- غزة 696 : إنه أيلول
غالبا ما أقتبس ، في بداية شهر أيلول ، من قصيدة محمود درويش " مديح الظل العالي " ، غالبا ما أقتبس منها سطريه :
" بحر لأيلول الجديد
خريفنا يدنو من الأبواب " .
فصل الخريف يدنو من الأبواب ، ونأمل أن لا يكون خريف الشعب الفلسطيني هو ما يدنو من الأبواب .
أمس أصغيت إلى محلل سياسي أرجح أنه ماهر أبو طير ، يقول إن الأشهر الأربعة الأخيرة من هذا العام ستكون الأقسى في حياة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية وفلسطين ١٩٤٨ .
ننتظر ونرى .
في قطاع غزة ما عاد قسم من ناشطيه يحتمل أي رأي مغاير . الحالة وصلت معهم إلى الأنف . " واصلة معي ل راس مناخيري " نقول حين تضيق بنا الأرض .
يحق لأهل قطاع غزة ما لا يحق لغيرهم . ولهم أن يرددوا قول الشاعر نفسه :
" تضيق بنا الأرض تحشرنا في الممر الأخير ، فنخلع أعضاءنا كي نمر " .
في آخر منشور نشره اكرم الصوراني أمس كتب مودعا منزله في غزة قبل النزوح ، وفي صباح اليوم تحدث محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal لإذاعة " أجيال " عما ألم ببيته وبيت عائلته ، ومما قاله إن الناس الآن في غزة تتحدث عن نوع جديد من الوداع هو وداع البيوت والحارات وأشياء المنزل ، وكما كتب محمد في التعليق " إنه ليس أهون من وداع الأحياء " .
حالة تعبانة يا ليلى
خربشات ١ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 697 : أدب رثاء البيوت والحارات وأشياء المنزل
عندما أصغيت أمس إلى محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal مراسل إذاعة أجيال سرعان ما تذكرت ما كتبه أول أمس اكرم الصوراني ، وهو ما أنهيت به خربشات أمس " إنه أيلول " ، وما كتبه أمس شجاع الصفدي عن علاقته بالأشياء .
حكى محمد عن دمار بيته وبيوت عائلته وبلغ عددها ثمانية . قال عما يعنيه البيت لأفراد عائلته ، وأتى على بكاء ابنته الشابة ابنة السابعة عسرة من عمرها وحلمها البسيط وهو أن تتام في سريرها الذي فقدته ، وحكى وحكى .
ما حكاه محمد أفاض في كتابته أكرم فوصف علاقته ، بأشياء منزله في مدينة غزة الذي سينزح منه للمرة الثانية . حكى عن المطبخ والأثاث وعلاقة الأسرة ؛ وزوجته أماني وابنه خالد وابنته كارمن ، بأشيائهم ، وعن إمعان النظر فيها يودعونها كأنما الوداع الأخير .
لم تختلف عنهما ديانا الشناوي التي كتبت :
"أغادر بيتي كما لو أنني أقتلع جزءا من روحي
الجدران ما زالت تحتفظ بظلي
والممرات تردد وقع خطاي ، والنوافذ
التي شهدت صمتي وحنيني تغلق
خلفي كعيون دامعة .
رائحة الخبز التي كانت تعبق في
الصباح تختفي ، وصوت ضحكاتي
القديمة يذوب في الفراغ . كل زاوية
هنا تعرفني ، كل حجر يذكرني بما كنت
عليه ، ومع ذلك أرحل . أمضي نحو
المجهول محملة بوجع لا يهدأ ، كأنني
أساق إلى التيه بلا خريطة ولا وعد
بالعودة . "
والنص كاملا في صفحتها .
وأما شجاع فكتب كيف صار ، لأجل مواصلة الحياة ، يحرق أشياء عزيزة على قلبه وخلص إلى أن :
" ثروة العمر من الذكريات لم تعد تساوي شيئا ، دعها تحترق فتساعدنا قليلا قبل أن نتركها وتحترق بلا جدوى .
كل ما أراه الآن يشعل حرائق في القلب ، لذلك أيها السادة ، احرقوا الذكريات بأيديكم قبل أن تحترق قلوبكم عليها " .
الأكثر إيلاما كان شريط الفيديو الذي صور أبو عدي الضرير ابن شمال غزة يهيم في شارع حيه يخاطب أهل الحي ألا يرحلوا ، فمن خرج من داره يقل مقداره . كان أبو عدي يصرخ ويهذي كالمجنون يطالب بالبقاء ويطلب أن يفجره جيش الاحتلال الإسرائيلي بروبوت متفجرات مفضلا هذا على النزوح ، وكأنما استجاب له الإسرائيليون فلم يمض يوم على سيره في الشارع حتى فجروه وارتقى .
" أنا بطلعش من الحارة أنا بطالب بربوت يفجرني . أنا بدي ١٢ طن من المتفجرات .. الحارة فاضية . لمين سايبين من الحارة يا كلاب " .
الإسرائيليون يعبئون عربات جندهم منتهية الصلاحية بأطنان من المتفجرات ويدخلونها إلى الأحياء لينسفوا مربعات كاملة .
هل هناك ضرورة لمخاصمة أي مواطن من غزة أو مجادلته ؟ كان الله في عونهم هناك !
حالة تعبانة وأكثر . حالة كارثية ، وأهل قطاع غزة بالويل .
و
و
" بحر لأيلول الجديد خريفنا يدنو من الأبواب " ( محمود درويش ١٩٨٢ )
خربشات ٢ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 698 : مائة شهييد أمس
إن تصفحت صفحة الصحفي محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal أمس فسوف تقرأ الآتي :
مائة شهيد بقصف ونيران الاحتلال في قطاع غزة منذ فجر اليوم .
و
مأساة وفاجعة :
استشهدت برصاص الاحتلال في " موراج " ...
أم لخمسة أطفال تدفع روحها ثمنا لتوفير طعام لأطفالها الخمسة .
وتصغي إلى محمد يتحدث عنها كما سمع قصتها وهو يتجول في المواصي :
أم عبد الرحمن أم لخمسة أطفال أكبرهم ١٣ عاما وأصغرهم ٥ غادر زوجها منذ خمس سنوات .. كانت وصيتها إن استشهدت أن تنقل إلى مستشفى ناصر وكرتونة المساعدات معها لتسلم إلى أطفالها الجوعى .
وفي شريط آخر تصغي إلى محمد يتحدث عن عدوى فيروس تحتاج قطاع غزة يزيدها ضعف المناعة وقلة النظافة مع محدودية التشخيص والعلاج .
وفي الصفحة نفسها تصغي إلى أحمد طافش الذي أصيب في الحرب بالعمى ، يحكي حكايته عن جوع أطفاله وعجزه عن إطعامهم . وتقرأ خبر استشهادهم جميعهم أمس . أحمد كان يسمع أطفاله يبكون من الجوع ويتظاهر بأنه لا يسمع ، علما بأن قلبه يتمزع عليهم .
محمد يحكي عما يجري مع المرضى ويخبرنا أنهم يلجأون إلى الدعاء وقراءة القرآن الكريم للعلاج ؛ لأن تسعين بالمائة من الأدوية غير متوفرة .
وأما في صفحة الدكتور بسام سعيد Dr-Bassam Said فتقرأ :
" الحرب مرآة قاسية تكشف ما يحاول البعض إخفاءه خلف الأقنعة ، فيسقط التجمل وينكشف المعدن الحقيقي للإنسان . فهناك من يخلع قلبه ليمنح غيره الحياة ، وهناك من يخلع إنسانيته ليحيا وحده . الحرب تمزق الأقنعة . ومأساة استغلال معاناة النازحين والتربح من ورائهم كارثة . وببدو لي إن عبارة " شدوا بعضكم " قد ذهبت أدراج الرياح " .
في التعليقات يكتب الدكتور بسام الآتي :
الكل مفتري
أجرة الشاحنة نص نقل ٦٦٠٠ شيكل
أجرة الشقة ٥٠٠٠ دولار
بغض أصحاب الشقق يفضل الأجرة الدفع يوميا ٣٠٠ شيكل قابلة للزيادة
الخيمة ٧٠٠٠ شيكل
قطعة أرض فارغة عشان الخيمة كل ٥٠ متر ٤٠٠ شيكل..
شو هذا الافتراء يا أهل الوسطى ؟ اتقوا الله في من لا مال عندهم .
اتقوا يوما تتعرضون فيه لنفس المصير .
منقول " .
وعلى ذكر عبارة " شدوا بعضكم " فهي عبارة اشتهرت جدا لأن عجوزا فلسطينية غنتها " شدوا بعضكم يا أهل فلسطين . شدوا بعضكم " ، وقسم ممن سمعها عقب :
- والله من يوم ما غنتها هالعجوز ما شاف أهل فلسطين الخير .
هل هي عجوز النحس مثل عجوز إميل حبيبي في روايته " المتشائل " ؟
أهل فلسطين منذ ابتلوا بالهجرات اليهودية في العام ١٨٧٨ لم يروا الخير ، بل إنهم لم يروه منذ بدأت الحروب الصليبية قبل قرون .
حالة تعبانة يا ليلى ! حالة خربانة وخريانة .
خريشات ٣ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 699 : تمني الموت
في ٣ / ٩ / ٢٠٢٥ كتبت غانية ملحيس Ghania Malhees مقالا تحت عنوان " الكتابة في زمن الإبادة : جدوى الكلمة أمام الموت " وأشارت فيه إلى أسماء بعض نشطاء غزة ممن يواصلون الكتابة على الرغم من حياة الدمار والرعب والموت التي يعبشونها ، مثمنة جهدهم ومحيية روحهم ومؤكدة على ضرورة الكتابة وجدواها .
عندما قرأت ما كتبت غانية علقت مشيرا إلى بعض الأسماء التي ذكرتها ، حتى يقرأ المشار إليهم المقال ويواصلوا الكتابة ويكونوا شهودا على ما يجري من داخل المحرقة .
من ضمن الأسماء التي أشرت إليها اسم الدكتورة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri .
قرأت الدكتورة المقال وكتبت التعليق الآتي :
" أشكر دكتورة غانية .. أشكرك دكتور عادل الأسطة وجميع المتواجدين على الصفحة .
هذا ما حدث معنا مساء اليوم ونحن نتناول طعام الغداء الذي كان عبارة عن حساء العدس .. من كثرة الضغط الذي نعيشه اليوم ، ونحن نفكر في النزوح القسري المجهول الوجهة والعدد ، بعد أن فقدنا منزلنا وكل ما نملك في بيت لاهيا مسقط رأسنا الذي صار الوصول إليه بين قوسين يعني الموت .
تغمرنا الأسئلة التي لا تهدأ :
أين سنذهب ؟
كم سيكلف الأمر ماديا ؟
ماذا سنأخذ معنا ؟
أسئلة تنهش أعصابنا وتضع نفوسنا تحت الصفر ، بينما أصوات القذائف من حولنا ترفع هرمون الادرينالين إلى السماء .
وسط هذا الضغط تلفظ علاء أكبر شباب العائلة بأمنية الموت ، بعدما أثقله حمل المسؤولية .
اعترضنا جميعا دفعة واحدة . نهرناه كبف يتمنى الموت وهو أب لطفلتين ؟ إحداهما جاءت إلى الدنيا قبل عام في عز مجاعة شمال غزة ، والأخرى ما زالت تحتفظ بفتات من الذاكرة عن حياتها قبل الحرب .
علاء فقد سنده بعد أسر الاحتلال لأخيه بلال قبل قرابة العام ، وحمل عبء رعاية أكثر من خمسة عشر فردا ، بينهم أخته المتزوحة وأولادها بعد أسر زوجها أيضا . الضغوط جعلته يتمنى الموت ، لكننا ذكرناه أن البقاء أمانة وان الحياة رغم قسوتها لا تزال تستحق .
قلت له : " إن شاء الله سنبقى ، سنتخطى ، وسنعيش لنروي قصصنا لأبنائنا واحفادنا . هم يريدون موتنا دفعة واحدة حتى يطوي العالم حكايتنا ، لكن الله سيبقينا بإذنه ، لنكون نحن اصل الحكاية للأجيال القادمة ".
عندما أقرأ شخصيا جدلا حول جدوى الكتابة ، وقد شارك فيه كتاب كثر منهم صديقنا الشاعر سميح محسن وصديقنا الشاعر أيضا شجاع الصفدي أتذكر قول والد محمود درويش له في نكبة العام ١٩٤٨ ، في قصيدته " أبد الصبار " من ديوان " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟" :
" إلى أين تأخذني يا أبي ؟
إلى جهة الريح يا ولدي ...
... وهما يخرجان من السهل ، حيث
أقام جنود بوتابرت تلا لرصد
الظلال على سور عكا القديم -
يقول أب لابنه : لا تخف . لا
تخف من أزيز الرصاص ....
.....
سوف تكبر يا ابني ، وتروي لمن يرثون بنادقهم
سيرة الدم فوق الحديد ... "
كم مرة اقتبست من قصيدة الشاعر نفسه " قال المسافر للمسافر : لن نعود كما " المقطع الآتي :
" فكتبت : من يكتب حكايته يرث
أرض الكلام ، ويملك المعنى تماما !" ؟!
خربشات ٤ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 700 : ارتقاء الأكاديميين وتبدل أحوالهم
كان الخبر الأكثر انتشارا أمس ، في وسائل التواصل الاجتماعي ، هو خبر ارتقاء الأكاديمي الدكتور عمر حرب ، ابن مدينة رفح ، نتيجة لسوء التغذية ومعاناته من مرض ألم به .
تداول الناشطون صوره قبل الحرب وبعدها ؛ ما كان عليه قبل طوفان الأقصى وما صار إليه خلالها ، وكتبوا حكايته التي تحدث عنها ، قبل فترة من موته ، لفضائية الجزيرة .
الدكتور المتخصص في الأدب الإنجليزي والمدرس في الجامعة فقد ، في الحرب ، أفراد أسرته كلهم ، البالغ عددهم قرابة ال ٢٦ ، وبقي وأمه ، التي تقارب الثمانين عاما ، على قيد الحياة ، ولم يكن يجد ما يأكله ، مكتفيا يوميا بثلاث حبات من التمر تمنحه الطاقة فقط . لقد تحول من كائن ممتليء بض يفيض حيوية إلى هيكل عظمي ، وكان أحد زملائه في مهنة التدريس ، عندما كان معلم مدرسة قبل حصوله على الدكتوراه وانتقاله إلى الجامعة وصفه بأنه " رجل يعد بألف رجل " .
ليس الدكتور عمر حرب هو الأكاديمي الوحيد الذي يرتقي ، ففي بداية الحرب ارتقى الأكاديمي الدكتور رفعت العرعير أستاذ الأدب الإنجليزي أيضا ، وكتب عنه الكثير .
لقد ساءت في الحرب أوضاع الأكاديميين وعانوا مثل أبناء شعبهم معاناة كبيرة ، ومن يتابع أخبار الدكتور محمود عبد المجيد عساف يعرف إلى أي حد وصل بهم الحال . فقد الدكتور بيته وبكى مكتبته التي عرض عليه بيعها لكي تصبح كتبها حطبا للأفران كما بكى بيته الذي لم يبق منه إلا الأنقاض .
في منشوراته في الأسبوع الأخير كتب عن نزوحه الجديد وعن سوء أوضاعه وعدم قدرته على تحمل الحياة وعن دنو أجله وناشد الله أن يريحه من هذي الحياة :
" اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لنا به
اللهم عجل لي بالخاتمة "
وقبلها كتب رسالة إلى المفاوض " الله لا يوفقه " - والتعبير له - يقول فيها :
نزحت إلى دير البلح منذ يوم الجمعة الماضي في خيمة ، ولحتى الآن كلفني الأمر ٧٠٠٠ شيكل تساوي ٢٠٠٠ دولار تقريبا ، ما بين مواصلات ، خيمة ، شبه حمام ، أجرة أرض ، طعام وحطب ومصروفات يومية ) ..
وكتب الدكتور الكثير عن ويلات الحرب وعن امتهان كرامته / هم. .
وكثيرا ما كنت أتابع صفحة د. هيا فريج وصفحة الدكتورة Hekmat Alian Almasri وأقرأ عن تبدلات أحوال الأكاديميين ممثلين في شخصهما .
هل سنعيش في الضفة الغربية في قادم الأيام ما يعيشه أبناء قطاع غزة ؟
أمس وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على حسم وضع الضفة الغربية إن اندلعت فيها انتفاضة ، واتخذ قرارا بذلك ووافق على نقل قواته من غزة إلى الضفة حال تدهورت أوضاعها .
في بداية طوفان الأقصى قال محللون في بعض الفضائيات إن الحسم سيكون في الضفة ، فهل ستتحقق نبوءتهم ؟
علي إذن أن أهييء نفسي لمصير مشابه للدكتور عمر حرب أو الدكتور محمود عبد المجيد عساف !
حالة تعبانة يا الله !
خربشات ٥ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 701 : تدمير أبراج مدينة غزة
كان المنظر الأكثر إيلاما أمس هو تدمير برج مشتهى في مدينة غزة .
عندما شاهدت البرج يدمر عقبت على ما كتبه يسري الغول :
" كاد قلبي يسقط مع تفجير هذا القدر من الفخامة والجمال الهندسي . "
وفي مكان آخر كتبت :
كاد قلبي يقفز من صدري وأنا أشاهد منظر البرج يتهاوى " .
برج كتب عن بنائه والحياة فيه كتاب عديدون من أبناء المدينة ممن لهم فيه ذكريات ؛ كتب عن بنائه ساخرا يسري الغول :
" قام الاحتلال الإسرائيلي باستهداف برج مشتهى في مدينة غزة قبل قليل ، لأنه حسب تعريف وزير الحرب يسرائيل كاتس برج " إرهابي " .
نعم ، لقد كان هذا البرج " إرهابيا " بالفعل ، لأنه شيد وفق المعايير الهندسية الدولية : شبابيكه صنعت في إيطاليا ، أبوابه جاءت من تركيا التي تعلن عداءها للاحتلال الإسرائيلي ، حجارته تم استيرادها من دولة أخرى... " ،
وكتب عنه وعن تفاصيل الحياة فيه اكرم الصوراني ؛ كتب تحت عنوان " برج وطار من نافوخي " ومما ورد في كتابته :
" لم يقصفوا المبنى لكنهم قصفوا برج من نافوخي وعشرين طابق طلعوا فوق بعض بطلعان الروح وحرقة دم وتحويشة عمر وبرميل عرق !
....
انكسرنا جميعا وخرجنا مسرعين بعد مكالمة جيش الاحتلال والمطالبة بسرعة الإخلاء .
لم نترك خلفنا شيء إلا وتركناه ، تركنا الشبابيك والعفش ومعجون الحلاقة والصابون وحلاوة ماجدولين ... "
وكتب وكتب ، ولكن ما خلف حزنا عميقا حقا هو منظر الرجل يقف أمام البرج يحكي عن رحيله المتواصل خلال أيام ويبكي بحرقة ويتساءل :
أين نذهب يا الله ؟!
غزة تعيش الجحيم ، وحين أحكي مع أخي عن أوضاعها استخدم كلمة الويل أيضا ، والويل للمطففين كما ورد في القرآن الكريم ، وهو أقسى مكان في جهنم ، ولعلني مصيب .
كما قرأت في صفحة المحلل السياسي أمير مخول Ameer Makhoul فإن القصد من وراء تفجير الأبراج وهدمها هو تهجير أهالي قطاع غزة .
هل أخطأت حين كررت منذ بداية المقتلة قول الشاعر إبراهيم طوقان قبل تسعين عاما :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟!"
رحم الله الشاعر فقد أدرك ببصيرته أبعاد الاستيطان اليهودي في فلسطين .
عن مآسي سكان غزة حدث ولا حرج ، والحالة أكثر من تعبانة . الحالة قطران وزفت مغلي .
حالة تعبانة يا الله !
خريشات ٦ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 702 : وضع أهل غزة : من نزوح إلى نزوح
" لاينظرون وراءهم ليودعوا منفى
فإن أمامهم منفى
لقد ألفوا الطريق الدائري ،
فلا أمام ولا وراء ولا شمال ولا جنوب
يهاجرون من السياج إلى الحديقة
يتركون وصية في كل متر من فناء البيت :
لا تتذكروا من بعدنا إلا الحياة
يسافرون من الصباح السندسي إلى غبار في الظهيرة
حاملين نعوشهم ملأى بأشياء الغياب ؛
بطاقة شخصية ورسالة لحبيبة مجهولة العنوان :
لا تتذكري من بعدنا إلا الحياة " .
محمود درويش .
خربشات ٧ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 703 : ردود أفعال مختلفة
وأنا أتابع أشرطة الفيديو التي تبث من غزة أصغي إلى ردود فعل مختلفة إزاء ما يجري . يمكن قول الشيء نفسه حين أقرأ منشورات ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي .
أمس شاهدت شريطين أحدهما لامرأة وثانيهما لرجل ؛ المرأة لم تعد قادرة على الاحتمال ، ولهذا رفعت راية بيضاء وعبرت عن استعدادها لمغادرة الجحيم ، وثانيهما لرجل سبعيني تقريبا . افتخر الرجل بأنه من مدينة وقفت في وجه العالم الذي تكالب عليها وأمد الدولة الإسرائيلية بكل أنواع الأسلحة .
شريطا الفيديو ذكراني بقصتين قصيرتين كتبتا في نكبة العام ١٩٤٨ ؛ أولاهما للقاصة نجوى قعوار فرح عنوانها " أمر الخيارين " وثانيتهما للقاص توفيق فياض عنوانها " الكلب سمور " . في الأولى تقنع الزوجة زوجها بالرحيل وفي الثانية يهاجر الناس ومعهم الكلب الذي يرفض حياة اللحوء ويعود ذات صباح إلى قريته .
لي عودة لكتابة مقال في الموضوع .
خربشات ٨ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 704 : دولة مريضة ذات ثقب أسود
آخر شريط فيديو شاهدته تحدث فيه مواطن غزاوي يخاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي يطلب منه أن يضرب غزة بسلاح نووي مرة واحدة ، بدلا من استخدام الروبوتات المتفجرة ، فأهل شمال قطاع غزة لا يملكون النقود للهجرة إلى الجنوب .
"ها نحن صامدين هنا وقاعدين هنا ومش راح نطلع ع الجنوب . جيب نووي واقتلنا مع بعص " . وطلب المواطن من مجري المقابلة معه أن يوصل الرسالة هذي لنتنياهو " مش طالعين ع الجنوب .... وقل له طز طزين ثلاثة فيك وفي ( ترامب ) " .
وكان ( نتنياهو ) أمس حذر ، بغضب ، أهل غزة الذين لما ينزحوا ، طالبا منهم النزوح ، ولم يقتصر تهديده لأهل المدينة والنازحين إليها ، فقد أتى على ما حدث في الضفة ، حيث قتل فلسطينيان ستة مستوطنين وجرحوا خمسة عشر آخرين :
- لن نكتفي بقتل منفذي العملية وهدم بيوت أهلهما . سيتبع ذلك عقاب آخر .
ما هدد به هدد به أيضا كل من وزير المالية ( سموتريش ) ووزير الأمن القومي ( بن غفير ) وآخرون ، وطالبوا بمسح قريتي المنفذين وذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك : تسوية رام الله برفح ونابلس بشمال غزة ؛ بجباليا .
عندما أراد بعض أهل مخيم جنين ، المدمرة أكثر مساكنه ، الذهاب إليه لرؤية ما تبقى من منازلهم أطلق جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي النار عليهم فقتلوا فتيين لم يتجاوز أكبرهما الرابعة عشرة من عمره .
هل الضفة على صفيح ساخن ؛ فالعين الإسرائيلية منذ زمن عليها لضمها وتهجير سكانها العرب وزيادة الاستيطان فيها بوتيرة متسارعة ؟
من أشرطة الفيديو التي شاهدتها أيضا أمس شريط فيديو لجندي إسرائيلي يحكي عما ألم به من أهوال الحرب في غزة حيث أصيب بحالة من الهلع والرعب لم تجد معها المهدئات والأدوية ، فخاطب مسؤولي دولته يحملهم مسؤولية وضعه النفسي المنهار و " التراوما " التي يعاني منها .
وأنا أشاهد الشريط تذكرت قصيدة محمود درويش " جندي يحلم بالزنابق البيضاء " التي ظهرت في ديوانه " آخر الليل " ١٩٦٩ ، وكان كتب فيها عن حوار بينه وبين جندي إسرائيلي يريد الهجرة من إسرائيل ، تبين لاحقا أنه المؤرخ الإسرائيلي ( شلونو ساند ) صاحب كتاب " اختراع الشعب اليهودي " ، وفي القصيدة عبر الجندي عن أعماقه وقال إنه جاء إلى إسرائيل ليحيا مطالع الشموس لا مغربها ، وإن ما يحلم به هو أن يحتسي قهوة أمه وأن يعود في المساء إلى بيته آمنا ، رافضا أن يكون قطعة من الآلة الحربية .
ماذا يخبيء لنا المستقبل ؟
كل شيء متوقع ، والحالة أكثر من تعبانة يا ... الحالة خربانة وخريانة أيضا و ... و ... وليستر الله ، فالدولة تهدم أبراج مدينة غزة السكنية برجا برجا ويفتخر قادتها بهذا ؛ من برج " مشتهى " إلى برج " السوسي " إلى برج " الرؤيا " إلى ... !
خربشات ٩ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 705: غزة خيمتنا الأخيرة .. غزة جدارنا الأخير :
لسان حال قسم من أبناء مدينة غزة كان أمس ، كما شاهدت في شريط ، هو لسان محمود درويش في قصيدته " بيروت " ١٩٨١ وفيها كتب :
بيروت خيمتنا الأخيرة .. بيروت نجمتنا الأخيرة
لن نترك الخندق حتى يمر الليل أو نهلك .
لم يكرر الرجل الذي تحدث في الشريط ما قاله الشاعر في قصيدته حرفيا ، وأغلب الظن أنه لم يسمع بالقصيدة ولا يحفظ بعض أسطرها ، ولكنه ردد مضمونها ليس تغنيا بمقاومة مسلحة وإنما بمقاومة قوامها البقاء في المدينة وعدم النزوح إلى المواصي بناء على طلب " المنسق " الإسرائيلي . وكنت أمس كتبت عن شاب في شريط آخر أوصل رسالة إلى ( نتنياهو ) و ( ترامب ) بأن أهل غزة لن يغادروا مدينتهم ، وناشد الشاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن يلقي على غزة قنبلة نووية ليقتل سكانها دفعة واحدة لا بالتدريج .
ببساطة ، وكما يظهر في أكثر منشورات أبناء غزة ، فإن النزوح غير قابل للتحقق لأن جهنمه قائمة في غزة وفي المواصي أيضا ؛ المواصي التي قال عنها محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal إنها ضاقت على من فيها ولا مكان فيها لآخرين جدد .
كنت وأنا أرد على بعض منشورات الصديق شجاع الصفدي وبعض أبناء قطاع غزة ، كنت أردت أن أكتب عن ضربة الحظ أو القدر التي جعلت الشاعر المرحوم سليم النفار يولد في مخيم الشاطيء في غزة والتي جعلتني أولد أنا في مخيم عسكر في نابلس . الكتابة في الموضوع تستحق منشورا خاصا اعتمد في كتابته على قصيدة الشاعر محمود درويش " لاعب النرد " .
نجى الله أهلنا في قطاع غزة ونجانا أيضا .
ذكرى مجازر شاتيلا وصبرا على الأبواب .
خريشات ١٠ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 705 / 2: أهي الصدفة أم القدر ؟ : أنا والشاعر سليم النفار
في العام ١٩٤٨ هاجر قسم من أهل مدينة يافا إلى قطاع غزة وقسم آخر إلى مدينة نابلس ، وأرجح أن من كان من سكان المدينة بحارا أبحر نحو مدن بحرية ومن كان عاملا أو سائقا أو يملك سيارة هاجر إلى مدن الضفة الغربية وبخاصة طولكرم ونابلس .
الشاعر سليم النفار أهله من يافا وأنا كذلك . وفي روايته " ليالي اللاذقية " كتب عن الافلوكة التي أقلت عائلة يافاوية ، ولطالما كتبت أنا عن أبي السائق الذي قاد سيارته إلى نابلس . هكذا ولد الشاعر في مخيم الشاطيء ، وهكذا ولدت أنا في مخيم عسكر .
في المقتلة وحرب الإبادة هذه ثار جدل بين كتاب قطاع غزة وقسم من كتاب الضفة الغربية ، وربما كنت أول من كتب عن " الكتابة عن بعد "أو الكتابة في أثناء الجلوس على كنبة و" الكتابة عن قرب " أو من داخل المقلاة في أثناء الإقامة في خيمة والمعاناة من الجوع .
هذا الجدل غالبا ما يتجدد بين فينة وأخرى ، وغالبا ما أقرأه بتفهم وبسعة صدر حتى لو لم يخل من اتهامات وشتائم .
أمس وأول أمس وأول أول أمس ، وربما من أسبوع ، تجددت الكتابة وشارك فيها كتاب عديدون [ الشاعر سميح محسن والكاتبة غانية ملحيس Ghania Malhees والشاعر شجاع الصفدي وأنا ] .
هناك كتاب كثر من الخارج ومن داخل فلسطين صمتوا لأسباب عديدة كتبت عنها .
وأنا أفكر في أمري وكتابتي وما تجره علي تذكرت قصيدة محمود درويش " لاعب النرد " التي لم استحضرها في يومياتي عن الحرب إلا نادرا .
أحيانا أرى في المقاطع الآتية من القصيدة إجابة ترضيني :
" كان يمكن أن لا أكون
كان يمكن أن لا يكون أبي
قد تزوج أمي مصادفة "
" كان مصادفة أن أكون
أنا الحي في حادث الباص
حيث تأخرت عن رحلتي المدرسية
لأني نسيت الوجود وأحواله
عندما كنت أقرأ في الليل قصة حب "
" لا دور لي في حياتي
سوى أنني ،
عندما علمتني تراتيلها ؟
قلت : هل من مزيد ؟
وأوقدت قنديلها
ثم حاولت تعديلها "
" كان يمكن أن لا يحالفني الوحي
والوحي حظ الوحيدين
إن القصيدة رمية نرد
على رقعة من ظلام
تشع ، وقد لا تشع
فيهوي الكلام
كريش على الرمل " .
لو كان أبي قبل العام ١٩٤٨ بحارا ، لكنت الآن في مخيم الشاطيء ، ولو كان والد سليم النفار سائقا لكان سليم الآن في مخيم عسكر ، لو ... لكنت أنا من ارتقى وكان هو الآن يكتب هذه اليوميات .
ليس لنا إلا أن نغير المنكر بلساننا ، وذلك أضعف الإيمان .
نتمنى أن تنتهي المقتلة وألا تكون الضفة الغربية مسرحها القادم ، ولكن :
" من أنا لأقول لكم
ما أقول لكم
أنا مثلكم
أو أقل قليلا " .
رحم الله الشهيد صلاح خلف ( أبو إياد ) لم يرتق في يافا ، علما بأنه كان من النجادة ، وارتقى في تونس ، ورحم الله أيضا شفيق الحوت ، فقد كان أيضا من يافا ومات في بيروت .
خربشات ١٠ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 706 : أخبار محزنة مألوفة وكتابات تحفل بتفاؤل غاب منذ أشهر
منذ بدء توزيع المساعدات في مراكز توزيعها التي أقيمت منذ سبعة أشهر تقريبا صرنا نقرأ في صفحات الناشطين عن أعداد شهداء لقمة العيش ، وغالبا ما أخذنا نقرأ في صفحات أصدقائنا الفيسبوكيين نعي إخوتهم أو أبناء أقاربهم وصرنا نكتب العبارة المألوفة " رحمه الله رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون".
أمس قرأت في صفحة الكاتب ناهض زقوت الآتي :
" أخي عبدالله خميس زقوت ( أبو إسلام ) شهيد لقمة العيش اليوم في منطقة المغراقة ، كان يبحث عن لقمة عيش يسد بها رمق أطفاله الثلاثة الذين لم يتجاوزوا الحلم وزوجته . انا لله وانا اليه راجعون .
وحسبي الله ونعم الوكيل فيمن أوصلنا لنبحث عن لقمة العيش في جمع الحطب
النصيرات ١٠ / ٩ / ٢٠٢٥ " .
أدرج ناهض صورة لأخيه يبدو فيها شابا بضا .
وفي صفحة الناشط محمد الذهبي نقرأ تعليقا على صورة أدرجها لغزة في التاسعة والنصف من مساء أمس تبدو فيها قنابل الإنارة تضيء ليل المدينة والتعليق هو : " الله يستر " .
ومنذ طوفان الأقصى صارت أخبار الموتى تغلب على الصفحات ولا تكاد تخلو منها ، وغدت الأخبار حزينة ونادرا ما تظهر روح تفاؤل . أحيانا نقرأ بعض كتابات لا تخلو منها ، فتكثر حولها تعقيبات تفرط في التشاؤم . أمس قرأت هذا اللون من الكتابة في صفحة الكاتب يسري الغول الذي ما زال مقيما في مكان سكنه ولم يغادره ، وهو من الكتاب الباقين الداعين إلى الصمود . كتب يسري :
" مخطيء من يظن أن الحال سيدوم ، فدوام الحال من المحال ، وما يجري في غزة يتجاوز قدرة العقل على التخيل . بيوت تهدم ، أرواح تفنى ، وأشجار تقتلع كأن الأرض تمحى من جذورها ، غير أن حرب الإبادة لن تطول ، وسيأتي يوم تكون فيه إسرائيل في أضعف لحظاتها ؛ وحيدة بلا نصير ، فتدفع ثمن كل هذا الخراب " .
ما زالت ردود الأفعال حول محاولة إسرائيل اغتيال قيادة حركة حماس في الدوحة متفاوتة بين متعاطف وشامت ، حتى في داخل قطاع غزة نفسه . وأمس تم اغتيال صحفي ونائب أمريكي ( تشارلي كيرك ) في داخل الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو من أشد المدافعين عن إسرائيل وينكر الإبادة الجماعية في غزة ، علما بأنه يرفع شعار " أمريكا أولا " . نعم اغتيال في أمريكا .
ما زال رئيس الوزراء الإسرائيلي يهدد وما زال صوت وزير دفاعه يعلو بأن ذراع قواته ستطال كل من يشكل خطرا على دولته .
لا غالب إلا الله وهو المستعان
خربشات ١١ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 707 : المدينة تحترق ، وأصوات يهودية تقر علنا : إنها حرب إبادة " شوا "
غزة تحترق . هكذا تقول الصور وأشرطة الفيديو التي يدرجها أبناء المدينة ، وهكذا تكتب منشوراتهم .
في أحد الأشرطة يحمل مواطن كفنه ويخاطب العالم :
رسالتي الأخيرة إلى جميع العالم من قلب مدينة شمال قطاع غزة المهددة بالابادة الجماعية . وصلتنا أوامر بإخلاء المدينة كاملا الآن الآن الآن . شريت بعدين كفني بإيدي . وكتبت وصيتي . وكتبت على جدار البيت : لا بديل عن شمال غزة ،إلا الجنة . فلتشهد يا رب أننا هنا باقون هنا ثابتون . لن يضرنا أحد . لن يضرناصمت العالم لن يضرنا أحد ، وبإذن الله لن نخرج . وأكفاننا بأيدينا ، فلتشهد يا رب أننا هنا باقون أننا هنا باقون ثابتون .
نشهد أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمد رسول الله : نحن خصوم هذه الأمة أمام الله ويوم العرض عليه . إنا لله وإنا إليه راجعون . " .
وفي شريط آخر يظهر بعض شباب مخيم الشاطيء الذي تعرض للقصف ، يظهرون وهم يحتسون الشاي في شوارع المخيم ويعلنون أنهم صامدون ليكون صمودهم سبب الجلطة القلبية لرئيس الوزراء الإسرائيلي . " إن شاء الله بقاؤنا هو ما سيجيب نهايتك " .
وفي منشور كتبه أبو أحمد سمور نقرأ :
" الصواريخ تتساقط علينا من كل اتجاه ؛ لا مكان آمن في قطاع غزة .
يا رب الفرج من عندك .. "
وفي منشور آخر لاحق له :
" امبارح بدأ شهر سبتمبر . اليوم ١١ الشهر .
يا الله ما أسرع الأيام وأعمارنا تمضي ولا نحس فيها .
اليوم فوق الأرض . بكرا تحتها .. كلها أيام ..
نسأل الله حسن الخاتمة وأجر صبرنا .. " .
إن قلنا أو كتبنا إن ما يجري هو محرقة " شواه " فقد نتهم بأننا نبالغ . لا بد من شاهد يهودي ، حتى يصدقنا الغرب ، كما كتب محمود درويش .
أمس أدرجت شريطا للصحفي الإسرائيلي ( يسرائيل فري ) بعد الإفراج عنه ؛ حيث اعتقل ، لأنه أعرب عن فرحه لمقتل خمسة جنود ، يقول فيه إنه لن يصمت لمقتل الفلسطينيين .
وأمس أصغيت إلى المفكر اليهودي الأمريكي ( نورمان فنكلشتاين ) يتحدث فيه أن من يحكم إسرائيل يريد محو غزة وأنهم يفوقون النازيين . وأصغيت أيضا إلى عضو الكنيست ( عوفر كاسيف ) يقول : في غزة لا توجد حرب . في غزة توجد حرب إبادة ( شوا ) . في غزة توجد معسكرات تركيز .... من يصمت منا يصبح شريكا " ويطالب شعبه بعدم الصمت والخروج بمظاهرات والعمل على إسقاط الحكومة .
وفي الولايات المتحدة الأمريكية هتف متظاهرون في وجه الرئييس الأمريكي ( دونالد ترامب ) وهو يزور مطعما :
" ترامب هو هتل.. ر عصرنا "
منظر الجنود الإسرائيليين أمس في طولكرم يسوقون شبابها للاعتقال ، حيث فجر فلسطينيون مجنزرة إسرائيلية ، ذكرني بالأسابيع الأولى لاحتلال مدينة غزة في ٢٠٢٣ . هل بدأ الوضع في الضفة يتدحرج ؟
حالة تعبانة يا ليلى !
حالة تعبانة وأكثر !
خربشات ١٢ / ٩ / ٢٠٢٥
***
-غزة 708 /1 : من نزوح إلى آخر وتضيق بالنازحين الأرض والحياة
ما إن تصغي إلى آخر شريط بثه الصحفي محمودالعمودي وتقارنه بأشرطة سابقة له حتى تكرر : ضاقت بنا السبل و " تضيق بنا الأرض تحشرنا في الممر الأخير " و " إن الأرض ضيقة علينا " و " الذين ضاقت عليهم الأرض ... " ، وتكرر العبارات نفسها حين تقرأ آخر منشور ل محمد الذهبي الذي كتب عن نزوحه السابق ونزوحه الحالي .
كان محمود العمودي في أشرطته السابقة ، وهو المؤمن ، متفائلا ، وغالبا ما لم تفارقه البسمة والثقة بأن لا بد من فرج يأتي ، ففي السماء رزق ومنها وعد ، ومع أنه لم يتخل عن إيمانه ، إلا أنه في شريطه أمس بدا حزينا . حل الحزن محل الابتسامة وتضاءلت مساحة التفاؤل.
محمد الذهبي في النزوح الأول إلى رفح فخان يونس ، وجد سقفا لدى أقاربه ، وأما الآن فلا سقف . لقد دمرت المدينتان وسويت مبانيهما بالأرض وليس أمامه إلا الخيمة .
ويحزن شجاع الصفدي على كتب مكتبته ويخاف عليها من أن تلتهمها النيران ، فالنار ستلتهمها في هذا الجحيم الذي بدا أشد وأقسى ، ويعرض كتبه للبيع بأسعار رمزية إن رغب أحد بالشراء ، فهذا أفضل من أن تلتهمها النيران التي أخذت تلتهم قلبه على البيت والكتب .
ضاقت الأرض وضاقت وضاقت فلا مساحة لإقامة خيمة ، وإن وجدت فإن أصحابها ، إلا القليل منهم كما نقرأ عنهم في منشور في صفحة النصيرات ، يطلبون أسعارا مرتفعة أجرة للمتر ، ما دفع الفنان Mahmoud Zuaiter محمود زعيتر يحكي في شريط عن الاستغلال هذا في مدينته دير البلح حيث يحشر الناس فيها كمنطقة آمنة ، ولا مناطق آمنة في قطاع غزة كله . ويحكي محمود أيضا عن غياب التعاطف والتراحم والضمائر لدى بعض أصحاب الشقق المؤجرة ، فهم لا يرعوون عن طرد مستأجر إذا دفع لهم مستأجر جديد أجرة أعلى .
ويكتب شجاع الصفدي عن أسعار الشقق والمخازن الفلكية ؛ أسعار لا يقوى عليها النازحون.
أمس قتل من عائلة السلطان ، وهي تنزح ، سبعة عشر فردا . كانت العائلة تقيم شمال غرب مدينة غزة وقررت النزوح ، فارتقت إلى السماء .
هل خلت بعض النصوص من روح السخرية ؟
اقرأوا ما كتبه الأستاذ سامي أبو سالم Sami Abu Salem :
" تمشي في شوارع مدينة غزة ، تسمع صفير صاروخ يتبعه انفجار مرعب فتكمل طريقك بشكل طبيعي ولا تلتفت خلفك .
تسمع صفير صاروخ ثم صمت لم يتبعه انفجار . يقول بائع الحطب :
" منفجرش عيدها "
وأكمل تكسير كراسي سفرة " .
منفجرش عيدها ولقدأصبح القصف مألوفا واعتاده قسم من الناس ولم يمنعهم هذا من مواصلة أعمالهم ، وتستمر الحياة .
من الأشرطة اللافتة التي أدرجته شريط اعتقال جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي لأطفال صغار من منطقة جنوب الخليل .
جنت الدولة وجن مسؤولوها ، وعندما يلاحق كبير طفلا صغيرا يقول الناس عندنا :
- انجن الرجل . حاطط عقله بعقل ولد صغير .
ويسخرون منه . ضاعت هيبته .
حالة تعبانة وأكثر يا ليلى !
خربشات ١٣ / ٩ / ٢٠٢
***
- غزة 708 / 2 : شعور باللاجدوى
وأنت تتابع منشورات أبناء قطاع غزة في هذا اليوم ١٣ / ٩ / ٢٠٢٥ تشعر باللاجدوى .
" ملل يشبه علكة بغي لصقته الأيام بقلبي "
تكرر سطر مظفر النواب ، وتجلس تتأمل اللاشيء .
تمتد يدك إلى جهاز الهاتف وتفتح صفحة الفيس بوك . تتابع المنشورات وأشرطة الفيديو التي يعرضونها لمدينتهم تدمر والناس تنظر . أبراج سكنية تتهاوى والأشياء تتطاير . شقاء عمر يتبدد في لحظة . تنهار البنايات وتهتز أخرى والخيام المحيطة لا تحمي سكانها . غبار غبار غبار ونار تشتعل .
تعود إلى قصيدة محمود درويش " مديح الظل العالي " ( ١٩٨٢ ) وتقرأ :
" أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا "
وتبحث عن السطر :
" لأمريكا سنحفر ظلنا
ونشخ مزيكا " .
وحين تشاهد أشرطة فيديو للصحفي المؤمن محمود العمودي تتوقف أمام أحدها يجيب فيه بعض المستمعين إليه :
- لماذا لا يستجيب الله ؟
وتجد الإجابة في منشورات أخرى يكتب أصحابها عن ارتفاع الأسعار والغلاء والربا وسوء الأخلاق ، وأطرف منشور هو ما أعاد الناشط محمد العطار إدراجه .
شخص من دير البلح ينشر إعلانا عن شقة للنازحات شرط أن تكون النازحة سيدة مطلقة أو أرملة ، وهات تعليقات من الزنار وتحت .
محمد العطار لم يظهر اسم صاحب المنشور ولكن أحد المعلقين عليه أدرجه كاملا .
تعود ثانية إلى " مديح الظل العالي " لتقرأ بعض مقاطعها ، وغدا ، لا بعد شهر ، يلتقي " كل الملوك بكل أنواع الملوك ، من العقيد إلى الشهيد. ، ليبحثوا خطر اليهود على وجود الله . أما الآن ف الأحوال هادئة تماما مثلما كانت ، وإن الموت يأتينا بكل سلاحه الجوي والبري والبحري . مليون انفجار في المدينة . هيروشيما هيروشيما
وحدنا نصغي إلى رعد الحجارة ، هيروشيما
وحدنا نصغي لما في الروح من عبث ومن جدوى
وأمريكا على الأسوار تهدي كل طفل لعبة للموت عنقودية
يا هيروشيما العاشق العربي أمريكا هي الطاعون "
راح العقيد وراح الشهيد وغدا يجتمع الملوك والرؤساء ليبحثوا عن خطر اليهود على قطر .
غير مرة في هذه المقتلة أثرت سؤال الله فيها ، متكئا على رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " وقصيدة محمود درويش المشار إليها :
" جربناك جربناك "
و
" باسم الفدائي الذي خلقا
من .... "
وكم صيغة للسطر الأخير الناقص ؟!
وأشرطة فيديو الصحفي محمود العامودي تطرح السؤال نفسه ، ومحمود تقي ورع مؤمن منفتح على ما يبدو .
الصحفي محمود العمودي - أبو صلاح .
الأوضاع في غزة كارثية ، ومع أنك في وصف الطرف الآخر لا تعمم ، فتكون حذرا حين تأتي على دال " اليهود " الا أنك تجد نفسك تردد :
" ليس لليهودي قلب "
وتقصد أفراد الجيش الإسرائيلي الذين يقاتلون في غزة .
" ملل يشبه علكة بغي لصقته الأيام بقلبي " .
خربشات ١٣ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 709 : محو الفلسطيني
في مشاهد أشرطة الفيديو التي نشاهدها من غزة في هذا الصباح نستحضر كلمة " المحو " .
كان الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان هو أول من استخدمها في قوله :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟! "
وبما أن غدا هو الذكرى الأولى للكاتب اللبناني / الفلسطيني إلياس خوري فما يجب الإشارة إليه هو أنه أكثر من كتب عن دال " المحو " في رواياته ، ومرة اقترحت على دارس أن يتتبع الدال فيها .
إنهم يمحوننا ويمحون معنا ملامح قرانا ومدننا . إنهم يريدون دولة يهودية بملامح أوروبية كما بدا في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة " ( ١٩٠٢ ) .
ما يجري وما يفعلونه في غزة يقول كم كان طوقان ذا بصيرة ورؤية كما لو أنه كان يوحى إليه :
" يا قوم ! ليس عدوكم ممن يلين ويرحم
يا قوم ليس أمامكم إلا الجلاء فحزموا " .
الحالة أكثر من تعبانة ! الحالة خربانة جدا .
خربشات ١٤ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 710 : نكبة النكبات
عندما تحدث أمس محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal لإذاعته " أجيال " حكى عما يتفوه به الناس واصفين ما يجري :
- هذه نكبة النكبات .
ونكبات الفلسطينيين افتتحت بنكبة العام ١٩٤٨ ؛ النكبة الأم .
إلياس خوري الذي تمر اليوم الذكرى السنوية الأولى لرحيله رأى فيما يعيشه الفلسطينيون استمرارا لنكبة ١٩٤٨ ، وكان عنون آخر كتبه بعبارة يرددها هي " النكبة المستمرة " .
وأنا أشاهد أمس أشرطة فيديو تري نزوح أهل مدينة غزة منها إلى الجنوب تذكرت ما قرأته في رواية الكاتبة الايرلاندية ( ايثيل مانين ) " الطريق إلى بئر سبع " ( ١٩٦٣ / ١٩٧٨ ) التي وصفت فيها خروج أهل مدينة اللد منها في تموز ١٩٤٨ ؛ الوصف الذي قال عنه المرحوم جورج حبش عندما قرأه ، وكان أحد الخارجين :
- كأن ايثيل مانين كانت تعيش الحدث .
وكنت كتبت عن تأثر إلياس خوري في روايته " أولاد الغيتو : إسمي آدم " (٢٠١٦ ) برواية مانين المذكورة ، فقد كانت إحدى المراجع التي اعتمد عليها . ( عادل الأسطة ، أسئلة الرواية العربية ٢٠١٨ ) .
هل عشت شخصيا نزوحا مثل هذا ؟
لا أستطيع إجراء مقارنة ولا أزعم ، ولكني أتذكر أنني شاهدت النازحين من مدينة قلقيلية في حرب ١٩٦٧ في مدينة نابلس ، وفي تلك الحرب عدت وأمي وإخوتي من نابلس إلى مخيم عسكر القديم مشيا على الأقدام نجر أنفسنا جرا ونشاهد قوات الاحتلال الإسرائيلي في شوارع المدينة ، وهو ما كتبته في بعض قصصي وفي " حزيران الذي لا ينتهي " .
النكبة مستمرة وحزيران لا ينتهي و ... وغزة تهاجر ثانية إلى الجنوب كما هاجرت بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ . واقرأوا ما كتبه أمس د . سعيد محمد الكحلوت حيث ينقل فقرات مما كتبه له بعض أهل مدينة غزة عن نزوحهم .
ذكرى شاتيلا وصبرا على الأبواب. .
خربشات ١٥ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 711 : الفقدان والألم والحسرة والتوحش والتهجير
ما كتبه ناشطو غزة وما أدرجوه أمس في صفحاتهم يعبر عن مشاعر الفقدان والألم والحسرة ويصور التوحش الإسرائيلي الذي يهدف إلى التهجير بعد أن تغدو الحياة في القطاع مستحيلة ، ولا يخلو أحيانا من سخرية وطرافة .
إنه ليل غزة الطويل وليل الاحتلال الإسرائيلي المتوحش ، فالأبراج تقصف وتتهاوى وسكانها ينزحون نحو الجنوب طوابير طوابير ، ويعترف قادة الجيش الإسرائيلي ، ممن شاركوا في القتال وأقيلوا ، مثل ( هارتسي هاليفي ) ، يعترفون بذلك :
" نحن نقاتل في غزة بقوة كبيرة جدا ونأسف أننا لم نقم بذلك مسبقا . لا أحد يعمل بلطف في غزة " .
ولا عجب أن تقرأ عن مسح عائلات بالكامل مثل عائلة لبد ؛ المعلمة إيمان عبدالله لبد والطبيب بلال ناصر لبد والطبيبة بنان ناصر لبد والشابة ريتال ناصر لبد والطفل اسماعيل ناصر لبد . شباب وشابات مثل الورد .
ونقرأ عن قناص في لواء " ناحال " يكشف خلال تحقيق بصحيفة " هارتس " أن قادته صرخوا عليه أن يقتل الفلسطينيين قرب مراكز توزيع المساعدات . أحيانا كان يتردد فيصرخ عليه أن يطلق النار " وكان الكثير منهم أطفال " و " أشتم اليوم رائحة جثث الأطفال ولا أعرف النوم ليلا وأتبول على نفسي من الخوف " .
في صفحة تيسير عبد Taysir Abd الذي ينقل غالبا عن الصحف العبرية يورد رسالة صادرة عن القيادة الميدانية والقيادة العليا للجيش الإسرائيلي نصها :
" لم يخف وزير الدفاع وبعض أعضاء الحكومة أن هدفنا ليس لواء غزة فحسب ، بل تدمير وتسوية أكبر عدد ممكن من المباني بالأرض لدفع ثمن استمرار الحرب ومنع عودة الغزيين إلى المدينة " .
ويدرج دكتور Dr-Bassam Said شريط فيديو يري تدمير برج الغفرى الذي يعتبر قبلة للصحفيين والأدباء والكتاب ووكالات الأنباء ويمثل ذاكرة للجميع وذاكرة خصبة له بشكل خاص ..
أما ام ايمن الصوص فتكتب شيئا طريفا عما يعانيه المواطن الغزاوي في استخدامه للعملة الورقية وتبدأ كتابتها بالسؤال :
- هل سمعت عن تصليح العملة الورقية من قبل ؟!
وتجيب :
- لا أظن
وتخبرنا حكاية أقرب إلى الخيال ، ولك أن تقرأها في صفحتها .
وتكتب الناشطة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri عن إصابة محمد أبو الأمل التي تحولت إلى مأساة ، تكتب تحت عنوان " حين تصبح الإصابة # مأساة : قصة محمد في غزة " . لقد أصيب محمد في ١٣ / ٨ / ٢٠٢٥ بكسر شديد في عظم يده واختلف الأطباء في تشخيصه ، ولما كانت المشافي تعاني فقد دفع مبلغ ١٧ ألف دولار ليتعالج في مشفى خاص ، وهو يحتاج إلى متابعة طبية دقيقة لمدة عامين .
وعن الفقدان والألم كتب محمد الذهبي ، قبل ثلاث ساعات من كتابتي ، عن حرب الإبادة التي " سرقت أغلى وأعز ما لدينا " " خطفت اليوم فادي ، شقيق أخي وحبيبي ورفيق دربي خالد أحمد جراد... " .
والكتابات كثيرة وأكثر منها أشرطة الفيديو التي نشاهدها وتبعث على الاكتئاب والحسرة وتشعرنا بمزيد من العجز
" أمانة والله أخوي زرعينة زراعة . أمانة أمانة . طيب وين ماما . وين أخوي التاني . بس أخوي مات . أمانة صحوه . أمانة . كنا قاعدين أجا الصاروخ علينا " تبكي طفلة فتمزق نياط القلب .
حالة تعبانة يا الله !
خريشات ١٦ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 712 : محرقة ( شواه ) :
على الرغم من أن دولة الاحتلال الإسرائيلي طلبت من أهل مدينة غزة أن يخلوا بيوتهم وينزحوا إلى الجنوب ، طلبا للسلامة والأمان ، فإن النازحين لم يسلموا ؛ من كانوا في طريقهم إلى الجنوب وبعض من كانوا في خيامهم في المناطق المزعوم أنها آمنة .
أشرطة فيديو عديدة أرت سيارات تتجه نحو الجنوب وقد احترقت ومن فيها . ( شواه ) ولا كلمة أخرى . وفي بعض الخيام كان الأطفال على أرض الخيمة ، من إصابتهم ، يئنون ويبكون ويصرخون ، وأما جثث الموتى فحدث ولا حرج . وفي صفحة رامي شبات نقرأ نعيه لأخيه وزوجته وشقيقته وأطفالهما الثلاثة وقد قتلوا في خيمة في دير البلح .
أمس ادعت إسرائيل أنها قتلت ٩١ إرهابيا في غزة و١٥ في مناطق أخرى ، وأما الصديق جمال زقوت Jamal Zakout فقد أدرج ٢٣ اسما من أفراد عائلة زقوت قتلوا هناك ؛ بينهم نساء وأطفال وعواجيز ، وقد يكون هؤلاء من بين الإرهابيين الذين قتلوا .
في صفحة الشاعر عثمان حسين تقرأ :
" حين تذبح غزة أمام بحرها عارية وعزلاء ، يفقد الكلام معناه ، ويخرج الصمت متسخا ، يلقى مزيدا من القبح في وجه العالم القبيح " .
ما أقبح عالمنا !
هل نوجه النصائح من بعيد لأهل مدينة غزة ؟
عندما أدرجت شريطا لامرأة تحكي عن النزوج وأنها ستنزح ، وشاهدت في الوقت نفسه شريطا ثانيا لشاب يتحدى مصرا على البقاء رافضا النزوح ، عقبت :
" يجب أن نشاهد أشرطة متنوعة ونصغي لوجهات النظر "
ومن أشرطة النزوح أدرجت ، نقلا عن صفحة بيسان عدوان Bisan GA Edwan ، شريط نزوح عجوز غزاوية محنية الظهر تتجاوز الثمانين ، تسير في الطريق فتتعب وتجلس على الرصيف .
ما أقبح العالم !
النكبة مستمرة ومتفاقمة وكذلك شاتيلا وصبرا التي صادف أمس ذكرى ارتكابها في العام ١٩٨٢ .
خربشات ١٧ / ٩ / ٢٠٢٥
***
-- غزة 713 : إنها مطحنة
الدبابات الإسرائيلية تقتحم بعض أحياء مدينة غزة ، وجثث الغزاويين في المناطق المقتحمة في الطرقات ، كما بدا في صورة أدرجها محمد العرجا Mohammed Alarja وكتب مقدما لها :
" والله يعز علي أن أنقل مشاهد سقوط مدينة غزة .
رسميا احتلال غزة قد بدأ
الدبابات تتوغل الآن في شارع الجلاء وسط مدينة غزة ، والجثث في الطرقات على مرأى العالم بأكمله .
حسبنا الله ونعم الوكيل . "
وفي منشور آخر له تحت عنوان " النداء الأخير " كتب عن انقطاع شامل في خدمات الانترنت والاتصالات الأرضية وعزل غزة تماما وغرقها في الظلام ، لطمس الحقيقة ومواصلة الجرائم " كونوا أنتم أيها الأحرار صدى لأصواتهم يملأ العالم . إنهم يبادون بصمت . يا الله ! اللهم إني قد بلغت " .
في شريط فيديو يحكي شاب واصفا النزوح ، ومما قاله :
تشعر إنه يوم الحشر . كل غزة على شارع الرشيد نحو الجنوب .
هل تحرك العرب ؟ هل شافنا العرب ؟ هل فعلوا شيئا ؟ لا .
طيب شو الحل ؟ هناك حل وحيد . أبيدونا كلنا أو شوفوا لنا حلا لهذه الأزمة " .
وفي شريط من الولايات المتحدة الأمريكية ، نقلته عن صفحة الكاتب سعد القرش ، تصرخ طيارة أمريكية وزميلها وهما يعتقلان :
- إنها إبادة .
اعتقل الطياران لرفضهما قيادة طائرات محملة بالأسلحة إلى الكيان الإسرائيلي .
وبعض صفحات التواصل أدرجت مقطعا من قصيدة محمود درويش " مديح الظل العالي " وهو المقطع الذي يأتي على أمريكا :
" أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا "
ولطالما أدرجته في المطحنة من قبل .
الناشط مراسل إذاعة أجيال محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal سأل أمس إن كانت هناك كلمة أخرى غير إبادة أو مقتلة . هل تصح كلمة " مطحنة "؟ ، فغزة بين فكي الرحى / الطاحون ، والموت فيها في كل مكان ، ولا هدف له إلا دفع سكانها إلى الهجرة .
الله المستعان .
خربشات ١٨ / ٩ / ٢٠٢٥
***
-غزة 714 : أدب المقاومة في غزة
أدب المقاومة في غزة يكتبه المقاتلون فقط ؛ هؤلاء الذين لا نصغي إلى ألسنتهم تتكلم ولا وقت لديهم للقراءة والكتابة .
ما نقرؤه من كتابات أبناء قطاع غزة يصف قسوة حياة الشعب الذي يهيم على وجهه ويدعو إلى وقف الحرب ؛ لأن الحياة في غزة في ظل الحرب - إن كان هناك ظل يستظل به - هي الجحيم ، والجحيم هو ما يسرد ويكتب .
إن كان هناك دعوة للمقاومة فيما يكتب فهي موجهة لغير العدو . للأسف لن تجد في أكثر الكتابات ما يدعو إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ، وستقرأ دعوات لحماس تطلب منها أن تغادر ولو رفعت الرايات البيض .
من يكتبون أدب مقاومة . شعر مقاومة . قصص مقاومة . روايات مقاومة .من يكتبون هذا اللون من الأدب هم من يقيمون في خارج قطاع غزة ، وغالبا ما يهاجم ناشطو قطاع غزة هؤلاء ساخرين منهم ناعتينهم ب " المشتبكين " ومقاومي " الكيبوورد " .
هل كتبت هذا أمس لناقد عربي طلب مني أن أكتب دراسة عن أدب المقاومة لنشرها في كتاب ؟
أظن ذلك .
الأدب المكتوب في غزة هو أدب يائس يصف الواقع البائس . يصف حياة النزوح وفقدان البيت والجوع والفقدان والموت الجماعي ويوجه سهام نقده لمن بدأ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ - طوفان الأقصى .
أعرف أن هذه الكتابة قد تجر علي ردود فعل عنيفة ، ولكن لا بد من كتابتها ؛ لأنني لا بد من أن أكون صادقا مع نفسي على الأقل .
أقرأ ما استطعت مما يكتبه أدباء الداخل وأدباء الخارج ؛ داخل غزة وخارجها ، ويمكن أن أسمي الأدباء هنا وهناك ، ومرة كتبت تحت عنوان " نص غزة الغائب الذي لم نكتبه " وهو النص الذي يصور بطولات المقاومين ..
خربشات ١٩ / ٩ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة عادل الاسطة
( أرفق مع الكتابة منشورا ل أمل الأعرج عما يعانيه الشعب الفلسطيني هناك . إنه نموذج أدب نكبة . أدب نزوح . أدب لا ينطبق عليه قول الشاعر محمود درويش :
لماذا تكون القصيدة بيضاء والأرض سوداء جدا ؟! ")
***
- غزة 715 : لا أحد ناج :
في غزة لا أحد على ما يبدو ناج . الكل مدان مسبقا ، فالسكان كلهم ، في نظر الدولة الإسرائيلية ، مؤيدون لحماس .
قبل أيام تذكرت ما قال به بعض الناظرين في شأن ألمانيا إبان الحكم النازي : إن الفوهرر الألماني هتتتتلللر لم يكن حالة فردية ، فالشعب الألماني كان يصغي إلى خطاباته ويرفع يده وصوته :
- هايل هتتتتللللر .
ولذلك فكل ألماني مدان .
هل تقيس إسرائيل على ما سبق وتأخذ أهل قطاع غزة بجريرة انتخاب حماس ؟
أمس لفت انتباهي الرسالة التي وجهها أشرف نصر إلى كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي ( نتنياهو ) ووزير دفاعه ورئيس أركان حربه ( كاتس ) و ( زامير ) ومنها :
" الناس اللي قاعدة بغزة مش قاعدة من مبدأ صمود وثبات ؛ الناس اللي قاعدة بغزة وأنا منهم مش ملاقيين مكان نقعد فيه .. ولا معنا حق النزوح ولا الإيجار الشهري للخيام.. أكيد أنتم عارفين بهيك ..
افرزونا عن حماس ...... المهم افرز الأبرياء اللي بدهم يعيشوا .. " .
في نظر الصهيونية فإن العربي الجيد هو العربي الميت والمطلوب هو أرض بلا عرب ، ولطالما أشرت إلى ما كتبه المؤرخ الإسرائيلي ( إيلان بابيه ) في كتابه " التطهير العرقي " عما فعلته العصابات الصهيونية في العام ١٩٤٨ بأهل القرى المسالمة التي كانت تتعايش مع المستوطنات اليهودية . انظروا ما كتبه في صفحة ١٢٥ تحت عنوان " إنجاز المهمة في الشرق " ، ولا بد من التوسع فيه .
حالة تعبانة وأكثر
خربشات ٢٠ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 716 : ما هي مهمة الكاتب الفلسطيني في هذه " المفرمة "؟
وفي هذه اليوميات غالبا ما أفكر في الكلمة التي يمكن أن تنطبق على ما يجري ، وغيري أيضا يفكر مثلي ويرى أن الكلمات التي استخدمت تعجز حقا عن التعبير .
مقتلة وملحمة وحرب إبادة ومحرقة " شواه " ومطحنة ، والأخيرة أفدت فيها من معلقة زهير بن أبي سلمى التي اقتبست منها من قبل :
" أمن أم أوفى دمنة لم تكلم " ، ثم وجدتني أتذكر دال " مفرمة " ، فآلاف الغزيين فرمت بعض أطرافهم وهرست كما يهرس فص ثوم . ربما يجب استخدام " مهرسة " في الكتابة عن قصف البيوت والأبراج والمباني كالمشافي والمدارس . لقد هرست هرسا .
قراء عديدون كتبوا إلي إنني لم أكتب شيئا ضد حماس ، مع أن كتابات ناشطي قطاع غزة تحفل بهذا النقد ، وغالبا ما تحاورنا حول مسؤولية حماس فيما يجري .
هل وظيفة الكاتب منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ أن يقف مع جهة ما ويهاجم طرفا آخر ؟
وماذا لو حملنا مسؤولية ما يجري لحماس أو لحماس وفتح اللتين تحاورتا منذ ١٧ عاما ولم تتوصلا إلى اتفاق ؟
أظن أن لا أحد من الأطراف المتصارعة والمتحارية يصغي إلينا نحن الكتاب ، بل وأرجح أننا حين ننتقد طرفا ما نهاجم منه ويضيق علينا وقد يسجن قسم منا ويحقق مع آخر وتمنع كتاباته و .. و .. .
إن مهمتنا الآن هي تصوير معاناة أهلنا بالدرجة الأولى والكتابة عن العذاب الفلسطيني . نعم هذه مهمتنا ، فنحن لا نملك قرار وقف الحرب ، إن قرأت الجهات المتقاتلة والمختلفة ما نكتب .
إن مهمتنا أن نصور ما يجري وأن نكون شهودا عليه نفضح القتل والقسوة والتوحش ونضع إصبعنا على سبب الجرح .
نحن ضد الاحتلال وضد طردنا من أرضنا وضد هجرة آبائنا من ديارهم في العام ١٩٤٨ ، ونحن ضد الظلم .
في بداية المقتلة كتبت مقالا عنوانه " ما بين دجاجة الحسيني وخزان كنفاني وخازوق حبيبي " ؛ الدجاجة التي نعتها صاحبها بالحكيمة دعت إلى الهجرة وإصلاح العالم فاتهمت بالخيانة ( فاروق وادي ) ، وكنفاني سأل على لسان شخصيته " لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ فرددنا سؤاله منذ ١٩٦٣ " ، وحبيبي فضل الجلوس على الخازوق والمواجهة بالبقاء في الأرض والصمت من أجل البقاء وعدم التهجير ومات ليدفن في حيفا وكثيرا ما اتهم وهوجم .
هل أنا دجاجة الحسيني ؟
حتى اللحظة لم آخذ بما دعت إليه .
هل أنا أتبنى طرح كنفاني ؟
لطالما توقفت أمام تجاربنا في دق جدران الخزان ، وكلما طرق الفلسطينيون الجدران اتسعت المنافي .
هل أحذو حذو حبيبي وأجلس على الخازوق ؟
منذ ولدنا ونحن جالسون عليه .
في أحد أشرطة فيديو يتكلم يحيى السسسنوار ويأتي على ما سيقدم عليه ، هو و " مجانين غزة " ، والوصف له .
الرئيس محمود عباس يحذو حذو إميل حبيبي ، والضفة الغربية في طريقها إلى الضم و ... و ... ومع سطر محمود درويش " لست أنا النبي لأدعي وحيا " ، بل ولست ...
وكلام القرايا غير كلام السرايا .
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ٢١ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 717 : الطفولة الفلسطينية في النزوح
مرة أخرى تتكرر لازمة ، في كتابات ناشطي أبناء قطاع غزة ، لازمة الطفل الفلسطيني ضحية النزوح ، ومرة أخرى وأخرى وأخرى تتكرر في حياة الفلسطينيين ، فتظهر هذه المرة في أشرطة الفيديو وعلى الهواء مباشرة ، بعد أن كنا قرأنا عنها قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ في أديباتهم أو شاهدناها في مسلسلاتهم أو قرأنا عنها في الأدبيات العربية .
من " عائد إلى حيفا " ١٩٦٩ إلى " الدرب الطويل " ١٩٩٨ / " التغريبة الفلسطينية " في نسخة أخرى ، إلى " بينما ينام العالم / صباحات جنين ، إلى ما لست أدري في حكايات قصت ولم أسمعها . من غسان كنفاني إلى وليد سيف إلى سوزان أبو الهوى .
قبل ثلاثة أربعة أيام التقط مصور صورة لطفل فلسطيني يحمل أخته الأصغر منه على ظهره ويبكي . ينادي على أمه ويبكي ، ويبدو أنه فقد أسرته ، متخلفا عنها في النزوح من الشمال إلى الجنوب .
انتشرت الصورة وانتشر مقطع الفيديو في وسائل التواصل الاجتماعي كما لم تنتشر صورة أو مقطع فيديو آخر ، ووضعت الصورة إلى جانب صورة الطفل الفيتنامي الذي يحمل ، على ظهره ، جثة أخيه ، وحين يسأله جندي أمريكي إن كان لا يتعب ، يجيبه :
- إنه أخي !
وأمس قرأت منشورا كتب فيه صاحبه إن الطفل صاحب الصورة وأخته اختفيا .
هل سيكون مصيرهما مصير الطفلين في رواية كنفاني ورواية سوزان أبو الهوى ؟ أم أن أسرتهما وجدتهما ؟
من يريد أن يقرأ عن معاناة الأطفال في النزوح في العام ١٩٤٨ ، فليقرأ رواية الكاتب الفلسطيني محمد الأسعد " أطفال الندى " ١٩٩٣.
وأمس كتب عن أطفال قطاع غزة الناشط محمد العطار ؛ كتب عن الأطفال في غزة معتمدا على إحصائيات ؛ أعدادهم ومعاناتهم و ... .
قبل أيام قرأنا قصة طفلين من شمال قطاع غزة ظلا في بيتهما أسبوعين دون طعام وأهل ، ولا أحد يعلم عنهما ، فالقصف شديد ومتواصل ، وأمس شاهدت صورة طفل أمام جدار وقد فقد أسرته ، وفقدان الأطفال أهاليهم في أيام النزوح الأخير من مدينة غزة تصدرت المنشورات ، كما تصدرها ، في الفترة الأخيرة ، فيلم هند جودة الفائز بجائزة عالمية .
صار الفلسطيني كما كتب عنه إميل حبيبي في روايته " المتشائل " إنسانا فذا ، فلم تبق صحيفة ذات وذات وذات وذات " قرون " لم تكتب عنه .
لسان حال مواطني قطاع غزة يقول :
ليتنا بقينا نكرات وبقينا في بيوتنا .
حالة تعبانة وأكثر !
خريشات ٢٢ / ٩ / ٢٠٢٢ .
***
- غزة 718 : هل سيؤول طوفان الأقصى مآل انتفاضة ١٩٨٧ ؟
ربما يتذكر من عاش الانتفاضة الأولى مآلها في آخر أعوامها . انقلبت صورتها المشرقة في بداياتها إلى نقيضها . صارت الصورة مظلمة قاتمة ، ما جعلني أكتب نص " ليل الضفة الطويل " ١٩٩٣ .
يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي أراد أن تكون نهايات طوفان الأقصى مثل نهايات الانتفاضة الأولى . " اضرب المنتفضين ببعضهم وانه الانتفاضة بالانتفاضة " قال ( إسحق رابين ) ، وقد دفع ( بنيامين نتنياهو ) أهل غزة إلى الاتجاه نفسه . ضيق وضيق وضيق فبدأت سرقات المساعدات وبدأ تشكيل جماعات مناهضة وبدأ وبدأ .
ما عليك إلا أن تتصفح صفحة " امسك مبادر " وتقرأ التعليقات على منشوراتها لتعرف أي ليل آخر يعيشه أهل غزة ، ويبدو أننا لم ننج منه أيضا ، فقد انتقل إلينا وبدأنا نعيش " ليل الضفة الطويل " ثانية ، ونقرأ عن تشويه هذا لذاك بقدر من النذالة لا حدود له . وعلينا الا ننسى مشهد قتل ثلاثة قيل إنهم عملاء .
أمس أصغيت إلى محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal يحكي عن نوم بعض النازحين إلى الجنوب قرب المزابل وفوقها ، وذلك لضيق المكان في الجنوب . من نزح في ٢٠٢٣ وعاد إلى الشمال لم ينزح ثانية لأنه عاش جحيم النزوح ، ومن لم يجرب ، من قبل ، النزوح نزح ليعيش جحيمه هربا من القتل .
وأمس عثر الطفل وأخوه على أمهما ، وكنت أمس أخطأت في كتابة اسم الطفلة هند رجب ، فوجب التصويب .
حالة تعبانة وأكثر !
حالة خريانة !
خريشات ٢٣ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 719 : عن ضيق الصدر والنرفزة و ...
أمس ، وأنا أبدي رأيا حول قصيدة كتبها الشاعر عبد الناصر صالح ، تجادل معي فيه أدباء من غزة وخارجها ، تذكرت المقطع الآتي من قصة غسان كنفاني " أرض البرتقال الحزين " ( ١٩٥٥ ) :
" وعندما وصلنا صيدا ، في العصر ، صرنا لاجئين .. "
" احتوتنا الطريق فيمن احتوت .. كان أبوك قد كبر عن ذي قبل ، وبدا كأنه لم ينم منذ زمن طويل ... كان واقفا في الشارع أمام الأمتعة الملقاة على الطريق ، وكنت أتخيل تماما أنني إذا سعيت إليه لأقول له شيئا ما سينفجر في وجهي :
- يلعن أبوك ... يلعن ...
كانت هاتان الشتيمتان تلوحان على وجهه بوضوح ، بل إنني أنا أيضا ، الطفل الذي نشأ في مدرسة دينية متعصبة ، كنت ساعتذاك أشك في أن الله يسمع كل شيء .. ويرى كل شيء .. " ( واستغفر الله لي ولغسان ولأهل غزة ) ..
مرة كتبت إن الحالة النفسية لأهل قطاع غزة " واصلة معهم لرؤؤس مناخيرهم " .
ويبدو أن الحالة وصلت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ، بعد اعتراف دول أوروبية غربية عديدة بالدولة الفلسطينية ، إلى رأس أنفه أيضا ، ولذلك تصرف بغضب فأعطى أوامره بإغلاق الجسر ، ليظل الوزراء الفلسطينيون خارج الضفة ، وهدد بأن ما ينوي فعله سيظهر بعد عودته من زيارة الولايات المتحدة الأمريكية .
خير اللهم اجعله خيرا .
هل أكرر بيت الشعر :
" اشتدي أزمة تنفرجي
قد أذن ليلك بالبلج "
أم ... ؟
حالة تعبانة يا ليلى وأكثر والله المستعان !
خريشات ٢٤ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 719 / 2 : شعراء يمجدون المقاومة والمقاوم :
لفتت الكاتبة عبلة جابر ( Abla Jaber ) نظري إلى أن هناك شاعرات من غزة مجدن المقاوم ورثين بعض القادة ، ومنهم يحيى السسسنوار ، وأرسلت إلي بعض قصائدهن ، وأخبرتني أنها تعكف على إعداد دراسة في الموضوع ، وذكرت لي ثلاثة أسماء هن :
- سمية وادي
- سمية أبو عيطة ( غادرت في الحرب غزة )
- د.آلاء القطراوي
أنتظر أن تنجز عبلة دراستها لنقرأ عن صورة المقاوم وصورة السسسسنوار في شعرهن .
عدت إلى صفحة سمية وادي وقرأت فيها ، و لأنني من أنصار الشعر الغنائي ، فقد رأيت فيما كتبته مقطوعات نثرية . بخصوص سمية أبو عيطة لم أقرأ لها ، وفوجئت بأن آلاء نشرت أشعارها لا على صفحتها بل في ديوان .
يجب النظر في الأمر ولعل دراسة عبلة تصحح من رأيي .
٢٤ / ٩ / ٢٠٢٥
سمية وادي
كنّا نُريدك للنهاية،
بطلًا على كتفيك
تكتملُ الحكاية..
كنّا نريدك
أن تظلَّ
تقول ما لم نستطع تفسيره،
تمشي كأيِّ فتيً يُحبُّ
يغارُ، يغضبُ
يشتهي نكتًا،
يعود لبيتِه متأخِّرًا،
ويضلُّ معناه النبيلْ
كّنا نريدك لا تموتُ
كأنّ موتَك
من بناتِ المستحيلْ
كنا نريدكَ
كالبلادِ
تمصُّ من دمنا
وتكبرُ..
مثل عنقاءِ الرّمادِ
كنّا نريدك
أن تعودَ
وتحرسَ المعنى الوحيدَ
كنا نُريدك
يا شهيدًا
قبل لحظتك الأخيرة
كنّا نريدك يا حبيبي
يا بقايانا
ويا كلَّ الذخيرة!!
***
- غزة 720 : شر البلية ما يضحك
آخر الأخبار تقول إن الرئيس الأمريكي ( دونالد ترامب ) اقترح أن يكون رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ( توني بلير ) حاكم قطاع غزة في اليوم التالي لنهاية الحرب .
هل كان ( ترامب ) ينكت أم يتظارف ؟
عندنا مثل يقول " شر البلية ما يضحك " ، ولكن لماذا نضحك ؟ ألم يردد بعض الجزائريين في تسعينيات القرن العشرين عبارة " إن عربت خربت " ؟ لقد سمعت العبارة وأنا في ألمانيا من الطالب الجزائري عزيز ، وإن لم تخني الذاكرة فقد أوردتها في روايتي " تداعيات ضمير المخاطب " ١٩٩٣ .
في غزة اختلفت الآراء اليوم حول خبر إطلاق صاروخ مضاد للطائرات على طيارة هيلوكابتر إسرائيلية . هناك من هلل للخبر وهناك من سخر منه قائلا إن غزة ينقصها المضادات الحيوية ، فمن أين أتت بالمضادات الجوية ؟
ما زالت صفحات التواصل الاجتماعي تحفل بمنشورات يهاجم فيها مبادرون مبادرين وتقرأ فيها تعليقات نارية تتهم صاحب المنشور أو تدافع عنه ، ولا يقوم صاحب المنشور بحذف الشتائم التي توجه إليه بحجة حرصه على الشفافية .
في غزة بدأت المقاومة تلقي القبض على مواطنين لتحقق معهم بدعوى تخابرهم مع العدو الإسرائيلي وتزويده بمعلومات حساسة وخطيرة ، ويبدو أن الأوضاع بدأت تدخل في نفق مظلم . هل سينبثق الضوء عما قريب ، فللشاعر الفلسطيني المرحوم علي الخليلي رواية عنوانها " ضوء في النفق الطويل " ؟
مدينة نابلس انشغلت في اليومين الأخيرين بشريط الفيديو الذي أدرجه غسان خضر في صفحته ويحكي فيه منصور عن مشكلة المحامي الكبير في السن يوسف البخاري ، وحين تقرأ التعليقات تتساءل إن كنا في المدينة نتابع ما يجري في غزة متابعتنا لقضية اجتماعية . كان الله في عون أهل قطاع غزة وفي عوننا أيضا .
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ٢٥ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 721 :: غزة في كتابات أبنائها
مؤمن مقداد عرفناه من خلال ترجماته عن الصحف والمواقع العبرية ، وقليلا ما يكتب منشورات تصف الواقع الذي يعيشه . ربما كتب عبارات قليلة جدا .
في الحرب افدنا من صفحته الكثير الكثير وأشرنا إليها مصدرا نعتمد عليه . اكتفى بمهمة مترجم الخبر العبري إلى القاريء العربي . لم يحلل ولم يعقب ويبدو أنه ترك هذه المهمة لذوي الاختصاص مثل الدكتور تيسير عبد Taysir Abd .
اقرأوا ما كتبه عما يفعله الإسرائيليون في غزة منذ اليوم التالي لطوفان الأقصى وقد بلغ ذروته في " عربات جدعون " .
ما زلنا ننتظر معجزة ، فهل سيبعث الله لغزة " عصا موسى " لتشق الأرض وتبتلع الدبابات ؟
أيلول يقترب من نهايته والتوقعات قالت إن شيئا ما سيحدث ، علما بأن بعض أبناء قطاع غزة قالوا إن ليلى عبد اللطيف المتنبئة وقارئة الفنجان / الورق كانت وفايز الدويري وقناة الجزيرة الفضائية " خربوا بيت غزة " .
حالة تعبانة وأكثر !
Adel Al-osta
خربشات ٢٦ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 722 : في انتظار البرابرة . كتابة ثالثة
في قراءتها الأولية في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) في الجمعية العامة للأمم المتحدة مساء ٢٦ / ٩ / ٢٠٢٥ أوردت الكاتبة غانية ملحيس الآتي على لسانه :
" لست نبتا شيطانيا كما يصورني الإعلام ، بل مرآة عاكسة لحقيقة يهود إسرائيل ؛ ف ٩٠ ٠ / ٠ ... يؤيدون محو الوجود الفلسطيني في فلسطين الانتدابية ، فقد عارض ٩٩ عضو كنيست ( من مجموع ١٠٩ أعضاء يهود - أي ٨ ، ٩٠ ٠/٠ ) إقامة دولة فلسطينية على أي جزء من أرض فلسطين الانتدابية " .
و
" ٩٠ ٠ / ٠ من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة مؤيدون لحماس ولطوفان الأقصى ، ما يعني انهم يشكلون خطرا وجوديا ويستحقون بذلك الإبادة "
ولنلاحظ العبارة الأخيرة " ويستحقون بذلك الإبادة " - يعني ، يا أهل الضفة الغربية ، قربت .
لم أخرج اليوم ، على غير العادة ، من شقتي ، ويبدو أنني تسممت من طعام ما أو أنها البازيلا والجزر بلحم الخاروف رفعت نسبة السكر في الدم أو أنه التوتر والقلق من الأخبار التي لا تسر .
أتمنى أن أكون مثل الأستاذ سليم في رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " - أي أن أموت قبل ليلة واحدة من إبادة أهل الضفة الغربية .
في كتابتي يوميات الكورونا تساءلت إن لم يكن هناك إمكانية لاختراع لقاح يتكيء على فصيلة الدم ؛ دم يهودي ودم غير يهودي ، ينجي الأول ويقتل الثاني ، ثم شاعت قصة اللقاحات منتهية الصلاحية .
ترى ألا يمكن اختراع قنابل إبادة تميز بين دم ودم .
قسم من أهل قطاع غزة ناشدوا " أبو يائير " أن يلقي عليهم قنبلة نووية ويريحهم مرة واحدة .
حالة تعبانة يا ليلى !
( مش ليلى عبد اللطيف ، وإنما ليلى زياد الرحباني )،.
خربشات ٢٧ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 723 : فاض بينا وتعبنا بكفي
عندما قرأ الدكتور بسام سعيد الذي يقيم في غزة ويكتب ، منذ بداية طوفان الأقصى ، كتابة شبه يومية ، عندما قرأ مقالي في جريدة الأيام الفلسطينية " كأني أعود إلى ما مضى " ( ٢٨ / ٩ /٢٠٢٥ ) عقب :
" فاض بينا وتعبنا بيكفي " .
وأنا رددت عليه : معك حق والله ، وأنا تعبت لتعبكم . عسى أن تنتهي الحرب مع اقتراب عامها الثاني من نهايته . كان الله في عونكم " .
وفي الفترة الأخيرة طلب مني غير شخص أن أتوقف عن كتابة يوميات غزة ، وحتى الجريدة طلبت مني أن أنوع في الكتابة بحكم طبيعة زاويتي التي تتطلب التنويع والكتابة الوجدانية التي تتكيء على " ما تيسر " .
وأنا أقرأ عبارة الدكتور بسام تذكرت ديوان محمود درويش " محاولة رقم 7 " ١٩٧٣ وقصيدته " طوبى لشيء غامض " التي رثى فيها شهداء عملية فردان في بيروت في نيسان ١٩٧٣ .
" تعب الرثاء من الضحايا "
وأنا تعبت من السفر .
أنا شخصيا تعبت من الكتابه في موت أهل قطاع غزة .
أتمنى أن تضع الحرب أوزارها مع نهاية عامها الثاني ، كي ألبي - إن استطعت - طلب الدكتور والجريدة ، أو أن أتوقف عن الكتابة نهائيا ، وأتمنى أن لا يكون حالي حال الزمار .
عندنا مثل يقول " بموت الزمار واصابعه بتعزف " .
تقاعدت من الجامعة مع نهاية أيلول ٢٠١٩ ، ولم أتوقف عن القراءة والكتابة .
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ٢٨ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 724 : بمختصر العبارة
ففي ليل كهذا تكثر الضوضاء والجمل
وما نظروا هذا الحضيض ، وتلكم الحيل
قضيتنا ، وإن عجنوا وإن صعدوا وإن نزلوا
لها شرح بسيط واحد حق لم الهبل؟
لماذا ألف تنظير ويكثر حولها الجدل
قضيتنا لنا وطن ، كما للناس في أوطانهم نزل
وأحباب وأنهار وجيران
وكنا فيه أطفالا وفتيانا وبعضا صار يكتهل
وهذا ، كل هذا ، الآن مغتصب ومحتل ومعتقل
قضيتنا سنرجع أو ... .
مظفر النواب ، المسلخ الدولي
خربشات ٢٩ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 725 : الحنين إلى حديقة المنزل
منذ شهور وأنا أفكر في الكتابة عن حنين الغزازوة ، ممن يملكون في بيوتهم حديقة ، إلى الحديقة . وكلما جلست ، في أيام الصيف الحارة ، في حديقة منزلي ، تذكرت من أهل غزة من فقد حدبقته وحنينه إليها ، وأتذكر أنني في بداية طوفان الأقصى كتبت ثماني حلقات تحت عنوان " في غزة لي أصدقاء وذكريات " أتيت فيها على حديقة بيت أبو لطفي رزق ، في حي الرمال ، حيث أقمت في البيت أياما لحضور حفل زفاف ابنة عمي .
أمس قرأت نصا نثريا للكاتبة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri عنوانه "#الخيمة ... وطن مؤقت " أتت فيه على نزوحاتها العديدة وبدأته بالآتي :
" لم أكن أتخيل يوما أن أعد مرات نزوحي كما أعد سنوات عمري . لكنها الحقيقة القاسية : أنا الآن نازحة للمرة السادسة " .
وفي نصها أتت غير مرة على حديقة منزلها وحنينها إليها . وتنهي الكاتبة نصها بالفقرة الآتية :
" لكن يبقى السؤال الأكبر معلقا بلا جواب : إلى متى سأبقى من نزوح قسري إلى آخر ؟ وإلى متى سأظل أشتاق لمنزلي ولفنجان قهوة في حديقة بيت لاهيا ، حيث شعرت بأمان لأول مرة ؟ " .
وعندما أدرجت مع كتابتها صورة اختارت صورة خيمتها إلى جانب شجرة زيتون .
وليست كاتبة النص الوحيدة التي كتبت عن حنينها إلى الحديقة .
أمس واصل الجيش الإسرائيلي قصفه أحياء مدينة غزة ، وأمس ارتقى شهداء بالعشرات أيضا كما في كل يوم ، وأمس كان صيد الآليات الإسرائيلية وفيرا .
الله المستعان والحالة تعبانة على الرغم من مقترحات الرئيس الأمريكي ( ترامب ) لوقف الحرب والتبشير بذلك .
خربشات ٣٠ / ٩ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة
غالبا ما أقتبس ، في بداية شهر أيلول ، من قصيدة محمود درويش " مديح الظل العالي " ، غالبا ما أقتبس منها سطريه :
" بحر لأيلول الجديد
خريفنا يدنو من الأبواب " .
فصل الخريف يدنو من الأبواب ، ونأمل أن لا يكون خريف الشعب الفلسطيني هو ما يدنو من الأبواب .
أمس أصغيت إلى محلل سياسي أرجح أنه ماهر أبو طير ، يقول إن الأشهر الأربعة الأخيرة من هذا العام ستكون الأقسى في حياة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية وفلسطين ١٩٤٨ .
ننتظر ونرى .
في قطاع غزة ما عاد قسم من ناشطيه يحتمل أي رأي مغاير . الحالة وصلت معهم إلى الأنف . " واصلة معي ل راس مناخيري " نقول حين تضيق بنا الأرض .
يحق لأهل قطاع غزة ما لا يحق لغيرهم . ولهم أن يرددوا قول الشاعر نفسه :
" تضيق بنا الأرض تحشرنا في الممر الأخير ، فنخلع أعضاءنا كي نمر " .
في آخر منشور نشره اكرم الصوراني أمس كتب مودعا منزله في غزة قبل النزوح ، وفي صباح اليوم تحدث محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal لإذاعة " أجيال " عما ألم ببيته وبيت عائلته ، ومما قاله إن الناس الآن في غزة تتحدث عن نوع جديد من الوداع هو وداع البيوت والحارات وأشياء المنزل ، وكما كتب محمد في التعليق " إنه ليس أهون من وداع الأحياء " .
حالة تعبانة يا ليلى
خربشات ١ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 697 : أدب رثاء البيوت والحارات وأشياء المنزل
عندما أصغيت أمس إلى محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal مراسل إذاعة أجيال سرعان ما تذكرت ما كتبه أول أمس اكرم الصوراني ، وهو ما أنهيت به خربشات أمس " إنه أيلول " ، وما كتبه أمس شجاع الصفدي عن علاقته بالأشياء .
حكى محمد عن دمار بيته وبيوت عائلته وبلغ عددها ثمانية . قال عما يعنيه البيت لأفراد عائلته ، وأتى على بكاء ابنته الشابة ابنة السابعة عسرة من عمرها وحلمها البسيط وهو أن تتام في سريرها الذي فقدته ، وحكى وحكى .
ما حكاه محمد أفاض في كتابته أكرم فوصف علاقته ، بأشياء منزله في مدينة غزة الذي سينزح منه للمرة الثانية . حكى عن المطبخ والأثاث وعلاقة الأسرة ؛ وزوجته أماني وابنه خالد وابنته كارمن ، بأشيائهم ، وعن إمعان النظر فيها يودعونها كأنما الوداع الأخير .
لم تختلف عنهما ديانا الشناوي التي كتبت :
"أغادر بيتي كما لو أنني أقتلع جزءا من روحي
الجدران ما زالت تحتفظ بظلي
والممرات تردد وقع خطاي ، والنوافذ
التي شهدت صمتي وحنيني تغلق
خلفي كعيون دامعة .
رائحة الخبز التي كانت تعبق في
الصباح تختفي ، وصوت ضحكاتي
القديمة يذوب في الفراغ . كل زاوية
هنا تعرفني ، كل حجر يذكرني بما كنت
عليه ، ومع ذلك أرحل . أمضي نحو
المجهول محملة بوجع لا يهدأ ، كأنني
أساق إلى التيه بلا خريطة ولا وعد
بالعودة . "
والنص كاملا في صفحتها .
وأما شجاع فكتب كيف صار ، لأجل مواصلة الحياة ، يحرق أشياء عزيزة على قلبه وخلص إلى أن :
" ثروة العمر من الذكريات لم تعد تساوي شيئا ، دعها تحترق فتساعدنا قليلا قبل أن نتركها وتحترق بلا جدوى .
كل ما أراه الآن يشعل حرائق في القلب ، لذلك أيها السادة ، احرقوا الذكريات بأيديكم قبل أن تحترق قلوبكم عليها " .
الأكثر إيلاما كان شريط الفيديو الذي صور أبو عدي الضرير ابن شمال غزة يهيم في شارع حيه يخاطب أهل الحي ألا يرحلوا ، فمن خرج من داره يقل مقداره . كان أبو عدي يصرخ ويهذي كالمجنون يطالب بالبقاء ويطلب أن يفجره جيش الاحتلال الإسرائيلي بروبوت متفجرات مفضلا هذا على النزوح ، وكأنما استجاب له الإسرائيليون فلم يمض يوم على سيره في الشارع حتى فجروه وارتقى .
" أنا بطلعش من الحارة أنا بطالب بربوت يفجرني . أنا بدي ١٢ طن من المتفجرات .. الحارة فاضية . لمين سايبين من الحارة يا كلاب " .
الإسرائيليون يعبئون عربات جندهم منتهية الصلاحية بأطنان من المتفجرات ويدخلونها إلى الأحياء لينسفوا مربعات كاملة .
هل هناك ضرورة لمخاصمة أي مواطن من غزة أو مجادلته ؟ كان الله في عونهم هناك !
حالة تعبانة وأكثر . حالة كارثية ، وأهل قطاع غزة بالويل .
و
و
" بحر لأيلول الجديد خريفنا يدنو من الأبواب " ( محمود درويش ١٩٨٢ )
خربشات ٢ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 698 : مائة شهييد أمس
إن تصفحت صفحة الصحفي محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal أمس فسوف تقرأ الآتي :
مائة شهيد بقصف ونيران الاحتلال في قطاع غزة منذ فجر اليوم .
و
مأساة وفاجعة :
استشهدت برصاص الاحتلال في " موراج " ...
أم لخمسة أطفال تدفع روحها ثمنا لتوفير طعام لأطفالها الخمسة .
وتصغي إلى محمد يتحدث عنها كما سمع قصتها وهو يتجول في المواصي :
أم عبد الرحمن أم لخمسة أطفال أكبرهم ١٣ عاما وأصغرهم ٥ غادر زوجها منذ خمس سنوات .. كانت وصيتها إن استشهدت أن تنقل إلى مستشفى ناصر وكرتونة المساعدات معها لتسلم إلى أطفالها الجوعى .
وفي شريط آخر تصغي إلى محمد يتحدث عن عدوى فيروس تحتاج قطاع غزة يزيدها ضعف المناعة وقلة النظافة مع محدودية التشخيص والعلاج .
وفي الصفحة نفسها تصغي إلى أحمد طافش الذي أصيب في الحرب بالعمى ، يحكي حكايته عن جوع أطفاله وعجزه عن إطعامهم . وتقرأ خبر استشهادهم جميعهم أمس . أحمد كان يسمع أطفاله يبكون من الجوع ويتظاهر بأنه لا يسمع ، علما بأن قلبه يتمزع عليهم .
محمد يحكي عما يجري مع المرضى ويخبرنا أنهم يلجأون إلى الدعاء وقراءة القرآن الكريم للعلاج ؛ لأن تسعين بالمائة من الأدوية غير متوفرة .
وأما في صفحة الدكتور بسام سعيد Dr-Bassam Said فتقرأ :
" الحرب مرآة قاسية تكشف ما يحاول البعض إخفاءه خلف الأقنعة ، فيسقط التجمل وينكشف المعدن الحقيقي للإنسان . فهناك من يخلع قلبه ليمنح غيره الحياة ، وهناك من يخلع إنسانيته ليحيا وحده . الحرب تمزق الأقنعة . ومأساة استغلال معاناة النازحين والتربح من ورائهم كارثة . وببدو لي إن عبارة " شدوا بعضكم " قد ذهبت أدراج الرياح " .
في التعليقات يكتب الدكتور بسام الآتي :
الكل مفتري
أجرة الشاحنة نص نقل ٦٦٠٠ شيكل
أجرة الشقة ٥٠٠٠ دولار
بغض أصحاب الشقق يفضل الأجرة الدفع يوميا ٣٠٠ شيكل قابلة للزيادة
الخيمة ٧٠٠٠ شيكل
قطعة أرض فارغة عشان الخيمة كل ٥٠ متر ٤٠٠ شيكل..
شو هذا الافتراء يا أهل الوسطى ؟ اتقوا الله في من لا مال عندهم .
اتقوا يوما تتعرضون فيه لنفس المصير .
منقول " .
وعلى ذكر عبارة " شدوا بعضكم " فهي عبارة اشتهرت جدا لأن عجوزا فلسطينية غنتها " شدوا بعضكم يا أهل فلسطين . شدوا بعضكم " ، وقسم ممن سمعها عقب :
- والله من يوم ما غنتها هالعجوز ما شاف أهل فلسطين الخير .
هل هي عجوز النحس مثل عجوز إميل حبيبي في روايته " المتشائل " ؟
أهل فلسطين منذ ابتلوا بالهجرات اليهودية في العام ١٨٧٨ لم يروا الخير ، بل إنهم لم يروه منذ بدأت الحروب الصليبية قبل قرون .
حالة تعبانة يا ليلى ! حالة خربانة وخريانة .
خريشات ٣ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 699 : تمني الموت
في ٣ / ٩ / ٢٠٢٥ كتبت غانية ملحيس Ghania Malhees مقالا تحت عنوان " الكتابة في زمن الإبادة : جدوى الكلمة أمام الموت " وأشارت فيه إلى أسماء بعض نشطاء غزة ممن يواصلون الكتابة على الرغم من حياة الدمار والرعب والموت التي يعبشونها ، مثمنة جهدهم ومحيية روحهم ومؤكدة على ضرورة الكتابة وجدواها .
عندما قرأت ما كتبت غانية علقت مشيرا إلى بعض الأسماء التي ذكرتها ، حتى يقرأ المشار إليهم المقال ويواصلوا الكتابة ويكونوا شهودا على ما يجري من داخل المحرقة .
من ضمن الأسماء التي أشرت إليها اسم الدكتورة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri .
قرأت الدكتورة المقال وكتبت التعليق الآتي :
" أشكر دكتورة غانية .. أشكرك دكتور عادل الأسطة وجميع المتواجدين على الصفحة .
هذا ما حدث معنا مساء اليوم ونحن نتناول طعام الغداء الذي كان عبارة عن حساء العدس .. من كثرة الضغط الذي نعيشه اليوم ، ونحن نفكر في النزوح القسري المجهول الوجهة والعدد ، بعد أن فقدنا منزلنا وكل ما نملك في بيت لاهيا مسقط رأسنا الذي صار الوصول إليه بين قوسين يعني الموت .
تغمرنا الأسئلة التي لا تهدأ :
أين سنذهب ؟
كم سيكلف الأمر ماديا ؟
ماذا سنأخذ معنا ؟
أسئلة تنهش أعصابنا وتضع نفوسنا تحت الصفر ، بينما أصوات القذائف من حولنا ترفع هرمون الادرينالين إلى السماء .
وسط هذا الضغط تلفظ علاء أكبر شباب العائلة بأمنية الموت ، بعدما أثقله حمل المسؤولية .
اعترضنا جميعا دفعة واحدة . نهرناه كبف يتمنى الموت وهو أب لطفلتين ؟ إحداهما جاءت إلى الدنيا قبل عام في عز مجاعة شمال غزة ، والأخرى ما زالت تحتفظ بفتات من الذاكرة عن حياتها قبل الحرب .
علاء فقد سنده بعد أسر الاحتلال لأخيه بلال قبل قرابة العام ، وحمل عبء رعاية أكثر من خمسة عشر فردا ، بينهم أخته المتزوحة وأولادها بعد أسر زوجها أيضا . الضغوط جعلته يتمنى الموت ، لكننا ذكرناه أن البقاء أمانة وان الحياة رغم قسوتها لا تزال تستحق .
قلت له : " إن شاء الله سنبقى ، سنتخطى ، وسنعيش لنروي قصصنا لأبنائنا واحفادنا . هم يريدون موتنا دفعة واحدة حتى يطوي العالم حكايتنا ، لكن الله سيبقينا بإذنه ، لنكون نحن اصل الحكاية للأجيال القادمة ".
عندما أقرأ شخصيا جدلا حول جدوى الكتابة ، وقد شارك فيه كتاب كثر منهم صديقنا الشاعر سميح محسن وصديقنا الشاعر أيضا شجاع الصفدي أتذكر قول والد محمود درويش له في نكبة العام ١٩٤٨ ، في قصيدته " أبد الصبار " من ديوان " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟" :
" إلى أين تأخذني يا أبي ؟
إلى جهة الريح يا ولدي ...
... وهما يخرجان من السهل ، حيث
أقام جنود بوتابرت تلا لرصد
الظلال على سور عكا القديم -
يقول أب لابنه : لا تخف . لا
تخف من أزيز الرصاص ....
.....
سوف تكبر يا ابني ، وتروي لمن يرثون بنادقهم
سيرة الدم فوق الحديد ... "
كم مرة اقتبست من قصيدة الشاعر نفسه " قال المسافر للمسافر : لن نعود كما " المقطع الآتي :
" فكتبت : من يكتب حكايته يرث
أرض الكلام ، ويملك المعنى تماما !" ؟!
خربشات ٤ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 700 : ارتقاء الأكاديميين وتبدل أحوالهم
كان الخبر الأكثر انتشارا أمس ، في وسائل التواصل الاجتماعي ، هو خبر ارتقاء الأكاديمي الدكتور عمر حرب ، ابن مدينة رفح ، نتيجة لسوء التغذية ومعاناته من مرض ألم به .
تداول الناشطون صوره قبل الحرب وبعدها ؛ ما كان عليه قبل طوفان الأقصى وما صار إليه خلالها ، وكتبوا حكايته التي تحدث عنها ، قبل فترة من موته ، لفضائية الجزيرة .
الدكتور المتخصص في الأدب الإنجليزي والمدرس في الجامعة فقد ، في الحرب ، أفراد أسرته كلهم ، البالغ عددهم قرابة ال ٢٦ ، وبقي وأمه ، التي تقارب الثمانين عاما ، على قيد الحياة ، ولم يكن يجد ما يأكله ، مكتفيا يوميا بثلاث حبات من التمر تمنحه الطاقة فقط . لقد تحول من كائن ممتليء بض يفيض حيوية إلى هيكل عظمي ، وكان أحد زملائه في مهنة التدريس ، عندما كان معلم مدرسة قبل حصوله على الدكتوراه وانتقاله إلى الجامعة وصفه بأنه " رجل يعد بألف رجل " .
ليس الدكتور عمر حرب هو الأكاديمي الوحيد الذي يرتقي ، ففي بداية الحرب ارتقى الأكاديمي الدكتور رفعت العرعير أستاذ الأدب الإنجليزي أيضا ، وكتب عنه الكثير .
لقد ساءت في الحرب أوضاع الأكاديميين وعانوا مثل أبناء شعبهم معاناة كبيرة ، ومن يتابع أخبار الدكتور محمود عبد المجيد عساف يعرف إلى أي حد وصل بهم الحال . فقد الدكتور بيته وبكى مكتبته التي عرض عليه بيعها لكي تصبح كتبها حطبا للأفران كما بكى بيته الذي لم يبق منه إلا الأنقاض .
في منشوراته في الأسبوع الأخير كتب عن نزوحه الجديد وعن سوء أوضاعه وعدم قدرته على تحمل الحياة وعن دنو أجله وناشد الله أن يريحه من هذي الحياة :
" اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لنا به
اللهم عجل لي بالخاتمة "
وقبلها كتب رسالة إلى المفاوض " الله لا يوفقه " - والتعبير له - يقول فيها :
نزحت إلى دير البلح منذ يوم الجمعة الماضي في خيمة ، ولحتى الآن كلفني الأمر ٧٠٠٠ شيكل تساوي ٢٠٠٠ دولار تقريبا ، ما بين مواصلات ، خيمة ، شبه حمام ، أجرة أرض ، طعام وحطب ومصروفات يومية ) ..
وكتب الدكتور الكثير عن ويلات الحرب وعن امتهان كرامته / هم. .
وكثيرا ما كنت أتابع صفحة د. هيا فريج وصفحة الدكتورة Hekmat Alian Almasri وأقرأ عن تبدلات أحوال الأكاديميين ممثلين في شخصهما .
هل سنعيش في الضفة الغربية في قادم الأيام ما يعيشه أبناء قطاع غزة ؟
أمس وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على حسم وضع الضفة الغربية إن اندلعت فيها انتفاضة ، واتخذ قرارا بذلك ووافق على نقل قواته من غزة إلى الضفة حال تدهورت أوضاعها .
في بداية طوفان الأقصى قال محللون في بعض الفضائيات إن الحسم سيكون في الضفة ، فهل ستتحقق نبوءتهم ؟
علي إذن أن أهييء نفسي لمصير مشابه للدكتور عمر حرب أو الدكتور محمود عبد المجيد عساف !
حالة تعبانة يا الله !
خربشات ٥ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 701 : تدمير أبراج مدينة غزة
كان المنظر الأكثر إيلاما أمس هو تدمير برج مشتهى في مدينة غزة .
عندما شاهدت البرج يدمر عقبت على ما كتبه يسري الغول :
" كاد قلبي يسقط مع تفجير هذا القدر من الفخامة والجمال الهندسي . "
وفي مكان آخر كتبت :
كاد قلبي يقفز من صدري وأنا أشاهد منظر البرج يتهاوى " .
برج كتب عن بنائه والحياة فيه كتاب عديدون من أبناء المدينة ممن لهم فيه ذكريات ؛ كتب عن بنائه ساخرا يسري الغول :
" قام الاحتلال الإسرائيلي باستهداف برج مشتهى في مدينة غزة قبل قليل ، لأنه حسب تعريف وزير الحرب يسرائيل كاتس برج " إرهابي " .
نعم ، لقد كان هذا البرج " إرهابيا " بالفعل ، لأنه شيد وفق المعايير الهندسية الدولية : شبابيكه صنعت في إيطاليا ، أبوابه جاءت من تركيا التي تعلن عداءها للاحتلال الإسرائيلي ، حجارته تم استيرادها من دولة أخرى... " ،
وكتب عنه وعن تفاصيل الحياة فيه اكرم الصوراني ؛ كتب تحت عنوان " برج وطار من نافوخي " ومما ورد في كتابته :
" لم يقصفوا المبنى لكنهم قصفوا برج من نافوخي وعشرين طابق طلعوا فوق بعض بطلعان الروح وحرقة دم وتحويشة عمر وبرميل عرق !
....
انكسرنا جميعا وخرجنا مسرعين بعد مكالمة جيش الاحتلال والمطالبة بسرعة الإخلاء .
لم نترك خلفنا شيء إلا وتركناه ، تركنا الشبابيك والعفش ومعجون الحلاقة والصابون وحلاوة ماجدولين ... "
وكتب وكتب ، ولكن ما خلف حزنا عميقا حقا هو منظر الرجل يقف أمام البرج يحكي عن رحيله المتواصل خلال أيام ويبكي بحرقة ويتساءل :
أين نذهب يا الله ؟!
غزة تعيش الجحيم ، وحين أحكي مع أخي عن أوضاعها استخدم كلمة الويل أيضا ، والويل للمطففين كما ورد في القرآن الكريم ، وهو أقسى مكان في جهنم ، ولعلني مصيب .
كما قرأت في صفحة المحلل السياسي أمير مخول Ameer Makhoul فإن القصد من وراء تفجير الأبراج وهدمها هو تهجير أهالي قطاع غزة .
هل أخطأت حين كررت منذ بداية المقتلة قول الشاعر إبراهيم طوقان قبل تسعين عاما :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟!"
رحم الله الشاعر فقد أدرك ببصيرته أبعاد الاستيطان اليهودي في فلسطين .
عن مآسي سكان غزة حدث ولا حرج ، والحالة أكثر من تعبانة . الحالة قطران وزفت مغلي .
حالة تعبانة يا الله !
خريشات ٦ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 702 : وضع أهل غزة : من نزوح إلى نزوح
" لاينظرون وراءهم ليودعوا منفى
فإن أمامهم منفى
لقد ألفوا الطريق الدائري ،
فلا أمام ولا وراء ولا شمال ولا جنوب
يهاجرون من السياج إلى الحديقة
يتركون وصية في كل متر من فناء البيت :
لا تتذكروا من بعدنا إلا الحياة
يسافرون من الصباح السندسي إلى غبار في الظهيرة
حاملين نعوشهم ملأى بأشياء الغياب ؛
بطاقة شخصية ورسالة لحبيبة مجهولة العنوان :
لا تتذكري من بعدنا إلا الحياة " .
محمود درويش .
خربشات ٧ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 703 : ردود أفعال مختلفة
وأنا أتابع أشرطة الفيديو التي تبث من غزة أصغي إلى ردود فعل مختلفة إزاء ما يجري . يمكن قول الشيء نفسه حين أقرأ منشورات ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي .
أمس شاهدت شريطين أحدهما لامرأة وثانيهما لرجل ؛ المرأة لم تعد قادرة على الاحتمال ، ولهذا رفعت راية بيضاء وعبرت عن استعدادها لمغادرة الجحيم ، وثانيهما لرجل سبعيني تقريبا . افتخر الرجل بأنه من مدينة وقفت في وجه العالم الذي تكالب عليها وأمد الدولة الإسرائيلية بكل أنواع الأسلحة .
شريطا الفيديو ذكراني بقصتين قصيرتين كتبتا في نكبة العام ١٩٤٨ ؛ أولاهما للقاصة نجوى قعوار فرح عنوانها " أمر الخيارين " وثانيتهما للقاص توفيق فياض عنوانها " الكلب سمور " . في الأولى تقنع الزوجة زوجها بالرحيل وفي الثانية يهاجر الناس ومعهم الكلب الذي يرفض حياة اللحوء ويعود ذات صباح إلى قريته .
لي عودة لكتابة مقال في الموضوع .
خربشات ٨ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 704 : دولة مريضة ذات ثقب أسود
آخر شريط فيديو شاهدته تحدث فيه مواطن غزاوي يخاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي يطلب منه أن يضرب غزة بسلاح نووي مرة واحدة ، بدلا من استخدام الروبوتات المتفجرة ، فأهل شمال قطاع غزة لا يملكون النقود للهجرة إلى الجنوب .
"ها نحن صامدين هنا وقاعدين هنا ومش راح نطلع ع الجنوب . جيب نووي واقتلنا مع بعص " . وطلب المواطن من مجري المقابلة معه أن يوصل الرسالة هذي لنتنياهو " مش طالعين ع الجنوب .... وقل له طز طزين ثلاثة فيك وفي ( ترامب ) " .
وكان ( نتنياهو ) أمس حذر ، بغضب ، أهل غزة الذين لما ينزحوا ، طالبا منهم النزوح ، ولم يقتصر تهديده لأهل المدينة والنازحين إليها ، فقد أتى على ما حدث في الضفة ، حيث قتل فلسطينيان ستة مستوطنين وجرحوا خمسة عشر آخرين :
- لن نكتفي بقتل منفذي العملية وهدم بيوت أهلهما . سيتبع ذلك عقاب آخر .
ما هدد به هدد به أيضا كل من وزير المالية ( سموتريش ) ووزير الأمن القومي ( بن غفير ) وآخرون ، وطالبوا بمسح قريتي المنفذين وذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك : تسوية رام الله برفح ونابلس بشمال غزة ؛ بجباليا .
عندما أراد بعض أهل مخيم جنين ، المدمرة أكثر مساكنه ، الذهاب إليه لرؤية ما تبقى من منازلهم أطلق جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي النار عليهم فقتلوا فتيين لم يتجاوز أكبرهما الرابعة عشرة من عمره .
هل الضفة على صفيح ساخن ؛ فالعين الإسرائيلية منذ زمن عليها لضمها وتهجير سكانها العرب وزيادة الاستيطان فيها بوتيرة متسارعة ؟
من أشرطة الفيديو التي شاهدتها أيضا أمس شريط فيديو لجندي إسرائيلي يحكي عما ألم به من أهوال الحرب في غزة حيث أصيب بحالة من الهلع والرعب لم تجد معها المهدئات والأدوية ، فخاطب مسؤولي دولته يحملهم مسؤولية وضعه النفسي المنهار و " التراوما " التي يعاني منها .
وأنا أشاهد الشريط تذكرت قصيدة محمود درويش " جندي يحلم بالزنابق البيضاء " التي ظهرت في ديوانه " آخر الليل " ١٩٦٩ ، وكان كتب فيها عن حوار بينه وبين جندي إسرائيلي يريد الهجرة من إسرائيل ، تبين لاحقا أنه المؤرخ الإسرائيلي ( شلونو ساند ) صاحب كتاب " اختراع الشعب اليهودي " ، وفي القصيدة عبر الجندي عن أعماقه وقال إنه جاء إلى إسرائيل ليحيا مطالع الشموس لا مغربها ، وإن ما يحلم به هو أن يحتسي قهوة أمه وأن يعود في المساء إلى بيته آمنا ، رافضا أن يكون قطعة من الآلة الحربية .
ماذا يخبيء لنا المستقبل ؟
كل شيء متوقع ، والحالة أكثر من تعبانة يا ... الحالة خربانة وخريانة أيضا و ... و ... وليستر الله ، فالدولة تهدم أبراج مدينة غزة السكنية برجا برجا ويفتخر قادتها بهذا ؛ من برج " مشتهى " إلى برج " السوسي " إلى برج " الرؤيا " إلى ... !
خربشات ٩ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 705: غزة خيمتنا الأخيرة .. غزة جدارنا الأخير :
لسان حال قسم من أبناء مدينة غزة كان أمس ، كما شاهدت في شريط ، هو لسان محمود درويش في قصيدته " بيروت " ١٩٨١ وفيها كتب :
بيروت خيمتنا الأخيرة .. بيروت نجمتنا الأخيرة
لن نترك الخندق حتى يمر الليل أو نهلك .
لم يكرر الرجل الذي تحدث في الشريط ما قاله الشاعر في قصيدته حرفيا ، وأغلب الظن أنه لم يسمع بالقصيدة ولا يحفظ بعض أسطرها ، ولكنه ردد مضمونها ليس تغنيا بمقاومة مسلحة وإنما بمقاومة قوامها البقاء في المدينة وعدم النزوح إلى المواصي بناء على طلب " المنسق " الإسرائيلي . وكنت أمس كتبت عن شاب في شريط آخر أوصل رسالة إلى ( نتنياهو ) و ( ترامب ) بأن أهل غزة لن يغادروا مدينتهم ، وناشد الشاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن يلقي على غزة قنبلة نووية ليقتل سكانها دفعة واحدة لا بالتدريج .
ببساطة ، وكما يظهر في أكثر منشورات أبناء غزة ، فإن النزوح غير قابل للتحقق لأن جهنمه قائمة في غزة وفي المواصي أيضا ؛ المواصي التي قال عنها محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal إنها ضاقت على من فيها ولا مكان فيها لآخرين جدد .
كنت وأنا أرد على بعض منشورات الصديق شجاع الصفدي وبعض أبناء قطاع غزة ، كنت أردت أن أكتب عن ضربة الحظ أو القدر التي جعلت الشاعر المرحوم سليم النفار يولد في مخيم الشاطيء في غزة والتي جعلتني أولد أنا في مخيم عسكر في نابلس . الكتابة في الموضوع تستحق منشورا خاصا اعتمد في كتابته على قصيدة الشاعر محمود درويش " لاعب النرد " .
نجى الله أهلنا في قطاع غزة ونجانا أيضا .
ذكرى مجازر شاتيلا وصبرا على الأبواب .
خريشات ١٠ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 705 / 2: أهي الصدفة أم القدر ؟ : أنا والشاعر سليم النفار
في العام ١٩٤٨ هاجر قسم من أهل مدينة يافا إلى قطاع غزة وقسم آخر إلى مدينة نابلس ، وأرجح أن من كان من سكان المدينة بحارا أبحر نحو مدن بحرية ومن كان عاملا أو سائقا أو يملك سيارة هاجر إلى مدن الضفة الغربية وبخاصة طولكرم ونابلس .
الشاعر سليم النفار أهله من يافا وأنا كذلك . وفي روايته " ليالي اللاذقية " كتب عن الافلوكة التي أقلت عائلة يافاوية ، ولطالما كتبت أنا عن أبي السائق الذي قاد سيارته إلى نابلس . هكذا ولد الشاعر في مخيم الشاطيء ، وهكذا ولدت أنا في مخيم عسكر .
في المقتلة وحرب الإبادة هذه ثار جدل بين كتاب قطاع غزة وقسم من كتاب الضفة الغربية ، وربما كنت أول من كتب عن " الكتابة عن بعد "أو الكتابة في أثناء الجلوس على كنبة و" الكتابة عن قرب " أو من داخل المقلاة في أثناء الإقامة في خيمة والمعاناة من الجوع .
هذا الجدل غالبا ما يتجدد بين فينة وأخرى ، وغالبا ما أقرأه بتفهم وبسعة صدر حتى لو لم يخل من اتهامات وشتائم .
أمس وأول أمس وأول أول أمس ، وربما من أسبوع ، تجددت الكتابة وشارك فيها كتاب عديدون [ الشاعر سميح محسن والكاتبة غانية ملحيس Ghania Malhees والشاعر شجاع الصفدي وأنا ] .
هناك كتاب كثر من الخارج ومن داخل فلسطين صمتوا لأسباب عديدة كتبت عنها .
وأنا أفكر في أمري وكتابتي وما تجره علي تذكرت قصيدة محمود درويش " لاعب النرد " التي لم استحضرها في يومياتي عن الحرب إلا نادرا .
أحيانا أرى في المقاطع الآتية من القصيدة إجابة ترضيني :
" كان يمكن أن لا أكون
كان يمكن أن لا يكون أبي
قد تزوج أمي مصادفة "
" كان مصادفة أن أكون
أنا الحي في حادث الباص
حيث تأخرت عن رحلتي المدرسية
لأني نسيت الوجود وأحواله
عندما كنت أقرأ في الليل قصة حب "
" لا دور لي في حياتي
سوى أنني ،
عندما علمتني تراتيلها ؟
قلت : هل من مزيد ؟
وأوقدت قنديلها
ثم حاولت تعديلها "
" كان يمكن أن لا يحالفني الوحي
والوحي حظ الوحيدين
إن القصيدة رمية نرد
على رقعة من ظلام
تشع ، وقد لا تشع
فيهوي الكلام
كريش على الرمل " .
