2/2
لم يذكر الشاعر حافظ إبراهيم فلسطين، ومقاومتها للوجود البريطاني والهجرة اليهودية في حين نظم قصيدة يستنكر فيها غزو إيطاليا لليبيا عام 1911 عندما كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، ويستحث فيها أُمم الشرق على مكافحة المستعمر الغربي، ويمتدح تضحيات المسلمين في تلك الحرب.
طَمَعٌ أَلقى عَنِ الغَربِ اللِثاما فَاِستَفِق يا شَرقُ وَاِحذَر أَن تَناما
وَاِحمِلي أَيَّتُها الشَمسُ إِلى كُلِّ مَن يَسكُنُ في الشَرقِ السَلاما
وَاِشهَدي يَومَ التَنادي أَنَّنا في سَبيلِ الحَقِّ قَد مِتنا كِراما
مادَتِ الأَرضُ بِنا حينَ اِنتَشَت مِن دَمِ القَتلى حَلالاً وَحَراما
عَجِزَ الطُليانُ عَن أَبطالِنا فَأَعَلّوا مِن ذَرارينا الحُساما
ربما نستطيع معرفة السبب، الذي من أجله تجاهل حافظ إبراهيم في شعره ذكر فلسطين وما له علاقة بها بفهم موقفه من الاحتلال البريطاني؛ لأن بريطانيا المستعمرة لمصر هي نفسها التي انتدبت على فلسطين، وفتحت لليهود أبواب الهجرة إليها.
يرجع بعض الباحثين والنقاد، أمثال أحمد أمين وروفائيل مسيحة إلى أن موقف حافظ إبراهيم من بريطانيا له علاقة بالظروف التي عايشها في حياته. إذ عمل بعد تخرجه عام 1891في المدرسة الحربية بالقاهرة، برتبة ملازم ثانٍ، في حملة السودان تحت إمرة اللورد الإنجليزي كتشنر قائد الجيش المصري في ذلك الوقت، وعندما رجع من السودان مطرودًا من الجيش كان في غاية الشقاء والفقر. كان يحتاج إلى الوظيفة التي تؤمن له حياة مستقرة. واستطاع بواسطة أحمد حشمت وزير المعارف أن يتعين سنة ١٩١١ رئيسًا للقسم الأدبي في دار الكتب المصرية، وظل بها إلى فبراير سنة ١٩٣٢ حين أُحيلَ إلى المعاش لبلوغه السن القانونية، وتُوفِّي يوم ٢١ يوليو سنة ١٩٣٢.
في تلك الحياة الشاقة التي كابدها نظم قصائد خالدة، وترجم رواية "البؤساء" للكاتب الفرنسى فيكتور هوجو، وألف في النقد الاجتماعي كتابه" ليالي سطيح"، وفيه ابتكر شخصية سطيح على طريقة المويلحي في " سيرة عيسى بن هشام"، و"الموجز في الاقتصاد" بالاشتراك مع خليل مطران.
لكن تلك الحياة جعلته أيضًا يتقيد بشروط الوظيفة الحكومية، التي تقرض على الموظف الالتزام بقوانين الحكومة البريطانية، والانسجام مع سياستها؛ لهذا تميز موقفه بمهادنة الاستعمار البريطاني في مصر، فهو يبدو تارة محبًا للإنجليز وتارة أخرى منتقدًا لهم ورافضًا احتلالهم وطنه. لكن هذا الرفض لم يبلغ حدًا عنيفًا غالبًا، ورأينا يبالغ أحيانًا في حبه وتقديره للإنجليز، وتمجيد ما وصلوا إليه من حضارة وتقدم، كما في قصيدته في رثاء الملكة فيكتوريا عام 1901م، ودعوة قومها إلى تقبل قضاء الله:
أُعَزّي القَومَ لَو سَمِعوا عَزائي وَأُعلِنُ في مَليكَتِهِم رِثائي
وَأَدعو الإِنجِليزَ إِلى الرِضاءِ بِحُكمِ اللَهِ جَبّارِ السَماءِ
فَكُلُّ العالَمينَ إِلى فَناءِ
وفي عام 1902 يهنئ الملك إدوارد السابع بتتويجه:
لَمَحتُ مِن مِصرَ ذاكَ التاجَ وَالقَمَرا فَقُلتُ لِلشِعرِ هَذا يَومُ مَن شَعَرا
يا دَولَةً فَوقَ أَعلامٍ لَها أَسَدٌ تَخشى بَوادِرَهُ الدُنيا إِذا زَأَرا
كما يمتدح بريطانيا في قصيدة يودع فيها صديقين له في طريقهما إلى تلك البلاد للتعلم:
سيرا إلى مهد العلوم التي ... كانت لنا ثم ازدهاها البلى
سيرا إلى الأرض التي أنبتت عزًا وأضحت للملا موئلًا
لا شك في أن خوف حافظ إبراهيم من فقدان وظيفته، التي وصل إليها بواسطة وزير المعارف لم تمكنه من الوقوف الصلب في وجه بريطانيا في مصر. ولكن هل منعه الخوف أيضًا من مواجهتها في فلسطين، أو من الحديث عن الهجرة الصهيونية التي كانت تحت رعايتها؟
لعل الإحاطة بالأفكار السياسية، التي سادت في تلك الفترة، أي في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته توضح السر - كما أرى - في موقف حافظ إبراهيم من فلسطين. إذ ساد بين كثيرين من المثقفين والأدباء المصريين بعد الحرب العالمية الأولى فكرة القومية المصرية، بأن مصر لا تعود في أصولها إلى العرب، بل إلى الفراعنة، وليس لها علاقة بفلسطين وغيرها من البلاد العربية. من بين هؤلاء: طه حسين، وسلامة موسى، ومصطفى كامل باشا ، وأحمد لطفي السيد. ولاحظ المفكر القومي العربي ساطع الحصري بعد زيارته مصر عام 1931 بأن المصريين " لم يكن لديهم شعور قومي عربي، ولم يقبلوا أن مصر جزء من الأراضي العربية، ولم يعترفوا بأن الشعب المصري جزء من الأمة العربية" لقد كان حافظ إبراهيم جزءًا من هذا الواقع، وتبنى تلك الأطروحة؛ ومجد تاريخ مصر الفرعونية، وبالغ في ذلك، وتغنى بالقومية المصرية، وظهر هذا في كثير من قصائده كما في قوله:
لعمرك ما أرقتُ لغير مصر وما ليَ دونها أملٌ يُرامُ
ذكرتُ جلالها أيام كانت تصول بها الفراعنة العظامُ
وأيامَ الرجالُ بها رجال وأيامَ الزمانُ لها غلامُ
ولهذا أدار ظهره وتجاهل في شعره ما جرى لفلسطين، واكتفى بمواجهة حذرة لبريطانيا في مصر ضمن مفهوم القومية الفرعونية المتفردة، ويا لها من مواجهة!
لم يذكر الشاعر حافظ إبراهيم فلسطين، ومقاومتها للوجود البريطاني والهجرة اليهودية في حين نظم قصيدة يستنكر فيها غزو إيطاليا لليبيا عام 1911 عندما كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، ويستحث فيها أُمم الشرق على مكافحة المستعمر الغربي، ويمتدح تضحيات المسلمين في تلك الحرب.
طَمَعٌ أَلقى عَنِ الغَربِ اللِثاما فَاِستَفِق يا شَرقُ وَاِحذَر أَن تَناما
وَاِحمِلي أَيَّتُها الشَمسُ إِلى كُلِّ مَن يَسكُنُ في الشَرقِ السَلاما
وَاِشهَدي يَومَ التَنادي أَنَّنا في سَبيلِ الحَقِّ قَد مِتنا كِراما
مادَتِ الأَرضُ بِنا حينَ اِنتَشَت مِن دَمِ القَتلى حَلالاً وَحَراما
عَجِزَ الطُليانُ عَن أَبطالِنا فَأَعَلّوا مِن ذَرارينا الحُساما
ربما نستطيع معرفة السبب، الذي من أجله تجاهل حافظ إبراهيم في شعره ذكر فلسطين وما له علاقة بها بفهم موقفه من الاحتلال البريطاني؛ لأن بريطانيا المستعمرة لمصر هي نفسها التي انتدبت على فلسطين، وفتحت لليهود أبواب الهجرة إليها.
يرجع بعض الباحثين والنقاد، أمثال أحمد أمين وروفائيل مسيحة إلى أن موقف حافظ إبراهيم من بريطانيا له علاقة بالظروف التي عايشها في حياته. إذ عمل بعد تخرجه عام 1891في المدرسة الحربية بالقاهرة، برتبة ملازم ثانٍ، في حملة السودان تحت إمرة اللورد الإنجليزي كتشنر قائد الجيش المصري في ذلك الوقت، وعندما رجع من السودان مطرودًا من الجيش كان في غاية الشقاء والفقر. كان يحتاج إلى الوظيفة التي تؤمن له حياة مستقرة. واستطاع بواسطة أحمد حشمت وزير المعارف أن يتعين سنة ١٩١١ رئيسًا للقسم الأدبي في دار الكتب المصرية، وظل بها إلى فبراير سنة ١٩٣٢ حين أُحيلَ إلى المعاش لبلوغه السن القانونية، وتُوفِّي يوم ٢١ يوليو سنة ١٩٣٢.
في تلك الحياة الشاقة التي كابدها نظم قصائد خالدة، وترجم رواية "البؤساء" للكاتب الفرنسى فيكتور هوجو، وألف في النقد الاجتماعي كتابه" ليالي سطيح"، وفيه ابتكر شخصية سطيح على طريقة المويلحي في " سيرة عيسى بن هشام"، و"الموجز في الاقتصاد" بالاشتراك مع خليل مطران.
لكن تلك الحياة جعلته أيضًا يتقيد بشروط الوظيفة الحكومية، التي تقرض على الموظف الالتزام بقوانين الحكومة البريطانية، والانسجام مع سياستها؛ لهذا تميز موقفه بمهادنة الاستعمار البريطاني في مصر، فهو يبدو تارة محبًا للإنجليز وتارة أخرى منتقدًا لهم ورافضًا احتلالهم وطنه. لكن هذا الرفض لم يبلغ حدًا عنيفًا غالبًا، ورأينا يبالغ أحيانًا في حبه وتقديره للإنجليز، وتمجيد ما وصلوا إليه من حضارة وتقدم، كما في قصيدته في رثاء الملكة فيكتوريا عام 1901م، ودعوة قومها إلى تقبل قضاء الله:
أُعَزّي القَومَ لَو سَمِعوا عَزائي وَأُعلِنُ في مَليكَتِهِم رِثائي
وَأَدعو الإِنجِليزَ إِلى الرِضاءِ بِحُكمِ اللَهِ جَبّارِ السَماءِ
فَكُلُّ العالَمينَ إِلى فَناءِ
وفي عام 1902 يهنئ الملك إدوارد السابع بتتويجه:
لَمَحتُ مِن مِصرَ ذاكَ التاجَ وَالقَمَرا فَقُلتُ لِلشِعرِ هَذا يَومُ مَن شَعَرا
يا دَولَةً فَوقَ أَعلامٍ لَها أَسَدٌ تَخشى بَوادِرَهُ الدُنيا إِذا زَأَرا
كما يمتدح بريطانيا في قصيدة يودع فيها صديقين له في طريقهما إلى تلك البلاد للتعلم:
سيرا إلى مهد العلوم التي ... كانت لنا ثم ازدهاها البلى
سيرا إلى الأرض التي أنبتت عزًا وأضحت للملا موئلًا
لا شك في أن خوف حافظ إبراهيم من فقدان وظيفته، التي وصل إليها بواسطة وزير المعارف لم تمكنه من الوقوف الصلب في وجه بريطانيا في مصر. ولكن هل منعه الخوف أيضًا من مواجهتها في فلسطين، أو من الحديث عن الهجرة الصهيونية التي كانت تحت رعايتها؟
لعل الإحاطة بالأفكار السياسية، التي سادت في تلك الفترة، أي في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته توضح السر - كما أرى - في موقف حافظ إبراهيم من فلسطين. إذ ساد بين كثيرين من المثقفين والأدباء المصريين بعد الحرب العالمية الأولى فكرة القومية المصرية، بأن مصر لا تعود في أصولها إلى العرب، بل إلى الفراعنة، وليس لها علاقة بفلسطين وغيرها من البلاد العربية. من بين هؤلاء: طه حسين، وسلامة موسى، ومصطفى كامل باشا ، وأحمد لطفي السيد. ولاحظ المفكر القومي العربي ساطع الحصري بعد زيارته مصر عام 1931 بأن المصريين " لم يكن لديهم شعور قومي عربي، ولم يقبلوا أن مصر جزء من الأراضي العربية، ولم يعترفوا بأن الشعب المصري جزء من الأمة العربية" لقد كان حافظ إبراهيم جزءًا من هذا الواقع، وتبنى تلك الأطروحة؛ ومجد تاريخ مصر الفرعونية، وبالغ في ذلك، وتغنى بالقومية المصرية، وظهر هذا في كثير من قصائده كما في قوله:
لعمرك ما أرقتُ لغير مصر وما ليَ دونها أملٌ يُرامُ
ذكرتُ جلالها أيام كانت تصول بها الفراعنة العظامُ
وأيامَ الرجالُ بها رجال وأيامَ الزمانُ لها غلامُ
ولهذا أدار ظهره وتجاهل في شعره ما جرى لفلسطين، واكتفى بمواجهة حذرة لبريطانيا في مصر ضمن مفهوم القومية الفرعونية المتفردة، ويا لها من مواجهة!
| ReplyForward Add reaction |