مع اغفال متعمد وغير بريء للنماذج الأخرى أو لجوانب سلبية منها ؟ هل سنسعى لتقديم (منتج) صادق أو سنسعى لإستجداء التصفيق القادم من الخارج والمشروط بمعايير باتت معروفة للجميع ؟ أو هل سنسعى كما يقول البعض في التعبير الشعبي إلى (إمساك العصى من المنتصف) كنايةً عن محاولة كسب كل الأطراف؟

فنحن نعيش اليوم مرحلة هامة تكمن حساسيتها في اختلافها عن سابقاتها لكنها في الوقت ذاته لا تنفصل عنها لأنها بشكل أو بآخر امتداد لها، كما أن طريقة التعاطي مع (الشخصيات) التي تفرزها حياتنا اليومية أو تصنعها المتغيرات الكبرى أو تخطها الأقلام اليوم سواءاً كانت من قبل الكُتاب أو المحللين أو حتى عامة الناس بكل أسف تمتاز بالإنتقائية ومسايرة الموجات الرائجة أو النظر إلى الأشخاص والأحداث بعين واحدة، تنتج قراءة عرجاء مجتزئة للواقع فتراه من زاوية معينة تفصله فيها عن الخلفية التي جاءت منها والظروف التي صنعته والبيئة التي ينتمي إليها لتقدم صورة منقوصة لا تحيط بكافة أبعاده، وبالتالي تشوش وتؤثر على استيعاب الأكثرية ورؤيتها لحقيقة ما نعيشه من حولنا سواءاً كنا نتحدث عن قضايا أو أشخاص..

ولعل الفترة الأخيرة شهدت كماً لا يصدق من التحليلات المكثفة والمواقف المتعاقبة على مدار اليوم حول الأوضاع في بلادنا من قبل العديد من الُكتاب فضلاً عن العامة بشكل يثير الإستغراب والتعجب خاصةً مع عدم وجود فترة زمنية كافية لتكوين صورة واضحة المعالم حتى اللحظة وتضارب التصريحات وتناول كل فرد لما يحدث بما يوافق (نظرته) وكأن الآراء الأخرى غير موجودة، فكيف يمكننا أن نقدم مضموناً يحترم عقول الناس ويستوعب النظريات والمتغيرات التي شهدها العالم بعد ما حدث ولا زال يحدث في غزة.. فيما نحن لا زلنا في حالة (عجز) حتى عن الصمت عن ما لا نعلمه أو ندركه أو نحيط بتفاصيل كافية عنه مقابل صمت من نوع آخر تجاه غزة وفلسطين عموماً وتجاهل كلي تفوح منه رائحة العنصرية للسودان ومأساته من الذين يفترض أن لديهم وعياً و(حساً) انسانياً، لكن وكما ساهم الوقت والوضع العام في إبراز الفجوة بين الكثير من (المثقفين) والناس.. سيساهم أيضًا في اضعاف وعزل من ليسوا أهلاً للحديث إليهم أو الحديث بإسمهم.. كما سيجعلنا جميعاً ندرك قيمة الرأي والكلمة التي تصدر عنا أو نصمت عنها فلا نخجل من البوح بكل بساطة عندما (لا ندري)..

#خالد_جهاد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى