من منا لا يعشق الجمال.. من منا لا يحلم به.. من منا لم يطارد طيفه أو يتمنى أن يحظى بقبسٍ من نوره.. فلطالما كان الجمال مصدر الهامٍ للكتاب والمفكرين والفلاسفة والشعراء والفنانين.. ولطالما كان مادةً خصبة وعنصراً أساسياً تتمحور حوله الكثير من أعمالهم ونتاجهم بصوره المتعددة وأبعاده التي اللا متناهية.. فخلق ولا زال يخلق حالةً من الصخب والحراك الفكري والنفسي، كما أنه بطبيعة الحال محل نقاش وجدلٍ مستمر.. ليس فقط لكونه عنصراً أساسياً وركيزةً من ركائز هذا الوجود بأكمله.. بل لإرتباطاته (الشائكة) بالكثير من (الثنائيات) التي قد لا يستوعب البعض مدى عمقها وتعقيدها كإرتباطه بقيم العدل والحق والخير والحرية، فهذه العلاقات لها تشعباتها التي تتخطى كونها مجرد عناوين جذابة لتتحول في كثير من الأحيان إلى طرق ومذاهب فكرية يسترشد بها الكثيرون ويمشون على خطاها..
فما بين خطابٍ قد يجنح في مضمونه نحو المثالية أو الرومانسية الحالمة أو آخر يتسم بالنظرة الواقعية العملية سنختار إلقاء الضوء على الجمال من زاويةٍ معاصرة تمس حياتنا اليومية نحاول فيها تشخيص حالة بشرية عامة لكنها تتخذ منحىً أكثر تعقيداً في مجتمعاتنا من خلال الحديث عن علاقته بالأخلاق، وذلك من خلال نظرة الكاتب الأيرلندي أوسكار وايلد لها.. وهنا قد يتساءل البعض لماذا اخترته ولماذا في هذا التوقيت تحديداً ؟
فأوسكار وايلد ليس فيلسوفاً أو كاتباً عادياً (قد) نعجب بأسلوبه وأفكاره أو نختلف معها بل هو (حالة) ينبغي التوقف عندها خاصةً في ظل إقبال العديد من القراء على أعماله.. فقد قدم (وايلد) أكثر من مرة رأيه الذي يفصل فيه بين الجمال والأخلاقيات.. والذي يبدو أنه أسس (إلى جانب) الكثير من الآراء الأخرى لنظرةٍ براغماتية تتقاطع مع نمط الفكر السائد حالياً بشكل مباشر أو غير مباشر بعيدة عن رؤية سقراط وأفلاطون لها على سبيل المثال، فهي تقوم على مبدأ (التجزئة والفصل) ليس فقط بين عالمي الجماليات والأخلاقيات بل بين الأخلاقيات والكثير من نواحي الحياة وقضاياها الحساسة والحيوية، حيث يقدم الأشخاص كما يقدم الأفكار بشكل مجرد مادي لا يشترط وجود معنى أو مغزى أو عمق أخلاقي لهم، فيفصلهم ككل عن جذورهم كما يفصلهم عن تبعاتهم في وسط (آني) لحظي يعتمد على المتعة والمنفعة.. وتعد روايته (صورة دوريان جراي) مثالاً على ذلك من خلال الشخصيات والإشارات التي قدمها، فهو ليس مشغولاً بإثقال كاهل العمل الفني بمسألة الأخلاق أو بمدى تأثيره أو تأثير الفكرة أو تأثير صاحبها على المجتمع وهو من كتب أن (فائدة أفعال الفرد يجب أن تكون لخلق أقصى قدر من الجمال والمتعة في حياة الفرد وليس أكثر من ذلك) كما قال أيضًا بالنسبة للكتب بأنه ( لا يوجد شيء مثل الكتاب الأخلاقي أو غير الأخلاقي، الكتب إما أن تكون مكتوبة بشكل جيد أو مكتوبة بشكل سيئ.. هذا كل شيء)..
فتشكل الأخلاق هنا من وجهة نظره ككاتب مجرد أدوات وعناصر أولية تخدم بناء العمل الأدبي بطريقة تعكس نظرته وخبراته الحياتية إلى جانب الموهبة واللغة لكنها ليست هدفاً بالضرورة، حيث جمال الفكرة لا علاقة لها بأخلاق صاحبها.. وهو ما بتنا نلحظه يتسرب إلى سلوكيات الناس واختياراتهم وطريقة تفكيرهم وتعاطيهم مع الشأن العام والشخصيات العامة، فلم يعد من المهم لدى شريحة عريضة سواءاً كانت من المثقفين أو بقية طبقات المجتمع البحث عن المعنى أو الجذور للكثير من المفاهيم الوافدة والمستحدثة أو التحري والبحث عن آراء وقيم النماذج التي يتابعونها ويقبلون عليها ويتداولون ما تقدمه، وهو ما ينسحب أيضًا على (المؤسسات) التي ينتمون إليها ويشكلون (واجهةً) لها طالما أنها تقدم لهم ما يوافق أذواقهم وأهوائهم.. عملاً بمبدأ (الفصل) بين من يقدم (محتوىً) أياً كان نوعه وبين مسيرته وموقفه الأخلاقي التي باتت شأناً خاصاً به، حيث لاحظ الكثيرون ذلك بوضوح خلال الأحداث التي عصفت بالمنطقة مؤخرًا والتي انبرى فيها البعض للتبرير والدفاع عن العديد من الأسماء التي كان لها مواقف مخزية، سلبية ورمادية في أفضل الظروف استناداً لمبدأ (الفصل) فيما يخص بلادنا مقابل مواقف (فورية) في ما يتعلق بالشأن الأوكراني على سبيل المثال، وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال محدد يسأله العديد من الأشخاص.. وهو هل تكفي (الموهبة) وحدها مهما كان بريقها أو هل يكفي (الإنجاز) مهما كان حجمه لتبرير موقف متقاعس أو محو موقف مخزي؟ ما الإجابة التي يمكننا أن نقدمها لطفل حين يسألنا ببساطة عن أخلاقية هذا الإسم أو ذاك؟ هل سنعلمه (تجزئة المبادىء) و(فصلها) عن بعضها تبعاً لمدى قرب أصحابها من دائرة الضوء أم سنخبره أننا بحاجة إلى مراجعة قيمنا قبل مخاطبة الأجيال القادمة لأن جيلنا (يغفر) الخطايا لمن (يلمع) حتى وإن طعننا تحت جنح الظلام..
#خالد_جهاد
فما بين خطابٍ قد يجنح في مضمونه نحو المثالية أو الرومانسية الحالمة أو آخر يتسم بالنظرة الواقعية العملية سنختار إلقاء الضوء على الجمال من زاويةٍ معاصرة تمس حياتنا اليومية نحاول فيها تشخيص حالة بشرية عامة لكنها تتخذ منحىً أكثر تعقيداً في مجتمعاتنا من خلال الحديث عن علاقته بالأخلاق، وذلك من خلال نظرة الكاتب الأيرلندي أوسكار وايلد لها.. وهنا قد يتساءل البعض لماذا اخترته ولماذا في هذا التوقيت تحديداً ؟
فأوسكار وايلد ليس فيلسوفاً أو كاتباً عادياً (قد) نعجب بأسلوبه وأفكاره أو نختلف معها بل هو (حالة) ينبغي التوقف عندها خاصةً في ظل إقبال العديد من القراء على أعماله.. فقد قدم (وايلد) أكثر من مرة رأيه الذي يفصل فيه بين الجمال والأخلاقيات.. والذي يبدو أنه أسس (إلى جانب) الكثير من الآراء الأخرى لنظرةٍ براغماتية تتقاطع مع نمط الفكر السائد حالياً بشكل مباشر أو غير مباشر بعيدة عن رؤية سقراط وأفلاطون لها على سبيل المثال، فهي تقوم على مبدأ (التجزئة والفصل) ليس فقط بين عالمي الجماليات والأخلاقيات بل بين الأخلاقيات والكثير من نواحي الحياة وقضاياها الحساسة والحيوية، حيث يقدم الأشخاص كما يقدم الأفكار بشكل مجرد مادي لا يشترط وجود معنى أو مغزى أو عمق أخلاقي لهم، فيفصلهم ككل عن جذورهم كما يفصلهم عن تبعاتهم في وسط (آني) لحظي يعتمد على المتعة والمنفعة.. وتعد روايته (صورة دوريان جراي) مثالاً على ذلك من خلال الشخصيات والإشارات التي قدمها، فهو ليس مشغولاً بإثقال كاهل العمل الفني بمسألة الأخلاق أو بمدى تأثيره أو تأثير الفكرة أو تأثير صاحبها على المجتمع وهو من كتب أن (فائدة أفعال الفرد يجب أن تكون لخلق أقصى قدر من الجمال والمتعة في حياة الفرد وليس أكثر من ذلك) كما قال أيضًا بالنسبة للكتب بأنه ( لا يوجد شيء مثل الكتاب الأخلاقي أو غير الأخلاقي، الكتب إما أن تكون مكتوبة بشكل جيد أو مكتوبة بشكل سيئ.. هذا كل شيء)..
فتشكل الأخلاق هنا من وجهة نظره ككاتب مجرد أدوات وعناصر أولية تخدم بناء العمل الأدبي بطريقة تعكس نظرته وخبراته الحياتية إلى جانب الموهبة واللغة لكنها ليست هدفاً بالضرورة، حيث جمال الفكرة لا علاقة لها بأخلاق صاحبها.. وهو ما بتنا نلحظه يتسرب إلى سلوكيات الناس واختياراتهم وطريقة تفكيرهم وتعاطيهم مع الشأن العام والشخصيات العامة، فلم يعد من المهم لدى شريحة عريضة سواءاً كانت من المثقفين أو بقية طبقات المجتمع البحث عن المعنى أو الجذور للكثير من المفاهيم الوافدة والمستحدثة أو التحري والبحث عن آراء وقيم النماذج التي يتابعونها ويقبلون عليها ويتداولون ما تقدمه، وهو ما ينسحب أيضًا على (المؤسسات) التي ينتمون إليها ويشكلون (واجهةً) لها طالما أنها تقدم لهم ما يوافق أذواقهم وأهوائهم.. عملاً بمبدأ (الفصل) بين من يقدم (محتوىً) أياً كان نوعه وبين مسيرته وموقفه الأخلاقي التي باتت شأناً خاصاً به، حيث لاحظ الكثيرون ذلك بوضوح خلال الأحداث التي عصفت بالمنطقة مؤخرًا والتي انبرى فيها البعض للتبرير والدفاع عن العديد من الأسماء التي كان لها مواقف مخزية، سلبية ورمادية في أفضل الظروف استناداً لمبدأ (الفصل) فيما يخص بلادنا مقابل مواقف (فورية) في ما يتعلق بالشأن الأوكراني على سبيل المثال، وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال محدد يسأله العديد من الأشخاص.. وهو هل تكفي (الموهبة) وحدها مهما كان بريقها أو هل يكفي (الإنجاز) مهما كان حجمه لتبرير موقف متقاعس أو محو موقف مخزي؟ ما الإجابة التي يمكننا أن نقدمها لطفل حين يسألنا ببساطة عن أخلاقية هذا الإسم أو ذاك؟ هل سنعلمه (تجزئة المبادىء) و(فصلها) عن بعضها تبعاً لمدى قرب أصحابها من دائرة الضوء أم سنخبره أننا بحاجة إلى مراجعة قيمنا قبل مخاطبة الأجيال القادمة لأن جيلنا (يغفر) الخطايا لمن (يلمع) حتى وإن طعننا تحت جنح الظلام..
#خالد_جهاد