نشأت المصري - رحلة دكتورة فتحية الفرارجي بين النيل والسين..

أدب الرحلات من الألوان الأدبية التى تلقى ترحيبا من قاعدة كبيرة من القراء، لأنه ينطوى على متعتى السياحة والمعرفة، ويكون الكتاب أكثر قيمة وأبقى أثرا حين يجمع بين السياحة في المكان والزمان والنفس معا، وهو ما يقدمه كتاب : رحلتي بين النيل والسين من تأليف ا.د فتحية الفرارجى أستاذة الأدب والنقد الفرنسي بكلية التربية. وحين نعود بالذاكرة إلى إلى الكتاب الشهير فى مجال الرحلات في القرن الماضي وهو كتاب أنيس منصور : 200 يوم حول العالم، نجد أن كتاب رحلتى بين النيل والسين يتفوق عليه فى نقاط ثلاث: الأولى رحلته في النفس فى مراحل مختلفة. الثانية اتسام الكتاب بالأسلوب الأدبي الشاعري الرقيق وشيوع عطر اللمحات الدينية. الثالثة أنه يقدم للقارىء مزيجا فاتنا من السيرة الذاتية. وسيرة المكان مع رشقات من النقد الاجتماعي لبعض السلبيات.

1777944923242.png

ويتمدد على مدى الرحلة التعرف على قطوف شائقة من حياة الكاتبة ودور الأب والأم والمدرسة بدءا من مرحلة الطفولة، و أثناء ذلك نتعرف على نسيج الحياة في بلدتها سمنود وانعكاس المكان على مشاعرها، ومن ذلك وصفها البديع لمصنع الفخار وما شابه ذلك، ويستمر هذا الطابع الأدبي البليغ في تعبيرها عن أماكن عريقة شتى كما هو الحال في رحلتها إلى القاهرة التي ألبستها ثوبا قصصيا أنيقا كزياراتها إلى مساجد آل بيت النبي، كما يتألق وصفها لمشاهدات في الإسكندرية، والأقصر، وهى تربط براعة وصف الصور بوقعها في النفس، وفى لحظات تستدعي التاريخ ليحتضن الواقع في ضوء شمس مصر الودودة ودورها في حياة البشر ، وهكذا تنقلنا الكاتبة إلى مناخات الحياة في مدن شتى، وعصور مختلفة في الشرق والغرب. وتفاجأت بتساؤلات مهمة جدا تعكس أمنيات الكاتبة فيما تراه وليس مجرد تسجيل يسر نفس القارىء، فهى تجمع إلى عين السائح نظرات الناقد، وهو منحى يضاف إلى ما يتمتع به الكتاب من تفرد، فمثلا تتساهل الكاتبة: أين الضمير داخل أسوار الأبنية التعليمية، وتساؤلات أخرى لافتة عن شرم الشيخ. وأيضا تبحر إلى الماضى، إلى أحلام إسماعيل باشا، وتسجل حكمة بارعة بقولها : إن أخطر منعطف هو فقدان التواصل بين الأجيال. ويظفر القارىء بقصيدة شباك الطائرة المحلقة لندرك أن الكاتبة أديبة لها العديد من دوا ين الشعر والروايات والقصص القصيرة . وتنقلنا الكاتبة إلى فرحتها ببعثة الدكتوراة إلى فرنسا، وتجربتها الخاصة في المدينة الجامعية الدولية بباريس، وحوارات حول اللغات الأجنبية، ونحيا معها وقتا من الدهشة والسعادة فى تعاملها مع الناس والمكان في أكثر من مدينة غربية في فرنسا وسويسرا خاصة في مدينة بوز نسون التى ولد بها فكتور هوجو، وتحلق بنا في حياة أعلامها القدماء من فنانين وأدباء.

1777944987517.png

ومن الخيانة للنص في عرض كتاب ممتع وعميق وموسوعي كهذا الكتاب أن نتوقف عند بعض أبوابه، ففى كل صفحة بلاغة ومعلومة ومتعة من التاريخ وسبر أغوار الناس والأماكن، فضلا عن رشاقة العرض الصحفي أيضا. ومن صفحة لأخرى نطالع رؤى مكثفة بالغة الأهمية والدلالة، مثل قو لها : ( يا مصر خيراتك وفيرة، يغطيها تراب الحقد والغيرة.). ومن الجميل أن الدكتورة فتحية بحرصها الأكاديمي وحسها الشاعري لم تترك مكانا أو صورة دون تعليق مناسب كاشف. وهو ما ينصب على الشخصيات التى قابلتها هنا أو هناك، ومن بدائع هذا الكتاب المهم الفصل المعنون ب: حلقات الحجرات وتجربتها فى الحصول على الدكتوراة ودعم الأسرة لها. وهى لاتنسى طوال رحلتها الباذخة دورها الذى عبرت عنه بقولها. سفيرة أنا إلى فرنسا فى سطور كتابي. كما كان مهما رحلتها في دهاليز التاريخ مع وقائع الثورة الفرنسية وإطلالتها على مشاهد قوية من الثورات المصرية.. وأخيرا نحن بصدد كتاب يضيف الكثير إلى المكتبة العربية. ويطرح أسئلة عصرية آنية مثل: هل مع عصر الإنترنت هناك حاجة إلى البعثات،؟ اتركك تفكر لأعاود قراءة هذا السفر العميق الشائق مرة أخرى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى