عرفت الحياة الثقافية والأدبية أميمة عز الدين قاصة مجيدة وروائية مقتدرة، ولها اسهامات طيبة في مجال أدب الطفل لاقت حفاوة طيبة من القراء والنقاد على السواء، ومن مؤلفاتها الروائية : الحرير المخملي، نصف ساعة بالممر، ومن مؤلفاتها القصصية : ليلة الوداع الأخيرة، طرقات المحبة، يحلم بالموت، وصدر لها أيضا ديوان شعر بعنوان ( موت هادئ )، وفي مجال أدب الطفل صدر لها : الأسوار البيضاء، أحلام مريم، سلسلة سارة، أصابع زينب، ظل أخي، الملعقة الطائرة، أنفي كبير، شعر أحمر مجعد ( الفائز بجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2016م )، ألعاب فتونة، الحقيبة العجيبة ( القائمة الطويلة جائزة الشيخ زايد الدولية 2016م ، القائمة القصيرة جائزة اتصالات 2016م )، هل كان حلما ( القائمة الطويلة جائزة الشيخ زايد الدولية 2019م )، سلسلة عبدالله وآيات القرآن.
وتأتي مقاربتنا في رواية ( الحرير المخملي ) وهي رواية كنائية قصيرة تقع في ( 126 ) صفحة من القطع المتوسط، وعولجت دراميا، وتم تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني، تم بثه للمشاهدين عبر قناة النهار وغيرها.
قسمت الكاتبة الرواية إلى سبعة فصول، ووضعت لكل فصل عنوانا، وجاءت العناوين كالتالي : تنويعات على موت الجد، الضيف، الشك ثم الخلاص، سلطان الهوى، الانتظار، الرحيل، الاستسلام.
استفادت الكاتبة من أدب المذكرات في كتابة روايتها، وكان البوح حاضرا بقوة في معظم فصول الرواية، وكل الفصول جاءت على لسان رقية محمود عبدالرحيم فاضل التهامي، وبضمير المتكلم، وهو الضمير الأنسب للبوح والفضفضة، ويناسب أدب المذكرات الذي انتهجته الكاتبة، وصرحت به في نهاية الرواية في فصل ( الاستسلام ).
فتقول في نهاية رواينها :
( ولأول مرة وجدتني أمسك القلم وأكتب وأكتب طوال الليل، أكتب عن كل شيء صادفني في حياتي، وعن ذكرياتي بالبيت الكبير وعن الحب والرغبة والحرية ) ص 126.
وتوسلت الكاتبة في إثراء روايتها بالفنون الأخرى، وكانت حاضرة بقوة مثل الفن التشكيلي والشعر والغناء والرقص، وسنوضح ذلك تفصيلا لاحقا.
وقدمت لنا هذه الحفيدة كاتبة المذكرات ثلاثة أزمنة وثلاثة أجيال، وكانت الكاتبة ذكية وحداثية في آن عندما جعلت الحفيدة رقية تتحدث بصوتين، الصوت الأول هو صوت رقية وهي دون الخامسة عشر، سن البواكير وتفتح الوعي وخبرات الحياة القليلة، والصوت الثاني وهو صوت رقية التي نضجت واستوت، وعركتها الحياة، وأصبح لها رؤاها وقناعتها، وتضع هذا الصوت الناضج بين قوسين ( .... ) والاشارات والتعليقات التي بين القوسين تثير انتباه القارئ، وتوقظه بقطعها لسرد رقية قليلة الخبرة، فتجعل القارئ يعاود التأمل والتفكير.
المكان : القرية المصرية الأشهر بمحافظة الشرقية، وبمصر كلها، قرية ( هرية رزنة ) والتي إذا ذُكرت ذُكر الزعيم أحمد عرابي، والجد الأكبر للحفيدة رقية ( الشيخ التهامي ) من أخلص خلصاء الزعيم، فعمره من عمر الزعيم وداره متاخمه لداره.
والمكان بصفة عامة يؤثر في الشخصيات، فالصحراء أوجدت لنا البدو، والبحر أوجد الصيادين، والنهر أوجد الفلاحين، فالمكان يلقي بظلاله على الشخصية، ورقية سليلة عائلة إقطاعية، يرثون أبا عن جد عشرات الأفدنة من الأراضي المنزرعة والمزارع وزرائب الماشية من الجاموس والأبقار والأغنام، وبين عائلتها والفلاحين الأجراء مسافة واسعة،غير مسموح بتجاوزها، وعادات وتقاليد متوارثة من جيل إلى جيل وراسخة رسوخ الراحتين في الأصابع، ويحافظون عليها بكل ما أوتوا من قوة.
وبيت العائلة الكبير يضم بيئات ثقافية متعددة، تمثل بعض أطياف المجتمع المصري، فالجد ( عبدالرحيم فاضل التهامي) مغرما بالنساء، فتزوج أول ما تزوج من عطية، والتي يناديها بعطيات، وأنجبت له محمود والد رقية، ولكنه سرعان ما تزوج عليها بحبشية، تعرف عليها في إحدى جولاته السياحية بالأقصر، وهي نوبية، وأنجبت له مهره، وزهدها وأمرها بعد أن أنجبت له البنت أن تعقم نفسها، فعرف أن حبشية من عائلة لا تنجب سوى البنات، وماتت أثناء عملية التعقيم، وتزوج بثالثة من بحري ( حسيبة ) :
( لسانها يجري برطب الحديث، كانت فاكهة استوائية لا تكف عن طلبها وتذوق حلاوتها، وكان جدي يعشق حكاياها وأسمارها ) ص 11.
وأنجبت له ( زينة )، التي ورثت جمالها، وتطلعها إلى الحياة، وأصرت على أن تكمل تعليمها، وعرفت كيف تقنع الجد بأهمية الخروج والعمل، وعملت بالصحافة، ولم تحتمل عطية / عطيات أفعاله وتصرفاته، أصيبت بجلطة، وصارت قعيدة على كرسي متحرك، وزينة في رأيها مارقة، وخارجة على الجماعة، ورثت طباع أمها حسيبة، ماكرة وأريبة، عرفت كيف تتسلل إلى قلب الجد وتطرد ما عداها.
عطية / عطيات التي جاء لها الجد بضرتين، ولم تحتمل، فشُلّت.
والطامة الكبرى أنه بعد موت الجد بأسابيع، جاء من يزعم بأنه ابنه، وأن والده أوصاه بعد موته بضرورة أن يذهب إلى القرية والتعرف على إخوته من أبيه، وهذا الغريب هو رءوف، ورفضت الجدة الاعتراف به، ووافقتها مهرة، التي احتضنتها عطية / عطيات بعد موت أمها، فهي يتيمة، وتمارس سطوتها عليها، وهذا الخبر كاد أن يودي بحياتها، ورأت الشماتة في عيني زينة، وهي أول من فرحت ورحبت به، وكانت رقية أكثر فرحا بعمها الجديد، وذهب محمود ليستوثق من صحة هذا الخبر، تقول عطية / عطيات :
( أخفى سر زواجه بتلك المرأة وهي التي غالبت المرأة التي بداخلها وارتضت أن تعيش مع أخريات يشاركنها رجلها وفراشها .. لماذا آثر التكتم طيلة تلك السنين العجاف التي أهملها وتركها لمرضها وعجزها رغم أنه السبب فيما آلت إليه من ضعف وعجز وهوان، افعاله تسببت لها في جلطة جعلها قعيدة الكرسي المتحرك.
نسي أنها الأساس وأنها من علمته كيف يقضي شهوته ووطره )
وزادت كراهيتها له ولا تطيق أن تسمع اسمه.
وأصبح البيت الكبير يضم : عطية / عطيات الزوجة الأولى للجد، وابنها محمود والد رقية، ومهرة ابنة حبشية وتمثل ( النوبة )، وزينة ابنة حسيبة وتمثل بحري، ورءوف ابن دنيا ويمثل الإسكندرية، والمفروض أن تنوع هذه البيئات الثقافية أن يكون إضافة ونعمة ويثري الحياة في البيت الكبير / الوطن، ولكنه للأسف كان نقمة، فكان التنافر، والصراع الخفي والمعلن بين القديم والجديد، بين التيار المحافظ والتقليدي الذي يمثله محمود وأمه عطيات، والتيار الجديد المعاصر والذي تمثله زينة ورءوف ومعهما رقية.
تعريف موجو بالشخصيات التي تعيش بالبيت الكبير :
1 - محمود والد رقية وهو ظل لوالده، فعلمه الاستكانة والمخادنة، لا يعترض أبدا على والده، يقدم له فروض الولاء والطاعة، تقول رقية :
( كنت أتمنى أن يثور أبي على مكانته بالبيت الكبير ويتمرد على جدي ونترك البيت إلى شقة صغيرة ويستغل أبي أنه موظف حكومي في منصب كبير يستطيع الاستقلال عن جدي، لكن أبي بطبيعته لا يحب المغامرة )
ويمكن إيجاز أزمته :
1 – رفض والده أن يتزوج بأول فتاة أحبها واسمها مريم، بحجة أن أمها تطلقت منذ ان كانت صغيرة، ورأى الأب أنها غير جديرة بإبنه، ومريم هذه لم تبرح قلبه ولم تفارق خياله أبدا.
2 – حرّم عليه قراءة دواوين الشعر، وقرضه، فكيف يلقى الله وهو من الغاوين.
.....................................................
2 – أم رقية ( زوجة محمود ) :
تقول رقية :
( أمي ظل باهت لجدتي عطية، تشبه أبي في خضوعه لسطوة جدي لكن بصورة مبالغ فيها، لذلك جدتي تحبها وتعتبرها ابنة حقيقية ولم أشاهد أو أعايش إشكالية الكنة والحماة بينهما )
( لم أرها تتزين ولا تعير لمفاتنها أي اهتمام، كأنها ترى نفسها عورة آثمة، تحاول أن تتوارى بثوب الاحتشام، وعدم الخضوع بالقول حتى مع أبي حتى لا يتهمها سرا أنها تشبه الغانيات اللائي يظهرن بوقاحة مفتعلة في أفلام الأبيض والاسود ) ص 20.
فهذه المرأة في حالة وأد مستمر لرغباتها، وتتبع زوجها كالخادم المطيع، وتعرف أن قلبه مازال معلقا بمريم، رغم أنها تزوجت وهاجرت مع زوجها رجل الأعمال إلى أمريكا.
( كانت تشعر بغريزتها كإمرأة أنه يأخذ وطره منها ويتركها لأحلامه التي تيقن أنها تخص مريم فقط ولا يسمح لها أن تدوس أرض أحلامه )
وعن مبررات عدم تمردها تقول رقية :
( اكتشفت أن أمي تفهم أبي جيدا .. وإن أبدت سذاجة وطيبة تجعل أبي لا ينتبه لوجودها، لا تريد أن تشوه الصورة العائلية التي تربت عليها، حتى تضمن أن أتزوج ذات يوم برجل لا يعايرني بتفسخي العائلي )
....................................................
3 – شخصية مهرة :
من أجمل الشخصيات التي تناولتها الكاتبة، تلك النوبية العاطلة من الحُسن، وانضمت إلى طابور العوانس لعدم رغبة الرجال فيها،وعندما تقدم لها كلافا كان يعمل لديهم، كاد والدها أن يقتله بالبندقية الروسي التي ورثها عن أبيه، وطرده شر طردة.
متوسطة الذكاء، بالكاد أتمت تعليمها في المرحلة الإعدادية، عقلها كما تقول رقية في يدها :
( تطرز وتحيك الملابس وتنكفئ على ماكينة التريكو الخاصة بها، تستمتع وهي ترى رسوماتها العفوية الفطرية على ستائر البيت الكبير ومفارش مائدة الطعام والطنافس المزركشة المتناثرة في أركان البيت، ولم تبخل على غرف البيت بمفارش السرير المبهجة ) ص 62.
كان رءوف يراها فنانة بالفطرة، ويحاول أن يمد لها يد العون والمساعدة، فيقدم لها أثواب الحرير من أجود الأنواع، وتعيش على أمل أن يأتي رجل ينقذها من طابور العوانس وتمنحه كل ماتملك، وترى بأن بشرتها الشديدة السواد هي السبب، وكان رءوف هو الوحيد الذي أحس بها وبحقها في الحب والرعاية وتطلعها إلى الزواج وتشوقها أن تكون أما، وكأن هذا الرءوف كما تقول رقية :
( ربما ثقب جدار غرفتها ذات ليلة وطالعها وهي تبكي وتغرق في دموعها وتنتحب ليلا عندما تفاجأها الآم الدورة الشهرية وتخشى أن تتجاوز مرحلة اليأس وتصبح عقيما قبل الزواج، وتتقافز الأسئلة الموجعة والرغبات الحميمة ويختلط الحزن بعجينة الرغبة والشهوة، ويسكتها صوت ضميرها الذي يجأر ويستجدي في فلوات الصبر، يمضي النهار عليها وهي كما هي لا يتبدل حالها. البنات في القرية تكبر أثداؤهن وتشيل بطونهن، ويلدن ويكبرن ويتسلل الصغار إلى المدارس وساحات اللعب وهي كما هي، ترمقهن من خصاص شباكها العالي )
وجاء إسماعيل جعفر من أب سوداني وأم إنجليزية، سليل أسرة عريقة، تعلم في جامعة كمبردج، فنان تشكيلي وشاعر، استقر في القاهرة، تعرفه المنتديات الثقافية والفنية والأدبية، ورث ملامح أمه، صديق رءوف الفنان التشكيلي، لم يخف عن رءوف معاناته مع أهله في السودان وعدم ترحيبهم به، ولم يخف عنه رءوف هو الآخر معاناته مع أهله في البيت الكبير، وعدم ترحيبهم به أيضا، وبينما يتحدث معه عن مهرة، دق قلبه وانتفض واقفا، رآها فنانة حقيقية، وأصر أن يخطبها رغم محاولة رءوف تبصرته بخطورة ما يقدم عليه، وطلب أن يراها، وأقنع رءوف بأن مهرة هي من يبحث عنها، وجرب الزواج من قبل أكثر من مرة ولم يوفق، فمهرة هي نصفه الثاني الذي يبحث عنه، وأغمى عليها ورءوف يطلب رأيها، فلم تصدق أن هذا الأشقر صاحب العينين الزرقاوين طلبها للزواج، وتنظر في المرآة غير مصدقة أن بها مسحة من جمال، وأن هناك من أعجب بها، ويرغب فيها، واشترى لها شبكة من الألماظ، واختار لها فستانا بلون اللازورد الشفاف، ولف رأسها بغطاء سماوي حتى بدت كأميرة من أحراش إفريقيا، ويتم تحديد موعد عقد القران والزفاف مع أول الشهر العربي، ويذهب إسماعيل في مهمة إنسانية إلى السودان برعاية الاتحاد الأفريقي، ويُقتل هناك، وتصاب بمس من الجنون، وقال الأطباء النفسيون الذين يباشرون حالتها المتدهورة، إنها حالة ميئوس من شفائها، وتحتاج إلى معجزة، فحينما وصلها الخبر :
( حفرت حفرة كبيرة بفناء البيت الكبير ودفنت كل مفارشها وأهالت التراب عليها وظلت تخبط وتدق بقدميها، كأنها تدفن حبيبها اسماعيل وتواريه الثرى، تحثو على قبضات من رمل وتراب حتى وقعت وانتفض كل جسدها وغابت أياما كثيرة عن الوعي ) ص79.
ولم تصدق أنه مات، فتروح تبني قصورا في الهواء، وتتخيل أطفالها من إسماعيل يمرحون بالقرب منها، وتظل لساعات طويلة بدون طعام تنتظر عودته من العمل، ولكنه لن يأتي.
...................................................................4 – شخصية زينة :
زينة بنت الزوجة الثالثة حسيبة، وحسيبة في رأي عطية / عطيات، ماكرة وأريبة، ولحست عقل الرجل، وتربعت في قلبه، وزينة في رأيها سهم مارق عن الجماعة، ومتمردة، ونجحت في إقناع الرجل بأن تكمل ابنتها تعليمها العالي، ولم تكتف بذلك، بل نجحت في إقناعه أيضا بالخروج للعمل، والعمل في الصحافة، وزينة لا تحب عطية / عطيات، ولم تخف شماتتها فيها وهي تصرخ وتولول عندما علمت بإخفاء والدها زواجة للمرة الرابعة من سكندرية وأنجبت منها عمها رءوف، وكانت أول من رحبت به، وقالت لأخيها الأكبر محمود التي على خلاف دائم معها :
( سوف أساند رءوف بكل قوتي ولن أخذله، إنه أخونا ويجب أن نعترف بذلك، لن يضيرك شيء إن ساعدته على تنفيذ وصية أبينا الذي صعدت روحه للسماء ) ص 42.
وخطبة إسماعيل جعفر لمهرة كان زلزالا لكل من بالبيت، ومنهم زينة، والتي راحت تضرب أخماسا في أسداس، غير مصدقة أن الشاعر الفنان المعروف يطلب يد مهرة للزواج، فتارة تتهمه بالجنون، وتارة أخرى تتهمه بأنه يبحث فيها عن قصيدة، وعندما يكتبها سيتركها حتما، وتارة ثالثة تتهمه بالشذوذ، وأخذت تراجع نفسها، وهي على وشك أن يدهسها قطار العنوسة، وطلبت إجازة من الجريدة التي تعمل بها، هل حقدت على أختها مهرة الكائن المهمل بالبيت؟ استعاذت ربها من شيطان النفس، واستغفرته، ورأت نفسها مثل إخوة يوسف، ولجأت إلى مذكراتها، وراحت تفتش في ماضيها، وتستعيد ذكريات حبها الأول.
= عندما أتمت عامها السابع عشر وقعت في هوى حمدي، شقيق زميلتها كوثر الذي تطوع بتوصيلهما يوميا إلى مدرستهما الثانوية بالزقازيق، حيث كان يعمل نائبا للأمراض الصدرية بالمستشفى العام.
كانت تراه فتى أحلامها، وتمني نفسها باليوم الذي يطرق فيه بابها حتى جاء اليوم الذي قال لها فيه في لحظات من الحب والصفاء :
-المرأة التي سوف أتزوجها لن أسمح لها بأن تطأ بقدمها الشارع، سأنزلها في قلبي كالأميرة وسأنثر حولها الخدم، ستكون شهرزادي أنا، أنا فقط.
-هل هذا هو الحب في نظرك؟ نحيا ونموت كالأنعام، نصبح بهائم في حظيرة الزواج!
-أشد ما يقلقني في المرأة أن تفكر، التفكير ليس جيدا لبشرتها وجمالها، يكفيها عبء الحمل والوضع.
-تريدها خاضعة دوما.
-أحيانا الخضوع يضفي جمالا ملائكيا على المرأة، لا أحب أن تعمل المرأة، سرعان ما تتحول إلى جنس ثالث، وأنا لا أطيق تلك الفكرة.
-جنس ثالث؟!
-أنت مازلت صغيرة، أصيخي السمع إلى نساء العالم آلان، كلهن يردن العودة إلى البيت وأحضان الرجال، انظري إلى كعوبهن المتشققة، وأيديهن الخشنة وصدورهن المهدولة وبطونهن المتدلية، لقد فقدن مقومات الأنثى.
-والرجل ألم يفقد عرشه بعد وصار ضبعا في مملكة النساء؟
-أنت جريئة، بل ...
وانقطعت علاقتها بكوثر وأخيها، وأزمة زينة منذ صغرها في إعمال عقلها، ولا تريد أن تكون إلا هي، وعقلها وتفوقها في عملها بالصحافة وترقيها وصعودها بسرعة الصاروخ جعل الزميلات يحقدن عليها ويطلقون عنها شائعات مغرضة، وجعل الزملاء الذين تفوقت عليهم يتخذونها ندا ورغم جمالها يخشون التودد إليها والزواج منها، فهي لا تقدم أي تنازلات، ولا تستغل أنوثتها وجمالها للإيقاع بعريس، وتميل في لبسها إلى الاحتشام.
والمرة الثانية التي أحبت فيها بصدق، عندما كانت تحبو في سنواتها الأولى بالجامعة بكلية الاداب قسم الصحافة، كان يكبرها ببضع سنوات، من أب فلسطني وأم مصرية، ثائرا ومتمردا، دعاها أكثر من مرة لتنضم إلى الجماعة التي كونها، رفضت خوفا من بطش الجد إذا خالفت تعليماته، فحذرها من الدخول في السياسة، وإلا سيكون مصيرها الحرمان من التعليم والحبس خلف جدران البيت الكبير، وذهب حبيبها إلى القدس وفي يده حجر بعد أن انضم إلى منظمة فلسطين الحرة، وقبل أن يلقي بالحجر في وجه المحتل كانت رصاصاته أسرع، مات شهيدا، بكته كثيرا، وأغلقت قلبها عليه.
..........................................................
5 – شخصية رءوف :
من أم سكندرية رآها الجد ترقص على الشاطئ في إحدى الأماسي الشتوية.
( شعرها الثائر فوق جبينها المنسدل في إهمال على ظهرها جعل جدي يرتد إلى غابات الحب الشبقي ويتمنى لو ركض فيها يغتسل من أنهارها ويزور روضة العشاق الذين يختبئون خلف القصائد ويمتطون جياد الدهشة في الليل السائر ) ص 25.
تزوج الجد بدنيا بعد شد وجذب واقبال وإدبار، أنسته حسيبة وسطوتها، وتناسى جبروت عطية / عطيات، وسقطت حبشية من ذاكرة قلبه، أنجبت له رءوف، واشترى لها فيلا أنيقة، وأوقف لها خادمتين، ولم يستجب لرغبتها أن ترحل معه وتعيش في البيت الكبير، تخرج في كلية الفنون الجميلة، ويريد أن يحترف الرسم، رفض العمل في الأرض، وباع نصيبه لأخيه الأكبر محمود، ولكنه تمسك بنصيبه في البيت الكبير، قوبل في البداية بالرفض التام من عطية / عطيات، ومحمود، ومهرة، ولم يعترف به ويقف إلى جواره سوى زينة، واحبته رقية، ورأته أفضل رجل في الدنيا :
( كان عمي أفضل رجل رأيته في حياتي، فهو يفعل كل ما يريده، وليس لأحد سطوة عليه، يرسم ويسافر ويعرض لوحاته، ويحضر ندوات الشعر وعضو فعال في منتديات الحياة الثقافية بالقاهرة، .. )
..................................................
6 – شخصية رقية :
علاقتها بالجد :
( لم أكن أرى جدي إلا رجلا فظا غليظ القلب بيده سوط غير حقيقي يلوح به مهددا إيانا )
( كانت محاولة يائسة مني ذات يوم عندما ألححت في طلب مدرس خصوصي لتعلم قواعد اللغة الفرنسية التي تخاصمني حروفها الثقيلة على لساني وتجعل زميلات الفصل يضحكن من قلوبهن، وعندما رفض شعرت بسوطه يرتفع في فضاء الغرفة ليرقد على ظهري في وحشية بالغة وأمرني أن أذاكر بمفردي وإلا فجدران البيت أولى بي )
وعند موت الجد تقول :
( الدنيا سوف تستريح من صخبه وصراخه وأوامره ونواهيه، هذا لا .. وذاك مستحيل، ذلك لا يجوز أبدا .. المهم عنده أن تمر تعليماته إلى عقولنا ونستوعبها حتى تطبعها ذاكراتنا المحدودة لأنه من خالف نهجه وطريقته المستقيمة، فالعاقبة ستكون الحرمان من صكوك الغفران المجانية والعطاءات الموسمية وهبات الفدادين الخمسين )
وعن الجدة والأم تقول :
( أوصت جدتي أمي أن تقسو علىّ حتى لا يزداد إعوجاجي وأن الشدة تلزمني بعد أن فار جسمي وأصبحت مؤهلة للولوج إلى عالم النساء – أقسمت أمي إن لم ألزم الطريق المستقيم واصيخ السمع لها فسوف تقوم على الفور إلى المقص الحديدي وتقص شعري الذي يميزني ويجعلني أختال بجمالي، قص الشعر عقاب متوارث في عائلتي لمن تشذ عن القطيع )
وتقول في موضع آخر :
( أمسكت يدي تقودني كبهيمة صغيرة إلى مذودها )
منعني أبي من الخروج بعد الانتهاء من دراستي
-ليس هناك مبرر لدخولك وخروجك مثل بندول الساعة.
-أريد أن أعمل يا أبي.
-لا عمل لا خروج، لن أسمح لك أن تكوني نسخة مكررة من زينة.
تقدم مدحت بن الحاج الهواري عضو مجلس الشعب لخطبتها، رحب الأب على الفور، وفرحت الأم، وباركت الجدة هذا الزواج، ورقية لا تطيق مدحت، غليظ الملامح والطباع، متعته الحقيقية في الطعام، لا يقرب كتاب أو جريدة، يقول لها :
( الطاعة، الطاعة العمياءهي التي تزين المرأة، أكره الجدل والسفسطة وأحرق المرأة المتحذلقة المتفلسفة، والطلاق عندي أهون من الزواج ) ص 94.
وقدمت الكاتبة ببراعة شخصية مدحت العنين، وتحولاته ما بين طرفة عين وانتباهتها إلى مائة وثمانون درجة، وعاشت أياما سوداء على يده ويد حماتها، واستخدام أسلوب الترغيب قليلا وأسلوب الترهيب كثيرا، ومعاناتها الشديدة من عجزه ومحاولات إثبات رجولته، حتى أنها تمنت بصدق الموت لها أو له حتى تستريح من هذا العذاب، ويحقق لها القدر هذه الأمنية على يد شحاذ، وتتهمها حماتها بأنها من دبرت مع عشيق لها قتل ابنها، ويأتي رءوف ليرفع قضية سب أمام المحكمة، وتتأكد المحكمة بعد إحالتها إلى الكشف الطبي أنها مازالت عذراء.
وتعود إلى البيت الكبير، كإمرأة صغيرة وتحمل لقب أرملة، وتستعيد نزق الطفولة وعلاقتها بالولد مروان، الذي يهديها كراسة فيها أشعاره، ورسوماته الملونة، ويمنحها قبلة، ويقسم عليها بألا يفترقا، ويطلب منها أن يلعبا عريس وعروسة، فتفر من أمامه، وتحذرها أمها من هذا الولد ابن حلاق الحمير، فهو يريد غوايتها، كان يحمل في راسه أفكارا غريبة، وينطق لسانه بأحاديث غير التي أسمعها ممن حولي،
........................................................
شخصية فارس :
الأخ الأكبر لرقية، ويعيش بالقاهرة وحده في شقة واسعة، يعيش حياة مترفة، يدرس الطب وسوف يرفع اسم العائلة عاليا، يد الأب مبسوطة نحوه على الدوام فهو الزعيم المرتقب لهذه العائلة، استنجدت به رقية ليقنع والده بأن يحل وثاقها من مدحت قبل الزواج، رفض وعنفها، فلن تجد أفضل منه.
وقع في غرام سائحة أمريكية بالأهرامات، بارك الأب هذه الخطوة وطالبه بأن يتعجل في الزواج منها، ستجدد دماء العائلة، وفي هذا الزواج فوائد جمة للعائلة، عارضت زينة هذا الزواج غير المتكافئ، عنفها شقيقها محمود واتهمها بالحقد والغيرة والحسد لكونها عانسا.
( المدهش حقا ان أخي يعرف تماما أن فتاته ليست عذراء، وانها صادقت بعض الرجال منذ أن كانت في السادسة عشر من عمرها، ولم تحاول إخفاء أي شيء عنه فهي تمقت مؤسسة الزواج وتراها وهما كبيرا، .. ) ص 122
وتم الزواج سريعا، ولم تمر أيام قليلة حتى انتابت ( إيمي ) حالة من النفور من فارس، وأعلنت عن رغبتها في الطلاق، وأخبرته بأنها أجهضت جنينه منها، وكان انقلابها عليه ونفورها منه أنها رأته يستغلها، ويريد أن يتخذها سلما للحصول على الجنسية الأمريكية والعيش في كنفها!
لعل القارئ يكون قد استشف من خلال هذا العرض الموجز للشخصيات، اهتمام الكاتبة وعنايتها برسم شخصياتها، فهي شخصيات من لحم ودم وأعصاب تنبض على الورق، ونحتت لكل شخصية تمثالا في قلب المتلقي، كانت قريبة من شخصياتها، عبرت عن أفراحهم القليلة وأحزانهم الكثيرة، عن تطلعاتهم وإنكسارتهم، أصغت إلى أوجاعهم الداخلية كما رسمت ملامحهم الخارجية، غاصت في نفوسهم وأخرجت المطوي والمسكوت عنه، قدمت ما يصطرع وما يشتجر في نفوسهم، وما يدور في عقولهم، حتى الأسماء كان لكل شخصية من اسمها نصيب، ولن يجد القارئ الصعوبة في مراجعة معاني الأسماء ودلالاتها ومطابقتها على صفات كل شخصية.
...................................................................
مسارات الرواية :
1 – المسار السياسي :
السياسة حاضرة دائما في أي منتج أدبي أو فني، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، والرواية كما قلنا قبلا هي رواية أجيال، وجد الراوية الأكبر من أصدقاء عرابي ومحبيه، فعمره يقارب عمره وداره تتاخم داره :
( يجلس الشيخ التهامي بين يديه ويصب عليه من الإبريق النحاسي ذي العنق الطويل الحاد ويقاسمه ماء الوضوء ويرتضي به إماما على طول الخط ويعتبره زعيم مصر العظيم. فهو الذي وقف وقفته الشهيرة أمام قصر عابدين وطالب بالحرية من الخديوي توفيق دون أن يأبه بالسجن أو النفي أو القتل غدرا ) ص8
ولا يمل الجد من تكرار حديثه عن ولسلي الجبان الذي اختار الليل ستارا يستتر به، واتخذ الخيانة أيضا طريقا إلى النصر ولا يفتأ يلعن خنفس باشا.
تقول رقية وهي تعبث بدرج مكتب جدها :
( وجدت خطابا موجها إلى جده من أحمد عرابي يتهمه بأنه خادم كسول ولا يستحق الأرض التي أنعم بها عليه وأنه على وشك ترك الجيش كعسكري نظامي كسول بليد لا يهمه سوى التطلع إلى عورات النساء وملء بطنه بفطائرالعسل الأسود! ) ص 9.
والرسالة تنسف الصورة الذهنية التي تكونت لدي المصريين عن عرابي، كأول زعيم وثائر في العصر الحديث، وعرابي ظُلم ظلما بينا وتم الافتراء عليه، واتُهم اتهامات باطلة كثيرة، ولسنا هنا في مجال الدفاع عن عرابي، وهذه الرسالة جعلت رقية تظن بجدها الجنون :
( أيقنت أن جدي خالي الوفاض من حكايات الشهامة والفروسية التي نعت بها جده وأبناء عائلته المقربين، حتى أنني لم أعد أصدقه عندما يحكي عن بطولاته في حرب فلسطين ..)
( لم تعد عيناي تدمعان من الدهشة ولا قلبي يزداد وجيبه وأنا أشاهد في عيني جدي بحور الدماء المدنسة الصهيونية التي لوثت الأرض المقدسة واختلطت بطينها المبارك، حتى موضع الرصاصة التي اخترقت كتفه الأيسر لم تكن دليلا دامغا على صدق بطولاته )
فهي تشكك في بطولاته، فجدها كان مغرما بصيد البط، وأغلب الظن أنها جاءت من مسدس شقيقه عن طريق الخطأ، فهم لم يقدموا لفلسطين غير الكلام وإدعاء فروسية وهمية وبطولات زائفة، والقضية الفلسطينية لم تغب عن الكاتبة فتجسدت أيضا من خلال حبيب عمتها زينة وفارسها، وهو الفلسطيني الأب والمصري الأم، الثائر والذي يدعو لقضية بلاده في الجامعة المصرية، وينضم إلى حركة فلسطين الحرة، ويذهب إلى القدس وفي يده حجر، وقبل أن يلقيه في وجوه المحتلين الصهاينة كانت رصاصاتهم الغادرة أسرع، وأردوه قتيلا، ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه من بين السطور، ومن خلف المعنى المباشر لألفاظ وكلمات وجُمل الكاتبة،هل قامت السلطات العربية والإسلامية بواجباتها نحو فلسطين أرضا وشعبا؟
= وتشير الكاتبة إلى عملية التهجيرالقسري والجبري لأهل النوبة لبناء السد العالي في ستينات القرن الماضي.
= وتشير أيضا إلى هموم أهلنا في السودان، والحروب الأهلية والنزاعات العرقية والطائفية، من خلال سليل عائلة الأسرة الميرغينية العريقة في ولاية كسلا والمعروف عنها نشر الإسلام والاهتمام بدراسات اللغة العربية والقرآن، وتجسد هذا في شخصية إسماعيل جعفر والذي قتل وهو في مهمة تقديم المساعدات الإنسانية إلى أهل مدينة الفاشر، برعاية الاتحاد الأفريقي وتم الاستيلاء على القافلة وقُتل كل المرافقين لها.
.................................................
المثقف والسلطة:
وتثيرالرواية أيضا قضية المثقف والسلطة، وهي قضية شائكة ومعقدة، ولعلنا نتذكرمقولة شاوشيسكو :
( كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي!! )
المثقف دائما في طليعة المجتمع، وكل الثورات التي قامت في العالم بشر بها الأدباء والكتاب والشعراء والفنانون، ومن هذه النماذج الشاب الفلسطيني الأب من أم مصرية، تقول عنه زينة :
( لم يكن شاعرا ولكنه يتحدث كالشعراء )
( في حديثه ثورة )
( لا يحب مدح الحكام ويعتبرها رزيلة ومفسدة )
وكان إيجابيا، كون جماعة بالجامعة، وانضم إلى حركة فلسطين الحرة )
ومن هذه النماذج أيضا إسماعيل جعفر الشاعر والفنان التشكيلي الذي حمل قضية أهله ووطنه ( السودان ) ولم يكتف بالتعبير عنها شعرا ورسما ولكنه ذهب في قافلة كبيرة بطعام ليشبع بطون جائعة، وخيام ليأوي المشردين والمهجرين، وبدواء ليعالج الجرحى والمرضى، إنه الفنان الإنسان الذي يُقتل وهو يؤدي مهمة إنسانية نبيلة.
وأيضا رءوف المثقف والفنان التشكيلي:
تقول رقية في مذكراتها :
شعر أبي أن عمي رءوف يتحدث عن الاشتراكيين الذين يمقتهم طوال حياته، فهم يثرثرون كثيرا ويتحدثون عن الحقوق والتعاونيات بين الدولة والفرد حتى يذوب الفرد في ملامح الدولة، لكن حلولهم المطروحة لا ترقى إلى مستوى الواقع والتنفيذ.
أما عن أبي زينة ورءوف وهو من علية القوم ومن الأثرياء، يقول لزينة محذرا :
-إياك وحقل الألغام.
-ماذا تقصد يا أبي؟
-السياسة، لا تدسي راسك الصغير قي السياسة ولا تلقي برأيك جزافا والتزمي الصمت وعيشي أيامك كحمل وديع حتى تسلمي من الذبح.
ويحذرها :
-لا يجب الدخول مع السلطة في مناوشات.
وتقدم لنا الكاتبة شخصية الحاج الهواري عويس نموذجا لعضو مجلس الشعب المعاصر، الانتهازي ونهاز الفرص، بلا مؤهلات علمية، ولا ثقافية، لا رؤى لديه ولا حلول لمشاكل الدائرة، وخشية أن يرسب في الدورة القادمة طلب يد رقية لابنه مدحت، حتى يضمن مساندة والدها وأقربائه له ويضمن النجاح، ووجدها محمود والد رقية صفقة معقولة، فقد تتيح له صلة النسب الجديدة التفكيرفي السياسة وترشيح نفسه هو الآخر في الدورة بعد القادمة.
( إن زواجك هذا سوف يتيح لي والعائلة انظلاقا وحيوية .. ربما أرشح نفسي لعضوية مجلس الشعب، وربما أغدو سياسيا وربما أكون معارضا شهيرا، السياسة في بلدنا لها مذاق آخر.
لم يكن احتراف السياسة من هوايات أبي غيرأن ظهور الحاج الهواري عويس قد أربكه وجعله يعيد ترتيب أوراقه، ويدرك أن الفشل الذي حققه في الشعر لا يمكن ان يلحق به في السياسة، السياسة لا تحتاج إلى المعرفة بالأوزان والبحور وقواعد الصرف والنحو، ولكنها تحتاج إلى مال ونفوذ ودهاء )
والحاج الهواري عويس، مراوغ، وزئبقي، وأنفق مبالغ طائلة على مدى ثلاثة أيام الفرح، وتمنى أهل القرية لو استمر الفرح شهرين بدلا من الأيام الثلاثة، والحاج الهواري يعلم تماما أن الأموال الكثيرة التي أنفقها في الفرح لا تساوي شيئا بما ينفقه في الدعاية الانتخابية.
= وتقدم لنا شخصية مروان الذي تخلى عن الشعر والرسم وحلمه في تغيير الأمة، فكان يحدثها عن غاندي في أسماله الفقيرة وتغييره لأمة باكملها، ومحمد الفاتح والإسكندر الأكبر، كان لايخجل من فقره، ولكنه تخلى عن كل ذلك بعد أن توسط له أحد الضباط الكبار ليلتحق بالكلية الحربية إكراما لخدمة أبيه له، ولاف على واحدة من علية القوم ليواصل رحلة الصعود، ليصبح واحدا من البكوات والبشوات الجُدد!
...................................................
2 – المسار الثقافي :
تميزت هذه الرواية بحضور كثيف للشعر والفن التشكيلي والرقص، فمن شخصيات الرواية الشاعر والفنان التشكيلي والراقصة.
= مهرة فنانة بالفطرة، وتصنع من الحرير المخملي الستائر ومفارش السرير ( حتى أنها صنعت مفرشا للسرير عكفت عليه سنة كاملة طرزت عليه قصة حسن ونعيمة ) ص 18
= واسماعيل جعفر شاعر وفنان تشكيلي، وتعي الكاتبة العلاقة الوثيقة بين الفن التشكيلي والشعر، وطبيعة الشاعر والفنان المختلفة، فتقول عنه :
( كل إمرأة تفشل في الغوص في حناياه وتفهم روحه كفنان يعشق الرسم على الزجاج وينشد أشعاره في حروف مدلاة من مغرفة الألوان الشفيفة المعجونة بالحنظة وحبوب البركة السوداء وطين الأرض اللزج الذي مازال متعرجا وموجودا في ربوع بلاده )
وعن الحالة المزاجية :
( استقر بمصر – يجلس مع نفر من مجانين الشعر والرسم )
= ورءوف فنان تشكيلي ومثقف، وفي سبيل حبه للفن، تخلى عن أرضه طواعية لأخيه، وتفرغ للفن، يسافر ويعرض لوحاته، ويقول :
( لولا مسة الجنون تلك ما كان هناك شاعر أو تجرأ شخص على إمساك الفرشاة وتلوين الصفحات الشاهقة البياض بالهلاوس والخيالات الفنية.
وافتتان رءوف بالفلاحات اللاتي يعملن جنبا إلى جتب بجوار الرجل، ورسم لوحة واقعية تعبر عن الأجراء الذين يعملون بكد تساعدهم بعض النسوة، وهم يدوسون بحرص في جداول الأرز حتى لا تتكسر داليات الأرز وهم ينقون الحشائش المتطفلة.
وتتناثر في جنبات الرواية أسماء بعض الفنانين العالمين أمثال جوبا وسلفادور دالي وغيرهما.
وكان من البدهي أن تقدم الكاتبة الكثير من مشاهد الرواية على شكل لوحات تشكيلية.
= وهناك أيضا شخصية محمود والد رقية الذي يقرض الشعر سرا، فالشعر في البيت الكبير من المحرمات، وقدمت الكاتبة ببراعة معاناة الشاعر أثناء الكتابة، وطرقه أبواب دور النشر، وهي في الواقع تقدم معاناة الأدباء الجُدد في نشر إبداعاتهم، مما يضطرهم إلى نشرها على نفقتهم الخاصة، وهذا ما فعله محمود الذي ظل يكتب سرا الشعر بعيدا عن الأعين، وبموت الأب أراد أن يعلن عن نفسه كشاعر، وأصدر ديوانه الأول على نفقته الخاصة، وكان يظن أنه فارس الشعر القادم بقوة، وصدر ديوانه ولم يُشر إليه بخبر واحد، فمحمود توقف عند كتابة الشعر العمودي، وما كتبه مجرد كلام مرصوص، لا روح فيه.
والكاتبة تورد في ثنايا الرواية الكثير من الأراء النقدية وتذكر أسماء لشعراء عرب وأجانب، فعلى سبيل المثال لا الحصر :
جاء ذكر رامبو والسياب وصلاح عبدالصبور وديوانه الأول " الناس في بلادي " ص 48.
وفي دفاعه عن الشعر التقليدي وإنكاره الشعر الحديث يقول محمود :
( الشعر العمودي الذي أهمله النفاد ...، والتشدق بالحداثة والبنيوية والتفككية ) ص 48.
وكثير عزة، عندما يقول الجد لدنيا الذي هام بها " اصبحت ككثير عزة "
وتوماس ستيرنز إليوت ( ت . س . إليوت ) ص59 الذي تأثر به إسماعيل جعفر في شعره.
والمعري وذكر أحد أبياته الشعرية ( إن حزنا في ساعة الموت أضعاف سرور في ساعة الميلاد )
وأمل دنقل شاعر رقية المفضل
وتذكر مسرحية ( في انتظار جودو ) لصموييل بيكيت الذي لا يأتي ولن يأتي.
= ومن الثقافة الرياضية تذكر يوريس بيكر لاعب التنس الألماني الذي تزوج من فتاة إفريفية.
= ومن علم النفس تذكر لنا عقدة أوديب، ورقية تحاول أن تحلل أزمة زوجها العنين، فربما يعاني من عقدة أوديب لالتصاقه بأمه، ولا يريد التخلي عن جوارها.
ومن الثقافة السينمائية : تقول رقية عن عمها رءوف في نظر جدتها عطية / عطيات بأنه ابن المرأة المجهولة في فيلم شادية وعماد حمدي، وربما رغب في تقمص شخصية اللقيط الشريف والذي يمثله العندليب عبدالحليم حافظ في فيلم الخطايا.
وأيضا فيلم ( رد قلبي ) : ( وتوقعت أن يأتيني على حصانه ذات يوم ويطلبني من جدي في كبرياء وعزة نفس، أو ربما يورط والده في تلك المغامرة المجنونة " كان خيالا صرفا، وقتها كنت أمني نفسي بأنني لا أقل روعة عن مريم فخر الدين في فيلم رد قلبي وأن مروان يمثل شكري سرحان دون مبالغة.
= = = ومن الشخصيات المضيئة في الرواية شخصية الراقصة، المحبة للحياة، والتي تعشق الرقص، الرقص للرقص فقط، وكأنها تنادي بنظرية الفن للفن :
( إمرأة حرة متمردة، تكره الخضوع، لا ترغب أن تقر في بيتها، لا تبيع جسدها ولكنها في ذات الوقت تعشق الرقص وكم جاهدت تلك الرغبة المجنونة وتكبح عشقها للرقص – إمرأة ثلاثينية وجدي كاد يقترب من الخمسين، حينما التقاها ووقعت في قلبه )
( تزوجت مرتين وطُلقت لأنها ترفض أن يقيدها رجل ويظل يجلدها بسياط الزواج ليل نهار، دون أن يترك لها مساحة كي ترقص، ولو أمام المرآة، لذلك لم يكن مستغربا أن تحترف الرقص بعد الطلاق الثاني لها، لكنها دققت في الأماكن التي ترقص فيها وأعلنت أنها ليست بضاعة مزجاة للبيع وأنها إمرأة للرقص فقط وعلى رءوس الأشهاد ) ص 28.
كانت ترقص على الشاطئ ويلتف حولها الشباب والفتيات، يصفقون لها إعجابا، ويرقصون أيضا، ويزداد جمهورها يوما بعد يوم، يلقبونها في الإسكندرية بالراقصة الشريفة، ولم يصدق أحد في البدء أنها إمرأة للرقص فقط وبمرور الوقت أصبح هناك من يصدق، فهي لا ترافق الرجال ولا تستكين إلى جيوبهم ولا تقرب الخمر، شخصية مبهجة ومشرقة ومضيئة، إيجابية وفاعلة، ومتمردة، وحققت ما تريد، وأعتقد أنها أثرت فن الرقص، وخلصته من الإبتذال، وجعلت من يلتفون حولها يرون الرقص فنا راقيا وساميا.
...............................................
3 – المسار الديني :
من أخطر ما أثارته الرواية وقدمته الكاتبة بدهاء شديد، وبوعي بصير، هو محاولة البعض تبرير بعض السلوكيات، مستخدمين الدين ولي عنق النصوص القرآنية، مستندين إلى الحاضنة الشعبية التي كونت دينها الخاص والتي تستند إلى عادات وتقاليد متوارثة وأعراف وتم صبغها بالصبغة الدينية، وسأكتفي بذكر نموذجين فقط.
= النموذج الأول : الجد المزواج ( زير النساء ) ويبررون هذا السلوك محتمين بالدين الشعبي بعيدا عن الدين الخالص :
( كان يخشى أن تقع عيناه على إمرأة يشتهيها ويقع في الحرام، وكان الزواج هو البديل الشرعي لإطفاء شهوته ) ص 13.
( كنت أسمعه يقول لأبي إنه يحتاج إلى إمرأة تسد مكان حبشية وإن حسيبة رغم محاولاتها المستميتة لإرضائه لكن نفسه تهفو إلى صبية صغيرة تلاعبه ويخادنها في الحلال )
( كان يريدها في الحلال وهي إمرأة حرة متمردة ) ص 25.
( لا يقرب الخمر، ولا النساء إلا بحلال الله، .. )
( أبي كان يخشى الحمى ومواطئة الحرام )
فهناك موبقات تُرتكب باسم الدين، والدين منها براء، فتم تطويع الدين ولي عنق نصوصه لتبرير أفعال الجد عبدالرحيم فاضل التهامي.
= النموذخ الآخر وهو الأخطر، ويتم فيه استخدام وسائل الترغيب قليلا، والترهيب كثيرا وتوظيف الدين أيضا، لتقبل رقية أن تبقى تحت رجل عنين، ولجأت أم مدحت العنين إلى أقذر الحيل وأحط الوسائل مستفيدة أيضا من الحاضنة الشعبية والتي لها دينها وموروثها الخاص، وتعلي من شأن المجتمع الذكوري، فالحماة تحاول بخبث توظيف المودة والسكن والرحمة لرقية في غير موضعها، وحتى لو كان ابنها عنينا.
( مدحت مثل النسمة .. المهم أن تتقي الله فيه )
ومحاولة تمرير كلمة المرأة ستر وغطا على زوجها وإقناع رقية بها ولترضى بالأمر الواقع، وإذا لم تستجب بالحسنى، فلنجرب إرهابها :
( -ما هكذا أبناء الأصول يا رقية.
-ماذا فعلت؟
-إن مدحت غيور بطبعه، وليس ديوثا أو عاجزا عن ترويضك، وربنا أمر بالستر.
-أي ستر؟
-لا داعي للحديث الآن، أريدك أن تتصرفي كزوجة مطيعة لزوجها حتى تنالي رضا الله وتشمي رائحة الجنة )
لاحظ الربط الغريب بين طاعة الزوج حتى لو كان عنينا، هل فعلا إذا لم تقبل بزوجها العنين وترضى به سيغضب الله عليها وسيطردها من رحمته ولن تشم رائحة الجنة!
والكاتبة متاثرة في معجمها اللغوي بالقرآن الكريم وبالأحاديث النبوية، فتأتي كثيرا بألفاظ قرآنية مباشرة وأحيانا أخرى بدلالات اللفظ القرآني، ونذكرعلى سبيل المثال لا الحصر :
" وهي تتوارى بالحجاب ص 21 "، " كأن على رأسه الطير ص 24 "، " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان ص 27 "، " قبرها حفرة من حفر النار ص 28 "، " حرثه الحلال، يحرث فيهن كيفما شاء ووقتما شاء ص 28 "، زينه لرءوف : " أرأيت سيدنا إبراهيم وهو يسأل ربه كيف يحيي الموتى حتى يطمئن قلبه رغم إيمانه الشديد به "، " ألمح لها بعذاب الله الواقع عليهم جميعا إذا فكروا في أكل مال اليتيم وأجحفوا في الميراث وأحبوا التراث حبا جما وفضلوه على رضوان الله ص 42 "
تقول زينة : " لقد كنت مثل إخوة يوسف، لا فرق بيني وبينهم، الغيرة السوداء تسللت إلى قلبي كقطع من الليل ونهشته ص 80 "، " صغر خده ص 93 "،
...........................................
الانسحاب والتغير:
بعد معاناة رقية وتجربتها القاسية مع زوجها العنين بدأت تنسحب شيئا فشيئا من الحياة وارتدت السواد وغرقت في بحور الصوفية، وراحت تنتظر الموت، ففيه الخلاص لمعاناتها، وتركت النوم على السرير ونامت على الأرض الصلبة، وكان طعامها الماء وكسرة الخبز، حاولت عمتها زينة بشتى الطرق أن تقنعها بالعدول عن هذه الأفكار ولكنها فشلت، وراحت تستعيد المواقف المؤلمة التي عاشتها في البيت الكبير، وتقربت من إيمي زوجة شقيقها فارس، وعرفت إيمي بعضا من معاناتها ورغبتها في ترك البيت الكبير، والعيش بالقاهرة، لم تصدق رقية أنها أقنعت والدها بهذه السرعة بضرورة تركها البيت الكبير والعيش في القاهرة، بل ومواصلة الدراسة بالجامعة الأمريكية، وأقبلت رقية بشغف ونهم شديدين على دراسة الأدب المقارن بالجامعة الأمريكية، وعن القاهرة تقول :
( شعرت بأنني أستنشق الهواء جيدا، يدخل مسام روحي رغم أنه ملوث بعادم السيارات وأنفاس الآخرين الذين تتدافع اجسادهم وهم يسيرون ويهرولون في شوارع القاهرة المكتظة والتي وقعت في غرامها وعاهدت نفسي على التشبث بترابها والموت في قبورها حتى لو كتنت قبور الصدقة ) ص 126.
.........................................................
مراسم الموت وطقوس الفرح :
كشفت الكاتبة عن قدرة فائقة وبراعة في الوصف، قدمت لنا وصفا دقيقا لمراسم غسل ودفن الجد، ووضعت شخصية ( الهباش ) حفار القبور في دائرة الضوء، الذي يظهر في هذه المناسبات، ويتكفل نيابة عن أهل المتوفي بالطباخ والقارئ المشهور والمعتمد رسميا بالإذاعة والتلفزيون، والنسوة اللاتي يشعلن المأتم بصراخهن وعويلهن، مقابل مبالغ مالية مبالغ فيها، غير أجره الذي يتركه لتقدير أصحاب المأتم!
طلب الماء الدافئ والبخور والحنظة وماء الورد والقطن والكفن، ونادى بصوت جهير : وحدوووه.، وبدأ في أداء مراسم الغسل، وبعدها مراسم الدفن، والصوان الكبير والمأتم بكل تفاصيله.
وكما قدمت تفاصيل مراسم الدفن والجنازة قدمت أيضا طقوس الفرح، فرح رقية الذي دام ثلاثة ليال، ليلة الحناء، وليلة كتب الكتاب، وليلة الزفاف.
.........................................................
هاجس الموت :
استهلت الكاتبة الرواية بموت الجد عبدالرحيم فاضل التهامي، وهاجس الموت ظل يؤرق رقية حفيدة الجد على مدى صفحات الرواية، فالرواية بدأت بموت الجد، وانتهت بموت زوجها مدحت، مرورا بموت الشاعر والفنان إسماعيل جعفر خطيب عمتها مهرة، والشاب الفلسطيني حبيب عمتها زينة، حبشية أم مهرة وزوجة الجد الثانية، وحسيبة أم زينة وزوجة الجد الثالثة، وجدتها عطية / عطيات زوجة جدها الأولى، وراحت ترصد مفردة الموت، حتى جدها التي كانت تعتقد أنها غائبة عنه ولا يفكر في الموت أبدا، اكتشفت أنه اشترى كفنه منذ سنوات طويلة وهو يؤدي فريضة الحج، من الأرض المباركة، وكان اكتشاف مفاجئ لها، وراحت تعيد النظر إلى الجد، فتكتشف انه لم يكن متواضعا ولا وديعا إلا عندما يعود إلى المنزل بعد أداء واجب عزاء، ولكنه سرعان ما يعود إلى سيرته الأولى، ورصدت مفردة الموت أيضا عند العم ( طلب ) فالعم ( طلب ) الذي أُصيب بالزهايمر، مازال قادرا على تذكر مفردة الموت، فهي المفردة الوحيدة التي نجت من مذبحة الذاكرة، ورصدتها عند مهرة التي كانت تتمنى الموت أول الليل عندما تستدعي معاناتها كعانس، وصارت أكثر طلبا للموت بعد موت حبيبها اسماعيل، فهي تتمنى أن تلحق به باسرع ما يمكن.
وراحت تثير من خلال هذه المفردة أسئلة وجودية كبرى، مثل الموت والحياة، وترى أن الحياة كثيرا ما توارت أمام سطوة الموت، والموت والحياة صنوان.
...............................................
الأمثلة الشعبية :
لوحظ أن الأمثلة الشعبية بالرواية قليلة جدا، رغم أن أحداث الرواية تدور في القرية، فهي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
1 – ليس من شيم الرجال البكاء ولا من طباع الوحوش النباح على قتلاها.
2 – عاد أبي بخفي حنين.
3 – أمرت أمي بعد رحيل عمي رءوف بإحضار زير فخاري كبير مملوء بماء الورد ودشته وراءه.
...................................................
تحول بعض الشخصيات :
على سبيل المثال لا الحصر :
1 – شخصية الأم التي ظلت طيلة الرواية ظل لزوجها تغيرت مائة وثمانين درجة، وثارت ثورة عارمة علىه، عندما أُتهمت ابنتها في عفتها وأنها دبرت مع عشيقها مقتل مدحت :
( إلا إبنتي .. الدنيا في كافة وابنتي في كافة، تريد التشهير باابنتي الوحيدة، وانت كما أنت، مجرد مسخ لرجل عابر في حياتي، لا تشعر بي ولا بإبنتك، ظللت تحارب أوهاما وضلالات كي تثبت لنفسك أنك شاعر، لست سوى مدع وأفاك أثيم، معي بجسدك وروحك تهيم في قلب مريم، والآن تقف عاجزا عن إنقاذ ابنتي، لا لشيء سوى أنك لا تحب إثارة المشاكل، أفق يا رجل واستيقظ، إنهم يتهمون ابنتك في عفتها ) ص 107.
هل كان هذا التحول مفاجئا أم متوقعا؟، وهل هذا التحول مبررا؟
القارئ الذي سيستعيد سيرة ومسيرة هذه السيدة في البيت الكبير، سيتأكد أنها تحملت ما فوق طاقتها من معاناتها مع هذا الزوج، وتحملت ما لم يتحمله بشر من أجل إبنتها، وحتى تضمن أنها ستتزوج بمن لا يعايرها بالتفسخ العائلي لأسرتها، كان من الممكن أن تنسحب من البيت الكبير ومن هذا الزوج، ولكن الشيء الوحيد الذي منعها هو خوفها على ابنتها ومستقبلها، وهي تضحية كبيرة لا يقدر عليها أي إنسان، وعند أول تهديد لإبنتها انفجرت في وجه زوجها كالبركان الثائر، واخرجت كبت كل السنوات التي قضتها معه.
2 – تحول شخصية مهرة أيضا، فهي قبل إسماعيل جعفر شيء وبعده شيئا آخر، وقد رصدنا هذا من قبل في سياق عرض شخصية مهرة، وهذا التحول دفعها لأن تكون هذه المرة أكثر إيجابية وأصبح لها موقف من الحب ومن الحياة ومن حق الفتاة في التعليم والعمل والخروج واختيار شريك الحياة، كل هذه المعاني تتجسد في حثها رقية على الهروب من البيت الكبير، ولا تلقي بنفسها في أحضان عريس لا تحبه.
..................................................
الأحلام والكوابيس :
من أكثر الشخصيات معاناة في هذه الرواية، شخصيتي رقية ومهرة، تعانيان من آلام نفسية مبرحة وشروخ في الروح، ولذلك كانت الأحلام والكوابيس تزورهما باستمرار، كتنفيس ومحاولة للاستواء النفسي، ويمكن للقارئ أن يراجع تلك الأحلام والكوابيس، وسنشير إلى اثنين لرقية، الأول ص ص : 43 – 44، والثاني : ص : 102، وسنشير إلى واحد فقط لمهرة ص ص : 80 - 81، ويمكن للقارئ أن يستعين بفرويد وتلميذيه يانج وأدلر في فك طلاسم هذه الأحلام وعلاقتها بمعاناتهما النفسية.
ويمكن أيضا مراجعة حلم زينة الأقل معاناة من مهرة ورقية، ص : 106
........................................................
وأرجو أن أكون في هذه المقاربة قد نثرت بعض قطرات الضوء حول هذه الرواية البديعة والماتعة والمائزة، كما أرجو أن أكون عند حُسن الظن وعلى مستوى الثقة ومن الله التوفيق.
مجدي جعفر
العاشر من رمضان
في 10 / 1 / 2025
وتأتي مقاربتنا في رواية ( الحرير المخملي ) وهي رواية كنائية قصيرة تقع في ( 126 ) صفحة من القطع المتوسط، وعولجت دراميا، وتم تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني، تم بثه للمشاهدين عبر قناة النهار وغيرها.
قسمت الكاتبة الرواية إلى سبعة فصول، ووضعت لكل فصل عنوانا، وجاءت العناوين كالتالي : تنويعات على موت الجد، الضيف، الشك ثم الخلاص، سلطان الهوى، الانتظار، الرحيل، الاستسلام.
استفادت الكاتبة من أدب المذكرات في كتابة روايتها، وكان البوح حاضرا بقوة في معظم فصول الرواية، وكل الفصول جاءت على لسان رقية محمود عبدالرحيم فاضل التهامي، وبضمير المتكلم، وهو الضمير الأنسب للبوح والفضفضة، ويناسب أدب المذكرات الذي انتهجته الكاتبة، وصرحت به في نهاية الرواية في فصل ( الاستسلام ).
فتقول في نهاية رواينها :
( ولأول مرة وجدتني أمسك القلم وأكتب وأكتب طوال الليل، أكتب عن كل شيء صادفني في حياتي، وعن ذكرياتي بالبيت الكبير وعن الحب والرغبة والحرية ) ص 126.
وتوسلت الكاتبة في إثراء روايتها بالفنون الأخرى، وكانت حاضرة بقوة مثل الفن التشكيلي والشعر والغناء والرقص، وسنوضح ذلك تفصيلا لاحقا.
وقدمت لنا هذه الحفيدة كاتبة المذكرات ثلاثة أزمنة وثلاثة أجيال، وكانت الكاتبة ذكية وحداثية في آن عندما جعلت الحفيدة رقية تتحدث بصوتين، الصوت الأول هو صوت رقية وهي دون الخامسة عشر، سن البواكير وتفتح الوعي وخبرات الحياة القليلة، والصوت الثاني وهو صوت رقية التي نضجت واستوت، وعركتها الحياة، وأصبح لها رؤاها وقناعتها، وتضع هذا الصوت الناضج بين قوسين ( .... ) والاشارات والتعليقات التي بين القوسين تثير انتباه القارئ، وتوقظه بقطعها لسرد رقية قليلة الخبرة، فتجعل القارئ يعاود التأمل والتفكير.
المكان : القرية المصرية الأشهر بمحافظة الشرقية، وبمصر كلها، قرية ( هرية رزنة ) والتي إذا ذُكرت ذُكر الزعيم أحمد عرابي، والجد الأكبر للحفيدة رقية ( الشيخ التهامي ) من أخلص خلصاء الزعيم، فعمره من عمر الزعيم وداره متاخمه لداره.
والمكان بصفة عامة يؤثر في الشخصيات، فالصحراء أوجدت لنا البدو، والبحر أوجد الصيادين، والنهر أوجد الفلاحين، فالمكان يلقي بظلاله على الشخصية، ورقية سليلة عائلة إقطاعية، يرثون أبا عن جد عشرات الأفدنة من الأراضي المنزرعة والمزارع وزرائب الماشية من الجاموس والأبقار والأغنام، وبين عائلتها والفلاحين الأجراء مسافة واسعة،غير مسموح بتجاوزها، وعادات وتقاليد متوارثة من جيل إلى جيل وراسخة رسوخ الراحتين في الأصابع، ويحافظون عليها بكل ما أوتوا من قوة.
وبيت العائلة الكبير يضم بيئات ثقافية متعددة، تمثل بعض أطياف المجتمع المصري، فالجد ( عبدالرحيم فاضل التهامي) مغرما بالنساء، فتزوج أول ما تزوج من عطية، والتي يناديها بعطيات، وأنجبت له محمود والد رقية، ولكنه سرعان ما تزوج عليها بحبشية، تعرف عليها في إحدى جولاته السياحية بالأقصر، وهي نوبية، وأنجبت له مهره، وزهدها وأمرها بعد أن أنجبت له البنت أن تعقم نفسها، فعرف أن حبشية من عائلة لا تنجب سوى البنات، وماتت أثناء عملية التعقيم، وتزوج بثالثة من بحري ( حسيبة ) :
( لسانها يجري برطب الحديث، كانت فاكهة استوائية لا تكف عن طلبها وتذوق حلاوتها، وكان جدي يعشق حكاياها وأسمارها ) ص 11.
وأنجبت له ( زينة )، التي ورثت جمالها، وتطلعها إلى الحياة، وأصرت على أن تكمل تعليمها، وعرفت كيف تقنع الجد بأهمية الخروج والعمل، وعملت بالصحافة، ولم تحتمل عطية / عطيات أفعاله وتصرفاته، أصيبت بجلطة، وصارت قعيدة على كرسي متحرك، وزينة في رأيها مارقة، وخارجة على الجماعة، ورثت طباع أمها حسيبة، ماكرة وأريبة، عرفت كيف تتسلل إلى قلب الجد وتطرد ما عداها.
عطية / عطيات التي جاء لها الجد بضرتين، ولم تحتمل، فشُلّت.
والطامة الكبرى أنه بعد موت الجد بأسابيع، جاء من يزعم بأنه ابنه، وأن والده أوصاه بعد موته بضرورة أن يذهب إلى القرية والتعرف على إخوته من أبيه، وهذا الغريب هو رءوف، ورفضت الجدة الاعتراف به، ووافقتها مهرة، التي احتضنتها عطية / عطيات بعد موت أمها، فهي يتيمة، وتمارس سطوتها عليها، وهذا الخبر كاد أن يودي بحياتها، ورأت الشماتة في عيني زينة، وهي أول من فرحت ورحبت به، وكانت رقية أكثر فرحا بعمها الجديد، وذهب محمود ليستوثق من صحة هذا الخبر، تقول عطية / عطيات :
( أخفى سر زواجه بتلك المرأة وهي التي غالبت المرأة التي بداخلها وارتضت أن تعيش مع أخريات يشاركنها رجلها وفراشها .. لماذا آثر التكتم طيلة تلك السنين العجاف التي أهملها وتركها لمرضها وعجزها رغم أنه السبب فيما آلت إليه من ضعف وعجز وهوان، افعاله تسببت لها في جلطة جعلها قعيدة الكرسي المتحرك.
نسي أنها الأساس وأنها من علمته كيف يقضي شهوته ووطره )
وزادت كراهيتها له ولا تطيق أن تسمع اسمه.
وأصبح البيت الكبير يضم : عطية / عطيات الزوجة الأولى للجد، وابنها محمود والد رقية، ومهرة ابنة حبشية وتمثل ( النوبة )، وزينة ابنة حسيبة وتمثل بحري، ورءوف ابن دنيا ويمثل الإسكندرية، والمفروض أن تنوع هذه البيئات الثقافية أن يكون إضافة ونعمة ويثري الحياة في البيت الكبير / الوطن، ولكنه للأسف كان نقمة، فكان التنافر، والصراع الخفي والمعلن بين القديم والجديد، بين التيار المحافظ والتقليدي الذي يمثله محمود وأمه عطيات، والتيار الجديد المعاصر والذي تمثله زينة ورءوف ومعهما رقية.
تعريف موجو بالشخصيات التي تعيش بالبيت الكبير :
1 - محمود والد رقية وهو ظل لوالده، فعلمه الاستكانة والمخادنة، لا يعترض أبدا على والده، يقدم له فروض الولاء والطاعة، تقول رقية :
( كنت أتمنى أن يثور أبي على مكانته بالبيت الكبير ويتمرد على جدي ونترك البيت إلى شقة صغيرة ويستغل أبي أنه موظف حكومي في منصب كبير يستطيع الاستقلال عن جدي، لكن أبي بطبيعته لا يحب المغامرة )
ويمكن إيجاز أزمته :
1 – رفض والده أن يتزوج بأول فتاة أحبها واسمها مريم، بحجة أن أمها تطلقت منذ ان كانت صغيرة، ورأى الأب أنها غير جديرة بإبنه، ومريم هذه لم تبرح قلبه ولم تفارق خياله أبدا.
2 – حرّم عليه قراءة دواوين الشعر، وقرضه، فكيف يلقى الله وهو من الغاوين.
.....................................................
2 – أم رقية ( زوجة محمود ) :
تقول رقية :
( أمي ظل باهت لجدتي عطية، تشبه أبي في خضوعه لسطوة جدي لكن بصورة مبالغ فيها، لذلك جدتي تحبها وتعتبرها ابنة حقيقية ولم أشاهد أو أعايش إشكالية الكنة والحماة بينهما )
( لم أرها تتزين ولا تعير لمفاتنها أي اهتمام، كأنها ترى نفسها عورة آثمة، تحاول أن تتوارى بثوب الاحتشام، وعدم الخضوع بالقول حتى مع أبي حتى لا يتهمها سرا أنها تشبه الغانيات اللائي يظهرن بوقاحة مفتعلة في أفلام الأبيض والاسود ) ص 20.
فهذه المرأة في حالة وأد مستمر لرغباتها، وتتبع زوجها كالخادم المطيع، وتعرف أن قلبه مازال معلقا بمريم، رغم أنها تزوجت وهاجرت مع زوجها رجل الأعمال إلى أمريكا.
( كانت تشعر بغريزتها كإمرأة أنه يأخذ وطره منها ويتركها لأحلامه التي تيقن أنها تخص مريم فقط ولا يسمح لها أن تدوس أرض أحلامه )
وعن مبررات عدم تمردها تقول رقية :
( اكتشفت أن أمي تفهم أبي جيدا .. وإن أبدت سذاجة وطيبة تجعل أبي لا ينتبه لوجودها، لا تريد أن تشوه الصورة العائلية التي تربت عليها، حتى تضمن أن أتزوج ذات يوم برجل لا يعايرني بتفسخي العائلي )
....................................................
3 – شخصية مهرة :
من أجمل الشخصيات التي تناولتها الكاتبة، تلك النوبية العاطلة من الحُسن، وانضمت إلى طابور العوانس لعدم رغبة الرجال فيها،وعندما تقدم لها كلافا كان يعمل لديهم، كاد والدها أن يقتله بالبندقية الروسي التي ورثها عن أبيه، وطرده شر طردة.
متوسطة الذكاء، بالكاد أتمت تعليمها في المرحلة الإعدادية، عقلها كما تقول رقية في يدها :
( تطرز وتحيك الملابس وتنكفئ على ماكينة التريكو الخاصة بها، تستمتع وهي ترى رسوماتها العفوية الفطرية على ستائر البيت الكبير ومفارش مائدة الطعام والطنافس المزركشة المتناثرة في أركان البيت، ولم تبخل على غرف البيت بمفارش السرير المبهجة ) ص 62.
كان رءوف يراها فنانة بالفطرة، ويحاول أن يمد لها يد العون والمساعدة، فيقدم لها أثواب الحرير من أجود الأنواع، وتعيش على أمل أن يأتي رجل ينقذها من طابور العوانس وتمنحه كل ماتملك، وترى بأن بشرتها الشديدة السواد هي السبب، وكان رءوف هو الوحيد الذي أحس بها وبحقها في الحب والرعاية وتطلعها إلى الزواج وتشوقها أن تكون أما، وكأن هذا الرءوف كما تقول رقية :
( ربما ثقب جدار غرفتها ذات ليلة وطالعها وهي تبكي وتغرق في دموعها وتنتحب ليلا عندما تفاجأها الآم الدورة الشهرية وتخشى أن تتجاوز مرحلة اليأس وتصبح عقيما قبل الزواج، وتتقافز الأسئلة الموجعة والرغبات الحميمة ويختلط الحزن بعجينة الرغبة والشهوة، ويسكتها صوت ضميرها الذي يجأر ويستجدي في فلوات الصبر، يمضي النهار عليها وهي كما هي لا يتبدل حالها. البنات في القرية تكبر أثداؤهن وتشيل بطونهن، ويلدن ويكبرن ويتسلل الصغار إلى المدارس وساحات اللعب وهي كما هي، ترمقهن من خصاص شباكها العالي )
وجاء إسماعيل جعفر من أب سوداني وأم إنجليزية، سليل أسرة عريقة، تعلم في جامعة كمبردج، فنان تشكيلي وشاعر، استقر في القاهرة، تعرفه المنتديات الثقافية والفنية والأدبية، ورث ملامح أمه، صديق رءوف الفنان التشكيلي، لم يخف عن رءوف معاناته مع أهله في السودان وعدم ترحيبهم به، ولم يخف عنه رءوف هو الآخر معاناته مع أهله في البيت الكبير، وعدم ترحيبهم به أيضا، وبينما يتحدث معه عن مهرة، دق قلبه وانتفض واقفا، رآها فنانة حقيقية، وأصر أن يخطبها رغم محاولة رءوف تبصرته بخطورة ما يقدم عليه، وطلب أن يراها، وأقنع رءوف بأن مهرة هي من يبحث عنها، وجرب الزواج من قبل أكثر من مرة ولم يوفق، فمهرة هي نصفه الثاني الذي يبحث عنه، وأغمى عليها ورءوف يطلب رأيها، فلم تصدق أن هذا الأشقر صاحب العينين الزرقاوين طلبها للزواج، وتنظر في المرآة غير مصدقة أن بها مسحة من جمال، وأن هناك من أعجب بها، ويرغب فيها، واشترى لها شبكة من الألماظ، واختار لها فستانا بلون اللازورد الشفاف، ولف رأسها بغطاء سماوي حتى بدت كأميرة من أحراش إفريقيا، ويتم تحديد موعد عقد القران والزفاف مع أول الشهر العربي، ويذهب إسماعيل في مهمة إنسانية إلى السودان برعاية الاتحاد الأفريقي، ويُقتل هناك، وتصاب بمس من الجنون، وقال الأطباء النفسيون الذين يباشرون حالتها المتدهورة، إنها حالة ميئوس من شفائها، وتحتاج إلى معجزة، فحينما وصلها الخبر :
( حفرت حفرة كبيرة بفناء البيت الكبير ودفنت كل مفارشها وأهالت التراب عليها وظلت تخبط وتدق بقدميها، كأنها تدفن حبيبها اسماعيل وتواريه الثرى، تحثو على قبضات من رمل وتراب حتى وقعت وانتفض كل جسدها وغابت أياما كثيرة عن الوعي ) ص79.
ولم تصدق أنه مات، فتروح تبني قصورا في الهواء، وتتخيل أطفالها من إسماعيل يمرحون بالقرب منها، وتظل لساعات طويلة بدون طعام تنتظر عودته من العمل، ولكنه لن يأتي.
...................................................................4 – شخصية زينة :
زينة بنت الزوجة الثالثة حسيبة، وحسيبة في رأي عطية / عطيات، ماكرة وأريبة، ولحست عقل الرجل، وتربعت في قلبه، وزينة في رأيها سهم مارق عن الجماعة، ومتمردة، ونجحت في إقناع الرجل بأن تكمل ابنتها تعليمها العالي، ولم تكتف بذلك، بل نجحت في إقناعه أيضا بالخروج للعمل، والعمل في الصحافة، وزينة لا تحب عطية / عطيات، ولم تخف شماتتها فيها وهي تصرخ وتولول عندما علمت بإخفاء والدها زواجة للمرة الرابعة من سكندرية وأنجبت منها عمها رءوف، وكانت أول من رحبت به، وقالت لأخيها الأكبر محمود التي على خلاف دائم معها :
( سوف أساند رءوف بكل قوتي ولن أخذله، إنه أخونا ويجب أن نعترف بذلك، لن يضيرك شيء إن ساعدته على تنفيذ وصية أبينا الذي صعدت روحه للسماء ) ص 42.
وخطبة إسماعيل جعفر لمهرة كان زلزالا لكل من بالبيت، ومنهم زينة، والتي راحت تضرب أخماسا في أسداس، غير مصدقة أن الشاعر الفنان المعروف يطلب يد مهرة للزواج، فتارة تتهمه بالجنون، وتارة أخرى تتهمه بأنه يبحث فيها عن قصيدة، وعندما يكتبها سيتركها حتما، وتارة ثالثة تتهمه بالشذوذ، وأخذت تراجع نفسها، وهي على وشك أن يدهسها قطار العنوسة، وطلبت إجازة من الجريدة التي تعمل بها، هل حقدت على أختها مهرة الكائن المهمل بالبيت؟ استعاذت ربها من شيطان النفس، واستغفرته، ورأت نفسها مثل إخوة يوسف، ولجأت إلى مذكراتها، وراحت تفتش في ماضيها، وتستعيد ذكريات حبها الأول.
= عندما أتمت عامها السابع عشر وقعت في هوى حمدي، شقيق زميلتها كوثر الذي تطوع بتوصيلهما يوميا إلى مدرستهما الثانوية بالزقازيق، حيث كان يعمل نائبا للأمراض الصدرية بالمستشفى العام.
كانت تراه فتى أحلامها، وتمني نفسها باليوم الذي يطرق فيه بابها حتى جاء اليوم الذي قال لها فيه في لحظات من الحب والصفاء :
-المرأة التي سوف أتزوجها لن أسمح لها بأن تطأ بقدمها الشارع، سأنزلها في قلبي كالأميرة وسأنثر حولها الخدم، ستكون شهرزادي أنا، أنا فقط.
-هل هذا هو الحب في نظرك؟ نحيا ونموت كالأنعام، نصبح بهائم في حظيرة الزواج!
-أشد ما يقلقني في المرأة أن تفكر، التفكير ليس جيدا لبشرتها وجمالها، يكفيها عبء الحمل والوضع.
-تريدها خاضعة دوما.
-أحيانا الخضوع يضفي جمالا ملائكيا على المرأة، لا أحب أن تعمل المرأة، سرعان ما تتحول إلى جنس ثالث، وأنا لا أطيق تلك الفكرة.
-جنس ثالث؟!
-أنت مازلت صغيرة، أصيخي السمع إلى نساء العالم آلان، كلهن يردن العودة إلى البيت وأحضان الرجال، انظري إلى كعوبهن المتشققة، وأيديهن الخشنة وصدورهن المهدولة وبطونهن المتدلية، لقد فقدن مقومات الأنثى.
-والرجل ألم يفقد عرشه بعد وصار ضبعا في مملكة النساء؟
-أنت جريئة، بل ...
وانقطعت علاقتها بكوثر وأخيها، وأزمة زينة منذ صغرها في إعمال عقلها، ولا تريد أن تكون إلا هي، وعقلها وتفوقها في عملها بالصحافة وترقيها وصعودها بسرعة الصاروخ جعل الزميلات يحقدن عليها ويطلقون عنها شائعات مغرضة، وجعل الزملاء الذين تفوقت عليهم يتخذونها ندا ورغم جمالها يخشون التودد إليها والزواج منها، فهي لا تقدم أي تنازلات، ولا تستغل أنوثتها وجمالها للإيقاع بعريس، وتميل في لبسها إلى الاحتشام.
والمرة الثانية التي أحبت فيها بصدق، عندما كانت تحبو في سنواتها الأولى بالجامعة بكلية الاداب قسم الصحافة، كان يكبرها ببضع سنوات، من أب فلسطني وأم مصرية، ثائرا ومتمردا، دعاها أكثر من مرة لتنضم إلى الجماعة التي كونها، رفضت خوفا من بطش الجد إذا خالفت تعليماته، فحذرها من الدخول في السياسة، وإلا سيكون مصيرها الحرمان من التعليم والحبس خلف جدران البيت الكبير، وذهب حبيبها إلى القدس وفي يده حجر بعد أن انضم إلى منظمة فلسطين الحرة، وقبل أن يلقي بالحجر في وجه المحتل كانت رصاصاته أسرع، مات شهيدا، بكته كثيرا، وأغلقت قلبها عليه.
..........................................................
5 – شخصية رءوف :
من أم سكندرية رآها الجد ترقص على الشاطئ في إحدى الأماسي الشتوية.
( شعرها الثائر فوق جبينها المنسدل في إهمال على ظهرها جعل جدي يرتد إلى غابات الحب الشبقي ويتمنى لو ركض فيها يغتسل من أنهارها ويزور روضة العشاق الذين يختبئون خلف القصائد ويمتطون جياد الدهشة في الليل السائر ) ص 25.
تزوج الجد بدنيا بعد شد وجذب واقبال وإدبار، أنسته حسيبة وسطوتها، وتناسى جبروت عطية / عطيات، وسقطت حبشية من ذاكرة قلبه، أنجبت له رءوف، واشترى لها فيلا أنيقة، وأوقف لها خادمتين، ولم يستجب لرغبتها أن ترحل معه وتعيش في البيت الكبير، تخرج في كلية الفنون الجميلة، ويريد أن يحترف الرسم، رفض العمل في الأرض، وباع نصيبه لأخيه الأكبر محمود، ولكنه تمسك بنصيبه في البيت الكبير، قوبل في البداية بالرفض التام من عطية / عطيات، ومحمود، ومهرة، ولم يعترف به ويقف إلى جواره سوى زينة، واحبته رقية، ورأته أفضل رجل في الدنيا :
( كان عمي أفضل رجل رأيته في حياتي، فهو يفعل كل ما يريده، وليس لأحد سطوة عليه، يرسم ويسافر ويعرض لوحاته، ويحضر ندوات الشعر وعضو فعال في منتديات الحياة الثقافية بالقاهرة، .. )
..................................................
6 – شخصية رقية :
علاقتها بالجد :
( لم أكن أرى جدي إلا رجلا فظا غليظ القلب بيده سوط غير حقيقي يلوح به مهددا إيانا )
( كانت محاولة يائسة مني ذات يوم عندما ألححت في طلب مدرس خصوصي لتعلم قواعد اللغة الفرنسية التي تخاصمني حروفها الثقيلة على لساني وتجعل زميلات الفصل يضحكن من قلوبهن، وعندما رفض شعرت بسوطه يرتفع في فضاء الغرفة ليرقد على ظهري في وحشية بالغة وأمرني أن أذاكر بمفردي وإلا فجدران البيت أولى بي )
وعند موت الجد تقول :
( الدنيا سوف تستريح من صخبه وصراخه وأوامره ونواهيه، هذا لا .. وذاك مستحيل، ذلك لا يجوز أبدا .. المهم عنده أن تمر تعليماته إلى عقولنا ونستوعبها حتى تطبعها ذاكراتنا المحدودة لأنه من خالف نهجه وطريقته المستقيمة، فالعاقبة ستكون الحرمان من صكوك الغفران المجانية والعطاءات الموسمية وهبات الفدادين الخمسين )
وعن الجدة والأم تقول :
( أوصت جدتي أمي أن تقسو علىّ حتى لا يزداد إعوجاجي وأن الشدة تلزمني بعد أن فار جسمي وأصبحت مؤهلة للولوج إلى عالم النساء – أقسمت أمي إن لم ألزم الطريق المستقيم واصيخ السمع لها فسوف تقوم على الفور إلى المقص الحديدي وتقص شعري الذي يميزني ويجعلني أختال بجمالي، قص الشعر عقاب متوارث في عائلتي لمن تشذ عن القطيع )
وتقول في موضع آخر :
( أمسكت يدي تقودني كبهيمة صغيرة إلى مذودها )
منعني أبي من الخروج بعد الانتهاء من دراستي
-ليس هناك مبرر لدخولك وخروجك مثل بندول الساعة.
-أريد أن أعمل يا أبي.
-لا عمل لا خروج، لن أسمح لك أن تكوني نسخة مكررة من زينة.
تقدم مدحت بن الحاج الهواري عضو مجلس الشعب لخطبتها، رحب الأب على الفور، وفرحت الأم، وباركت الجدة هذا الزواج، ورقية لا تطيق مدحت، غليظ الملامح والطباع، متعته الحقيقية في الطعام، لا يقرب كتاب أو جريدة، يقول لها :
( الطاعة، الطاعة العمياءهي التي تزين المرأة، أكره الجدل والسفسطة وأحرق المرأة المتحذلقة المتفلسفة، والطلاق عندي أهون من الزواج ) ص 94.
وقدمت الكاتبة ببراعة شخصية مدحت العنين، وتحولاته ما بين طرفة عين وانتباهتها إلى مائة وثمانون درجة، وعاشت أياما سوداء على يده ويد حماتها، واستخدام أسلوب الترغيب قليلا وأسلوب الترهيب كثيرا، ومعاناتها الشديدة من عجزه ومحاولات إثبات رجولته، حتى أنها تمنت بصدق الموت لها أو له حتى تستريح من هذا العذاب، ويحقق لها القدر هذه الأمنية على يد شحاذ، وتتهمها حماتها بأنها من دبرت مع عشيق لها قتل ابنها، ويأتي رءوف ليرفع قضية سب أمام المحكمة، وتتأكد المحكمة بعد إحالتها إلى الكشف الطبي أنها مازالت عذراء.
وتعود إلى البيت الكبير، كإمرأة صغيرة وتحمل لقب أرملة، وتستعيد نزق الطفولة وعلاقتها بالولد مروان، الذي يهديها كراسة فيها أشعاره، ورسوماته الملونة، ويمنحها قبلة، ويقسم عليها بألا يفترقا، ويطلب منها أن يلعبا عريس وعروسة، فتفر من أمامه، وتحذرها أمها من هذا الولد ابن حلاق الحمير، فهو يريد غوايتها، كان يحمل في راسه أفكارا غريبة، وينطق لسانه بأحاديث غير التي أسمعها ممن حولي،
........................................................
شخصية فارس :
الأخ الأكبر لرقية، ويعيش بالقاهرة وحده في شقة واسعة، يعيش حياة مترفة، يدرس الطب وسوف يرفع اسم العائلة عاليا، يد الأب مبسوطة نحوه على الدوام فهو الزعيم المرتقب لهذه العائلة، استنجدت به رقية ليقنع والده بأن يحل وثاقها من مدحت قبل الزواج، رفض وعنفها، فلن تجد أفضل منه.
وقع في غرام سائحة أمريكية بالأهرامات، بارك الأب هذه الخطوة وطالبه بأن يتعجل في الزواج منها، ستجدد دماء العائلة، وفي هذا الزواج فوائد جمة للعائلة، عارضت زينة هذا الزواج غير المتكافئ، عنفها شقيقها محمود واتهمها بالحقد والغيرة والحسد لكونها عانسا.
( المدهش حقا ان أخي يعرف تماما أن فتاته ليست عذراء، وانها صادقت بعض الرجال منذ أن كانت في السادسة عشر من عمرها، ولم تحاول إخفاء أي شيء عنه فهي تمقت مؤسسة الزواج وتراها وهما كبيرا، .. ) ص 122
وتم الزواج سريعا، ولم تمر أيام قليلة حتى انتابت ( إيمي ) حالة من النفور من فارس، وأعلنت عن رغبتها في الطلاق، وأخبرته بأنها أجهضت جنينه منها، وكان انقلابها عليه ونفورها منه أنها رأته يستغلها، ويريد أن يتخذها سلما للحصول على الجنسية الأمريكية والعيش في كنفها!
لعل القارئ يكون قد استشف من خلال هذا العرض الموجز للشخصيات، اهتمام الكاتبة وعنايتها برسم شخصياتها، فهي شخصيات من لحم ودم وأعصاب تنبض على الورق، ونحتت لكل شخصية تمثالا في قلب المتلقي، كانت قريبة من شخصياتها، عبرت عن أفراحهم القليلة وأحزانهم الكثيرة، عن تطلعاتهم وإنكسارتهم، أصغت إلى أوجاعهم الداخلية كما رسمت ملامحهم الخارجية، غاصت في نفوسهم وأخرجت المطوي والمسكوت عنه، قدمت ما يصطرع وما يشتجر في نفوسهم، وما يدور في عقولهم، حتى الأسماء كان لكل شخصية من اسمها نصيب، ولن يجد القارئ الصعوبة في مراجعة معاني الأسماء ودلالاتها ومطابقتها على صفات كل شخصية.
...................................................................
مسارات الرواية :
1 – المسار السياسي :
السياسة حاضرة دائما في أي منتج أدبي أو فني، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، والرواية كما قلنا قبلا هي رواية أجيال، وجد الراوية الأكبر من أصدقاء عرابي ومحبيه، فعمره يقارب عمره وداره تتاخم داره :
( يجلس الشيخ التهامي بين يديه ويصب عليه من الإبريق النحاسي ذي العنق الطويل الحاد ويقاسمه ماء الوضوء ويرتضي به إماما على طول الخط ويعتبره زعيم مصر العظيم. فهو الذي وقف وقفته الشهيرة أمام قصر عابدين وطالب بالحرية من الخديوي توفيق دون أن يأبه بالسجن أو النفي أو القتل غدرا ) ص8
ولا يمل الجد من تكرار حديثه عن ولسلي الجبان الذي اختار الليل ستارا يستتر به، واتخذ الخيانة أيضا طريقا إلى النصر ولا يفتأ يلعن خنفس باشا.
تقول رقية وهي تعبث بدرج مكتب جدها :
( وجدت خطابا موجها إلى جده من أحمد عرابي يتهمه بأنه خادم كسول ولا يستحق الأرض التي أنعم بها عليه وأنه على وشك ترك الجيش كعسكري نظامي كسول بليد لا يهمه سوى التطلع إلى عورات النساء وملء بطنه بفطائرالعسل الأسود! ) ص 9.
والرسالة تنسف الصورة الذهنية التي تكونت لدي المصريين عن عرابي، كأول زعيم وثائر في العصر الحديث، وعرابي ظُلم ظلما بينا وتم الافتراء عليه، واتُهم اتهامات باطلة كثيرة، ولسنا هنا في مجال الدفاع عن عرابي، وهذه الرسالة جعلت رقية تظن بجدها الجنون :
( أيقنت أن جدي خالي الوفاض من حكايات الشهامة والفروسية التي نعت بها جده وأبناء عائلته المقربين، حتى أنني لم أعد أصدقه عندما يحكي عن بطولاته في حرب فلسطين ..)
( لم تعد عيناي تدمعان من الدهشة ولا قلبي يزداد وجيبه وأنا أشاهد في عيني جدي بحور الدماء المدنسة الصهيونية التي لوثت الأرض المقدسة واختلطت بطينها المبارك، حتى موضع الرصاصة التي اخترقت كتفه الأيسر لم تكن دليلا دامغا على صدق بطولاته )
فهي تشكك في بطولاته، فجدها كان مغرما بصيد البط، وأغلب الظن أنها جاءت من مسدس شقيقه عن طريق الخطأ، فهم لم يقدموا لفلسطين غير الكلام وإدعاء فروسية وهمية وبطولات زائفة، والقضية الفلسطينية لم تغب عن الكاتبة فتجسدت أيضا من خلال حبيب عمتها زينة وفارسها، وهو الفلسطيني الأب والمصري الأم، الثائر والذي يدعو لقضية بلاده في الجامعة المصرية، وينضم إلى حركة فلسطين الحرة، ويذهب إلى القدس وفي يده حجر، وقبل أن يلقيه في وجوه المحتلين الصهاينة كانت رصاصاتهم الغادرة أسرع، وأردوه قتيلا، ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه من بين السطور، ومن خلف المعنى المباشر لألفاظ وكلمات وجُمل الكاتبة،هل قامت السلطات العربية والإسلامية بواجباتها نحو فلسطين أرضا وشعبا؟
= وتشير الكاتبة إلى عملية التهجيرالقسري والجبري لأهل النوبة لبناء السد العالي في ستينات القرن الماضي.
= وتشير أيضا إلى هموم أهلنا في السودان، والحروب الأهلية والنزاعات العرقية والطائفية، من خلال سليل عائلة الأسرة الميرغينية العريقة في ولاية كسلا والمعروف عنها نشر الإسلام والاهتمام بدراسات اللغة العربية والقرآن، وتجسد هذا في شخصية إسماعيل جعفر والذي قتل وهو في مهمة تقديم المساعدات الإنسانية إلى أهل مدينة الفاشر، برعاية الاتحاد الأفريقي وتم الاستيلاء على القافلة وقُتل كل المرافقين لها.
.................................................
المثقف والسلطة:
وتثيرالرواية أيضا قضية المثقف والسلطة، وهي قضية شائكة ومعقدة، ولعلنا نتذكرمقولة شاوشيسكو :
( كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي!! )
المثقف دائما في طليعة المجتمع، وكل الثورات التي قامت في العالم بشر بها الأدباء والكتاب والشعراء والفنانون، ومن هذه النماذج الشاب الفلسطيني الأب من أم مصرية، تقول عنه زينة :
( لم يكن شاعرا ولكنه يتحدث كالشعراء )
( في حديثه ثورة )
( لا يحب مدح الحكام ويعتبرها رزيلة ومفسدة )
وكان إيجابيا، كون جماعة بالجامعة، وانضم إلى حركة فلسطين الحرة )
ومن هذه النماذج أيضا إسماعيل جعفر الشاعر والفنان التشكيلي الذي حمل قضية أهله ووطنه ( السودان ) ولم يكتف بالتعبير عنها شعرا ورسما ولكنه ذهب في قافلة كبيرة بطعام ليشبع بطون جائعة، وخيام ليأوي المشردين والمهجرين، وبدواء ليعالج الجرحى والمرضى، إنه الفنان الإنسان الذي يُقتل وهو يؤدي مهمة إنسانية نبيلة.
وأيضا رءوف المثقف والفنان التشكيلي:
تقول رقية في مذكراتها :
شعر أبي أن عمي رءوف يتحدث عن الاشتراكيين الذين يمقتهم طوال حياته، فهم يثرثرون كثيرا ويتحدثون عن الحقوق والتعاونيات بين الدولة والفرد حتى يذوب الفرد في ملامح الدولة، لكن حلولهم المطروحة لا ترقى إلى مستوى الواقع والتنفيذ.
أما عن أبي زينة ورءوف وهو من علية القوم ومن الأثرياء، يقول لزينة محذرا :
-إياك وحقل الألغام.
-ماذا تقصد يا أبي؟
-السياسة، لا تدسي راسك الصغير قي السياسة ولا تلقي برأيك جزافا والتزمي الصمت وعيشي أيامك كحمل وديع حتى تسلمي من الذبح.
ويحذرها :
-لا يجب الدخول مع السلطة في مناوشات.
وتقدم لنا الكاتبة شخصية الحاج الهواري عويس نموذجا لعضو مجلس الشعب المعاصر، الانتهازي ونهاز الفرص، بلا مؤهلات علمية، ولا ثقافية، لا رؤى لديه ولا حلول لمشاكل الدائرة، وخشية أن يرسب في الدورة القادمة طلب يد رقية لابنه مدحت، حتى يضمن مساندة والدها وأقربائه له ويضمن النجاح، ووجدها محمود والد رقية صفقة معقولة، فقد تتيح له صلة النسب الجديدة التفكيرفي السياسة وترشيح نفسه هو الآخر في الدورة بعد القادمة.
( إن زواجك هذا سوف يتيح لي والعائلة انظلاقا وحيوية .. ربما أرشح نفسي لعضوية مجلس الشعب، وربما أغدو سياسيا وربما أكون معارضا شهيرا، السياسة في بلدنا لها مذاق آخر.
لم يكن احتراف السياسة من هوايات أبي غيرأن ظهور الحاج الهواري عويس قد أربكه وجعله يعيد ترتيب أوراقه، ويدرك أن الفشل الذي حققه في الشعر لا يمكن ان يلحق به في السياسة، السياسة لا تحتاج إلى المعرفة بالأوزان والبحور وقواعد الصرف والنحو، ولكنها تحتاج إلى مال ونفوذ ودهاء )
والحاج الهواري عويس، مراوغ، وزئبقي، وأنفق مبالغ طائلة على مدى ثلاثة أيام الفرح، وتمنى أهل القرية لو استمر الفرح شهرين بدلا من الأيام الثلاثة، والحاج الهواري يعلم تماما أن الأموال الكثيرة التي أنفقها في الفرح لا تساوي شيئا بما ينفقه في الدعاية الانتخابية.
= وتقدم لنا شخصية مروان الذي تخلى عن الشعر والرسم وحلمه في تغيير الأمة، فكان يحدثها عن غاندي في أسماله الفقيرة وتغييره لأمة باكملها، ومحمد الفاتح والإسكندر الأكبر، كان لايخجل من فقره، ولكنه تخلى عن كل ذلك بعد أن توسط له أحد الضباط الكبار ليلتحق بالكلية الحربية إكراما لخدمة أبيه له، ولاف على واحدة من علية القوم ليواصل رحلة الصعود، ليصبح واحدا من البكوات والبشوات الجُدد!
...................................................
2 – المسار الثقافي :
تميزت هذه الرواية بحضور كثيف للشعر والفن التشكيلي والرقص، فمن شخصيات الرواية الشاعر والفنان التشكيلي والراقصة.
= مهرة فنانة بالفطرة، وتصنع من الحرير المخملي الستائر ومفارش السرير ( حتى أنها صنعت مفرشا للسرير عكفت عليه سنة كاملة طرزت عليه قصة حسن ونعيمة ) ص 18
= واسماعيل جعفر شاعر وفنان تشكيلي، وتعي الكاتبة العلاقة الوثيقة بين الفن التشكيلي والشعر، وطبيعة الشاعر والفنان المختلفة، فتقول عنه :
( كل إمرأة تفشل في الغوص في حناياه وتفهم روحه كفنان يعشق الرسم على الزجاج وينشد أشعاره في حروف مدلاة من مغرفة الألوان الشفيفة المعجونة بالحنظة وحبوب البركة السوداء وطين الأرض اللزج الذي مازال متعرجا وموجودا في ربوع بلاده )
وعن الحالة المزاجية :
( استقر بمصر – يجلس مع نفر من مجانين الشعر والرسم )
= ورءوف فنان تشكيلي ومثقف، وفي سبيل حبه للفن، تخلى عن أرضه طواعية لأخيه، وتفرغ للفن، يسافر ويعرض لوحاته، ويقول :
( لولا مسة الجنون تلك ما كان هناك شاعر أو تجرأ شخص على إمساك الفرشاة وتلوين الصفحات الشاهقة البياض بالهلاوس والخيالات الفنية.
وافتتان رءوف بالفلاحات اللاتي يعملن جنبا إلى جتب بجوار الرجل، ورسم لوحة واقعية تعبر عن الأجراء الذين يعملون بكد تساعدهم بعض النسوة، وهم يدوسون بحرص في جداول الأرز حتى لا تتكسر داليات الأرز وهم ينقون الحشائش المتطفلة.
وتتناثر في جنبات الرواية أسماء بعض الفنانين العالمين أمثال جوبا وسلفادور دالي وغيرهما.
وكان من البدهي أن تقدم الكاتبة الكثير من مشاهد الرواية على شكل لوحات تشكيلية.
= وهناك أيضا شخصية محمود والد رقية الذي يقرض الشعر سرا، فالشعر في البيت الكبير من المحرمات، وقدمت الكاتبة ببراعة معاناة الشاعر أثناء الكتابة، وطرقه أبواب دور النشر، وهي في الواقع تقدم معاناة الأدباء الجُدد في نشر إبداعاتهم، مما يضطرهم إلى نشرها على نفقتهم الخاصة، وهذا ما فعله محمود الذي ظل يكتب سرا الشعر بعيدا عن الأعين، وبموت الأب أراد أن يعلن عن نفسه كشاعر، وأصدر ديوانه الأول على نفقته الخاصة، وكان يظن أنه فارس الشعر القادم بقوة، وصدر ديوانه ولم يُشر إليه بخبر واحد، فمحمود توقف عند كتابة الشعر العمودي، وما كتبه مجرد كلام مرصوص، لا روح فيه.
والكاتبة تورد في ثنايا الرواية الكثير من الأراء النقدية وتذكر أسماء لشعراء عرب وأجانب، فعلى سبيل المثال لا الحصر :
جاء ذكر رامبو والسياب وصلاح عبدالصبور وديوانه الأول " الناس في بلادي " ص 48.
وفي دفاعه عن الشعر التقليدي وإنكاره الشعر الحديث يقول محمود :
( الشعر العمودي الذي أهمله النفاد ...، والتشدق بالحداثة والبنيوية والتفككية ) ص 48.
وكثير عزة، عندما يقول الجد لدنيا الذي هام بها " اصبحت ككثير عزة "
وتوماس ستيرنز إليوت ( ت . س . إليوت ) ص59 الذي تأثر به إسماعيل جعفر في شعره.
والمعري وذكر أحد أبياته الشعرية ( إن حزنا في ساعة الموت أضعاف سرور في ساعة الميلاد )
وأمل دنقل شاعر رقية المفضل
وتذكر مسرحية ( في انتظار جودو ) لصموييل بيكيت الذي لا يأتي ولن يأتي.
= ومن الثقافة الرياضية تذكر يوريس بيكر لاعب التنس الألماني الذي تزوج من فتاة إفريفية.
= ومن علم النفس تذكر لنا عقدة أوديب، ورقية تحاول أن تحلل أزمة زوجها العنين، فربما يعاني من عقدة أوديب لالتصاقه بأمه، ولا يريد التخلي عن جوارها.
ومن الثقافة السينمائية : تقول رقية عن عمها رءوف في نظر جدتها عطية / عطيات بأنه ابن المرأة المجهولة في فيلم شادية وعماد حمدي، وربما رغب في تقمص شخصية اللقيط الشريف والذي يمثله العندليب عبدالحليم حافظ في فيلم الخطايا.
وأيضا فيلم ( رد قلبي ) : ( وتوقعت أن يأتيني على حصانه ذات يوم ويطلبني من جدي في كبرياء وعزة نفس، أو ربما يورط والده في تلك المغامرة المجنونة " كان خيالا صرفا، وقتها كنت أمني نفسي بأنني لا أقل روعة عن مريم فخر الدين في فيلم رد قلبي وأن مروان يمثل شكري سرحان دون مبالغة.
= = = ومن الشخصيات المضيئة في الرواية شخصية الراقصة، المحبة للحياة، والتي تعشق الرقص، الرقص للرقص فقط، وكأنها تنادي بنظرية الفن للفن :
( إمرأة حرة متمردة، تكره الخضوع، لا ترغب أن تقر في بيتها، لا تبيع جسدها ولكنها في ذات الوقت تعشق الرقص وكم جاهدت تلك الرغبة المجنونة وتكبح عشقها للرقص – إمرأة ثلاثينية وجدي كاد يقترب من الخمسين، حينما التقاها ووقعت في قلبه )
( تزوجت مرتين وطُلقت لأنها ترفض أن يقيدها رجل ويظل يجلدها بسياط الزواج ليل نهار، دون أن يترك لها مساحة كي ترقص، ولو أمام المرآة، لذلك لم يكن مستغربا أن تحترف الرقص بعد الطلاق الثاني لها، لكنها دققت في الأماكن التي ترقص فيها وأعلنت أنها ليست بضاعة مزجاة للبيع وأنها إمرأة للرقص فقط وعلى رءوس الأشهاد ) ص 28.
كانت ترقص على الشاطئ ويلتف حولها الشباب والفتيات، يصفقون لها إعجابا، ويرقصون أيضا، ويزداد جمهورها يوما بعد يوم، يلقبونها في الإسكندرية بالراقصة الشريفة، ولم يصدق أحد في البدء أنها إمرأة للرقص فقط وبمرور الوقت أصبح هناك من يصدق، فهي لا ترافق الرجال ولا تستكين إلى جيوبهم ولا تقرب الخمر، شخصية مبهجة ومشرقة ومضيئة، إيجابية وفاعلة، ومتمردة، وحققت ما تريد، وأعتقد أنها أثرت فن الرقص، وخلصته من الإبتذال، وجعلت من يلتفون حولها يرون الرقص فنا راقيا وساميا.
...............................................
3 – المسار الديني :
من أخطر ما أثارته الرواية وقدمته الكاتبة بدهاء شديد، وبوعي بصير، هو محاولة البعض تبرير بعض السلوكيات، مستخدمين الدين ولي عنق النصوص القرآنية، مستندين إلى الحاضنة الشعبية التي كونت دينها الخاص والتي تستند إلى عادات وتقاليد متوارثة وأعراف وتم صبغها بالصبغة الدينية، وسأكتفي بذكر نموذجين فقط.
= النموذج الأول : الجد المزواج ( زير النساء ) ويبررون هذا السلوك محتمين بالدين الشعبي بعيدا عن الدين الخالص :
( كان يخشى أن تقع عيناه على إمرأة يشتهيها ويقع في الحرام، وكان الزواج هو البديل الشرعي لإطفاء شهوته ) ص 13.
( كنت أسمعه يقول لأبي إنه يحتاج إلى إمرأة تسد مكان حبشية وإن حسيبة رغم محاولاتها المستميتة لإرضائه لكن نفسه تهفو إلى صبية صغيرة تلاعبه ويخادنها في الحلال )
( كان يريدها في الحلال وهي إمرأة حرة متمردة ) ص 25.
( لا يقرب الخمر، ولا النساء إلا بحلال الله، .. )
( أبي كان يخشى الحمى ومواطئة الحرام )
فهناك موبقات تُرتكب باسم الدين، والدين منها براء، فتم تطويع الدين ولي عنق نصوصه لتبرير أفعال الجد عبدالرحيم فاضل التهامي.
= النموذخ الآخر وهو الأخطر، ويتم فيه استخدام وسائل الترغيب قليلا، والترهيب كثيرا وتوظيف الدين أيضا، لتقبل رقية أن تبقى تحت رجل عنين، ولجأت أم مدحت العنين إلى أقذر الحيل وأحط الوسائل مستفيدة أيضا من الحاضنة الشعبية والتي لها دينها وموروثها الخاص، وتعلي من شأن المجتمع الذكوري، فالحماة تحاول بخبث توظيف المودة والسكن والرحمة لرقية في غير موضعها، وحتى لو كان ابنها عنينا.
( مدحت مثل النسمة .. المهم أن تتقي الله فيه )
ومحاولة تمرير كلمة المرأة ستر وغطا على زوجها وإقناع رقية بها ولترضى بالأمر الواقع، وإذا لم تستجب بالحسنى، فلنجرب إرهابها :
( -ما هكذا أبناء الأصول يا رقية.
-ماذا فعلت؟
-إن مدحت غيور بطبعه، وليس ديوثا أو عاجزا عن ترويضك، وربنا أمر بالستر.
-أي ستر؟
-لا داعي للحديث الآن، أريدك أن تتصرفي كزوجة مطيعة لزوجها حتى تنالي رضا الله وتشمي رائحة الجنة )
لاحظ الربط الغريب بين طاعة الزوج حتى لو كان عنينا، هل فعلا إذا لم تقبل بزوجها العنين وترضى به سيغضب الله عليها وسيطردها من رحمته ولن تشم رائحة الجنة!
والكاتبة متاثرة في معجمها اللغوي بالقرآن الكريم وبالأحاديث النبوية، فتأتي كثيرا بألفاظ قرآنية مباشرة وأحيانا أخرى بدلالات اللفظ القرآني، ونذكرعلى سبيل المثال لا الحصر :
" وهي تتوارى بالحجاب ص 21 "، " كأن على رأسه الطير ص 24 "، " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان ص 27 "، " قبرها حفرة من حفر النار ص 28 "، " حرثه الحلال، يحرث فيهن كيفما شاء ووقتما شاء ص 28 "، زينه لرءوف : " أرأيت سيدنا إبراهيم وهو يسأل ربه كيف يحيي الموتى حتى يطمئن قلبه رغم إيمانه الشديد به "، " ألمح لها بعذاب الله الواقع عليهم جميعا إذا فكروا في أكل مال اليتيم وأجحفوا في الميراث وأحبوا التراث حبا جما وفضلوه على رضوان الله ص 42 "
تقول زينة : " لقد كنت مثل إخوة يوسف، لا فرق بيني وبينهم، الغيرة السوداء تسللت إلى قلبي كقطع من الليل ونهشته ص 80 "، " صغر خده ص 93 "،
...........................................
الانسحاب والتغير:
بعد معاناة رقية وتجربتها القاسية مع زوجها العنين بدأت تنسحب شيئا فشيئا من الحياة وارتدت السواد وغرقت في بحور الصوفية، وراحت تنتظر الموت، ففيه الخلاص لمعاناتها، وتركت النوم على السرير ونامت على الأرض الصلبة، وكان طعامها الماء وكسرة الخبز، حاولت عمتها زينة بشتى الطرق أن تقنعها بالعدول عن هذه الأفكار ولكنها فشلت، وراحت تستعيد المواقف المؤلمة التي عاشتها في البيت الكبير، وتقربت من إيمي زوجة شقيقها فارس، وعرفت إيمي بعضا من معاناتها ورغبتها في ترك البيت الكبير، والعيش بالقاهرة، لم تصدق رقية أنها أقنعت والدها بهذه السرعة بضرورة تركها البيت الكبير والعيش في القاهرة، بل ومواصلة الدراسة بالجامعة الأمريكية، وأقبلت رقية بشغف ونهم شديدين على دراسة الأدب المقارن بالجامعة الأمريكية، وعن القاهرة تقول :
( شعرت بأنني أستنشق الهواء جيدا، يدخل مسام روحي رغم أنه ملوث بعادم السيارات وأنفاس الآخرين الذين تتدافع اجسادهم وهم يسيرون ويهرولون في شوارع القاهرة المكتظة والتي وقعت في غرامها وعاهدت نفسي على التشبث بترابها والموت في قبورها حتى لو كتنت قبور الصدقة ) ص 126.
.........................................................
مراسم الموت وطقوس الفرح :
كشفت الكاتبة عن قدرة فائقة وبراعة في الوصف، قدمت لنا وصفا دقيقا لمراسم غسل ودفن الجد، ووضعت شخصية ( الهباش ) حفار القبور في دائرة الضوء، الذي يظهر في هذه المناسبات، ويتكفل نيابة عن أهل المتوفي بالطباخ والقارئ المشهور والمعتمد رسميا بالإذاعة والتلفزيون، والنسوة اللاتي يشعلن المأتم بصراخهن وعويلهن، مقابل مبالغ مالية مبالغ فيها، غير أجره الذي يتركه لتقدير أصحاب المأتم!
طلب الماء الدافئ والبخور والحنظة وماء الورد والقطن والكفن، ونادى بصوت جهير : وحدوووه.، وبدأ في أداء مراسم الغسل، وبعدها مراسم الدفن، والصوان الكبير والمأتم بكل تفاصيله.
وكما قدمت تفاصيل مراسم الدفن والجنازة قدمت أيضا طقوس الفرح، فرح رقية الذي دام ثلاثة ليال، ليلة الحناء، وليلة كتب الكتاب، وليلة الزفاف.
.........................................................
هاجس الموت :
استهلت الكاتبة الرواية بموت الجد عبدالرحيم فاضل التهامي، وهاجس الموت ظل يؤرق رقية حفيدة الجد على مدى صفحات الرواية، فالرواية بدأت بموت الجد، وانتهت بموت زوجها مدحت، مرورا بموت الشاعر والفنان إسماعيل جعفر خطيب عمتها مهرة، والشاب الفلسطيني حبيب عمتها زينة، حبشية أم مهرة وزوجة الجد الثانية، وحسيبة أم زينة وزوجة الجد الثالثة، وجدتها عطية / عطيات زوجة جدها الأولى، وراحت ترصد مفردة الموت، حتى جدها التي كانت تعتقد أنها غائبة عنه ولا يفكر في الموت أبدا، اكتشفت أنه اشترى كفنه منذ سنوات طويلة وهو يؤدي فريضة الحج، من الأرض المباركة، وكان اكتشاف مفاجئ لها، وراحت تعيد النظر إلى الجد، فتكتشف انه لم يكن متواضعا ولا وديعا إلا عندما يعود إلى المنزل بعد أداء واجب عزاء، ولكنه سرعان ما يعود إلى سيرته الأولى، ورصدت مفردة الموت أيضا عند العم ( طلب ) فالعم ( طلب ) الذي أُصيب بالزهايمر، مازال قادرا على تذكر مفردة الموت، فهي المفردة الوحيدة التي نجت من مذبحة الذاكرة، ورصدتها عند مهرة التي كانت تتمنى الموت أول الليل عندما تستدعي معاناتها كعانس، وصارت أكثر طلبا للموت بعد موت حبيبها اسماعيل، فهي تتمنى أن تلحق به باسرع ما يمكن.
وراحت تثير من خلال هذه المفردة أسئلة وجودية كبرى، مثل الموت والحياة، وترى أن الحياة كثيرا ما توارت أمام سطوة الموت، والموت والحياة صنوان.
...............................................
الأمثلة الشعبية :
لوحظ أن الأمثلة الشعبية بالرواية قليلة جدا، رغم أن أحداث الرواية تدور في القرية، فهي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
1 – ليس من شيم الرجال البكاء ولا من طباع الوحوش النباح على قتلاها.
2 – عاد أبي بخفي حنين.
3 – أمرت أمي بعد رحيل عمي رءوف بإحضار زير فخاري كبير مملوء بماء الورد ودشته وراءه.
...................................................
تحول بعض الشخصيات :
على سبيل المثال لا الحصر :
1 – شخصية الأم التي ظلت طيلة الرواية ظل لزوجها تغيرت مائة وثمانين درجة، وثارت ثورة عارمة علىه، عندما أُتهمت ابنتها في عفتها وأنها دبرت مع عشيقها مقتل مدحت :
( إلا إبنتي .. الدنيا في كافة وابنتي في كافة، تريد التشهير باابنتي الوحيدة، وانت كما أنت، مجرد مسخ لرجل عابر في حياتي، لا تشعر بي ولا بإبنتك، ظللت تحارب أوهاما وضلالات كي تثبت لنفسك أنك شاعر، لست سوى مدع وأفاك أثيم، معي بجسدك وروحك تهيم في قلب مريم، والآن تقف عاجزا عن إنقاذ ابنتي، لا لشيء سوى أنك لا تحب إثارة المشاكل، أفق يا رجل واستيقظ، إنهم يتهمون ابنتك في عفتها ) ص 107.
هل كان هذا التحول مفاجئا أم متوقعا؟، وهل هذا التحول مبررا؟
القارئ الذي سيستعيد سيرة ومسيرة هذه السيدة في البيت الكبير، سيتأكد أنها تحملت ما فوق طاقتها من معاناتها مع هذا الزوج، وتحملت ما لم يتحمله بشر من أجل إبنتها، وحتى تضمن أنها ستتزوج بمن لا يعايرها بالتفسخ العائلي لأسرتها، كان من الممكن أن تنسحب من البيت الكبير ومن هذا الزوج، ولكن الشيء الوحيد الذي منعها هو خوفها على ابنتها ومستقبلها، وهي تضحية كبيرة لا يقدر عليها أي إنسان، وعند أول تهديد لإبنتها انفجرت في وجه زوجها كالبركان الثائر، واخرجت كبت كل السنوات التي قضتها معه.
2 – تحول شخصية مهرة أيضا، فهي قبل إسماعيل جعفر شيء وبعده شيئا آخر، وقد رصدنا هذا من قبل في سياق عرض شخصية مهرة، وهذا التحول دفعها لأن تكون هذه المرة أكثر إيجابية وأصبح لها موقف من الحب ومن الحياة ومن حق الفتاة في التعليم والعمل والخروج واختيار شريك الحياة، كل هذه المعاني تتجسد في حثها رقية على الهروب من البيت الكبير، ولا تلقي بنفسها في أحضان عريس لا تحبه.
..................................................
الأحلام والكوابيس :
من أكثر الشخصيات معاناة في هذه الرواية، شخصيتي رقية ومهرة، تعانيان من آلام نفسية مبرحة وشروخ في الروح، ولذلك كانت الأحلام والكوابيس تزورهما باستمرار، كتنفيس ومحاولة للاستواء النفسي، ويمكن للقارئ أن يراجع تلك الأحلام والكوابيس، وسنشير إلى اثنين لرقية، الأول ص ص : 43 – 44، والثاني : ص : 102، وسنشير إلى واحد فقط لمهرة ص ص : 80 - 81، ويمكن للقارئ أن يستعين بفرويد وتلميذيه يانج وأدلر في فك طلاسم هذه الأحلام وعلاقتها بمعاناتهما النفسية.
ويمكن أيضا مراجعة حلم زينة الأقل معاناة من مهرة ورقية، ص : 106
........................................................
وأرجو أن أكون في هذه المقاربة قد نثرت بعض قطرات الضوء حول هذه الرواية البديعة والماتعة والمائزة، كما أرجو أن أكون عند حُسن الظن وعلى مستوى الثقة ومن الله التوفيق.
مجدي جعفر
العاشر من رمضان
في 10 / 1 / 2025