د. أحمد الحطاب - أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ… إلى آخرِ الآية

عنوان هذه المقالة، آيةٌ كريمةٌ من القرآن الكريم، هذا نصُّها الكامل : "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ" (لقمان، 20).

ما يهمُني، في هذه الآية الكريمة التي سبق أن أوردتُها في مقالاتٍ أخرى، لأبيِّنَ ما هو التَّسخير، هما جزءان من نفس الآية. الجزء الأول هو الذي يقول فيه، سبحانه وتعالى : "أَلَمْ تَرَوْا…". والجزء الثاني هو الذي يقول فيه، عزَّ وجلَّ : "...وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ…".

فيما يخصُّ الجزء الأول، أي "أَلَمْ تَرَوْا…"، فالمقصود هو أنه، سبحانه وتعالى، يوجِّه اللومَ للناس أو لفئة من الناس لعدم تشغيل عقولهم ليروا بأم أعينهم النِّعمَ التي أنعم الله، عزَّ وجلَّ، عليهم بها. والعِبرة، هنا، ليست في رؤية النِّعم، بل في تشغيل العقول لمعرفة ما هي هذه النِّعم وكيف يمكن الاستفادة منها.

أما فيما يخص الجزء الثاني، أي "...وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ…"، فما يُستشفُّ من هذا الجزء من الآية التي هي عنوان هذه المقالة، هو الآتي : إن كنتم يا أيها الناس قد شغَّلتم عقولَكم لمعرفة ما هي النِّعم التي أنعم اللهُ، سبحانه وتعالى، بها عليكم، وعرفتم كيف تمكن الاستفادة منها، وخصوصا، عندما تتطلَّب هذه الاستفادة قطعَ مراحل فكرية متعدِّدة، ما كان لكم أن تُجادلوا في الله (في وجوده وفي وحدانيته وفي عطائه) بغير دليلٍ ("...بِغَيْرِ عِلْمٍ…").

بل إذا شغَّلتم عقولَكم تشغيلا رزيناً ومُتبصِّراً، فستلاحظون أنكم لن تتمكَّنوا من تِعداد النِّعم التي أنعم اللهُ، سبحانه وتعالى، عليكم بها، مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ" (النحل، 18). وهذا يعني أنه، كلما تطوَّر وتقدَّم العقلُ البشري، كلما اكتشف هذا العقل نِعماً جديدةً. لهذا قال، سبحانه وتعالى، "لَا تُحْصُوهَا"، أي لن تقدروا على حسابها لأنها تتجدَّد بتجدُّدِ وتطوُّر العلوم الدنيوية.

وهذا يعني أن اللهَ، جلَّت قدرتُه، يُخبرنا، من خلال الآية رقم 20 من سورة لقمان، التي هي عنوان هذه المقالة، أن بعضَ الناس، رغم ما جاد به، عزَّ وجلَّ، من خيراتٍ لصالح الإنسان، عبرَ التَّسخير، مستمرون في مُجادلة الله، أي في التَّشكيك في وجوده وفي وحدانيتِه وفي قدرته. وهذا التَّشكيك مستمرٌّ، رغم ما وصل إليه الإنسانُ من تقدُّمٍ وتطوُّرٍ في مختلف مجالات المعرفة.

والتَّشكيكُ في وجود الله وفي وحدانيته وفي قدرته، كان ولا يزال مُصاحِبا للبشر عبر التاريخ. فمن الناس العقلاء مَن لا يعترف لا بوجود الله ولا بوحدانيته. فترى هذا النوعَ من الناس العقلاء يظنون أن كل النِّعم، هي عطاءٌ من الطبيعة وليس من خالِقِ هذه الطبيعة. وهذا النوع من البشر هم مَن يجادل في الله. وهذا النوع من البشر ينسون أو يتناسون أنهم ينتمون لذرية آدم عليه السلام. وذرية آدم حظيت بمزايا إلهية أربعة وهي "التَّسوية"، "النفخ"، "التَّفضيل" و"التَّسخير".

التَّسوية تتمثَّل في إتقان صورة الإنسان. والنفخ هو انتقال جزءٍ من الروح الإلهية للإنسان ليصبحَ عاقلاً، واعياً وناطِقاً. وفي هذا السياق، يندرج اللوم الموجَّه، كما سبق الذكرُ، للناس الذين لا يكلِّفون أنفسَهم عناءَ تشغيل العقول. والتفضيل هو تمييزُ الجنس البشري عن جميع المخلوقات الحيَّة الأخرى. بل إن اللهَ، سبحانه وتعالى، فضَّل بني آدم على الملائكة وسخَّر لهم ما في الكون جميعا. فلمَن يوجِّه الله، سبحانه وتعالى، اللومَ؟

العقل والمنطق يقولان أن اللومَ موجَّهٌ لجميع الناس الذين لا يُشغلون عقولهم لإدراك ما أنعم الله، سبحانه وتعالى، من نِعَمٍ وخيراتٍ على عباده أجمعين.

لكن، عندما قال ويقول، عزَّ وجلَّ، "بِغَيْرِ عِلْمٍ"، فاللوم موجَّهٌ، هنا، للعلماء الذين، بعقولهم، طوَّروا العلوم الدنيوية وسخَّروا نتائجَها لصالح البشرية. فهؤلاء العلماء هم مَن اكتشف الخليةَ la cellule والذرة l'atome والجاذبية la pesanteur والحمض النووي l'acide nucléique والأمراضَ les maladies والصغط la pression… وكل الظواهر والقوانين التي يرتكز عليها سَيرُ الكون واشتغالُه. وهم مَن اخترع والأدوية les médicaments واللقاحات les vaccins ومختلف الأجهزة والآلات…

هؤلاء العلماء الذين قال في حقهم، سبحانه وتعالى : "وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (فاطر، 28).

في هذه الآية، المقصود ب"الْعُلَمَاءُ"، هم العلماء الدنيويون les scientifiques, hommes et femmes وليس فقط علماء وفقهاء الدين. فكيف يخشَون اللهَ؟

كلما زاد علمُهم، كلما زادت معرفتُهم بخَبايا الكون وأسراره وتناسقه وتنظيمه وتناغمه وانسجامه… وكلما، من المفروض، أن يعترفوا بعظمَة الخالق، وكلما، من المفروض، أن يتواضعوا أمام قدرة هذا الخالق وعرفوا أن ما وصلوا إليه من علمٍ، هو هِبة وعطاء من الله، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" (الإسراء، 85). أو مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : ".. مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ…" (البقرة، 255). وهذا يعني أن العلمَ الذي توصَّل إليه العقلُ البشري هو عطاءٌ من الله وقليل بالنسبة لعلم الله الواسع والمحيط بكل شيء.

والمغزى من كل ما سبق، هو أن العلماء الدنيويين، مهما بلغت درجاتُهم ومستواهم من رُقي وتفوُّقٍ ونجاح، في مختلف مجالات العلوم الدنيوية والمعرفة، يجب أن لا ينسوا أن عقولَهم التي يفكرون بها والتي، بواسطتها، هم وَاعون conscients ومُدركون لِما يجري حولهم من أحداثٍ وظواهرَ. وبواسطتِها، قطعوا ويقطعون وسيقطعون أشواطا هائلة في الازدهار والتَّقدُّم، هي جزءٌ من الروح الإلهية، أي هي عطاءٌ منه، سبحانه وتعالى، مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" (الحجر، 29).

فإذا آمن هؤلاء العلماء الدنيويون بهذا العطاء، قسيكونون من الحكماء الذين قال في حقهم، سبحانه وتعالى : "يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" (البقرة، 269).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى