محمد شعير - أحمد الخميسي والقصة القصيرة... ٦٠ عاما من العشق الدافق.

الدأب في مضمار الكتابة سمة قد يتصف بها مبدعون كثر، يظلون سائرين على الدرب، دون التفات إلى عائد أو جائزة، لكن الإخلاص حد التفاني لفن بعينه من فنون الكتابة ليس أمرًا معتادًا أو شائعًا.
وهذا ما ميَّز تجربة الكاتب الكبير أحمد الخميسي الذي يُتم هذا العام ستين عامًا كاملة في عشق فن القصة القصيرة، منذ أن نشر قصته الأولى بعنوان «الشوق» عام 1965 في سن السابعة عشر بمجلة «القصة» التي كان يرأس تحريرها الكاتب الكبير محمود تيمور، قبل أن يقدمه في العام التالي رائد القصة المصرية يوسف إدريس في مجلة «الكاتب»، بنشر قصته «استرجاع الأحلام».
واليوم، بينما يحتفل الخميسي في 28 يناير الجاري ببلوغه السابعة والسبعين من العمر، فإننا نسعى معه من فوق قمة جبل التفاني إلى النظر إلى الماضي - بالصورة- «لاسترجاع الأحلام»، واستشراف المستقبل - عبر الكلمة- «بشوق» إلى دوام إبداعه هو، وشيوع الصدق في الإبداع بشكل عام.
في هذه الأثناء، يسعد الكاتب الكبير، كما يقول لـ«الأهرام»، بوصول مجموعته القصصية الأخيرة «حفيف صندل» إلى قائمة الخمسة الأوائل في جائزة «الملتقى للقصة القصيرة»، ويشبِّه الخبر بقطرة ماء لشخص يقطع الصحراء من زمن ويمضي من رمل إلى رمل.. «كيف يا أستاذنا؟!».. نسأله ويجيب.
يقول: «تظل المسألة الرئيسية هي التقدير الأدبي، خاصة حين تكون - ضمن المسابقة- بجوار أساتذة في فن القصة، وحين تشق قصصك الطريق من بين حوالي مائتين وخمسين مجموعة قصصية عربية».
التواضع وإنكار الذات ودماثة الخلق، صفات تنضح بها كلمات الخميسي، مثلما يعكس إبداعه معاني الرقة والسمو والبحث عن المُثُل، إذ يقول: «كان الخبر أيضًا مفاجأةً لي، لأنني لم أكن أنا من تقدم للجائزة لكن الناشر دار كيان. وهناك اعتبار آخر يبعث على السعادة، هو أنني المصري الوحيد في القائمة، وقد عددتُ ذلك تكريمًا للأدب المصري عامة، ولزملائي من كُتاب القصة القصيرة؛ عزة دياب ومحمد خير وعادل عصمت وغيرهم، وكان من الممكن لأيٍّ من مبدعينا أن يسجل حضورنا بنفس الكفاءة، ولم تكن سعادتي لتقل في تلك الحال».
ويقدم أحمد الخميسي وصفًا، أو ربما وصفةً، لصورة العلاقة الواجبة بين المبدعين، وطبيعة التنافس - إن وُجِد- في مجالات الإبداع، فيستعيد ما قاله أنطون تشيخوف، عملاق القصة القصيرة، من أن الأدباء يمضون إلى الأمام ليس في صف بالطول، الأول فالثاني فالثالث، بل يتقدمون معًا في صف بالعرض كتفًا إلى كتف.
ويعبر عن اعتقاده بصدق «أننا جميعنا، معًا، نرسم لوحة كبيرة للزمن الذي نعيشه، ويعكف كلٌّ منا على جزء منها، لكننا جميعا نرسم لوحة واحدة ضخمة»، كما يقول.
ولكن.. لماذا القصة القصيرة بالتحديد؟.. ألسنا في «زمن الرواية» كما قال الناقد الكبير الراحل جابر عصفور؟!.. وما موقع القصة القصيرة في هذا الزمن؟.. نشاغب بالأسئلة مع الكاتب الكبير، ليس بهدف تعكير صفو سعادته أو خدش إخلاصه لفنه، إنما استنطاقًا للأفكار وسعيًا لإزالة اللبس القائم بفعل الجدل.
يقول الخميسي: «دعنا نتفق على أن الدكتور جابر عصفور كان يقصد بمقولة (زمن الرواية) بزوغ الفن الروائي وانتشاره مقابل تقلص مساحات الشعر، بحيث أصبحت الرواية (ديوان العرب) بعد أن كان الشعر (ديوانهم)، لكن عصفور لم يضع القصة القصيرة في مواجهة الرواية بل كانت المقارنة لديه أساسًا بين الشعر والرواية، ومع ذلك تظل مقولة عصفور في تقديري غير دقيقة، لأن ما نراه وما يحدث هو في واقع الأمر تجاور وتعايش الفن الروائي وفن الشعر وفن القصة القصيرة».
ويرى أن البعض يروج لفكرة عصفور التي عرضها في كتابه «زمن الرواية» عام 2000، ليس انطلاقًا حتى من مفاهيم عصفور، بل من حقيقة أخرى هي حجم الانتشار الذي تتمتع به الرواية، لكن الانتشار لم يكن قط معيارًا لإعلاء نوع من الفن على نوع آخر، وربما لذلك قال عصفور لاحقًا في تصريح صحفي: «عندما ألفتُ هذا الكتاب منذ سنوات طوال وقلت إننا نعيش زمن الرواية لم أكن أقصد إقصاء أو تجاهل كل فنون الأدب الأخرى، وهذا ما اعتقده البعض على سبيل الخطأ».
ويعترف الخميسي بأن القصة القصيرة ربما لا تحظى حاليًا باهتمام كبير، قائلًا: «هذا وارد.. لكن ذلك لا يمنع أنها حية وتؤدي دورها بكفاءة على أرفع مستوى، ولدينا كُتاب قصة أكثر من رائعين، في مصر والبلدان العربية، لكنهم لا يحظون بالاهتمام الكافي، لأن (قوانين الرواج) في مجتمعاتنا مرتبطة بأسباب لا علاقة لها بفنية العمل الأدبي».
ويذكِّر بأن ظهور القصة القصيرة جاء بعد رسوخ فن الرواية بنحو قرن كامل، لأن القصة تسد احتياجًا لا تسده الرواية أو أي شكل سردي آخر، هو الاحتياج الى التقاط المعاني الإنسانية الثابتة من بطن اللحظات العابرة.
وحسمًا للجدل، وانحيازًا للتعقل، فإنه - مع كل ذلك- يرحب بأن نكون في زمن القراءة، أيا كان ما يقرأه الناس؛ رواية أو شعرًا أو قصة قصيرة، قائلًا: «أرحب بزمن يُقبل فيه الناس على الفن أيا كان نوعه».
وأخيرًا.. يبق أن نقول إن الأعوام الستين التي قضاها أحمد الخميسي في عشق فن القصة القصيرة لم تمنع إبداعه في مجالات أخرى عديدة، كالنقد والترجمة وحتى الكتابة الصحفية، وها هو أيضًا يكشف لـ«الأهرم» للمرة الأولى بأنه يفكر حاليا في كتابة عمل طويل، أشبه بسيرة ذاتية، ويستدرك قائلًا: «وإن كنت أخشى الأعمال الطويلة، وأظل ألوذ بالقصة بالقصيرة».


الاهرام الجمعة ٢٤ يناير ٢٠٢٥ الملحق الأدبي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى