ما أبدأ به هذه المقالة، هو التذكير بأن الإسلامَ، كدينٍ، أنزله اللهُ، سبحانه وتعالى، على جميع الرسل والأنبياء، بدأً بنوح، عليه السلام وانتهاءً بمحمد (ص). هذا الدينُ الذي هو الإسلام، كلٌّ متكاملٌ لا يقبل التَّجزيء. فيه العبادات وفيه المعاملات. والعبادات مُمَثَّلة في الشهادتين والصلوات الخمس في اليوم والليلة والزكاة والصيام والحج لمَن استطاع إليه سبيلا.
لكن العبادات هي نوعٌ من التَّقرُّب من الله، والخضوع له والإيمان بوجوده وبوحدانيته وبقدرته اللامتناهية، وليست، على الإطلاق، تأكيدا لهذا الوجود ولهذه الوحدانية ولهذا القدرة. لماذا؟
لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، ليس في حاجةٍ لهذه العبادات لأن وجودَه و وحدانيتَه وقدرتَه مستقلون عن الزمان والمكان، مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (العنكبوت، 6). وما يُؤكِّد، في هذه الآية أن اللهَ، سبحانه وتعالى، في غِنىً عن عبادات البشر، هو قولُه "وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ…، أي أن كلَّ ما يقوم به الناس من عبادات ومعاملات، هو في صالحِهم، ما دامت هذه العبادات والمعاملات تتم في نطاق ما رسمه اللهُ، سبحانه وتعالى، من طريق مستقيم.
أما المعاملات، فهي كل الأفكار والأفعال والأعمال والسلوكات الصادرة عن الناس وتُنظِّم حياتَهم داخلَ المجتمعات. واللهُ، سبحانه وتعالى، أشار إلى هذه المعاملات في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم. وسأكتفي، في هذه المقالة، بذكرِ، من بينها، آيتين هما :
1."وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (آل عمران، 104).
2."يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات، 13).
في الآية الأولى (آل عمران، 104)، المعاملات مُلخَّصة في "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ…"
في الآية الثانية (الحجرات، 13)، المعاملات ملخَّصة في فعل "لِتَعَارَفُوا"، أي ليتعرَّفَ بعضُكم على البعض الآخر. والتعارف يمكن أن يتمَّ عن طريق التَّعايش داخلَ المجتمعات المُنظَّمة أو عن طريق التَّصاهُر والتبادل التِّجاري والقيام بالأعمال الصالحة التي تنفع البلادَ والعبادَ. والقيام بالأعمال الصالحة، هو ما يُفضِّله الله، سبحانه وتعالى، حين قال، في نفس الآية : "...إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ…"، أي المُتَّقون "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَـٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ" (الزمر، 18).
ودين الإسلام هو الدين الذي تدخَّل فيه علماء وفقهاء الدين والَّفوا في شأنه كُتُباً كثيرةً ك"صحيح البخاري" و"مُسند" الإمام أحمد بن حنبل و"الموطَّأ" للإمام مالك و"مُسند" الإمام الشافعي و"مُسند" أبي حنيفة و"صحيح مسلم" و"السُّنن" لابن ماجة وسُنَن الترمذي"...
غير أن هؤلاء العلماء والفقهاء نظر كل واحد منهم للإسلام وفسَّره من وِجهة نظره، أي انطلاقاً من خلفيات فكرية، ثقافية واجتماعية معيَّنة. ولهذا، فمضمون "صحيح البخاري" مختلفٌ عن مضمون "صحيح مسلم، ومضمون كُتُب الأئمة الأربعة يختلف من إمامٍ إلى آخر…
وهذا الاختلاف هو الذي جعل علماءَ وفقهاءَ الدين يصنِّفون، مثلاً، "صحيحَ البخاري" كأصحِّ كتابٍ بعد القرآن الكريم. وهذا الاختلاف هو الذي أدى إلى إنشاءِ المذاهب الأربعة. والمذاهب الأربعة هي، في الحقيقة، نِتاجٌ لفكرٍ معيَّن كان سائدا في المجتمعات الإسلامية بعد وفاة الرسول (ص).
وهذا الفكرُ الذي كان سائداً في المجتمعات الإسلامية بعد وفاة الرسول (ص) لا يمكن، على الإطلاق، أن يفسِّر الإسلامَ كما أراده الله أن يكونَ في القرآن الكريم. ما يمكن لهذا الفكر أن يُقدِّمَه لنا هو تصوُّرأت وتمثلات représentations كانت سائدة ومتداولة بين الناس بعد وفاة الرسول. والتمثلات يمكن أن تكون فردية représentations individuelles، كما يمكن أن تكونَ جماعية représentations sociales. والتمثلات، سواءً كانت فردية أو جماعية، لا يمكن اعتبارُها صورة طبق الأصل للإسلام الوارد في القرآن الكريم. ولهذا، فمتمثلاتُنا، نحن أجيال القرنين، العشرين والواحد والعشرين، للإسلام لا يمكن أن تكونَ مُشابهة لتلك التي قدَّمها لنا علماءُ وفقهاءُ الماضي. لماذا؟
لأن خلفياتنا الفكرية، الثقافية والاجتماعية، وأضيف لها العلمية، مختلفةُ اختلافاً جذرياً. بل أقول إن خلفياتِنا الفكرية، الثقافية والاجتماعية أحسن بكثير من الخلفيات القديمة، لأننا نعيش في عصرٍ تطوَّرت فيه العلوم الدنيوية وكثرت فيه التكنولوجيات والاكتشافات والاختراعات…
ولهذا، لا يمكن أن نتصوَّر الإسلامَ كما تصوَّره العلماء والفقهاء القدامى والجدُد الذين لم يكلِّفوا أنفسَهم عناءَ تشغيل عقولهم. وهنا، كي لا يُفهمَ كلامي خطأً، أنا أتحدَّث عن ما ألَّفه علماء وفقهاء الدين، القدامى والجدد، من كُتُبٍ حول الإسلام كدينٍ، علماً أن كل إنتاج فكري بشري قابلٌ للنقاش.
والآن، حان الوقتُ للإجابة على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة : "هل الإسلام يقوم فقط على أركانه الخمسة أم هو شيءٌ أبعد وأوسع من ذلك؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، هناك ملاحظة تكتسي أهمِّية بالغة بالنسبة لهذه المقالة. والملاحظة هي : استنادا لما قلتُه أعلاه، هناك، على الأقل، إسلامان :
1.الإسلام الذي أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، لعباده، منذ أول الرسل والأنبياء، نوح، عليه السلام، إلى آخر الرسل والأنبياء، محمد (ص)، والذي أوحى به إلى رسولِه الكريم (ص).
2.والإسلام الذي يتمثَّله أو يريده علماءُ وفقهاء الدين للناس وألفوا، في شأنه، كُتُباً كثيرةً منها ما تخصَّص في تفسير القرآن و الأحاديث، ومنها ما تخصَّص في الفقه وأصوله وفي الشريعة وفي الفرائض وفي علم الرجال وعلم الجرح والتعديل وفي السيرة النبوية…
فأي إسلام سنختار؟ هل الإسلام الذي شرعه اللهُ، سبحانه وتعالى، للناس، منذ نوح، عليه السلام، والذي أنزل، عزَّ وجلَّ، في شأنه الوحيَ (القرآن الكريم) على آخر الرسل والأنبياء (ص)؟ أم إسلام علماء وفقهاء الدين؟
علما أن الفرقَ بينهما شاسعٌ. إسلام الله فيه يُسرٌ وخير ولطف ورأفة ورحمة و وسطية وسماحة واعتدال وتسامح وتساكن وتعايش و وِئام وصفحٌ وسخاء وعطاء واختيار… بينما إسلام علماء وفقهاء الدين فيه إكراهٌ وتضييقٌ وقهر وإجبار وعنف جسدي وترعيبٌ وترهيبٌ وتخويفٌ و وعدٌ و وعيد…
وهذا الإكراه والتَّضييق والتَّرعيب والتَّخويف… أشياءٌ استنبطها علماء وفقهاء الدين من أحاديث نسبوها للرسول (ص)، وهو بريء منها، لأنها مخالفة لما قاله اللهُ، سبحانه وتعالى في الآية رقم 4 من سورة القلم : "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ". وكذلك ما قاله، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 107 من سورة الأنبياء : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ.
من بين هذه الأحاديث، أذكر على سبيل المثال الحديث الوارد في صحيح مسلم : "ليجيئن ناسٌ من أمتي بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى". وإذا تمعنا في هذا الحديث، فسنجد أن الرسولَ (ص) خالف ما قاله في حقِّه، سبحانه وتعالى، أنه على خُلُقٍ عظيم وأنه أُرسِلَ رحمةً للعالمين. وسنجد، كذلك، أن الله يظلم عبادَه. وحاشا أن يكونَ، سبحانه وتعالى، ظالما، وهو مَن حرَّم الظلمَ على نفسِه، ويريد الخير لعباده
انطلاقاً من الاعتبارات السابقة، أنا، شخصياً، أختار دينَ الله الذي أراده وشرعه للناس منذ نوح، عليه السلام، إلى آخر الأنبياء والرسل، محمد (ص). الدين الذي نزل، في شأنه، الوحيُ على الرسول (ص). الدين الذي أعطانا، سبحانه وتعالى، تفاصيلَه في القرآن الكريم. الدين الذي لا يمكن أن يقوم، فقط، على أركانه الخمسة. وإذا كان القرآن الكريم كلا متكامِلاً، فالدين الذي جاء به، هو الآخر كلٌّ متكامل، لا يقبل التجزيء. الدين عبادات ومعاملات. العبادات مجسدة في الأركان الخمسة. أما المعاملات، وهي أساس تعايش الناس في المجتمعات، فهي مفصَّلة في القرآن الكريم.
ولهذا، الدينُ، كالقرآن الكريم، كلٌّ متكاملٌ لا يمكن أن يُختزلَ في العبادات وتُترك المعاملاتُ جانباً، وهي أساسُ الأخلاق التي، بواسطتِها، يتعايش ويتساكن الناسُ في المجتمعات. ولماذا أقول كلاًّ متكاملاً؟
لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، يقول في حق كتابِه العزيز :
1."وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (الأعراف، 52).
2."وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعام، 38).
3."وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا" (الإسراء، 89).
لكن العبادات هي نوعٌ من التَّقرُّب من الله، والخضوع له والإيمان بوجوده وبوحدانيته وبقدرته اللامتناهية، وليست، على الإطلاق، تأكيدا لهذا الوجود ولهذه الوحدانية ولهذا القدرة. لماذا؟
لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، ليس في حاجةٍ لهذه العبادات لأن وجودَه و وحدانيتَه وقدرتَه مستقلون عن الزمان والمكان، مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (العنكبوت، 6). وما يُؤكِّد، في هذه الآية أن اللهَ، سبحانه وتعالى، في غِنىً عن عبادات البشر، هو قولُه "وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ…، أي أن كلَّ ما يقوم به الناس من عبادات ومعاملات، هو في صالحِهم، ما دامت هذه العبادات والمعاملات تتم في نطاق ما رسمه اللهُ، سبحانه وتعالى، من طريق مستقيم.
أما المعاملات، فهي كل الأفكار والأفعال والأعمال والسلوكات الصادرة عن الناس وتُنظِّم حياتَهم داخلَ المجتمعات. واللهُ، سبحانه وتعالى، أشار إلى هذه المعاملات في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم. وسأكتفي، في هذه المقالة، بذكرِ، من بينها، آيتين هما :
1."وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (آل عمران، 104).
2."يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات، 13).
في الآية الأولى (آل عمران، 104)، المعاملات مُلخَّصة في "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ…"
في الآية الثانية (الحجرات، 13)، المعاملات ملخَّصة في فعل "لِتَعَارَفُوا"، أي ليتعرَّفَ بعضُكم على البعض الآخر. والتعارف يمكن أن يتمَّ عن طريق التَّعايش داخلَ المجتمعات المُنظَّمة أو عن طريق التَّصاهُر والتبادل التِّجاري والقيام بالأعمال الصالحة التي تنفع البلادَ والعبادَ. والقيام بالأعمال الصالحة، هو ما يُفضِّله الله، سبحانه وتعالى، حين قال، في نفس الآية : "...إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ…"، أي المُتَّقون "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَـٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ" (الزمر، 18).
ودين الإسلام هو الدين الذي تدخَّل فيه علماء وفقهاء الدين والَّفوا في شأنه كُتُباً كثيرةً ك"صحيح البخاري" و"مُسند" الإمام أحمد بن حنبل و"الموطَّأ" للإمام مالك و"مُسند" الإمام الشافعي و"مُسند" أبي حنيفة و"صحيح مسلم" و"السُّنن" لابن ماجة وسُنَن الترمذي"...
غير أن هؤلاء العلماء والفقهاء نظر كل واحد منهم للإسلام وفسَّره من وِجهة نظره، أي انطلاقاً من خلفيات فكرية، ثقافية واجتماعية معيَّنة. ولهذا، فمضمون "صحيح البخاري" مختلفٌ عن مضمون "صحيح مسلم، ومضمون كُتُب الأئمة الأربعة يختلف من إمامٍ إلى آخر…
وهذا الاختلاف هو الذي جعل علماءَ وفقهاءَ الدين يصنِّفون، مثلاً، "صحيحَ البخاري" كأصحِّ كتابٍ بعد القرآن الكريم. وهذا الاختلاف هو الذي أدى إلى إنشاءِ المذاهب الأربعة. والمذاهب الأربعة هي، في الحقيقة، نِتاجٌ لفكرٍ معيَّن كان سائدا في المجتمعات الإسلامية بعد وفاة الرسول (ص).
وهذا الفكرُ الذي كان سائداً في المجتمعات الإسلامية بعد وفاة الرسول (ص) لا يمكن، على الإطلاق، أن يفسِّر الإسلامَ كما أراده الله أن يكونَ في القرآن الكريم. ما يمكن لهذا الفكر أن يُقدِّمَه لنا هو تصوُّرأت وتمثلات représentations كانت سائدة ومتداولة بين الناس بعد وفاة الرسول. والتمثلات يمكن أن تكون فردية représentations individuelles، كما يمكن أن تكونَ جماعية représentations sociales. والتمثلات، سواءً كانت فردية أو جماعية، لا يمكن اعتبارُها صورة طبق الأصل للإسلام الوارد في القرآن الكريم. ولهذا، فمتمثلاتُنا، نحن أجيال القرنين، العشرين والواحد والعشرين، للإسلام لا يمكن أن تكونَ مُشابهة لتلك التي قدَّمها لنا علماءُ وفقهاءُ الماضي. لماذا؟
لأن خلفياتنا الفكرية، الثقافية والاجتماعية، وأضيف لها العلمية، مختلفةُ اختلافاً جذرياً. بل أقول إن خلفياتِنا الفكرية، الثقافية والاجتماعية أحسن بكثير من الخلفيات القديمة، لأننا نعيش في عصرٍ تطوَّرت فيه العلوم الدنيوية وكثرت فيه التكنولوجيات والاكتشافات والاختراعات…
ولهذا، لا يمكن أن نتصوَّر الإسلامَ كما تصوَّره العلماء والفقهاء القدامى والجدُد الذين لم يكلِّفوا أنفسَهم عناءَ تشغيل عقولهم. وهنا، كي لا يُفهمَ كلامي خطأً، أنا أتحدَّث عن ما ألَّفه علماء وفقهاء الدين، القدامى والجدد، من كُتُبٍ حول الإسلام كدينٍ، علماً أن كل إنتاج فكري بشري قابلٌ للنقاش.
والآن، حان الوقتُ للإجابة على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة : "هل الإسلام يقوم فقط على أركانه الخمسة أم هو شيءٌ أبعد وأوسع من ذلك؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، هناك ملاحظة تكتسي أهمِّية بالغة بالنسبة لهذه المقالة. والملاحظة هي : استنادا لما قلتُه أعلاه، هناك، على الأقل، إسلامان :
1.الإسلام الذي أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، لعباده، منذ أول الرسل والأنبياء، نوح، عليه السلام، إلى آخر الرسل والأنبياء، محمد (ص)، والذي أوحى به إلى رسولِه الكريم (ص).
2.والإسلام الذي يتمثَّله أو يريده علماءُ وفقهاء الدين للناس وألفوا، في شأنه، كُتُباً كثيرةً منها ما تخصَّص في تفسير القرآن و الأحاديث، ومنها ما تخصَّص في الفقه وأصوله وفي الشريعة وفي الفرائض وفي علم الرجال وعلم الجرح والتعديل وفي السيرة النبوية…
فأي إسلام سنختار؟ هل الإسلام الذي شرعه اللهُ، سبحانه وتعالى، للناس، منذ نوح، عليه السلام، والذي أنزل، عزَّ وجلَّ، في شأنه الوحيَ (القرآن الكريم) على آخر الرسل والأنبياء (ص)؟ أم إسلام علماء وفقهاء الدين؟
علما أن الفرقَ بينهما شاسعٌ. إسلام الله فيه يُسرٌ وخير ولطف ورأفة ورحمة و وسطية وسماحة واعتدال وتسامح وتساكن وتعايش و وِئام وصفحٌ وسخاء وعطاء واختيار… بينما إسلام علماء وفقهاء الدين فيه إكراهٌ وتضييقٌ وقهر وإجبار وعنف جسدي وترعيبٌ وترهيبٌ وتخويفٌ و وعدٌ و وعيد…
وهذا الإكراه والتَّضييق والتَّرعيب والتَّخويف… أشياءٌ استنبطها علماء وفقهاء الدين من أحاديث نسبوها للرسول (ص)، وهو بريء منها، لأنها مخالفة لما قاله اللهُ، سبحانه وتعالى في الآية رقم 4 من سورة القلم : "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ". وكذلك ما قاله، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 107 من سورة الأنبياء : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ.
من بين هذه الأحاديث، أذكر على سبيل المثال الحديث الوارد في صحيح مسلم : "ليجيئن ناسٌ من أمتي بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى". وإذا تمعنا في هذا الحديث، فسنجد أن الرسولَ (ص) خالف ما قاله في حقِّه، سبحانه وتعالى، أنه على خُلُقٍ عظيم وأنه أُرسِلَ رحمةً للعالمين. وسنجد، كذلك، أن الله يظلم عبادَه. وحاشا أن يكونَ، سبحانه وتعالى، ظالما، وهو مَن حرَّم الظلمَ على نفسِه، ويريد الخير لعباده
انطلاقاً من الاعتبارات السابقة، أنا، شخصياً، أختار دينَ الله الذي أراده وشرعه للناس منذ نوح، عليه السلام، إلى آخر الأنبياء والرسل، محمد (ص). الدين الذي نزل، في شأنه، الوحيُ على الرسول (ص). الدين الذي أعطانا، سبحانه وتعالى، تفاصيلَه في القرآن الكريم. الدين الذي لا يمكن أن يقوم، فقط، على أركانه الخمسة. وإذا كان القرآن الكريم كلا متكامِلاً، فالدين الذي جاء به، هو الآخر كلٌّ متكامل، لا يقبل التجزيء. الدين عبادات ومعاملات. العبادات مجسدة في الأركان الخمسة. أما المعاملات، وهي أساس تعايش الناس في المجتمعات، فهي مفصَّلة في القرآن الكريم.
ولهذا، الدينُ، كالقرآن الكريم، كلٌّ متكاملٌ لا يمكن أن يُختزلَ في العبادات وتُترك المعاملاتُ جانباً، وهي أساسُ الأخلاق التي، بواسطتِها، يتعايش ويتساكن الناسُ في المجتمعات. ولماذا أقول كلاًّ متكاملاً؟
لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، يقول في حق كتابِه العزيز :
1."وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (الأعراف، 52).
2."وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعام، 38).
3."وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا" (الإسراء، 89).