صلاح الدين سر الختم علي - يوميات حرب الزول... (1--3)

1- يوميات حرب الزول... الزول مات بالسبت... الرقم (1)

التقيته صدفة في القاهرة العجوز التي جئناها هذه المرة على خلاف العادة مقهورين مكسوري الخواطر نجر خلف ظهورنا عارنا الوطني الذي لن يمحوه الزمان وسيلاحقنا في كتب التاريخ الذي لن يرحمنا ولن يرحم من لم يرحمونا فالتاريخ يكتب ما يراه كما هو أن لم تمتد اليه يد بالتزييف والتزوير. وسيكتب اننا عجزنا عن حماية وطننا أنفسنا وتركنا بلادنا لقمك شائعة لمن أراد بها سوءا، المهم قابلته في القاهرة في شارع السد في السيدةزينب قبالة بقالة الحسن والحسين وقبل مسجد السيدةزينب بمائتي متر تقريبا.(لاحظوا الأجواء الصوفية المحيطة بالمكان من اسماء كل شئ فيه) َََكان مصطفي سبعينيا يتدفق نشاطا و عيناه الصغيرتان تشعان ذكاء وهو يتصفح وجوه العابرين بلهفةباحثا عن وجه أليف كعادة كل البشر حين يشعرون بالغربة ويحنون الي رائحة الأمكنة التي فارقوها مكرهين او طائعين وملامح أهلها واصوات اللغة الحبيبة التي فيها شئ من رائحة الوطن. لمعت عيناه حين لمحتني وتوهجتا كمن عثر على كنز ثمين في صحراء قاحلة واتسعت الابتسامة فبدا الرجل الذي تجاوز السبعين في ميعة الصبا كاشفا عن أسنان بيضاء ووسامة باقية برغم الخطوط المتعرجة في وجهه، شعرت به وهو في الضفة الاخري من الشارع يضمني و يحتويني بكلتا ذراعيه قبل أن يصلني، وسمعت صوته يعلو بالسلام ذو النكهة السودانية الخاصة من على البعد، وفي ثوان كنا قد عبرنا الحواجز وتقالدنا على الطريقة السودانية بالأيدي والاكتاف وشرعنا في التعارف..... موطنه الأخير قبل الحرب هو مدينة بحري وكذلك هو حالي فبحري سكني ومرقدي ومهجعي، وكانت تفاصيل الهروب من الحرب مكرهين تفاصيلا واحدة متشابهة وان اختلفت بعض التفاصيل فالخلاصة واحدة، ذات البندقية والوجوه المتجهمةهي التي أخرجتنا من ديارنا خاوي الوفاض ونحن نظن ان الامر مجرد زيارة ثقيلة لحمي الملاريا ثم يعود كل شئ كما كان، ونعود الي الدار ودفئها، ولم نكن نعلم انه فراق قد يطول وقد يكون خروجا بلا عودة كما كان بالنسبة له. اسمه مصطفى وهو مهندس كهرباء ومدير عام سابق وهو بالمعاش وهو رياضي محب لكرة القدم مثلي وان اختلفت الولاءات فهو عاشق احمر وهاج وانا ازرق الهوى كالسماء والبحر والنهر... ََتعارفنا وتآلفنا وارتدنا ذات الأماكن في الذكريات، وذات الأماكن في واقعنا الجديد مرارا فحي السيدةزينب مهما اتسع هو يحب الثبات في الاختيارات بالنسبة للامكنة التي تتردد عليها القهوة ومحل الفول و الطعمية وبائع الخضار وبائع الفاكهة والمخبز ووسائل النقل..... واين تشاهد مباريات كرة القدم... نفترق ثم نلتقي.. يغيب ويعود واغيب واعود وهو محب للناس وحديثه لاينتهي وهو ينتظر الاخبار السارة بشأن الحرب قي وطنه فهو يشجع اي خبر يجعل حلم العودة أقرب وأكثر احتمالا ويسؤوه اي خبر يجعل بينه وبين العودة سدا او امدا طويلا....... كان متفائل وكنت متشائما حتى انتي اشفق عليه من وقع كلماتي المحبطة احيانا... غاب عني فترة قصيرة كنت مريضا خلالها..... افتقدته..... صباح اليوم ذهبت في رحلتي المعتادة لاحضار الفول و الطعمية والخبز... عند المخبز كنت معتادا ان أجده يحتسي قهوة سوداء ويتصفح صخيفة بصحبة صديقه صاحب مصنع البلاط القديم بحي السيدة وهو رجل مماثل له في العمر اتخذ كل منهما من الاخر خليلا..... لم أجد مصطفى في كرسيه المعتاد.. نهض صديقه واقفا.. رد التحية..... رد بصوت مخنوق.. على غير عادته..... قلت له أين صديقك؟ لم اره منذ مدة..... بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مخنوق باك يكاد لايسمع (الزول مات يوم السبت الفات.....) قلت له مثل شخص ابله:(كيف،،،،،،،،،،،،، كيف،،،،،،،،،،،،،
كيف.......) قال بصوت مخنوق باك(كان مريضا...... يوم السبت مات... دفنوه في مقابر زينهم وانتهى العزاء هناك في المدفن) ثم تهاوي جالسا على كرسيه القديم الذي كان يجلس عليه مصطفى...... نظرت إلى كباية قهوته وجدتها في مكانها واجمة مثل صديقه ومثلي....... قلت للحاج الواجم هل له اولاد؟ كنت أشعر بالخجل على سؤالي كوني لا أعرف عنه مثل هذه التفاصيل... لكنها الحرب اللعينة جعلت بيننا سدودا لم تكن موجودة... قال نعم.. هم من قالوا ان العزاء انتهى بالدفن..... كان مصطفى طيبا ودودا..... قلت له وانا انرنح ( كان يشتهي الرجعة الي البيوت القديمة والوطن الجريح وصلاة الجمعة والعيدين والمشاوير الكثيرة ولمة الاهل في الأفراح والاتراح) كان يجول في حي السيدة زينب علي اقدامه النحيلة من اقصاه الي اقصاه باسما متصفحا الوجوه المتجهمة لابناء جلدته الذين انهكتهم واخرجتهم من بيوتهم حرب لاناقة لهم فيها ولا جمل وانتزعتهم من تربتهم الخصية الي شوارع تشترط عليهم للتحول فيها ما تشترط وتكشر في وجوههم أينما حلوا لم تعد الشوارع أليفة كما كانت حين يجبئون بطوعهم و اختيارهم سواحا لاتلحق بهم سبة اللاجئين أو النازحين او المثيرين للشفقة اوالازدراء عند بعض الجاهلين، كانوا في ذلك الزمان يستمتعون بوقتهم والاماكن تفتح ذراعيها لهم تتسابق في استمالتهم إليها... والفرح يسابقهم ويسكن داخلهم حتى يعودوا الي بيوتهم آمنين سالمين موفوري الكرامة...... مات الزول وحيدا في زمهرير قاس والشوق الي الوطن والسلام يفتك به..... مات الزول ظامئا عند ضفة النيل...... مات الزول مصطفى وحيدا في بلاد باتت زنزانة لنا بعد ان كانت يوما اخت بلادي يا شقيقة وليس في الأمر اساءة فكلنا في الهم شرق وفي التبدل والتحول بفعل فاعل غارقون حتي آذاننا.. هي زنزانة أشد قسوة من تلك البلاد التي تموت من البرد حيتانها فظلم ذوي القربي أشد وانكي واسألوا العباسية ماذا فعلت بنا اخت بلادنا حين احتمينا بها.. مات صديقي الذي لم اعرفه جيدا.... وقبل ان اعرفه جيدا... وقبل ان ياتيه خبر ينتظره مفاده ان البسمة عادت الي شفاه الوطن وان جيشه الذي ينتظر انتفاضته الباسلة قد انتصر..... مات مصطفى الذي لم تجمعني به صورة واحدة وليس لدي منه صورة الا تلك المرسومة في قلبي..... حسبك ياصديقي انك مت والموت حق حاملا أنبل صفة يحملها المرء في هذا الزمن صفة (الزول) فمن جردونا من الوطن والدار والمال جردونا من صفة (السوداني) والصقوا بنا صفة اللاجئين و النازح وصفات اخري كثيرة تلغي أنسانيتنا وتجردنا من هويتنا الأصيلة التي توحدنا والتي هي اصلنا وفصلنا فنحن بشر اي اننا الي زوال ومفردنا (زول) بغض النظر عن لوننا وعرقنا و قبيلتنا وجهتنا وفكرنا وديننا وعصبتنا. لكنهم استبدلوا الذي هو خير بالذي هو ادني مثل (كوز وقحاطي ودعامي وعلماني وداعشي ومؤتمر وطني و بعثي وناصري وشيوعي و اتحادي.......... التقسيمات القبلية والجهوية........) وهى أوصاف وصفات تخلع عن المرء صفته الأصلية كإنسان كرمه الله واعزه بصفته تلك وتحل محلها صفات مدعاة لاتكشف عن الجوهر قببحا كان او جميلا او خليطا من ذلك فتحعل من تصفه بصفة ما شيطانا وتجعل من تصفه بأخرى ملاكا ولاهي صدقت في هذا ولافي ذلك.... انما هي صفات لتبرير ارتكاب الفعل القبيح في مواجهة من محيت هويته الأنسانية واستبدلت بهوية حديدة زائفة فتبيح إرتكاب كل قبيح ضده..... سلام عليك أيها الزول مصطفى وقد استعدت هويتك الأصيلة كزول الي زوال برغم كل شئ ولو بعيدا عن الوطن وبعيدا عن السلام نم في سلام ولترقد روحك في أمان ولسوف يعود الزول زولا ويبقى مابقيت الحياة....... رحم الله اخونا مصطفى واحسن اليه وجعل قبره روضة من رياض الجنة ...

صلاح الدين سر الختم علي القاهرة السبت 4 يناير 2025

***

2- يوميات حرب الزول... الحقيقة المغيبة او ( قدماك تحلق فوق الرؤوس المحنية ياجعفر الكاروري) (2)

حين جالت بمخيلتي تلك الصور ودقت عند راسي كالمطارق ، صرخت وأنا اجوس في مدن الخراب و الأشباح والجثث المتفحمة والبيوت التي دكت دكا بلا جريرة ولا ذنب جنته سوي انها آوت اهلها من البرد والرصاص الجائع الي لحوم الأبرياء ... صرخت بأعلى صوتي :(وا زولاه....... وا اماه..... وا شيخاه...........) اجابني الصدى بالنواح
(و وووووووووووا..........وا و يلتاه... تاه.. تاه.... تاه..... اه.. اه... اه)....... فصرحت في المحاربين المكفهرة وجوههم المغطاة بالاقنعة (وجدتها... وجدتها... وجدتها)....... التفتوا نحوي ثم صوبوا مدافعهم جميعا عليا و َاظلقوا المسيرات والطائرات المقاتلةوقنابل لم ار لها مثيلا من قبل نحو صدري و نحو اذناي و انفي و شفتاي الغليظتان وشعري الاجعد وظهري المحني من كثرة الركوع للسادة َوالعبيد(ليس العبيد الذين تظنون)هو ظهر انحني ليس عن ذل وخضوع بل من كثرة ما حمل من احجار ومن أثقال واوزار آثام لم يرتكبها..... انكروني جميعا من طعموا من خيري زمانا طويلا.. بت هدفا مشروعا واحدا لهم جميعا..... نسوا ظهري الذي لعبوا فوقه( شليلا ) طويلا قبل أن يضيعوها سبيلا والرمال التي لعبوا فوقها كثيرا.. نسوا ظهري الذي حملوا فوقه الثمار التي أنفقت عمري كله في تقديمها لهم وضمان استمرارها لهم... انكروني والتفوا جميعا في كفني وتركوني في العزاء وأطلق ا النار على الغراب حين ذكرهم بواجبهم... تنازعوا جسدي النحيل، كل يريده قماشا لراية نصره الذي يريده على جسدي المثخن بالجراح......... لم تك حرب الزول ابدا حربا عادلة بين ندين او خصمين، بل كانت ترمي الأبرياء بشرر..... كانت داحسا وغبراء صنعتها أياد آثمة وتوارت بين المتقاتلين والمقتولين وهي تتبسم مسرور بما اريق من دماء.. وكانت حملات انتقامية من كل جميل... كانت حربا غيبت العقل وعرتنا جميعا امام أنفسنا وأمام العالم....... غيبت صورة أجدادنا المحنية ظهورهم في خدمة الضيفان و المتوهجة قلوبهم بنيران القرآن التي تنشر الدفء في الشتاء والنور في الظلام وتطعم الجائع دون أن تنظر إلى لونه او فصله او أصله ودون تصوير لأصناف الموائد الممدودة للطير والسابلة مشفوعة بضبيحة المباشر وبسمته الجميلة الساحرة.. كنا انقياء اتقياء كما خلقنا الله دون ان تمتدالينا أياد آثمة بفنون المكياج والمساحيق الزائف فتطمس جوهرنا المضئ وتحيلنا وحوشا كاسرة تأكل أسودها الشرسة حملانها وغزلانها وطيورها الضعيفة الخائفة ليس عن جوع بل عن توحش، وبدائية جائرة، تجز الرؤوس وتترك الضحية بعد نهشها فريسة للضباع وآكلي الفضلات التافهة... لم نعد كما كنا. لم نعد نحب بعضنا.... استوطنت النيران التي كانت دفئأ للفقراء والجوع في ليالي الشتاء الباردة قلوبنا وجعلتها شواظ من لهب و كراهية وعدوانية لاتستثني من شرها رضيعا ولا طيرا ولاغزلانا ولا اخا ولا اختا ولا شيخا وقورا فانيا..... لم نعد نحن نحن... زال الزول ومسح بكفه المخضبة بدم أخيه وعشيرته عوضا عن الحناء دلالة الفرح لاالموت مسح تاريخه كله.... مسح صورته الجميلة الزاهية.... مسح الشلوخ من وجهه وآيات القرآن من صدره وقلبه و رسم الجماجم في كل شارع وناصية وتنكر لدرس القرآن الأول في كيفية مواراة سوءة أخيه فترك اجساد اخوته بعد قتلهم طعاما للنسور والكلاب الطريدة الجائعة.... لم يترك الزول في ارض الزول مكانا للحياة ليس إلا موت وقهر وفناء ودمار وعناء ودماءوحصد لأرواح الأبرياء، لم يعد لدينا بريد سوي بريد الاغبياء الذين يتفاخرون علنا بارسال اخوتهم الي( السماء ذات البروج) ويحيلون آيات الله الي أدوات لتمجيد حصد الرؤوس ويجعلون اجال العباد بيديهم فينازعون الله في ملكه او هكذا زين لهم الشيطان اعمالهم...... اي جنون استوطن في هذي البلاد فمسح من ذاكرتها حتى آيات الكتاب؟ فلم يعد في بريدها سوي اخبار العذاب(فلان قتل بص الميم كون بشرته تخالف لون من يحمل الكلاش...... فلان سحل وجرجروا جثته فوق التراب و أفرغت ثلة منهم ذخيرتها فيه واستدارت ومضت. دون أن يكون له ذنب جناه ولا سلاح في يمناه..... فلان في الأسر حبيس مجهول المكان ثم يأتي راسه او ماتبقى منه في نشرة الأخبار او على صفحات الفيس او الواتساب...... فلان مات في بلاد بعيدة في شارع عام جائعا وحيدا دون أن يعرفه احد الا من قائمة اهله في هاتف نجا معه من الطوفان الذي دمر بلاده...... جعفر الذي كانت ابتسامته مثل شمس الظهيرة عذبوه بلا جزيرة.... بترت ساقاه ودفع اهله فدية كبيرة ليتسلموامابقي منه.... لم يكن جعفر محاربا ولاعضوا في مليشيا ولم تدخل براسه الكبير أفكار طائفة او جماعة او قبيلة ولم يخطب ود حاكم ولازعيما... لم يقتات من فتات الموائد ولم يتحسب من حرام. كان يعمل منذ ان كان صبيا عمل بناءا وحمالا باذعا متجول وتاجرا صغيرا وهو يدرس بالمدارس وهو يحيا مثل الناس حرا كريما طليقا.. كان حزبه الوحيد هو حزب الضحكة العريضة كان قلبه أوسع من السودان كله... كانت الشوارع تزغرد فرحا حين تطأها قدمته طفلا وصبيا وحين بلغ من الكبر قليلا..... جعفر كان عاشق كرة القدم والسينما والضمنة في النادي وصاحب الضحكة المجلجلة الفريدة التي يعرفها سكان الكمبو في مدني ولو كانوا على بعد أميال عديدة...... كان قلبه ياخذك الي الصلاة مبتسما والي السوق متهللا والي المدرسة سعيدا والي الاعراس ملكا للهجيج وصدرا مفتوحَا للجميع وكتفا ينحني للعريس كي يعتلي ظهره سعيدا.و يطوف به. الحفل طويلا.... كيف يامن دخلتم بلا استئذان وصادرتم البسمةمن شفاه الأطفال تجعلون من جعفر الكاروري الطيب البشوش فريسة مشروعة َوعدوا وهو لم يقذف بحجر ولم يرم بشرر برئيا او آثما كفورا؟....... البارحة كان في بريدي خبر اختطاف صديق بشوش طيب القلب ليس له في حرب البسوس نصيبا سوي انه قوي الرأس ابي مع من ابوا ان يغادروا ديارهم مكرهين وفضلوا الموت على الرحيلا، ولم يدر مثل ذلك الشيخ الشهيد الذي قتلته دانة لما استعصم ببيته في امدرمان ورفض الرحيلا٠لم يدر ان من يبقى بين حجري الرحي سيبقى للمتقاتلين هدفا مشروعا وموضوع شك وريبة..... لم يشفع لذلك الشيخ كونه جزءا من تاريخ أمته وعازفا فريدا فجاءته الدانة تسعى دون حياء حتى باب بيته قالت له ان ابانا يدعوك للموت جزاء تحديك لا ادتها وحربناالملعونة. ان الهنا لايحب القوي الامينا...... مثلما لم يشفع لشاعر الملحمة شعره وحمل على الكارو كانه حزمة قش صغيرة في شوارع عربد فيها الموت وكان مع الحصان وحيدا..... هي بلاد تنكر على من يطعمون جائعا واسير حرب بلا أسوار فكيف يعيش فيها من كان حرا أبيا؟ بريدنا بات مخزياوليس فيه فيه جميلا...... لم يبق فينا من الزول الا القليلا...... لكني أملك ان احدثكم عنه كثيرا...... كي لايموت الزول ويتمدد في الشوارع قتيلا.......) غدا احدثكم عن مآثر الزول الحقيقي الذي لا ينطمس ولا يموت ويموت اناس وهم بين الناس أحياء ويحيا بالفضائل أقوام تمشي فضائلهم بين الناس وهم ا قد توسدوا الثرى من زمان بعيدا..
صلاح الدين سر الختم علي...... القاهر 12 يناير 2025

***



3- يوميات حرب الزول (٣) الترحال وبعد الدار.

اليوم تقذف بي الاقدار الي ترحال قسري جديد في رحلة الزول مع حرب لاناقة له فيها ولا جمل حرب (من ضد من) ومتى القلب في الخفقان أطمأن كما يتساءل الشاعر امل دنقل( وحرب ماذا ولماذا) ولا إجابة عند العبيد او السادة '.... كل ما نعلم انه قد ألقى بنا في قارعة الطريق بيد مجهولة جعلتنا فريسة لكل هامة ولامة وانياب مسمومة وضباع ذليلة جائعة.... اليوم ساخرج من دار صغيرة تأويني في السيدة زينب في قلب القاهرة( التي انبتت لها انياب بعد ان كانت مقصدنا لقضاء عطلة هادئة) الي جدران جديدة مجهولة بسبب يحاكي في غرابته حرب الزول ودوافعها المجهولة المعلومة حيث يريد مالك الدار إخراج مستأجر دائم لكي يجني بصعة الاف ممن يأتون من ريف مصر إلى مولد السيدة كل عام يريد سعادته ان يحظي من المولد بدراهم معدودة في أيام معدودة فطلب مني بكل صلف ان اخلي المسكن الصغير البائس خلال فترة المولد واذهب الي الجحيم فلايهمه سوي ما سيكسبه. كان حاسما وحازما كمأمور سجن تلقى أوامرا بتنفيذ أحكام اعدام عشية العيد ففرك يديه مسرورا سرور من حدد العريس موعد زفاف ابنته الوحيدة٠استجمعت اطراف شجاعتئ وقدرتي على التحكم في غضبي و قلت لجلادي ماينبغى قوله بعبارات خففت من حدتها ما استطعت، ولكنه لم يسمع سوي رنين الدراهم ولم يتزحزح عن موقفه قيد أنملة واختلق اعذارا لا يقبلها عقل شاة، فتذكرت قصة التاجر اليهودي شيلوك تاجر البندقية الذي تمسك بان ياخذ رطلا من لحم المدين مقابل دينه التربوي، فرفضت عرضه بان يكون خروجي مؤقتا وبعده عودة بعد ان يقضي مآربه، ثم اعتدلت وصرخت في وجهه بأعلى صوتي وقد نفد صبري (هذا لايجوز.. هذا لايقبله عقل ولامرؤة ولاعرف . ولكن طالما انت لاترى سوي ما تريد فلك ما تريد... ..) خرجت من عنده علي غير هدي مثلما خرجت اول طلقة في حرب الزول الغبية من فوهةبندقية تقاذف اللاعبون بالوطن المسؤولية عنها مثلما يتقاذف اللاعبون كرة القدم المسكينة من أجل متعة مجنونة، ويكون الجنون جنونا حين تكون الكرة وطنا وبشرا ونيلا وشجرا، المهم خرجت من عند شيلوك المصري وبدأت رحلة البحث عن شقة مع مصاصي الدماء الحالمين بذهب الهاربين من جحيم حرب الزول، وتلك قصص اخري موجعة ينظر خلالها السماسرة ألي ضحايا الحروب كما ينظر (السبابة)الاسم السوداني للسماسرة في زريبة اابهائم في مواسم الأعياد وهم يتفحصون الضحايا الذين يريدون شراء خراف الأضحية ولا يدرون انهم هم خراف الأضحية بالنسبة لاولئك السمسرة فهم سيذبحون الخروف تقربا الي الله، اما السماسرة فسيذبحونهم هم تقرباالي الشيطان وحبا في المال ، امتلأت عيناي بالدموع وهم يتفحصونني وينقبون في بياناتي ليحددوا سياسة الابتزاز الرخيص المناسبة مع هذا الغزال الشارد من أرض البنادق والقنابل الي أرض بعض الثعالب مع احترامي للشعب المصري الكريم فكل قاعدة عامة لها شواذها الذين لايمثلوا الا أنفسهم فقط، سأل دمعي وانا اتذكر ذلك الصباح في بحري في يوم السبت الخامس عشر من ابريل 2023 حين افقنا على صوت المدافع، وعلى مرآي الدخان المنبعث من قيادة الجيش العامة في الخرطوم ... إنها الحرب التي يتقاذفها أطرافها مثل امرأة سيئة السمعة ينكر الجميع نسبتها إليهم و ينكرون التخطيط لها٠ظللنا تحت القصف خمسة أيام ونحن نتوقع الموت في كل حين ولحظة ونحن نتوسد الأرضية في آخر جزء من الشقة الصغيرة التي كانت تشع هدوءا ودعة وطمأنينة قبل ذلك، ثم طرق الباب جنود الدعم السريع الذين احتلوا المكان منذ الساعة الأولى للحرب في اليوم الخامس من اندلاعها و أخبرونا بكلمات قاطعة آمرة ان وجودنا في ديارنا لم يعد مرغوبا فيه ولم يعد مناسبا، وان علينا المغادرة فورا... منذ تلك اللحظة لم يعد اي شئ هو الشئ نفسه.. لم يعد لنا وطن ولم يعد لنا من أمرنا شيئاَََ خرجنا على جباهنا مكتوبة جملة غير مرئية (المواطن الزول سابقا) كانت معظم السيارات معطوبة بفعل الذخيرة المتبادلة ولم يكن متاحا لنا سوي الخروج بما على اجسادنا من ملابس وما نستطيع حمله فقط من أشياء صغيرة... وكنا نظن لجهلنا ولعدم وجود سابق خبرة بالحرب والحروب اننا خارجون في رحلة قصيرة ونعود الي ديارنا قريبا ولم نك ندري انه فراق مماثل لفراق (الطريفي لجمله اي لبعيره) وهو فراق دائم لا لقاء بعده.. تقاسمنا سيارة صغيرة تخص جارتي وزميلتي القاضية منال والسيارة لم تسلم من الذخيرة هي الاخري فكان زجاجها الخلفي مهشما لكنها قادرة على المسير وهي على ضيقها حملتنا سبعة أشخاص فيهم طفلتان من الأملاك بحري الي أمدرمان بيوت البنك العقاري حيث آوتنا أسرة كريمة هي أسرة شقيقة م منال.... اما سيارتي الحكومية والاخري فقد كان ذلك فراق بيننا حيث كانتا مع وبنات َنركناهما با عودةلمصيرهما، كان الطريق من بحري الي امدرمان كله ميدان معركة لم تكن قد حمي وطيسها انذاك لكن معالمها كانت واضحة حتى مشاهد الاسري والجرحي المنبطحين على وجوههم على الأرض والأسلحة مصوبة نحوهم والاقدام تركاهم ركلا صادفتنا في الطريق عند جسر الحلفايا من جهة امدرمان وسيارات الدعم السريع المدججة بالرجال والسلاح منتشرة في امدرمان كلها مثل اسراب من الجراد الصحراوي و المشهد كله يدفعك دفعا كي تدعك عينيك بيديك عسى أن تفيق من هذا الكابوس ولكن لافائدة.. فالحقيقة شامخة ساحرة هازئة امام ناظرينا.... كانت الشوارع التي عبرناهامألوفة بالنسبة لي فيما مضى و مطروقة كثيرا لكن الشوارع لم تعد هي الشوارع كانت مذعورة مثلنا ولكنها لاتستطيع الهروب كأنها بطل راسف في اغلاله يجره الجنود نحو المقصلة..... تلك شوارع اعرفها كراحة يدي واعرف رواذحها المميزة واماكن الحفر فيها وحيث الباعة ووجوههم الباسمة المستبشرة الضاحكة وهم يحتفلون النواصي و ويفترشون الأرض او يبيعون من على ظهور العربات القديمة التي باتت جزء من المكان وبسمته العريضة.. شعرت اننا نخون تلك الشوارع حين نلتمس النجاة لأنفسنا ونتركها لمصير مجهول غامض وعربات الشر تجوس فيها بأدوات الدمار ااشاملة رأيت في خيالي دموعها الكثيرة المختلطة بدماء المتظاهرين الصغار الطاهرة التي سقتها بلا انقطاع في سنوات حصاد الرؤوس الصغير ة اليانعة سنوات حصاد الغزلان في ارضنا البائسة أرض التعب الحزينة القاسية..... بعد ذلك باشهربعيدة رأيت بخيالي دموع حصان الكترو وهو يجر عربة تمدد فيها شاعر الملحمة هاشم الصديق.. كانت أمدرمان تبكي والشوارع تبكي والحصان يبكي والسماء تبكي والشوارع مسكونة بالخوف الأشباح والسلاح والكلاب المسعورة الجائعة.... َ حين شقت السيارة حي العرب القديم شهقت البيوت الصغيرة المحنية الظهور والجباه التي تصنع حلوى المولد الجميلة منذ عرفنا أمدرمان حيث الضجيج الفرح واستاد الهلال وما حوله وايام لنا مع أعراس الهلال واحزانه الجميلة القاسية... رأيت الملعب ينحني باكيا ومصابيحه مهشمة ومصانع الحلوى شاحبة والشوارع مغفرة وخالية و تسكنها وجوه مذعورة ووجوه مكفهرة قاسية تبحث عما تنهب وتأخذ عنوةاو غفلة وتبحث عن فريسة دانية ..... رأيت الرعب يجول في الشوارع مجرجرا اذناب الغول العديدة وانيابه التي لاتحصى ولاتعد َو شممت رائحته الكريهة المنتنة.... رأيت أمدرمان تغتصب في الظهيرة وتفرش فروتها في قلب سوقها القديم وتصلي صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود، ليس سوي تصرع وانين واستغاثة وهمهمة خافتة ودموع جارية، السيارة تمضي بنا مذعورة خائفة مثلنا والسيارات المكتظة الجنود و مضادات الطيران ومدافع الدوشكا وأشياء أخرى لانعرفها منتشرةفي كل ركن و َزاوية..... نحن نشق الطريق ولاندري ماذا قد يحدث في الثانية التالية... اخيرا بلغنا دارا انفتحت لنا وبرزت وجوه طيبة ترحب بنا..كان البيت الصغير يشع طمأنينة تجلب الي آذاننا صوت المقرئ وهو يتلو آيات القرآن بصوت شجي عذب : بسم الله الرحمن الرحيم. لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ (1) إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ (2) فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ (3) ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جوع وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ (4) ...... انهمرت دموعي الي الداخل بكيت بغير صوت ونزفت بغير دم ......نحن لم تكن رحلتنا مثل رحلة قريش في الشتاء والصيف رحلة مألوفة رابحة فيها تحارتهم و مامونة ومربحة لهم، بل كانت رحلتنا رحلة قسرية لا أمن ولا امان فيها ولا ربح فيها ..... ولكنها أقدار الله وابتلاءاته مستقبلها برضى ونحتملها بصر ونسأل الله اللطف وهو اللطيف الخبير.....

صلاح الدين سر الختم علي القاهرة يناير 2025

***

============
1- يوميات حرب الزول... الزول مات بالسبت... الرقم (1)
2- يوميات حرب الزول... الحقيقة المغيبة او ( قدماك تحلق فوق الرؤوس المحنية ياجعفر الكاروري) (2)
3- يوميات حرب الزول... الترحال وبعد الدار. (٣)





.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى