د. أحمد الحطاب - منذ نوح، عليه السلام، إلى آخر الأنبياء والرّّسُل، محمد (ص)، الدينُ دينٌ واجدٌ، وهو الإسلام

فما هي الأدِلة التي اعتمدتُ عليها لأقولَ إن الدِّينَ دينٌ واحِدٌ، وهو الإسلام؟ الدلائل كثيرةٌ وكلُّها مُشارٌ إليها في القرآن الكريم.

أول إشارةٍ أو دليلٍ جاء به القرآن الكريم والواضح لكل قارئٍ يقرأ هذا القرآن بتدبُّرٍ وتمعُّنٍ، هو أن كلمةَ "دين" وَرَدَت في آيات كتاب الله الحكيم في صيغة المفرد. لو أراد، سبحانه وتعالى، أن بكونَ للناس عدَّةَ أديان، لاستعملَ كلمةَ "دين" في صيغة الجمع أديان. فلماذا كلمة "دين" وردت في القرآن الكريم في صيغة المفرد؟

لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، الذي يريد الخيرَ لعباده، لا يمكن، على الإطلاق، أن يسنَّ لهؤلاء العباد عدَّة أديان تزرع بينهم الفتنةَ والتَّفرقة والتَّطاحن. والآيات التي وردت فيها كلمةُ "دين" في صيغة المفرد، كثيرة أذكرُ من بينها ما يلي :

1."وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" (البقرة، 132).

في هذه الآية الكريمة، يقول، سبحانه وتعالى، بأن نبيَّه إبراهيم وجَّهَ كلامَه لأبنائه قائلاً لهم "...إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ…". و"اصْطَفَىٰ لَكُمُ"، في هذه الآية، تعني اختار لكم. وما يُثيرُ الانتباهَ، هو أن كلمةَ "دين" جاءت، ليس فقط، في صيغة المفرد، بل جاءت هذه الكلمة، كذلك، في صيغة الاسم المعرَّف. والإسمُ المعرَّف يكون معيَّناً ومُحدَّداً.

2."وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا" (النصر، 2).

في هذه الآية الكريمة، كلمة "دين" جاءت، ليس فقط، في صيغة المفرد، بل كذلك في صيغة اسمٍ نكرة. لكن عندما أضيفت لكلمة "دين" كلمةُ "الله"، أصبح الدين شينا معيَّناً ومُحدَّداً، أي ليس كأي دين. بل دينُ الله.

3."لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (البقرة، 256).

بالنسبة لهذه الآية الكريمة، الملاحظة التي أدليتُ بها في شأن الآية رقم 132 من سورة البقرة، المُشار إليها أعلاه، تنطبق، كذلك، على هذه الآية.

وهكذا، فإن كلمةَ "دين" وردت في آيات القرآن الكريم، بصيغة المفرد المُعرف وغير المعرف. وحتى لما وردت على شكل اسم نكرة، فغالبا ما يضاف لها ما يُعرِّفُها كعبارتي "دين الله" و"دين الحق". وحتى لما قال الرسول (ص) "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (الكافرون، 6)، فالناطق بعبارة "وَلِيَ دِينِ"، يعرف، حقَّ المعرفة، ما هو دينُه وما هو دينُ الكافرين أو المشركين.

وتأكيداً لما سبق ذكرُه أعلاه، فيما يلي بعض الآيات الكريمة تُبيِّن بأن دينَ اللهِ دينٌ واحِدٌ، وهو الإسلام (والإسلام هو الاستسلام لله حلَّ عُلاه) :

1."أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" (البقرة، 133).

في هذه الآية الكريمة، أبناءُ يعقوب، عليه السلام، يبيِّنون أن دينَ الله دينٌ واحدٌ، وهو الإسلام.

2."مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (آل عمران، 67).

في هذه الآية الكريمة، يتَّضح بأن دين النبي إبراهيم، عليه السلام، هو الإسلام.

3."وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ" (يونس، 84).

في هذه الآية الكريمة، الدين الذي أمر رسولَه موسى، عليه السلام، أن ينشرَه، هو الإسلام

4."إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا" (النساء، 163).

في هذه الآية الكريمة، كلام الله مُوجَّه للرسول (ص)، مُخبِراً إياه بأن الدين المنزَّل عليه، من خلال القرآن الكريم، هو نفس الدين الذي أوحى به إلى جميع الأنبياء والرسل، من بَعدِه، وهو الإسلام.

إذن، الإسلام دينٌ كوني une religion universelle أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، للبشرية جمعاء. لكنه ترك لهذه البشرية حرية الاختيار، أي الإيمان به أو عدم الإيمان به. وهذا هو ما نلاحظه اليوم عبر العالم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى