د. نور الدين السد - قرآنية القرآن الكريم La Coranitė du coran

قرآنية القرآن مصطلح أنشأنة ولي فيه الريادة والسبق وأوظفه أول مرة وأهدف من خلاله إلى إثبات أن لنص القرآن الكريم قرآنية تخصه، وهي ما يجعل منه خطابا قرآنيا مائزا من سواه من الخطابات بنيويا ووظيفيا، كما أقول ب«إنجيلية الإنجيل»، و«توراتية التوراة» وهي مصطلحات أوظفها للتعريف بالخصائص التي تميز أساليب الرسائل الإلهية الثلاث من أساليب ما كتب ويكتب أو يتلفظ به الناس، وهي مصطلحات غير موظفة في العربية وفي غيرها من اللغات حسب علمي، وأوظف هذه المصطحات للتفريق بين الكلام الإلهي وبين الكلام البشري، فالقول بقرآنية القرآن لأنه رسالة من عند الله تعالى إلى جميع البشر، وليس من تأليف رسول الله محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، وتقوم «قرآنية القرآن» على عدة خصائص ومعايير ودلائل، وتعني الخصائص والمعايير والصفات والسمات الأسلوبية التي تميز القرآن الكريم من سواه، وتثبت أنه كلام الله المعجز، والمصدر الأساسي للتشريع، والهداية في الإسلام، وعلى الرغم من أن الله خاطب العرب بالقرآن الكريم وهو لسانهم، فأعجزهم بأسلوبه وطريقة تشكيله ونظمه،و مضامينه، وكما خاطب العرب وهيأهم ليكونوا أمة رسالة إلى العالمين، يهدون للتي هي أقوم، خاطب أقواما آخرين بألسنهم ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[ سورة إبراهيم: الآية 4]
سورة : إبراهيم - Ibrahim - الجزء : ( 13 ) - الصفحة: ( 255 )
{And We sent not a Messenger except with the language of his people, in order that he might make (the Message) clear for them. Then Allah misleads whom He wills and guides whom He wills. And He is the All-Mighty, the All-Wise.}
لقد كلف الله رسله، بتبليغ رسائله للناس بألسنتهم، وخص كل قوم بلسانهم، رأفة بهم، وتجنبا لمشقتهم، وذلك بهدف نشر تعاليمه، وتحقيق التفاعل بين الرسالة والمرسل إليه، وبلوغ مراد الله، المتمثل في الفهم والاستجابة، كلم الله الناس عن طريق الوحي والرسل بكلامه هو، الحامل لخصائص محددة لفرادته، وواحديته، وصمديته، لكن كلام الله بلسان العرب لا ينفي عن القرآن خاصيته التي تتبدى في قرآنيته وهي ما يجعله متفردا لسانا في تشكيلها وطريقة نظمه ومعناه..
والقرآنية تحدد الفرق بين لسان القرآن الكريم، واللسان العربي، والفرق يكمن في عدة جوانب جوهرية هي طبيعة اختيار الأسلوب، وتشكيل الخطاب، وتحميل المضمون، وإحداث التفاعل، وتحقيق الاستجابة، والتلقي، والتأويل، والفهم والتأثير، وسوى ذلك..
وقولنا بقرآنية القرآن الكريم فيه توكيد لهذه الخصائص التي خص بها الله القرآن الكريم، ونحن نخص القرآن ب«القرانية» لاعتقادنا بأنها الصفة التي تميزه من سواه من الكلام البشري، وقد أنشأنا هذا المصطلح «قرآنية القرآن»
«La coranitė du coran»
على غرار ابتداع النقاد مصطلح «الأدبية» «La littérarité» وهي ما يجعل من خطاب ما خطابا أدبيا، وابتداعهم مصطلح «الشعرية»
«La poétique»
التي أسسوا معاييرها، واكتشفوا مكوناتها من الخطابات المتضنة جماليات الشعرية، وأطلقوها على المقاربات التي تنتهج هذا النهج، كما استعملوا مصطلح «السردية La narratologie»، ووظفوه في الدراسات التي تدرس مكونات الخطاب السردي، ويمكن تلخيص بعض سمات ومعايير وخصائص «القرآنية» فيما يلي:
1- الإعجاز اللغوي والبياني نظما وأسلوبا:
يتميز القرآن الكريم بلغة عربية بليغة، لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها، وهو تحدٍ واضح في آيات كثيرة مثل قوله تعالى:
{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} (البقرة: 23).
القرآن الكريم يتميز بإعجازه البلاغي واللغوي والتشريعي والعلمي، وهو تحدٍ لكل البشر بأن يأتوا بمثله أو حتى بسورة منه، والإعجاز البياني واللغوي في القرآن الكريم يتجلى في أسلوبه الفريد الذي يعجز البشر عن الإتيان بمثله، سواء من حيث النظم أو البلاغة أو البيان أو التشكيل الأسلوبي الذي يخصه، فالمتلقي عندما يتلقى القرآن يلحظ الفرق بينه وبين سواه من الخطابات الأخرى، سواء كانت خطابات أدبية أو فلسفية أو سواها...
لقد تحدى القرآن العرب في عصر الفصاحة أن يأتوا بسورة مثله، وقد حاولوا، ولم يتمكنوا من ذلك..
يتميز القرآن الكريم بأسلوبه الفريد الذي يجمع بين الإعجاز البلاغي والدقة في التعبير، وهو أحد جوانب إعجازه...
يمكن تلخيص قرآنية القرآن في طرائق تشكيلها الأسلوبي التي تتجلى في عدة نقاط بارزة، بالإضافة إلى توظيفه البلاغة والفصاحة بطرائق أسلوبية تحدد ماهيته وخاصيته، وقد تميز بتفوقه في استخدام الصور البيانية من تشبيه، واستعارة، وكناية، وبديع مما جعل معانيه أعمق وأكثر تأثيرًا..
2. الإعجاز العلمي:
يحتوي القرآن إشارات علمية لم تكن معروفة وقت نزوله، مثل تفاصيل تكون الجنين، وتكوين الكون، ودورة المياه في الطبيعة، ومسألة الفتق وخلق السماوات والأرض، وهناك ظواهر علمية تم اكتشافها، وإثبات صحتها لاحقًا بواسطة الاكتشافات العلمية المتعددة والمتنوعة، مما يدل على المصدر الإلهي للقرآن الكريم، ويؤكد قرآنيته.
3. الإعجاز التشريعي:
يقدم القرآن نظاماً متكاملاً للتشريع يناسب البشرية في كل زمان ومكان، ويتجلى الإعجاز التشريعي في ما يقدم القرآن من تشريعات شاملة، وعادلة، تراعي حاجات الفرد والمجتمع، مع الحفاظ على القيم الأخلاقية والعدالة وكرامة الإنسان وحريته وحقوقه..
4. الاتساق والانسجام:
على الرغم من نزول القرآن على مدى 23 سنة وفي ظروف مختلفة، فإن آياته متسقة ومتجانسة ومنسجة دون أي تناقض، إن اتساق القرآن الكريم كونه خالٍ من أي تناقض أو اختلاف، وهو ما يعزز كونه كلام الله الحق...
5. التأثير الروحي:
يحمل القرآن تأثيراً عميقاً في النفوس، سواء على المسلمين أو غيرهم، مما يدل على أنه ليس مجرد نص عادي، بل هو وحي إلهي، يتميز بمصدره الإلهي، وصحته المطلقة...
ويُقصد بالتأثير الروحي في «القرآنية» السحر اللسان العربي المبين له خاصة في هندسة أصواته وتشكيل بنيته، وطريقة نظمه، وعلم تجويده، وهو ما يجعلها يتميز بقدرته على التأثير الروحي، ويتغي تهذيب النفوس، وإحياء القلوب، وتوفير الطمأنينة، سواء من خلال قراءته أو سماعه..
القرآن الكريم يقوم على التأثير الأخلاقي الذي يُصلح حياة الناس، ويوجه السلوك، ويهدي إلى الصراط المستقيم، والسير وفق نظام.
6- الحفظ الإلهي:
تكفل الله بحفظ القرآن من التحريف أو الضياع، كما جاء في قوله تعالى:
"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (سورة الحجر: 9)، تعهد الله بحفظ القرآن من التحريف أو التغيير، وهو ما تحقق على مدار أكثر من 1400 عاما، حيث بقي النص القرآني كما هو منذ نزوله.
7- شمولية الرسالة:
القرآن يخاطب جميع البشر، ويحتوي قيما إنسانية خالدة، وهداية تناسب كل زمان ومكان، ويجمع بين العقيدة، والشريعة، والأخلاق. وتتجلى شمولية وخلود القرآن في مخاطبته جميع البشر في كل زمان ومكان، ويقدم حلولًا للقضايا الروحية والاجتماعية والاقتصادية، مما يجعله صالحًا لكل العصور.
8- أساليب السردية القرآنية:
السرد القرآني هو أسلوب مميز في القرآن الكريم، يتميز بعرض القصص والأحداث بأسلوب معجز، يحمل في طياته المعاني والدروس العميقة، مع التركيز على الأهداف والمقاصد التربوية والروحانية، والتوحيدية.
يتميز هذا السرد من غيره من السرود في الأدب الإنساني بعدة خصائص، منها:
9- خصائص السرد القرآني:
•التوجه نحو العبرة والموعظة،
فالقصص القرآني ليس مجرد سرد للأحداث أو للتسلية، بل هو وسيلة لإيصال الحكمة والعبرة، كما في قوله تعالى:
"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ" (يوسف: 111).
•الانتقائية:
لا يسرد القرآن القصة بجميع تفاصيلها بل يركز على النقاط المهمة التي تخدم الهدف من القصة، مما يجعل النص مركزًا وموجزًا.
• التكرار الهادف، بعض القصص القرآني تتكرر في مواضع مختلفة، لكن التكرار يأتي بأسلوب جديد، ومع إضافات أو حذف لبعض التفاصيل، بما يتناسب مع السياق. ويستخدم القرآن التكرار المفرد، والتكرار المركب لتأكيد المعاني المهمة، أو لإبراز بعض المفاهيم، مثل تكرار الحديث عن التوحيد والآخرة.
• البعد الزمني، السرد القرآني يتجاوز القيود الزمنية والمكانية، فهو يعرض الأحداث بترتيب يخدم الغاية منها، دون التقيد بالتسلسل التاريخي.
•الجمع بين الغيب والشهادة؛
يُظهر السرد القرآني أبعادًا غيبية لا يستطيع الإنسان معرفتها إلا بالإيمان بالوحي، مثل الحوار الذي جرى مع الملائكة، أو ما ورد في القرآن من مشاهد وأحداث حول يوم القيامة.
• الإيجاز في السرد القرآني مختصر لكنه شامل، حيث يعبر عن معان عميقة بعدد قليل من الكلمات وبطريقة معجزة، والإيجاز في الإبلاغ يشمل التعبير عن المعاني العميقة بألفاظ قليلة، دون نقصان أو غموض، أما الإيجاز في استعمال
كلمات القرآن فيتمثل في الاختصار في عدد المفردات، مع الإشارة إلى أن ألفاظ القرآن تحمل معاني عميقة ومتعددة، بحيث تعبر عن الفكرة بأقل الكلمات وأبلغها، مثال: قوله تعالى: "وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر" (هود: 44)، حيث اختصر مشهدًا كاملًا بأسلوب موجز ومختصر ومعجز..
•التوازن بين الواقعية والرمزية:
القصص القرآني واقعي في جوهره، لكن قد يحمل رمزية تعبر عن معانٍ أعمق، وذلك متوقف على مهارة المؤول وكفايته.
10- ومن أمثلة السرد القرآني: قصة يوسف عليه السلام؛ مثال على القصة التي تسرد بشكل كامل في سورة واحدة، مع تسلسل الأحداث منذ البداية وحتى النهاية.
وقصة موسى عليه السلام، وهي قصة متناثرة في ثنايا الخطاب القرآني، وتتكرر في عدة سور، لكن في كل موضع تركز على جزء معين مثل الحوار مع فرعون، أو النجاة من البحر، أو الوصايا لبني إسرائيل.
وقصة أهل الكهف، وهي نموذج لسرد يدمج بين عناصر الغيب والعبرة، حيث يركز على الإيمان والصبر دون ذكر تفاصيل دقيقة مثل أسماء الفتية أو الكهف.
وقصص أخرى هادفة ومعبرة مثل قصة نوح عليه السلام، وقصة إبراهيم عليه السلام، وقصة صالح عليه السلام، وقصة سليمان عليه السلام وسوى ذلك من القصص الواردة في القرآن الكريم، فكل قصة من تلك القصص له بنية أسلوبية وشخصيات لها مكونات ومرجعيات وبيئات وأدوار ووظائف وعبر، وفيها من مكونات السرد وميزاته من حوار وزمان ومكان ورؤية وسوى ذلك، ويبقى أسلوب السرد القرآني له خصوصيته وفرادته...
11-أهداف السرد القرآني:
- إثبات النبوة:
من خلال ذكر أخبار الأمم السابقة بطريقة تفصيلية لا يمكن لنبي أمي معرفتها.
- ترسيخ الإيمان:
بتوضيح عاقبة الطغاة ونصر المؤمنين.
- التربية والتوجيه:
عبر تقديم نماذج عملية للسلوك الحسن والسيئ.
- إظهار القيم الإسلامية والقيم الإنسانية الخالدة:
مثل العدل، التوكل، الصبر، والتقوى، والحرية، والكرامة، والإيثار، والتضحية، وبر الوالدين.
-يبقى السرد القرآني معجز في تشكيلها بنيويا ووظيفيا، بأبعاده الأسلوبية والجمالية والروحية، فهو يجمع بين البلاغة والإقناع، ويخاطب العقل والقلب في آنٍ واحد، بالإضافة إلى خاصية التنوع في الأساليب، ومن الخصائص الأسلوبية الفريدة التي حققت قرآنية القرآن وفرادته أسلوبيا، وجعلته معجزًا في لغته وبيانه، تنوع أساليبه، مما يعزز قرآنيته، ويؤكد فرادته، إذ استخدم أساليب متعددة تناسب المقام، مثل أسلوب الأمر والنهي، الموظفين لبيان الفرائض وإظهار التكليف، وتبيين الحلال من الحرام، والرشد من الغي، ومن أسلوب الأمر والتكليف قوله: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (البقرة: 43). وتوظيفه أسلوب الاستفهام: "ألم نشرح لك صدرك؟"(الشرح:1)، ويرد أسلوب الاستفهام لإثارة التفكير، مثل قوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن؟". وأسلوب التشبيه والاستعارة: "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل" (البقرة: 261)،
وقد وظف القرآن الكريم أسلوب الشرطة، وأسلوب التوكيد، وأسلوب النداء، والأساليب الخبرية والإنشائية بأنواعها، وهذه الأساليب مشكلة وفق نظام يخص البنية (القرآنية للقرآن) بما يعزز أبعاده البنيوية والوظيفية والجمالية، والأسلوبية، ومن خلال كل ذلك يبلغ رسالة التوحيد والهدي..
ومن الأساليب القرآنية الموظف في القرآن الإيقاع الداخلي إذ اعتمد القرآن على تكرار الكلمات والجمل بطريقة تعزز المعنى، مثل تكرار كلمة "ويل يومئذ للمكذبين" في سورة المرسلات، وتكرار ( فبأي آلاء ربكما تكذبان) في (سورة الرحمن).
ويهدف هذا التكرار في الترتيب المنطقي للآيات في تعزيز الأثر نفسي، وإحداث تفاعل المتلقي واستجابته..
ومن الأساليب الخاصة بقرآنية القرآن ترتيب الآيات، بحيث ينتقل القارئ بين مشاهد، وعظات دون أي خلل أو تناقض، ومن أساليب السردية للقرآن الجمع بين الترهيب والترغيب، مثل حديثه عن الجنة والنار في سياق واحد..
12- ومن أساليب الإعجاز اللغوي والبياني استخدام ألفاظ دقيقة تتسق مع المعاني المقصودة، مع مرونة لغوية تتجاوز الزمن ومنجزه الثقافي، وقدرة المفسرين والمؤولين، ومن أمثلة ذلك اختلاف المفسرين في مختلف العصور لمعظم آي الذكر الحكيم، ومن ذلك اختلاف تفاسيرهم وتآويلهم لقوله تعالى: "إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ" (فاطر: 28)، حيث تقديم وتأخير الكلمات يعكس المعنى الدقيق، وليس هذا فقط، فهذه الآية تفسر وتؤول بما ورد قبلها..
و«القرآنية» التي نسعى إلى الإشارة إليها هنا نهدف بها إلى التأسيس لحقل معرفي ونهج في التفكير والتفسير والتأويل يخص القرآن الكريم، ويجمع ما تم إنجازه من دراسات حول مسألة الإعجاز والآليات التي أسسها البحاثة من قبل والتي نبرهن ومن خلالها على استحالة محاكاة أسلوب القرآن الكريم، ونسعى إلى إثبات فرادته، وتمييز قرآنيته، وإذ نستأنس بالمنجز في هذا الشأن، فهذا لا يعني الاكتفاء به، بل نعمل على ضبط خصائص القرآنية وإجرائياتها علميا ومنهجيا بدقة وموضوعية بإذن الله.
وبالإضافة إلى التركيز على خصائص القرآنية فإننا لا نغفل البعد الأخلاقي والقيمي المتمثل في الجمع بين الهداية والإرشاد مع جمالية لغة القرآن ، مما يجعل القرآن منهجًا أخلاقيًا بجانب كونه نصًا له خصوصيته الأسلوبية.
- ووظف الإيقاع الصوتي بهندسة بارعة ووزعها في ثنايا الخطاب القرآني بنسج بياني ساحر،
ويلاحظ تميز القرآن بجمال الإيقاع الصوتي وهندسة الأصوات وجمالية توزيعها في الخطاب القرآني، مما يجذب القارئ والسامع، ليدرك خاصة التفاعل والتأثير والإبلاغ وهو ما يتجلى في أسلوب والفواصل والتوازن بين الآيات.
-بالإضافة التناسب بين اللفظ والمعنى، وتم توظيف الألفاظ بدقة متناهية، وبطريقة متوافقًة مع السياق، مثل استخدام كلمات تتناسب مع الأحداث الموصوفة.
-التناسق والتناغم الصوتي
اختيار الكلمات بحرفية بحيث يكون هناك انسجام موسيقي يترك أثرًا في النفس، ومن ذلك أمثلة: الفواصل القرآنية التي تشبه القافية، مثل: "إنا أعطيناك الكوثر. فصلِّ لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر" (الكوثر).
-13- السارد المهيمن:
السارد المهيمن مصطلح أنشأناه لدراسة ما غفل عنه بعض المنظرين والدارسين ومحللي الخطاب ، والسارد المهيمن هو شخصية في بنية الخطاب القرآني له حضور طاغ، في معظم السور والآيات، إلى جانب الشخصيات الأخرى التي لها أدوار ووظائف في بنية الخطاب القرآني وهو من صميم قرآنية القرآن..
14- الزمن في كل المراحل الماضي والحاضر والمستقبل، وهو موزع حسب طبيعة السياق الوارد فيه، والغاية منه..
15. الخطاب العام والشامل:
يخاطب القرآن جميع فئات البشر بطرق يفهمها الجميع، بغض النظر عن ثقافاتهم ومستوياتهم العلمية.
16. الموازنة بين الوعد والوعيد:
يعرض القرآن الكريم آيات تبشر بالجنة وتحث على الخير، ويقابلها آيات تحذر من النار وتنذر بالعقاب.
17. التوافق مع الفطرة البشرية:
يجذب أسلوب القرآن النفوس لأنه يتحدث إلى الفطرة السليمة، ويجيب عن الأسئلة الوجودية الكبرى بطريقة مقنعة.
أسلوب القرآن الكريم يتجاوز حدود الزمن والمكان، ويبقى مصدر إلهام وعبرة للإنسانية كلها.
هذه الخصائص هي ما يجعل القرآنية ميزة أسلوبية تخص القرآن الكريم، وتخصه باعتباره كتابًا مميزًا أسلوبيا، وفريدًا في إجابته عما يشغل فكر الانسان عقديا، وعميقا في دلالاته ومعانيه، وهاديا إلى الإيمان واليقين بما حوى من دلائل الإعجاز وأساليب التبليغ، وبخاصيته القرآنيته في أسلوب التنظم والتعبير يتفرد باحتواء الرسائل الإلهية والتاريخ الإنساني..
(لعناصر هذا المنشور تتمة، ومن رآى في نفسه الأهلية والقدرة لإنجاز بحث متفرد في هذا الموضوع أدعمه بما من علينا الرحمن من أقباس نوره وإذا لم يتيسر فإني أدعو الله جل في علاه التوفيق لإنجاز كتاب في «قرآنية القرآن الكريم»
إن مصطلح (القرآنية) مصطلح جديد الاستعمال، لم يسبق إلى استعماله في العربية أو غيرها حسب ما اطلعنا عليه، وأقصد ب(القرآنية) العلم الذي يعرف به ما جعل من الخطاب القرآني قرآنا، ذلك أن (القرآنية) التي نؤسس لها هي:
مجموع المعايير والخصائص والعلامات والدلائل والسمات الأسلوبية المستنبطة من القرآن نفسه، والتي تفرق الخطاب القرآني من سواه، وتجعله متميزا ومتفردا بين الخطابات الأخرى، مهما كان نوعها وجنسها، و(القرآنية) التي نؤسس لها تستفيد من كل المنجز العلمي والمتراكم المعرفي السابق الذي يدخل في مجال هذا الاختصاص، وللتوضيح أقول أن (القرآنية) تستفيد من المنجز العلمي ومن الآليات الإجرائية المتناثرة في كتب المفسرين والمؤولين والبلاغيين والنحاة، وفي الدراسات الحديثة، وتستفيد من مختلف الجهود العلمية، ومن تداخل الحقول المعرفية l'intérdisciplinarité التي أشتغلت على القرآن الكريم، ومن كل الاجتهادات عبر السيرورة التاريخية منذ لحظة التدوين، ولذلك ستجد ضمن المعايير المحددة لخواص (القرآنية) وخصائصها الإشارة إلى مسألة الإعجاز، وما أثير حوله من جدل، وفرادة القرآن بسمات أسلوبية تخصه، ومعايير أخراة يشار إليها عند اكتمال بنائها في مؤلف يخصص لذلك بإذن الله..
ومع ذلك فإننا لا ندعي امتلاك ناصية العلم ولا نجرؤ على ذلك، ولا ندعي الكمال في شيء، إنما نسعى اجتهادا حتى لا تضيع أعمارنا سدى، ولله در أبي نواس القائل:
قل لمن يدعي في العلم فلسفة#
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء.
وقول الله جل في علاه: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا {الإسراء:85} ..
فما بادرنا بالتأسيس له، ما هو إلا اجتهاد، فإذا أصبنا فلنا أجران، وإذا أخطأنا فلنا أجر المبادرة، ولنا في الخلف الصالح المبادرة بالتصويب والإضافة والانبثاق من الحلم...
إن مصطلح القرآنية الذي طرحت إشكاليته في الملتقى الدولي المنظم في المدرسة العليإ للأساتذة بوسعادة ، والموسوم ب (المسافة الجمالية والمفارقة القصصية في السرد القرآني)، لقي استحسانا وقبولا من المؤتمرين، ونأمل أن نؤلف فيه مرجعا يحدد خصائص هذا العلم ويظهر فرادة أسلوب القرآن الكريم وتميزه (والله ولي التوفيق)...

نورالدين السد - الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى