إن المتأمل في لوحة نجلاء لحبيبي؛ سيظهر له؛ على المستوى الخارجي أو السطحي؛ انه يتحرك في عوالم لوحة تتشكل وتبنى حسب معمار تتحكم فيه الصور التالية:
في الوسط تنجلي امرأة بشكل مميز؛ بسمات مختلفة؛ منها القطيب/الفولار المزركش بألوان جمالية مختلفة؛ ألوان تتميز بالتناغم والانسجام؛ تناغم تركيبي ببعدين متلازمين: الأول دلالي والآخر خطابي؛، يمكن تحديد ابعادهما وأشكال تمفصلاتهما على الشكل التالي:
_1_البناء الدلالي :
قطيب/فولار يغطي الراس؛ على المستوى الأعلى؛ من جهة الشعر كاملا؛ كما هو مزين بألوان تحيل على الجمال والفرح والاطمئنان؛ وهي إشارة بنائية دالة جعلت الفنانة تشتغل باحترام كل عناصر البناء بتنظيم عوالمها بتحديد تجليات المعمار من خلال تناغم جمال الألوان في علاقته بالوجه ككل؛ بصفته يشكل كلية متلاحمة العناصر؛ هي مجموعة تحيل على الوجه الايجابي والدلالة التفاؤلية المبنية على رسم أولى بدايات تحقق العمق الدلالي الخفي في كل تمفصلات اللوحة ؛ بصفتها كلية دالة.
قطيب ينجلي يسمات تحيل على ثقافة الصناعة الأطلسية(المرأة الامازيغية/خاصة منها الشيخة/الفنانة) من جغرافية المغرب؛ هي إحالة تدل ان المرأة المتكلم عنها هي المرأة المغربية عامة وبشكل اكثر تحديدا المرأة الأطلسية الشيخة الامازيغية على وجه الخصوص.
فولار/ قطيب يغطي أعلى الراس؛ يخفي الشعر كاملا؛ زاد من الجمال بهاء وجودة عقد من الحلي بين العينين وأعلى الوجه/الجبين؛ عقد تقليدي أبيض اللون؛ وضع في مكان دقيق فوق عينين سوداوين؛ مرسومين بريشة فنانة؛ وخدين مزينين بصباغة متماسكة مع الوجه؛ ومتماسكة مع الفولار/القطيب؛ وقريبة الدلالة من تموقع العينين؛ لامعين بالأحمر المثير؛ قرب فم شبقي جنسي البعد وشبقي الإثارة؛ وهي علامة ستفيدنا في فهم دلالة البعد الخطابي للوحة نجلاء لحبيبي ؛ خاصة عندما نتكلم عن المرسل إليه من وراء نص اللوحة او رسالة ذات المعاني المشتتة بتماسك تام.
امراة تمسك دفا/بنديرا بلون مثير؛ يغلب عليه اللون البني المغلق في وسطه؛ اما الدائرة المؤطرة له فتحددها بلون بني اكثر انغلاقا في بنيته؛ وهي إشارات لونية مقصودة؛من جهة تحيل على تجاذب الألوان الدالة على الهيحان ومن جهة أخرى ترسل شفرات الجمال؛ فنصبح بذلك امام شكلين من أشكال التواصل:اولهما جاذب والثاني مهيج وهائج؛ لكن وجود الطائر بإشارته المرسلة بلغة عندليبية الصوت في قاع البندير يصبح الهيجان مميزا بطابع عندليبي محض. لكن الملاحظة التي ركزت عليها الفنانة هي تموضع الطائرين(العندليبين) أحدهما ينقر الدف/البندير فيرسل عبره صوته المليء بألوان الدفء وبعذوبة الجمال الصوتي؛ في الجهة الاخرى (الأعلى) نجد عندليبا آخر ينقر بصوته في اذن المرأة الحاملة للبندير؛ فنتحول بذلك إلى دلالات عميقة كلها تتكلم عن فنانة تتلقى الجمال من لون جمالها؛ كما تتلقى الصوت الرائع الجميل من آلات مثيرة بهندستها وموقعها؛ هما معا يشكلان شفرتان ترميزيتان بإشارات محددة:
أ_دف جاذب وهائج.
ب_كمان بلون سماوي ؛ محدد في اغلبه بلون الايجاب؛وطرف آخر أسود؛ وهي إحالات لونية دالة على العمق الموسيقي المميز بذوق عال الجودة.
فوق رأس الطائر الذي ينقر البندير نرى وجها ذكوريا باهت الحضور ؛ ينتعش بابتسامة أخفتها الفنانه؛ كما وضعتها قرب ذبذبات الموسيقى التي تسيل من خرجاتها.
كل هذه الصور تشكل إيقونات موزعة بترتيب متعال؛ تتجلى واضحة؛ بصفتها اشكال فنية متناسقة بفن دقيق ساهمت بدرجات متفاوته في صناعةالبناء الدلالي.
كل عنصر يدل على عالم خاص في صناعة الفنانة. يتحدد بتمظهرات متعددة؛ ساهمت في بناء معمار العمق الدلالي بكلية متماسكة ومنسجمة.
2_البناء الخطابي:
رسالة فنية بسارد خفي ومسرود له ؛يموضعه الحاكي /ة بتمفصلات مختلفة؛ لكنها وفق ترتبيات يؤسسها خطاب منظم بمحددات حوارية؛ يبني علاقة بين مرسل يسعى الاقناع ومرسل اليه يظهر بوظيفة تميل إلى التأويل؛ ليؤسسا معا خطابا مبنيا على لعبة إثنانية مشكلة من :
الانا_الحاكية____الفنان/الساعية نحو الإقناع. .
الآخر___المرسل إليه الحاضر بقوة الحوارية والمحادثة المتضمنة في نص اللوحة؛ بصفتها العنصر العاشق للفن التشكيلي الجميل.
فنصبح أمام لوحة بتسنينات مختلفة اساسها التعالق والتلازم المبني على الحوارية المتنافرة التي يتحكم فيها البناء الازدواجي التضادي ؛ الذي يقود نحو البناءالتام ؛ لتصنع تركيبات مفروضة قسرية تتداخل فيما بينها لتؤسس خطابا متماسكا يتكلم عن مسار شيخة تنتمي إلى الحقل الموسيقي التراثي المغربي الأصيل والمعاصر؛ بتمظهرات تحضر وتغيب على الشكل التالي:
_أ_ ثقافة اصيلة: لأنها احترمت قواعد تراثية معهودة/الفولار(القطيب) وأساليب الزينة.
_ _ب _ثقافة معاصرة :كل علامات البناء تشكل سمات امراة حداثية تنتمي الى الزمن المعاصر الذي نعيشه.
* بلاغة الألوان ووظيفتها في بناء التراكيب الدلالية والخطابية.
اختارت الفنانة التشكيلية مجموعة من الألوان لبناء معمار لوحتها بضوابط جد دقيقية؛ سنحدد مستوياتها وعناصر صياغتها حسب الشكل التالي:
احتل اللون الأحمر وسط الصورة؛ خاصة على مستوى الرأس؛ مع بعض النبشات في راس الطائرين؛ وعلى خذ وجه الشيخة؛ إلى جانب البني المغلق وسط البندير؛ وفي دائرته الخشبية؛، مع بعض الشذرات من الأصفر في جسم الطائر دائما؛ وفي فولار المرأة؛ ثم الأزرق السماوي على جزء محدد من الكمان وفي جسم الطائرين؛ إلى جانب الأبيض في كل مواقع اللوحة مشتتا بكيفية مضبوطة؛ ثم الأبيض المنكسر مع البني الخفيف لصناعة الموجات الموسيقية.
ألوان في كليتها تنتج دلالة واحدة بوجوه لونية مختلفة. تصنع الموجات الحارة والحارقة ؛ كالإثارة الناتجة عن صوت الايقاعات المتعددة التي ترسلها أصوات العندليب التي تدخل من اذن الشيخة وتخرج من فمها؛ كما هي ألوان تصنع الجمال بجمال لون السماء ولون الطهارة والنقاء/الابيض؛ ولون الرشاقة التي ينزلها من جمال المرأة المتشعب الابتكارات. كلها ألوان في كليتها تدل عن إشارات إيجابية شاءتها الفنانة خطابا دلاليا تواصليا بينها وبين مرسل إليه افتراضي تخاطبه بعدة إشارات؛ خاصة الرجل الخشن المنتشي بساديته المخفية في عمق مجروح ومضطرب. وهو ما جعلها ترسمه باهتا تعبيرا دال هن رؤيته الباهتة ودلالة عن صغر تفكيره وإشارات كلها ألغاز تقتضي حوارا مبنيا على بنية الألغاز المنسية في تاريخ لا يرحم.
بنية التراكبب الخطابية والمحادثاتية في لوحة نجلاء لحبيبي.
_بنية التراكيب الخطابية:
*على مستوى الزمن: لوحة من خلال سمات صورة الشيخة تتكلم عن شكل فني موسيقي بمواصفتين:
أ_ تراث أصيل : حاولت لحبيبي؛ من خلال محاورة القارئ/المهتم ؛ان ترسل رسالة لشيخة تمارس فن الغناء باحترام أشكال أصيلة في مرجعيتنا التاريخية؛ ،لعل الفولار /القطيب؛ بطابعه الأصيل واستحضار وسيلة من وسائل الزينة تسمى في ثقافتنا الشعبية بخيط الروح إلا دليلا على احترامها للاصول العريقة في تراثنا الثقافي ومعطى ينتمي إلى الحقل الانثروبولوجي الدال عن العمق الماضوي في التصور الفني عند الشيخة المغربية.
ب_ عصرنة الزمن ا:
جل أشكال التزيين؛ منها صباغة الوجه والآت الموسيقية وشكل هندسة الدف؛ كلها عناصر بنائية أدخلت هذا الفن؛ حسب اللوحة ؛ إلى زمننا المعاش.
على مستوى المكان:
لوحة بتعبيرات دقيقة تدل على موقع مكاني تابث وقار؛ صورة تعبر عن المنطقة الاطلسية من جغرافية شموخ المغرب؛ كما توحي عن رؤية مكانية دقيقة تحددها سمات اللباس وأشكال رسم الوجه.
محددات ثلاث تفيدنا ان عناصر التخطيب حاضرة؛ تحددها الإشارات الثلات: انا.. الان.. هنا..
وهي ما تسمى عناصر بنية التخطيب dèscours dêscursifs
أقطاب الخطاب:
سارد خفي تدل عليه كل الآليات الموظفة في اللوحة؛ مما يجعلنا نستحضر عمق حكاية السارد ؛ وهي حكاية عبرت عنها بحرارة عناصرالإثارة وبلغة الهيجان الموسيقي؛ وبانتعاشة الرجل الباهت الذي يتعايش مع حرارة النقل الموسيقي؛ كما عبرت عنها الطريقة التي اصبحت بها الشيخة تتحدى نظام مجتمعنا الغارق في بطشه وطبيعة الثقافات المستبدة؛ ؛ فجعلت من صيحتها صوتا عندليبيا في كل مرافق اللوحة؛ سواء من خلال حضور العندليب في دفء الدف؛ أو في تجاوبه الموسيقي من خلال حاسة السمع الجميل؛ الذي جعل الشيخة تنقل لغة الدف العندليبية بصوت عندليبي مسموع ومتلقى في خطاباتها المتعددة. هذه العمليات تحاول بها نجلاء لحبيبي ان تبني لغة الاقناع بأن صوتها؛ في كل صورها؛ ينقل الواقع المعاش في العيطة المغربية؛ لكن الحقيقي ان حكايتها ترسل أفعالا تنقل فعل الاعتقاد بسر الحقيقة؛ كما تمارس لعبة إرسال أثار الحقيقةالكامنة في كل مقومات عمرانها الفني.
- طبيعة المسرود له في لوحة نجلاء لحبيبي:
ضمنيا يستحضر السارد مسرودا له؛ هنا يمكننا ان نميز بين المؤلف الحقيقي /صاحب اللوحة الذي هو منطقيا نجلاء لحبيبي وبين مؤلف ضمني الذي نراه ويرانا من خلال استحضار مسرودا له ضمنيا يخاطبه بأشكال معرفية وفنية مختلفة ومتعددة؛ من جانب المؤلف يلزم السارد ان يقنع المسرود له بحكاية فنية عنوانها نص موسيقي وموضوعها شيخة من شيخات المغرب تمثل مكانا محددا من أمكنة المغرب الأقصي؛ هنا سنتكلم عن الشيخة الامازيغية التي ترمز لها اللوحة بسمات الفولار/القطيب كإحالة مؤشراتية وكنص تسنيني يحدد موقعا إنسانيا في جغرافية محددة ؛ من خلالها يتمطط الخطاب ويخرج من الجغرافية الضيقة ليصبح الكلام يعني الشيخة المغربية عامة؛ وبعدها المراة المتحررة التي اخترقت نظام الاسرة المحافظ؛ الذي يرغب في حصر المرأة في البيت لتؤدي مهاما جد واضحة لا تتعدى الطبخ والانجاب والجنس وخدمة الرجل؛ بصفتها ضلعا اعوجا أو ناقصة عقل ودين؛ وهو اعتقاد خاطئ في فهم النص الديني الذي رفع من قيمتها وشأنها في كل مجالات الحياة. وهي كلها معطيات ترفضها الفنانة التي تمثل المؤلف الضمني المختفي في عمق الصورة والدال عن إنسانة لها من الحسنات ما جعل منها امرأة بمواصفات خارقة؛ يدل عليه جمالها وفنها ودورها الريادي في الحفاظ على الأصالة وتمثيل التراث العميق الذي يشكل جنسا مغروسا في عمقنا الحضاري و دمنا التاريخي الأصيل؛ كما تمثل نموذجا عصرانيا لها من الامكانيات ما يجعل منها أن تقوم بمهام خاصة؛ شأنها شان الرجل؛ فتخترق بذلك قانون الفكر الذكوري الرافض. للوصول إلى الحق النسائي الجدير بالاهتمام والمتابعة. لوحة تؤسس العلاقة بين سارد نصي في لوحة بمواصفات يجعل منها الحاكي رواية إقناعية بأصوات مختلفة ومسرود له يعيد التأويل من جديد بتمظهرات أخرى مرتبة بالرؤية التي يتوقف حولها كل من المؤلف الحقيقي/نجلاء لحبيبي والمؤلف المضمن او الضمني ليصنعا معا كتابة بلغة اللون وبكلمات الريشة ؛ طبعا بحضور قارئ خفي ومسرود له ضمني خفي موجود بقوة الفعل القرائي في لوحة تريد ان تقول الكثير في خطابها السيميوطيقي المشفر برسالة كلها تمفصلات وبناءات مبنية على منطق الازدواحيات؛ مما جعل منها بناء مبنيا على فعل المجابهة بالمعنى السيميائي الحديث؛ الذي يركز على قاعدة المجابهة والمحاورة الجدالية؛ كل واحد يسعى إتباث ذاته؛ فتتأسس بذلك لوحة بمحادثات متعددة الإحالات كل أسسها شروط دلالية؛ تركيبية؛ تحويلية ؛ توليدية.
خاتمة:
عوالم لحبيبي نجلاء ؛ من خلال لوحة لشيخة من شيخات المغرب؛ تمثل صناعة فنية تبني دنيا الجمال بصور ذات أبعاد متنوعة؛ منها ماهو دلالي وآخر خطابي؛ ثم فني؛ فجعتلنا أمام صناعة تؤسس العالم الخاص بالفن الموسيقي؛ خاصة منه فن العيطة ؛الذي تعد فيه الشيخة المغربية؛ نموذجا رافضا ومتمردا عن كل أشكال التبعيةوالاستغلال الاجتماعي المحافظ المبني على قيم التناقض ؛حاولت نجلاء لحبيبي ؛ من خلال هذا الفن الأصيل؛ ان تغير المعادلات الوهمية والكاذبة؛ التي تؤسس فكر التمزقات والأوهام الهشة والظالمة؛ فتكون بذلك الفنانة ؛ من خلال لوحتها؛ قد حاولت ان تتكلم بلغة امرأة تصنع الضجيج الراقد والمختفي؛ كما ترتب عيوب الصمت الملعون؛ فتضعنا أمام إشكال واضح الدلالة؛ عنوانه يجب إعادة النظر لي ثقافة ذكورية ماكرة؛ صورتهاباهتة ومبهمة؛ جعل منه رجلا محتكر وميتبد التوجه أساسه مبني على نظام تاريخي له مواصفات خاصة ومحددة ؛كما له مرجعية خاصة تهدف الحفاظ على الماضي الأسود بفهم تقليدي جامد ومتخلف؛ يكرر طببعة النظرة إلى الجسد الانثوي بعين ترى ما تريد.
معطيات جعلتنا نعتبر لوحة لحبيبي تشكل رسالة ذات أقطاب متعددة التوجهات؛ تنقل الحكاية بتأويلات مختلفة عن النظرة التقليدية القديمة؛ الذي ترى أن المراة كائن خرافي؛ وصناعة ذكورية وظيفتها محصورة في مهام يتمتع بها الذكر المستبد بثقافة اصبحت متجاوزة؛ لهذا كانت الغاية من اللوحة/الرسالة بناء طرح جديد الغاية منه إعادة النظر في كل القراءات القديمة السالبة لموضوع الشيخة؛ مادامت حسب الصورة؛ ومن خلال رؤية لحبيبي؛ تشكل ثقافة القطيع ؛ أسسها نظام متخلف يشتغل بمرجعيات مريضة ومتجاوزة.
نظرة فنية تموقعنا في عمق الألم؛ وتوجهنا إلى الحقيقة التي فرضتها الفنانة ؛ فجعلتها ترسم الرجل في قالب كاريكاتوري؛ شكل ذكر باهت؛ منطقه مضبب وأحلامه مجرد رؤى تجاوزها العصر؛ فأصبحت أساليب مغضوب عنها.
كلها مؤشرات فكرية تتحول من الرؤيا إلى القماش لتخرج روحا تتكلم بلغة الشفرات اللونية الصارخة.
تلك مظاهر لوحة لشيخة/فنانة جميلة؛ بصورتها العندليبية وصوتها الملائكي وأصالتها العربقة في تراث يتحرك فينا ؛ لتتحول صناعة اللوحة إلى امرأة حقيقية معاصرة نسيها الزمن وأعاد الفن كائنها الباهت بصيغته الخاصة.
خلاصة عامة:
الخطاب العميق في لوحة نجلاء لحبببي هو خطاب يتضمن عدة إشارات كلها رؤى ومواقف تدافع عن المرأة الشيخة الحالمة الحاملة لمشروع وقضية؛اي الشيخة المناضلة التي تهدف إلى إنتاج خطاب فني هدفه التغيير خدمة للإنسان والفن.
في الوسط تنجلي امرأة بشكل مميز؛ بسمات مختلفة؛ منها القطيب/الفولار المزركش بألوان جمالية مختلفة؛ ألوان تتميز بالتناغم والانسجام؛ تناغم تركيبي ببعدين متلازمين: الأول دلالي والآخر خطابي؛، يمكن تحديد ابعادهما وأشكال تمفصلاتهما على الشكل التالي:
_1_البناء الدلالي :
قطيب/فولار يغطي الراس؛ على المستوى الأعلى؛ من جهة الشعر كاملا؛ كما هو مزين بألوان تحيل على الجمال والفرح والاطمئنان؛ وهي إشارة بنائية دالة جعلت الفنانة تشتغل باحترام كل عناصر البناء بتنظيم عوالمها بتحديد تجليات المعمار من خلال تناغم جمال الألوان في علاقته بالوجه ككل؛ بصفته يشكل كلية متلاحمة العناصر؛ هي مجموعة تحيل على الوجه الايجابي والدلالة التفاؤلية المبنية على رسم أولى بدايات تحقق العمق الدلالي الخفي في كل تمفصلات اللوحة ؛ بصفتها كلية دالة.
قطيب ينجلي يسمات تحيل على ثقافة الصناعة الأطلسية(المرأة الامازيغية/خاصة منها الشيخة/الفنانة) من جغرافية المغرب؛ هي إحالة تدل ان المرأة المتكلم عنها هي المرأة المغربية عامة وبشكل اكثر تحديدا المرأة الأطلسية الشيخة الامازيغية على وجه الخصوص.
فولار/ قطيب يغطي أعلى الراس؛ يخفي الشعر كاملا؛ زاد من الجمال بهاء وجودة عقد من الحلي بين العينين وأعلى الوجه/الجبين؛ عقد تقليدي أبيض اللون؛ وضع في مكان دقيق فوق عينين سوداوين؛ مرسومين بريشة فنانة؛ وخدين مزينين بصباغة متماسكة مع الوجه؛ ومتماسكة مع الفولار/القطيب؛ وقريبة الدلالة من تموقع العينين؛ لامعين بالأحمر المثير؛ قرب فم شبقي جنسي البعد وشبقي الإثارة؛ وهي علامة ستفيدنا في فهم دلالة البعد الخطابي للوحة نجلاء لحبيبي ؛ خاصة عندما نتكلم عن المرسل إليه من وراء نص اللوحة او رسالة ذات المعاني المشتتة بتماسك تام.
امراة تمسك دفا/بنديرا بلون مثير؛ يغلب عليه اللون البني المغلق في وسطه؛ اما الدائرة المؤطرة له فتحددها بلون بني اكثر انغلاقا في بنيته؛ وهي إشارات لونية مقصودة؛من جهة تحيل على تجاذب الألوان الدالة على الهيحان ومن جهة أخرى ترسل شفرات الجمال؛ فنصبح بذلك امام شكلين من أشكال التواصل:اولهما جاذب والثاني مهيج وهائج؛ لكن وجود الطائر بإشارته المرسلة بلغة عندليبية الصوت في قاع البندير يصبح الهيجان مميزا بطابع عندليبي محض. لكن الملاحظة التي ركزت عليها الفنانة هي تموضع الطائرين(العندليبين) أحدهما ينقر الدف/البندير فيرسل عبره صوته المليء بألوان الدفء وبعذوبة الجمال الصوتي؛ في الجهة الاخرى (الأعلى) نجد عندليبا آخر ينقر بصوته في اذن المرأة الحاملة للبندير؛ فنتحول بذلك إلى دلالات عميقة كلها تتكلم عن فنانة تتلقى الجمال من لون جمالها؛ كما تتلقى الصوت الرائع الجميل من آلات مثيرة بهندستها وموقعها؛ هما معا يشكلان شفرتان ترميزيتان بإشارات محددة:
أ_دف جاذب وهائج.
ب_كمان بلون سماوي ؛ محدد في اغلبه بلون الايجاب؛وطرف آخر أسود؛ وهي إحالات لونية دالة على العمق الموسيقي المميز بذوق عال الجودة.
فوق رأس الطائر الذي ينقر البندير نرى وجها ذكوريا باهت الحضور ؛ ينتعش بابتسامة أخفتها الفنانه؛ كما وضعتها قرب ذبذبات الموسيقى التي تسيل من خرجاتها.
كل هذه الصور تشكل إيقونات موزعة بترتيب متعال؛ تتجلى واضحة؛ بصفتها اشكال فنية متناسقة بفن دقيق ساهمت بدرجات متفاوته في صناعةالبناء الدلالي.
كل عنصر يدل على عالم خاص في صناعة الفنانة. يتحدد بتمظهرات متعددة؛ ساهمت في بناء معمار العمق الدلالي بكلية متماسكة ومنسجمة.
2_البناء الخطابي:
رسالة فنية بسارد خفي ومسرود له ؛يموضعه الحاكي /ة بتمفصلات مختلفة؛ لكنها وفق ترتبيات يؤسسها خطاب منظم بمحددات حوارية؛ يبني علاقة بين مرسل يسعى الاقناع ومرسل اليه يظهر بوظيفة تميل إلى التأويل؛ ليؤسسا معا خطابا مبنيا على لعبة إثنانية مشكلة من :
الانا_الحاكية____الفنان/الساعية نحو الإقناع. .
الآخر___المرسل إليه الحاضر بقوة الحوارية والمحادثة المتضمنة في نص اللوحة؛ بصفتها العنصر العاشق للفن التشكيلي الجميل.
فنصبح أمام لوحة بتسنينات مختلفة اساسها التعالق والتلازم المبني على الحوارية المتنافرة التي يتحكم فيها البناء الازدواجي التضادي ؛ الذي يقود نحو البناءالتام ؛ لتصنع تركيبات مفروضة قسرية تتداخل فيما بينها لتؤسس خطابا متماسكا يتكلم عن مسار شيخة تنتمي إلى الحقل الموسيقي التراثي المغربي الأصيل والمعاصر؛ بتمظهرات تحضر وتغيب على الشكل التالي:
_أ_ ثقافة اصيلة: لأنها احترمت قواعد تراثية معهودة/الفولار(القطيب) وأساليب الزينة.
_ _ب _ثقافة معاصرة :كل علامات البناء تشكل سمات امراة حداثية تنتمي الى الزمن المعاصر الذي نعيشه.
* بلاغة الألوان ووظيفتها في بناء التراكيب الدلالية والخطابية.
اختارت الفنانة التشكيلية مجموعة من الألوان لبناء معمار لوحتها بضوابط جد دقيقية؛ سنحدد مستوياتها وعناصر صياغتها حسب الشكل التالي:
احتل اللون الأحمر وسط الصورة؛ خاصة على مستوى الرأس؛ مع بعض النبشات في راس الطائرين؛ وعلى خذ وجه الشيخة؛ إلى جانب البني المغلق وسط البندير؛ وفي دائرته الخشبية؛، مع بعض الشذرات من الأصفر في جسم الطائر دائما؛ وفي فولار المرأة؛ ثم الأزرق السماوي على جزء محدد من الكمان وفي جسم الطائرين؛ إلى جانب الأبيض في كل مواقع اللوحة مشتتا بكيفية مضبوطة؛ ثم الأبيض المنكسر مع البني الخفيف لصناعة الموجات الموسيقية.
ألوان في كليتها تنتج دلالة واحدة بوجوه لونية مختلفة. تصنع الموجات الحارة والحارقة ؛ كالإثارة الناتجة عن صوت الايقاعات المتعددة التي ترسلها أصوات العندليب التي تدخل من اذن الشيخة وتخرج من فمها؛ كما هي ألوان تصنع الجمال بجمال لون السماء ولون الطهارة والنقاء/الابيض؛ ولون الرشاقة التي ينزلها من جمال المرأة المتشعب الابتكارات. كلها ألوان في كليتها تدل عن إشارات إيجابية شاءتها الفنانة خطابا دلاليا تواصليا بينها وبين مرسل إليه افتراضي تخاطبه بعدة إشارات؛ خاصة الرجل الخشن المنتشي بساديته المخفية في عمق مجروح ومضطرب. وهو ما جعلها ترسمه باهتا تعبيرا دال هن رؤيته الباهتة ودلالة عن صغر تفكيره وإشارات كلها ألغاز تقتضي حوارا مبنيا على بنية الألغاز المنسية في تاريخ لا يرحم.
بنية التراكبب الخطابية والمحادثاتية في لوحة نجلاء لحبيبي.
_بنية التراكيب الخطابية:
*على مستوى الزمن: لوحة من خلال سمات صورة الشيخة تتكلم عن شكل فني موسيقي بمواصفتين:
أ_ تراث أصيل : حاولت لحبيبي؛ من خلال محاورة القارئ/المهتم ؛ان ترسل رسالة لشيخة تمارس فن الغناء باحترام أشكال أصيلة في مرجعيتنا التاريخية؛ ،لعل الفولار /القطيب؛ بطابعه الأصيل واستحضار وسيلة من وسائل الزينة تسمى في ثقافتنا الشعبية بخيط الروح إلا دليلا على احترامها للاصول العريقة في تراثنا الثقافي ومعطى ينتمي إلى الحقل الانثروبولوجي الدال عن العمق الماضوي في التصور الفني عند الشيخة المغربية.
ب_ عصرنة الزمن ا:
جل أشكال التزيين؛ منها صباغة الوجه والآت الموسيقية وشكل هندسة الدف؛ كلها عناصر بنائية أدخلت هذا الفن؛ حسب اللوحة ؛ إلى زمننا المعاش.
على مستوى المكان:
لوحة بتعبيرات دقيقة تدل على موقع مكاني تابث وقار؛ صورة تعبر عن المنطقة الاطلسية من جغرافية شموخ المغرب؛ كما توحي عن رؤية مكانية دقيقة تحددها سمات اللباس وأشكال رسم الوجه.
محددات ثلاث تفيدنا ان عناصر التخطيب حاضرة؛ تحددها الإشارات الثلات: انا.. الان.. هنا..
وهي ما تسمى عناصر بنية التخطيب dèscours dêscursifs
أقطاب الخطاب:
سارد خفي تدل عليه كل الآليات الموظفة في اللوحة؛ مما يجعلنا نستحضر عمق حكاية السارد ؛ وهي حكاية عبرت عنها بحرارة عناصرالإثارة وبلغة الهيجان الموسيقي؛ وبانتعاشة الرجل الباهت الذي يتعايش مع حرارة النقل الموسيقي؛ كما عبرت عنها الطريقة التي اصبحت بها الشيخة تتحدى نظام مجتمعنا الغارق في بطشه وطبيعة الثقافات المستبدة؛ ؛ فجعلت من صيحتها صوتا عندليبيا في كل مرافق اللوحة؛ سواء من خلال حضور العندليب في دفء الدف؛ أو في تجاوبه الموسيقي من خلال حاسة السمع الجميل؛ الذي جعل الشيخة تنقل لغة الدف العندليبية بصوت عندليبي مسموع ومتلقى في خطاباتها المتعددة. هذه العمليات تحاول بها نجلاء لحبيبي ان تبني لغة الاقناع بأن صوتها؛ في كل صورها؛ ينقل الواقع المعاش في العيطة المغربية؛ لكن الحقيقي ان حكايتها ترسل أفعالا تنقل فعل الاعتقاد بسر الحقيقة؛ كما تمارس لعبة إرسال أثار الحقيقةالكامنة في كل مقومات عمرانها الفني.
- طبيعة المسرود له في لوحة نجلاء لحبيبي:
ضمنيا يستحضر السارد مسرودا له؛ هنا يمكننا ان نميز بين المؤلف الحقيقي /صاحب اللوحة الذي هو منطقيا نجلاء لحبيبي وبين مؤلف ضمني الذي نراه ويرانا من خلال استحضار مسرودا له ضمنيا يخاطبه بأشكال معرفية وفنية مختلفة ومتعددة؛ من جانب المؤلف يلزم السارد ان يقنع المسرود له بحكاية فنية عنوانها نص موسيقي وموضوعها شيخة من شيخات المغرب تمثل مكانا محددا من أمكنة المغرب الأقصي؛ هنا سنتكلم عن الشيخة الامازيغية التي ترمز لها اللوحة بسمات الفولار/القطيب كإحالة مؤشراتية وكنص تسنيني يحدد موقعا إنسانيا في جغرافية محددة ؛ من خلالها يتمطط الخطاب ويخرج من الجغرافية الضيقة ليصبح الكلام يعني الشيخة المغربية عامة؛ وبعدها المراة المتحررة التي اخترقت نظام الاسرة المحافظ؛ الذي يرغب في حصر المرأة في البيت لتؤدي مهاما جد واضحة لا تتعدى الطبخ والانجاب والجنس وخدمة الرجل؛ بصفتها ضلعا اعوجا أو ناقصة عقل ودين؛ وهو اعتقاد خاطئ في فهم النص الديني الذي رفع من قيمتها وشأنها في كل مجالات الحياة. وهي كلها معطيات ترفضها الفنانة التي تمثل المؤلف الضمني المختفي في عمق الصورة والدال عن إنسانة لها من الحسنات ما جعل منها امرأة بمواصفات خارقة؛ يدل عليه جمالها وفنها ودورها الريادي في الحفاظ على الأصالة وتمثيل التراث العميق الذي يشكل جنسا مغروسا في عمقنا الحضاري و دمنا التاريخي الأصيل؛ كما تمثل نموذجا عصرانيا لها من الامكانيات ما يجعل منها أن تقوم بمهام خاصة؛ شأنها شان الرجل؛ فتخترق بذلك قانون الفكر الذكوري الرافض. للوصول إلى الحق النسائي الجدير بالاهتمام والمتابعة. لوحة تؤسس العلاقة بين سارد نصي في لوحة بمواصفات يجعل منها الحاكي رواية إقناعية بأصوات مختلفة ومسرود له يعيد التأويل من جديد بتمظهرات أخرى مرتبة بالرؤية التي يتوقف حولها كل من المؤلف الحقيقي/نجلاء لحبيبي والمؤلف المضمن او الضمني ليصنعا معا كتابة بلغة اللون وبكلمات الريشة ؛ طبعا بحضور قارئ خفي ومسرود له ضمني خفي موجود بقوة الفعل القرائي في لوحة تريد ان تقول الكثير في خطابها السيميوطيقي المشفر برسالة كلها تمفصلات وبناءات مبنية على منطق الازدواحيات؛ مما جعل منها بناء مبنيا على فعل المجابهة بالمعنى السيميائي الحديث؛ الذي يركز على قاعدة المجابهة والمحاورة الجدالية؛ كل واحد يسعى إتباث ذاته؛ فتتأسس بذلك لوحة بمحادثات متعددة الإحالات كل أسسها شروط دلالية؛ تركيبية؛ تحويلية ؛ توليدية.
خاتمة:
عوالم لحبيبي نجلاء ؛ من خلال لوحة لشيخة من شيخات المغرب؛ تمثل صناعة فنية تبني دنيا الجمال بصور ذات أبعاد متنوعة؛ منها ماهو دلالي وآخر خطابي؛ ثم فني؛ فجعتلنا أمام صناعة تؤسس العالم الخاص بالفن الموسيقي؛ خاصة منه فن العيطة ؛الذي تعد فيه الشيخة المغربية؛ نموذجا رافضا ومتمردا عن كل أشكال التبعيةوالاستغلال الاجتماعي المحافظ المبني على قيم التناقض ؛حاولت نجلاء لحبيبي ؛ من خلال هذا الفن الأصيل؛ ان تغير المعادلات الوهمية والكاذبة؛ التي تؤسس فكر التمزقات والأوهام الهشة والظالمة؛ فتكون بذلك الفنانة ؛ من خلال لوحتها؛ قد حاولت ان تتكلم بلغة امرأة تصنع الضجيج الراقد والمختفي؛ كما ترتب عيوب الصمت الملعون؛ فتضعنا أمام إشكال واضح الدلالة؛ عنوانه يجب إعادة النظر لي ثقافة ذكورية ماكرة؛ صورتهاباهتة ومبهمة؛ جعل منه رجلا محتكر وميتبد التوجه أساسه مبني على نظام تاريخي له مواصفات خاصة ومحددة ؛كما له مرجعية خاصة تهدف الحفاظ على الماضي الأسود بفهم تقليدي جامد ومتخلف؛ يكرر طببعة النظرة إلى الجسد الانثوي بعين ترى ما تريد.
معطيات جعلتنا نعتبر لوحة لحبيبي تشكل رسالة ذات أقطاب متعددة التوجهات؛ تنقل الحكاية بتأويلات مختلفة عن النظرة التقليدية القديمة؛ الذي ترى أن المراة كائن خرافي؛ وصناعة ذكورية وظيفتها محصورة في مهام يتمتع بها الذكر المستبد بثقافة اصبحت متجاوزة؛ لهذا كانت الغاية من اللوحة/الرسالة بناء طرح جديد الغاية منه إعادة النظر في كل القراءات القديمة السالبة لموضوع الشيخة؛ مادامت حسب الصورة؛ ومن خلال رؤية لحبيبي؛ تشكل ثقافة القطيع ؛ أسسها نظام متخلف يشتغل بمرجعيات مريضة ومتجاوزة.
نظرة فنية تموقعنا في عمق الألم؛ وتوجهنا إلى الحقيقة التي فرضتها الفنانة ؛ فجعلتها ترسم الرجل في قالب كاريكاتوري؛ شكل ذكر باهت؛ منطقه مضبب وأحلامه مجرد رؤى تجاوزها العصر؛ فأصبحت أساليب مغضوب عنها.
كلها مؤشرات فكرية تتحول من الرؤيا إلى القماش لتخرج روحا تتكلم بلغة الشفرات اللونية الصارخة.
تلك مظاهر لوحة لشيخة/فنانة جميلة؛ بصورتها العندليبية وصوتها الملائكي وأصالتها العربقة في تراث يتحرك فينا ؛ لتتحول صناعة اللوحة إلى امرأة حقيقية معاصرة نسيها الزمن وأعاد الفن كائنها الباهت بصيغته الخاصة.
خلاصة عامة:
الخطاب العميق في لوحة نجلاء لحبببي هو خطاب يتضمن عدة إشارات كلها رؤى ومواقف تدافع عن المرأة الشيخة الحالمة الحاملة لمشروع وقضية؛اي الشيخة المناضلة التي تهدف إلى إنتاج خطاب فني هدفه التغيير خدمة للإنسان والفن.