الحلقة 1.
طنين المتلاشيات في ديوان ( فراشة المتاهة ) للشاعرة رشيدة فقري.
هو طنين ، لأن الشاعرة ترسم الأمل في قصائد حب غير متكافئ ، كما هو متاهة لأنه وزع تفاصيل المتاهة بشكل جد متلاش ، مصدره كل الأجزاء المعلقة على سرير قصائد توضح الغامض وتخفي الواضح ، فيصبح الصدى حكاية كتابة تعلق الأمل بشكل متساو على جغرافية غير مرتبة.
أما عن المتلاشيات ، تلك حكاية أخرى جعلت منها الشاعرة موضوع الديوان ككل ، فكلما حاولنا التقرب من إدراك عمق الكلمات تظهر المتاهة في بعدها المركب لتغير مجاري الشراع من جديد فيختفي كل شيء في صيرورة كتابة تخفي أكثر ما تكشف عنه ، فنصبح أمام كتابة بتمفصلات غريبة تكتب عن المتلاشي الزئبقي الذي يرسم لوحة الدلالات بألوان لم تتوقف أبدا عن السيلان.
شكلت هذه المحددات عناصر مهمة وقفنا عندها بدقة عند مواكبتنا لديوان رشيدة فقري (فراشة المتاهة ) فخرجنا بأياد فارغة ، لأن الهواء الذي ينبض في رحم المعاني مجرد هيولى مازالت في طور التكوين ، تنجلي بلا شكل ولا حجم ، مما أهلنا في آخر المطاف ، أن نجد أنفسنا أمام كتابة تعبر عن المتلاشي في طنين الفراغ.لهذه الأسباب ولأخرى سنوضحها أكثر في هذه المواكبة ، جعلتنا الشاعرة نخلص أننا نتواجد أمام ديوان يرشق الطنين في صدى المتلاشيات.
تستهل ديوانها بعبارات هذا التلاشي المسمى ( فراشة المتاهة) بسؤال يخفي عدة دلالات (لمن سأبوح)،لاعتبارات عدة حاولت تأجيل عتبات المتاهة ، نذكر منها :
-1- المعني في السؤال هو إنسان مجهول يعيش في زمن لم يظهر بعد/ المستقل/ سأبوح، مما يعني أنها تخاطب كائنا مازال في مرحلة العدم.
-2- يتحدد الخطاب بشكل محدد بإشارات تحيل على طبيعة حكايتها التي حصرتها في بوح ثائر ومتمرد.
-3-اكتفت بدلالة غامضة تفيد خطابا متمظهرا بمواصفات إنشائية ، مما جعل الكلام معلقا على حائط معان لم تتبلور بعد ، فيتأجل كل شيء ليصبح الموضوع بكل تفاصيله مجموعة من الحكايات
المضمرة في مسار لم يتشكل بعد.
تنجلي بوادر الأفكار المؤجلة في مقام عال جعلت منه أساس منطلقها الشعري، بمحددات يمكننا وصفها على الشكل التالي :
إن الرؤية إلى العالم التي أخفت كينونتها شاعرة تكتب بنبض القلب وبعصارة الروح أساسها : صناعة الفراغ و البحث عن الغائب المفتقد .
يتشكل جسد الديوان في عدة فضاءات يتحكم في نسيجها الفراغ الذي يحتم بالضرورة بناء التباعد، يقرب بينها زمن الصباح ، هناك تحضر ذات متمردة لتلغي ذاتا أخرى مرفوضة ، فتشكل كلية منسجمة متناسقة تسهم في رسم طبيعة المسافة المسطرة في بعدها المتخلى عنه ،بتنسيق جد دقيق، تعيد صناعة المجرات الخفية في بحث دائم عن المفتقد منها . هنا ،تغيب المتلاشيات وتحضر كل أنواع الشرارات المنفلتة بتلاش غريب ، هناك ترسم الشاعرة رشيدة فقري كل أنواع الكينونة التي جعلتها ترى ذاتها تتشظى في الذات الأخرى الملازمة لصيرورتها ، رغبة منها في إعادة صياغة الوجود بمعان مختلفة ، تعبر عن تلك عدة صيغ تعلمتها في حياة غير منسجمة. في هذا البعد الملغي الذي أساسه التقارب تتجلى هي ويحضر هو، فيصبح كل ما تراه ممكنا ،في الوحل الغريب ، مرفوضا ، هناك ، حيث كل شيء غير مرتب ، لأنه محكم بفوضى غير عادية .
أفضل ارتياح بدا لها وهي تهدي بوحها الشعري لكل عاشق محب للكتابة الشعرية ، حددته في قصائد تنسج الحياة بتجليات مختلفة .فجاء نبضا في البداية ، لأنه يغازل دقات القلب ، ثم عصارة لأنه نابع من أعماق تتكلم بلغة المحبة والحياة ، لذلك فتحت بوابة ديوانها بإهداء يتكلم بلغة الحواس أكثر من توظيف الحروف والكلمات ، تقول :
" أهدي نبضي وعصارة روحي لعشاق الشعر بكل ألوانه..." ص 4.
إهداء يحدد طبيعة الشعر الذي تكتب رشيدة فقري ، هو، كما ترى ، نبض ، لأنه يخرج من قلبها ، وهو عصارة روح ، لأنه يشكل كل مساعي الحياة ، التي تنجلي في رؤيتها لعالم غير فاضل ولوجود غير مقبول ، لذلك جاء متعدد الألوان . والديوان باختلاف أنواع الكتابة يبين طبيعة هذا التعدد الذي تتكلم عنه الشاعرة ، فهي تكتب القصيدة العمودية ، كما تكتب النص الشعري النثري ، كما تكتب الومضات الشعرية القصيرة ، وأحيانا الزجل ، فكل أسلوب شعري يمثل مجالا خاصا يلاءم طبيعة تصورها للأشياء التي تحولها نبضا إبداعيا يجعلها تنخرط في كل نسائم الحياة بأذواق متعددة.هذا المعطى يحدد وبوضوح أن الشاعرة تعرف ما تكتب ، كما تعي الأسلوب الملائم للمقامات المختلفة التي تتناسب وطبيعة تصورها لتأويل المعاني الملائمة لشهيتها في استنشاق نسائم الحياة .
بعد الإهداء الوظيفي والدال على عدة مجالات تنقلنا إلى عوالم المؤانسة التي تحدد كل أشكال وألوان الأطباق الفنية التي تدفع بها للبوح. فكانت أول قصيدة بعنوان مثير " المؤنسة"، وهي إشارة عامة لم نفهم معناها في أول إشارة يرشقها ضوء العنوان ، طبعا هي إشارة تثير الدهشة وتدفع إلى السؤال المشروع : من تكون ؟ وما طبيعتها ؟ وما علاقتها بالنبض الذي تكلمت عنه في بداية الديوان ؟ وما خصائص عصارته التي جعلت الشاعرة تلد الكتابة من جوفها المليء بالأسرار؟..أسئلة مشروعة ومثيرة للنقاش ، مما يجعلنا ننتقل إلى عمق القصيدة لنبحث عن أشكال هذه الخصائص التي علقت وأجلت المعرفة الأولى التي ترفع من قيمة الماهيات التي من خلالها ترى رشيدة فقرى الحياة وعبرها ترسم ملامح الوجود بكتابة مشفرة مليئة بالألغاز والرموز؟. فجاء الوجود في صباح عابر بشروط دقيقة ، قالت عنه :
هذا الصباح
بحثت عني ، لم أجدني ...ص28.
طبعا سيدفع هذا الغياب بالشاعرة أن تعيد البحث من جديد عن ما يمكنها أن تجد توازنات أخرى مسعفة للبقاء الأبدي ، في حياة غير مطمئنة ، غير واضحة ، تتحكم فيها عقبات لا حصر لها من المتناقضات، فتحولت إلى الشعر ، بكونه المجال الوحيد من أنصفها ، عندما فتح الأبواب أمامها لتعيد الصرخة من جديد ، فكان بوحا معلقا غير محدد الممرات ، فجاءت القصيدة الأولى من الديوان مرتبطة بصفة دالة سمتها " المتاهة" المعلقة على صيحة فراشة خفيفة الظل ، تلغي المقاربات القديمة كلها عند فتحت صوت البوح على حائط سؤال غريب:
لمن سأبوح؟
طبعا ، هو بوح غير محدد الملامح ، مادام مصدره مجهولا ، كما أنه بوح مؤجل في زمن لم يأت بعد/ المستقبل ، يتضمن شخصا غير معروف ، فكانت "المؤسنة "التي تكلمت عنها في العنوان هي عشق من نوع مختلف ، لأنه جاء مقيدا بأسر خاص ، ومحددا باسم السهم العابر في قلبها الممزق ، فحول ماهية هذا الحب إلى عبودية ، مما رفع من قيمتها فجعلت منه قصة مقدسة تعلو وتتعالى لتتجاوز المادي المحسوس ، لهذا من الطبيعي أن ينجلي بمواصفات خاصة حددت صوره في الصيغ التالية :
عشقتك حتى التهمت الوسادة
وسميتها باسمك السهم يا آسري ،
والهوى في شريعة قلبي عبادة.
عشق يلتحم بها وتمتزج به ليصبحا هما معا ذاتا واحدة ، يتحققان في عناق خاص ، اختارت له ضمادة العمر / وسادة ، جاءت بقوة خارقة تعبيرا عن تلاحم غير عاد ، هو كذلك لأنه متصف بلغة روحية صوفية ، وهي ما سمته في الإهداء بنبض الروح وعصارة العمر، لذلك جاء كل شيء متسما بطابع ترشقه شرارات قلب ينبض بدون توقف ، يرشق الجمر الحارق لكل ما هو مادي مقلق يحيا في روح الانغلاق :
وسادة
عليها القلوب
معا وشوشات تذوب
قلوب
قصيدة تكتب الأوصاف بلغة القلوب المليئة بالمشاعر التي تسيل بشكل دائم ، كما تطعم الروح بطعم الحلويات الساعية إلى لقاء ممكن بقلب غائب ، فأصبحت العبارات مجرد أشكال تعبر عن التيه المفترض ، كما ترسم ملامح عمر يبحث بشكل جلي عن المفتقد الذي فرض عليها أن تتعلق بمؤنس حاضر في مشاعرها فقط ، أما الحقيقي الغائب هو متلاشيات تحصرها في :
ستنهل من حلويات اللقاء،
لهذا جاء البوح ، كما قالت عنه سابقا ، كتابة عن المؤجل ، وحكاية تمهد للمرتقب ، وقصة تتشكل معالمها في معالم ليست حقيقية ، فيبقى كل شيء ، في نظرها ، مجرد أحلام تظهر وتختفي في شعائر وسادة /ضمادة الروح ، تشفي جرح الذات النائمة في نسيم الضياع ، ذاك الذي قالت عنه :
ولو أن قهوتها اليوم (سادة).
وسادة
لقلبي ضمادة....ص5.
قصيدة بملامح متعددة ، استهلت بها ديوانها " متاهة الفراشة " ،تسعى من خلالها ترتيب كل أنواع الحكايات المشفرة التي جعلت منها رشيدة فقيري علامات أولية تتوزع عبرها كل القيم الدلالية التي حددت شكل المتاهة ، كما عرت عن ماهية هذه الفراشة التي تطير بخفتها على كل الممرات التي زرعتها الشاعرة في حقول كتابتها ، وما هذه الفراشة سوى الشاعرة ذاتها التي تتنقل بخفتها لتزين كل حرف بجمال طاهر فرض عليها تأجيل كل أطياف الحياة ، بعد أن وضعتها في مكان آمن ، طاهر ، أخرجها من زمننا ، فأضفى على حكايتها طبائع المحبة المتسمة بنوع مختلف :محبة ذات طابع قدسي بدرجات عالية.
طنين المتلاشيات في ديوان ( فراشة المتاهة ) للشاعرة رشيدة فقري.
هو طنين ، لأن الشاعرة ترسم الأمل في قصائد حب غير متكافئ ، كما هو متاهة لأنه وزع تفاصيل المتاهة بشكل جد متلاش ، مصدره كل الأجزاء المعلقة على سرير قصائد توضح الغامض وتخفي الواضح ، فيصبح الصدى حكاية كتابة تعلق الأمل بشكل متساو على جغرافية غير مرتبة.
أما عن المتلاشيات ، تلك حكاية أخرى جعلت منها الشاعرة موضوع الديوان ككل ، فكلما حاولنا التقرب من إدراك عمق الكلمات تظهر المتاهة في بعدها المركب لتغير مجاري الشراع من جديد فيختفي كل شيء في صيرورة كتابة تخفي أكثر ما تكشف عنه ، فنصبح أمام كتابة بتمفصلات غريبة تكتب عن المتلاشي الزئبقي الذي يرسم لوحة الدلالات بألوان لم تتوقف أبدا عن السيلان.
شكلت هذه المحددات عناصر مهمة وقفنا عندها بدقة عند مواكبتنا لديوان رشيدة فقري (فراشة المتاهة ) فخرجنا بأياد فارغة ، لأن الهواء الذي ينبض في رحم المعاني مجرد هيولى مازالت في طور التكوين ، تنجلي بلا شكل ولا حجم ، مما أهلنا في آخر المطاف ، أن نجد أنفسنا أمام كتابة تعبر عن المتلاشي في طنين الفراغ.لهذه الأسباب ولأخرى سنوضحها أكثر في هذه المواكبة ، جعلتنا الشاعرة نخلص أننا نتواجد أمام ديوان يرشق الطنين في صدى المتلاشيات.
تستهل ديوانها بعبارات هذا التلاشي المسمى ( فراشة المتاهة) بسؤال يخفي عدة دلالات (لمن سأبوح)،لاعتبارات عدة حاولت تأجيل عتبات المتاهة ، نذكر منها :
-1- المعني في السؤال هو إنسان مجهول يعيش في زمن لم يظهر بعد/ المستقل/ سأبوح، مما يعني أنها تخاطب كائنا مازال في مرحلة العدم.
-2- يتحدد الخطاب بشكل محدد بإشارات تحيل على طبيعة حكايتها التي حصرتها في بوح ثائر ومتمرد.
-3-اكتفت بدلالة غامضة تفيد خطابا متمظهرا بمواصفات إنشائية ، مما جعل الكلام معلقا على حائط معان لم تتبلور بعد ، فيتأجل كل شيء ليصبح الموضوع بكل تفاصيله مجموعة من الحكايات
المضمرة في مسار لم يتشكل بعد.
تنجلي بوادر الأفكار المؤجلة في مقام عال جعلت منه أساس منطلقها الشعري، بمحددات يمكننا وصفها على الشكل التالي :
إن الرؤية إلى العالم التي أخفت كينونتها شاعرة تكتب بنبض القلب وبعصارة الروح أساسها : صناعة الفراغ و البحث عن الغائب المفتقد .
يتشكل جسد الديوان في عدة فضاءات يتحكم في نسيجها الفراغ الذي يحتم بالضرورة بناء التباعد، يقرب بينها زمن الصباح ، هناك تحضر ذات متمردة لتلغي ذاتا أخرى مرفوضة ، فتشكل كلية منسجمة متناسقة تسهم في رسم طبيعة المسافة المسطرة في بعدها المتخلى عنه ،بتنسيق جد دقيق، تعيد صناعة المجرات الخفية في بحث دائم عن المفتقد منها . هنا ،تغيب المتلاشيات وتحضر كل أنواع الشرارات المنفلتة بتلاش غريب ، هناك ترسم الشاعرة رشيدة فقري كل أنواع الكينونة التي جعلتها ترى ذاتها تتشظى في الذات الأخرى الملازمة لصيرورتها ، رغبة منها في إعادة صياغة الوجود بمعان مختلفة ، تعبر عن تلك عدة صيغ تعلمتها في حياة غير منسجمة. في هذا البعد الملغي الذي أساسه التقارب تتجلى هي ويحضر هو، فيصبح كل ما تراه ممكنا ،في الوحل الغريب ، مرفوضا ، هناك ، حيث كل شيء غير مرتب ، لأنه محكم بفوضى غير عادية .
أفضل ارتياح بدا لها وهي تهدي بوحها الشعري لكل عاشق محب للكتابة الشعرية ، حددته في قصائد تنسج الحياة بتجليات مختلفة .فجاء نبضا في البداية ، لأنه يغازل دقات القلب ، ثم عصارة لأنه نابع من أعماق تتكلم بلغة المحبة والحياة ، لذلك فتحت بوابة ديوانها بإهداء يتكلم بلغة الحواس أكثر من توظيف الحروف والكلمات ، تقول :
" أهدي نبضي وعصارة روحي لعشاق الشعر بكل ألوانه..." ص 4.
إهداء يحدد طبيعة الشعر الذي تكتب رشيدة فقري ، هو، كما ترى ، نبض ، لأنه يخرج من قلبها ، وهو عصارة روح ، لأنه يشكل كل مساعي الحياة ، التي تنجلي في رؤيتها لعالم غير فاضل ولوجود غير مقبول ، لذلك جاء متعدد الألوان . والديوان باختلاف أنواع الكتابة يبين طبيعة هذا التعدد الذي تتكلم عنه الشاعرة ، فهي تكتب القصيدة العمودية ، كما تكتب النص الشعري النثري ، كما تكتب الومضات الشعرية القصيرة ، وأحيانا الزجل ، فكل أسلوب شعري يمثل مجالا خاصا يلاءم طبيعة تصورها للأشياء التي تحولها نبضا إبداعيا يجعلها تنخرط في كل نسائم الحياة بأذواق متعددة.هذا المعطى يحدد وبوضوح أن الشاعرة تعرف ما تكتب ، كما تعي الأسلوب الملائم للمقامات المختلفة التي تتناسب وطبيعة تصورها لتأويل المعاني الملائمة لشهيتها في استنشاق نسائم الحياة .
بعد الإهداء الوظيفي والدال على عدة مجالات تنقلنا إلى عوالم المؤانسة التي تحدد كل أشكال وألوان الأطباق الفنية التي تدفع بها للبوح. فكانت أول قصيدة بعنوان مثير " المؤنسة"، وهي إشارة عامة لم نفهم معناها في أول إشارة يرشقها ضوء العنوان ، طبعا هي إشارة تثير الدهشة وتدفع إلى السؤال المشروع : من تكون ؟ وما طبيعتها ؟ وما علاقتها بالنبض الذي تكلمت عنه في بداية الديوان ؟ وما خصائص عصارته التي جعلت الشاعرة تلد الكتابة من جوفها المليء بالأسرار؟..أسئلة مشروعة ومثيرة للنقاش ، مما يجعلنا ننتقل إلى عمق القصيدة لنبحث عن أشكال هذه الخصائص التي علقت وأجلت المعرفة الأولى التي ترفع من قيمة الماهيات التي من خلالها ترى رشيدة فقرى الحياة وعبرها ترسم ملامح الوجود بكتابة مشفرة مليئة بالألغاز والرموز؟. فجاء الوجود في صباح عابر بشروط دقيقة ، قالت عنه :
هذا الصباح
بحثت عني ، لم أجدني ...ص28.
طبعا سيدفع هذا الغياب بالشاعرة أن تعيد البحث من جديد عن ما يمكنها أن تجد توازنات أخرى مسعفة للبقاء الأبدي ، في حياة غير مطمئنة ، غير واضحة ، تتحكم فيها عقبات لا حصر لها من المتناقضات، فتحولت إلى الشعر ، بكونه المجال الوحيد من أنصفها ، عندما فتح الأبواب أمامها لتعيد الصرخة من جديد ، فكان بوحا معلقا غير محدد الممرات ، فجاءت القصيدة الأولى من الديوان مرتبطة بصفة دالة سمتها " المتاهة" المعلقة على صيحة فراشة خفيفة الظل ، تلغي المقاربات القديمة كلها عند فتحت صوت البوح على حائط سؤال غريب:
لمن سأبوح؟
طبعا ، هو بوح غير محدد الملامح ، مادام مصدره مجهولا ، كما أنه بوح مؤجل في زمن لم يأت بعد/ المستقبل ، يتضمن شخصا غير معروف ، فكانت "المؤسنة "التي تكلمت عنها في العنوان هي عشق من نوع مختلف ، لأنه جاء مقيدا بأسر خاص ، ومحددا باسم السهم العابر في قلبها الممزق ، فحول ماهية هذا الحب إلى عبودية ، مما رفع من قيمتها فجعلت منه قصة مقدسة تعلو وتتعالى لتتجاوز المادي المحسوس ، لهذا من الطبيعي أن ينجلي بمواصفات خاصة حددت صوره في الصيغ التالية :
عشقتك حتى التهمت الوسادة
وسميتها باسمك السهم يا آسري ،
والهوى في شريعة قلبي عبادة.
عشق يلتحم بها وتمتزج به ليصبحا هما معا ذاتا واحدة ، يتحققان في عناق خاص ، اختارت له ضمادة العمر / وسادة ، جاءت بقوة خارقة تعبيرا عن تلاحم غير عاد ، هو كذلك لأنه متصف بلغة روحية صوفية ، وهي ما سمته في الإهداء بنبض الروح وعصارة العمر، لذلك جاء كل شيء متسما بطابع ترشقه شرارات قلب ينبض بدون توقف ، يرشق الجمر الحارق لكل ما هو مادي مقلق يحيا في روح الانغلاق :
وسادة
عليها القلوب
معا وشوشات تذوب
قلوب
قصيدة تكتب الأوصاف بلغة القلوب المليئة بالمشاعر التي تسيل بشكل دائم ، كما تطعم الروح بطعم الحلويات الساعية إلى لقاء ممكن بقلب غائب ، فأصبحت العبارات مجرد أشكال تعبر عن التيه المفترض ، كما ترسم ملامح عمر يبحث بشكل جلي عن المفتقد الذي فرض عليها أن تتعلق بمؤنس حاضر في مشاعرها فقط ، أما الحقيقي الغائب هو متلاشيات تحصرها في :
ستنهل من حلويات اللقاء،
لهذا جاء البوح ، كما قالت عنه سابقا ، كتابة عن المؤجل ، وحكاية تمهد للمرتقب ، وقصة تتشكل معالمها في معالم ليست حقيقية ، فيبقى كل شيء ، في نظرها ، مجرد أحلام تظهر وتختفي في شعائر وسادة /ضمادة الروح ، تشفي جرح الذات النائمة في نسيم الضياع ، ذاك الذي قالت عنه :
ولو أن قهوتها اليوم (سادة).
وسادة
لقلبي ضمادة....ص5.
قصيدة بملامح متعددة ، استهلت بها ديوانها " متاهة الفراشة " ،تسعى من خلالها ترتيب كل أنواع الحكايات المشفرة التي جعلت منها رشيدة فقيري علامات أولية تتوزع عبرها كل القيم الدلالية التي حددت شكل المتاهة ، كما عرت عن ماهية هذه الفراشة التي تطير بخفتها على كل الممرات التي زرعتها الشاعرة في حقول كتابتها ، وما هذه الفراشة سوى الشاعرة ذاتها التي تتنقل بخفتها لتزين كل حرف بجمال طاهر فرض عليها تأجيل كل أطياف الحياة ، بعد أن وضعتها في مكان آمن ، طاهر ، أخرجها من زمننا ، فأضفى على حكايتها طبائع المحبة المتسمة بنوع مختلف :محبة ذات طابع قدسي بدرجات عالية.