لو كان أبي قبل العام ١٩٤٨ بحارا ، لكنت الآن في مخيم الشاطيء ، ولو كان والد سليم النفار سائقا لكان سليم الآن في مخيم عسكر ، لو ... لكنت أنا من ارتقى وكان هو الآن يكتب هذه اليوميات .
ليس لنا إلا أن نغير المنكر بلساننا ، وذلك أضعف الإيمان .
نتمنى أن تنتهي المقتلة وألا تكون الضفة الغربية مسرحها القادم ، ولكن :
" من أنا لأقول لكم
ما أقول لكم
أنا مثلكم
أو أقل قليلا " .
رحم الله الشهيد صلاح خلف ( أبو إياد ) لم يرتق في يافا ، علما بأنه كان من النجادة ، وارتقى في تونس ، ورحم الله أيضا شفيق الحوت ، فقد كان أيضا من يافا ومات في بيروت .
خربشات ١٠ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 706 : أخبار محزنة مألوفة وكتابات تحفل بتفاؤل غاب منذ أشهر
منذ بدء توزيع المساعدات في مراكز توزيعها التي أقيمت منذ سبعة أشهر تقريبا صرنا نقرأ في صفحات الناشطين عن أعداد شهداء لقمة العيش ، وغالبا ما أخذنا نقرأ في صفحات أصدقائنا الفيسبوكيين نعي إخوتهم أو أبناء أقاربهم وصرنا نكتب العبارة المألوفة " رحمه الله رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون".
أمس قرأت في صفحة الكاتب ناهض زقوت الآتي :
" أخي عبدالله خميس زقوت ( أبو إسلام ) شهيد لقمة العيش اليوم في منطقة المغراقة ، كان يبحث عن لقمة عيش يسد بها رمق أطفاله الثلاثة الذين لم يتجاوزوا الحلم وزوجته . انا لله وانا اليه راجعون .
وحسبي الله ونعم الوكيل فيمن أوصلنا لنبحث عن لقمة العيش في جمع الحطب
النصيرات ١٠ / ٩ / ٢٠٢٥ " .
أدرج ناهض صورة لأخيه يبدو فيها شابا بضا .
وفي صفحة الناشط محمد الذهبي نقرأ تعليقا على صورة أدرجها لغزة في التاسعة والنصف من مساء أمس تبدو فيها قنابل الإنارة تضيء ليل المدينة والتعليق هو : " الله يستر " .
ومنذ طوفان الأقصى صارت أخبار الموتى تغلب على الصفحات ولا تكاد تخلو منها ، وغدت الأخبار حزينة ونادرا ما تظهر روح تفاؤل . أحيانا نقرأ بعض كتابات لا تخلو منها ، فتكثر حولها تعقيبات تفرط في التشاؤم . أمس قرأت هذا اللون من الكتابة في صفحة الكاتب يسري الغول الذي ما زال مقيما في مكان سكنه ولم يغادره ، وهو من الكتاب الباقين الداعين إلى الصمود . كتب يسري :
" مخطيء من يظن أن الحال سيدوم ، فدوام الحال من المحال ، وما يجري في غزة يتجاوز قدرة العقل على التخيل . بيوت تهدم ، أرواح تفنى ، وأشجار تقتلع كأن الأرض تمحى من جذورها ، غير أن حرب الإبادة لن تطول ، وسيأتي يوم تكون فيه إسرائيل في أضعف لحظاتها ؛ وحيدة بلا نصير ، فتدفع ثمن كل هذا الخراب " .
ما زالت ردود الأفعال حول محاولة إسرائيل اغتيال قيادة حركة حماس في الدوحة متفاوتة بين متعاطف وشامت ، حتى في داخل قطاع غزة نفسه . وأمس تم اغتيال صحفي ونائب أمريكي ( تشارلي كيرك ) في داخل الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو من أشد المدافعين عن إسرائيل وينكر الإبادة الجماعية في غزة ، علما بأنه يرفع شعار " أمريكا أولا " . نعم اغتيال في أمريكا .
ما زال رئيس الوزراء الإسرائيلي يهدد وما زال صوت وزير دفاعه يعلو بأن ذراع قواته ستطال كل من يشكل خطرا على دولته .
لا غالب إلا الله وهو المستعان
خربشات ١١ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 707 : المدينة تحترق ، وأصوات يهودية تقر علنا : إنها حرب إبادة " شوا "
غزة تحترق . هكذا تقول الصور وأشرطة الفيديو التي يدرجها أبناء المدينة ، وهكذا تكتب منشوراتهم .
في أحد الأشرطة يحمل مواطن كفنه ويخاطب العالم :
رسالتي الأخيرة إلى جميع العالم من قلب مدينة شمال قطاع غزة المهددة بالابادة الجماعية . وصلتنا أوامر بإخلاء المدينة كاملا الآن الآن الآن . شريت بعدين كفني بإيدي . وكتبت وصيتي . وكتبت على جدار البيت : لا بديل عن شمال غزة ،إلا الجنة . فلتشهد يا رب أننا هنا باقون هنا ثابتون . لن يضرنا أحد . لن يضرناصمت العالم لن يضرنا أحد ، وبإذن الله لن نخرج . وأكفاننا بأيدينا ، فلتشهد يا رب أننا هنا باقون أننا هنا باقون ثابتون .
نشهد أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمد رسول الله : نحن خصوم هذه الأمة أمام الله ويوم العرض عليه . إنا لله وإنا إليه راجعون . " .
وفي شريط آخر يظهر بعض شباب مخيم الشاطيء الذي تعرض للقصف ، يظهرون وهم يحتسون الشاي في شوارع المخيم ويعلنون أنهم صامدون ليكون صمودهم سبب الجلطة القلبية لرئيس الوزراء الإسرائيلي . " إن شاء الله بقاؤنا هو ما سيجيب نهايتك " .
وفي منشور كتبه أبو أحمد سمور نقرأ :
" الصواريخ تتساقط علينا من كل اتجاه ؛ لا مكان آمن في قطاع غزة .
يا رب الفرج من عندك .. "
وفي منشور آخر لاحق له :
" امبارح بدأ شهر سبتمبر . اليوم ١١ الشهر .
يا الله ما أسرع الأيام وأعمارنا تمضي ولا نحس فيها .
اليوم فوق الأرض . بكرا تحتها .. كلها أيام ..
نسأل الله حسن الخاتمة وأجر صبرنا .. " .
إن قلنا أو كتبنا إن ما يجري هو محرقة " شواه " فقد نتهم بأننا نبالغ . لا بد من شاهد يهودي ، حتى يصدقنا الغرب ، كما كتب محمود درويش .
أمس أدرجت شريطا للصحفي الإسرائيلي ( يسرائيل فري ) بعد الإفراج عنه ؛ حيث اعتقل ، لأنه أعرب عن فرحه لمقتل خمسة جنود ، يقول فيه إنه لن يصمت لمقتل الفلسطينيين .
وأمس أصغيت إلى المفكر اليهودي الأمريكي ( نورمان فنكلشتاين ) يتحدث فيه أن من يحكم إسرائيل يريد محو غزة وأنهم يفوقون النازيين . وأصغيت أيضا إلى عضو الكنيست ( عوفر كاسيف ) يقول : في غزة لا توجد حرب . في غزة توجد حرب إبادة ( شوا ) . في غزة توجد معسكرات تركيز .... من يصمت منا يصبح شريكا " ويطالب شعبه بعدم الصمت والخروج بمظاهرات والعمل على إسقاط الحكومة .
وفي الولايات المتحدة الأمريكية هتف متظاهرون في وجه الرئييس الأمريكي ( دونالد ترامب ) وهو يزور مطعما :
" ترامب هو هتل.. ر عصرنا "
منظر الجنود الإسرائيليين أمس في طولكرم يسوقون شبابها للاعتقال ، حيث فجر فلسطينيون مجنزرة إسرائيلية ، ذكرني بالأسابيع الأولى لاحتلال مدينة غزة في ٢٠٢٣ . هل بدأ الوضع في الضفة يتدحرج ؟
حالة تعبانة يا ليلى !
حالة تعبانة وأكثر !
خربشات ١٢ / ٩ / ٢٠٢٥
***
-غزة 708 /1 : من نزوح إلى آخر وتضيق بالنازحين الأرض والحياة
ما إن تصغي إلى آخر شريط بثه الصحفي محمودالعمودي وتقارنه بأشرطة سابقة له حتى تكرر : ضاقت بنا السبل و " تضيق بنا الأرض تحشرنا في الممر الأخير " و " إن الأرض ضيقة علينا " و " الذين ضاقت عليهم الأرض ... " ، وتكرر العبارات نفسها حين تقرأ آخر منشور ل محمد الذهبي الذي كتب عن نزوحه السابق ونزوحه الحالي .
كان محمود العمودي في أشرطته السابقة ، وهو المؤمن ، متفائلا ، وغالبا ما لم تفارقه البسمة والثقة بأن لا بد من فرج يأتي ، ففي السماء رزق ومنها وعد ، ومع أنه لم يتخل عن إيمانه ، إلا أنه في شريطه أمس بدا حزينا . حل الحزن محل الابتسامة وتضاءلت مساحة التفاؤل.
محمد الذهبي في النزوح الأول إلى رفح فخان يونس ، وجد سقفا لدى أقاربه ، وأما الآن فلا سقف . لقد دمرت المدينتان وسويت مبانيهما بالأرض وليس أمامه إلا الخيمة .
ويحزن شجاع الصفدي على كتب مكتبته ويخاف عليها من أن تلتهمها النيران ، فالنار ستلتهمها في هذا الجحيم الذي بدا أشد وأقسى ، ويعرض كتبه للبيع بأسعار رمزية إن رغب أحد بالشراء ، فهذا أفضل من أن تلتهمها النيران التي أخذت تلتهم قلبه على البيت والكتب .
ضاقت الأرض وضاقت وضاقت فلا مساحة لإقامة خيمة ، وإن وجدت فإن أصحابها ، إلا القليل منهم كما نقرأ عنهم في منشور في صفحة النصيرات ، يطلبون أسعارا مرتفعة أجرة للمتر ، ما دفع الفنان Mahmoud Zuaiter محمود زعيتر يحكي في شريط عن الاستغلال هذا في مدينته دير البلح حيث يحشر الناس فيها كمنطقة آمنة ، ولا مناطق آمنة في قطاع غزة كله . ويحكي محمود أيضا عن غياب التعاطف والتراحم والضمائر لدى بعض أصحاب الشقق المؤجرة ، فهم لا يرعوون عن طرد مستأجر إذا دفع لهم مستأجر جديد أجرة أعلى .
ويكتب شجاع الصفدي عن أسعار الشقق والمخازن الفلكية ؛ أسعار لا يقوى عليها النازحون.
أمس قتل من عائلة السلطان ، وهي تنزح ، سبعة عشر فردا . كانت العائلة تقيم شمال غرب مدينة غزة وقررت النزوح ، فارتقت إلى السماء .
هل خلت بعض النصوص من روح السخرية ؟
اقرأوا ما كتبه الأستاذ سامي أبو سالم Sami Abu Salem :
" تمشي في شوارع مدينة غزة ، تسمع صفير صاروخ يتبعه انفجار مرعب فتكمل طريقك بشكل طبيعي ولا تلتفت خلفك .
تسمع صفير صاروخ ثم صمت لم يتبعه انفجار . يقول بائع الحطب :
" منفجرش عيدها "
وأكمل تكسير كراسي سفرة " .
منفجرش عيدها ولقدأصبح القصف مألوفا واعتاده قسم من الناس ولم يمنعهم هذا من مواصلة أعمالهم ، وتستمر الحياة .
من الأشرطة اللافتة التي أدرجته شريط اعتقال جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي لأطفال صغار من منطقة جنوب الخليل .
جنت الدولة وجن مسؤولوها ، وعندما يلاحق كبير طفلا صغيرا يقول الناس عندنا :
- انجن الرجل . حاطط عقله بعقل ولد صغير .
ويسخرون منه . ضاعت هيبته .
حالة تعبانة وأكثر يا ليلى !
خربشات ١٣ / ٩ / ٢٠٢
***
- غزة 708 / 2 : شعور باللاجدوى
وأنت تتابع منشورات أبناء قطاع غزة في هذا اليوم ١٣ / ٩ / ٢٠٢٥ تشعر باللاجدوى .
" ملل يشبه علكة بغي لصقته الأيام بقلبي "
تكرر سطر مظفر النواب ، وتجلس تتأمل اللاشيء .
تمتد يدك إلى جهاز الهاتف وتفتح صفحة الفيس بوك . تتابع المنشورات وأشرطة الفيديو التي يعرضونها لمدينتهم تدمر والناس تنظر . أبراج سكنية تتهاوى والأشياء تتطاير . شقاء عمر يتبدد في لحظة . تنهار البنايات وتهتز أخرى والخيام المحيطة لا تحمي سكانها . غبار غبار غبار ونار تشتعل .
تعود إلى قصيدة محمود درويش " مديح الظل العالي " ( ١٩٨٢ ) وتقرأ :
" أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا "
وتبحث عن السطر :
" لأمريكا سنحفر ظلنا
ونشخ مزيكا " .
وحين تشاهد أشرطة فيديو للصحفي المؤمن محمود العمودي تتوقف أمام أحدها يجيب فيه بعض المستمعين إليه :
- لماذا لا يستجيب الله ؟
وتجد الإجابة في منشورات أخرى يكتب أصحابها عن ارتفاع الأسعار والغلاء والربا وسوء الأخلاق ، وأطرف منشور هو ما أعاد الناشط محمد العطار إدراجه .
شخص من دير البلح ينشر إعلانا عن شقة للنازحات شرط أن تكون النازحة سيدة مطلقة أو أرملة ، وهات تعليقات من الزنار وتحت .
محمد العطار لم يظهر اسم صاحب المنشور ولكن أحد المعلقين عليه أدرجه كاملا .
تعود ثانية إلى " مديح الظل العالي " لتقرأ بعض مقاطعها ، وغدا ، لا بعد شهر ، يلتقي " كل الملوك بكل أنواع الملوك ، من العقيد إلى الشهيد. ، ليبحثوا خطر اليهود على وجود الله . أما الآن ف الأحوال هادئة تماما مثلما كانت ، وإن الموت يأتينا بكل سلاحه الجوي والبري والبحري . مليون انفجار في المدينة . هيروشيما هيروشيما
وحدنا نصغي إلى رعد الحجارة ، هيروشيما
وحدنا نصغي لما في الروح من عبث ومن جدوى
وأمريكا على الأسوار تهدي كل طفل لعبة للموت عنقودية
يا هيروشيما العاشق العربي أمريكا هي الطاعون "
راح العقيد وراح الشهيد وغدا يجتمع الملوك والرؤساء ليبحثوا عن خطر اليهود على قطر .
غير مرة في هذه المقتلة أثرت سؤال الله فيها ، متكئا على رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " وقصيدة محمود درويش المشار إليها :
" جربناك جربناك "
و
" باسم الفدائي الذي خلقا
من .... "
وكم صيغة للسطر الأخير الناقص ؟!
وأشرطة فيديو الصحفي محمود العامودي تطرح السؤال نفسه ، ومحمود تقي ورع مؤمن منفتح على ما يبدو .
الصحفي محمود العمودي - أبو صلاح .
الأوضاع في غزة كارثية ، ومع أنك في وصف الطرف الآخر لا تعمم ، فتكون حذرا حين تأتي على دال " اليهود " الا أنك تجد نفسك تردد :
" ليس لليهودي قلب "
وتقصد أفراد الجيش الإسرائيلي الذين يقاتلون في غزة .
" ملل يشبه علكة بغي لصقته الأيام بقلبي " .
خربشات ١٣ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 709 : محو الفلسطيني
في مشاهد أشرطة الفيديو التي نشاهدها من غزة في هذا الصباح نستحضر كلمة " المحو " .
كان الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان هو أول من استخدمها في قوله :
" أجلاء عن البلاد تريدون فنجلو أم محونا والإزالة ؟! "
وبما أن غدا هو الذكرى الأولى للكاتب اللبناني / الفلسطيني إلياس خوري فما يجب الإشارة إليه هو أنه أكثر من كتب عن دال " المحو " في رواياته ، ومرة اقترحت على دارس أن يتتبع الدال فيها .
إنهم يمحوننا ويمحون معنا ملامح قرانا ومدننا . إنهم يريدون دولة يهودية بملامح أوروبية كما بدا في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة " ( ١٩٠٢ ) .
ما يجري وما يفعلونه في غزة يقول كم كان طوقان ذا بصيرة ورؤية كما لو أنه كان يوحى إليه :
" يا قوم ! ليس عدوكم ممن يلين ويرحم
يا قوم ليس أمامكم إلا الجلاء فحزموا " .
الحالة أكثر من تعبانة ! الحالة خربانة جدا .
خربشات ١٤ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 710 : نكبة النكبات
عندما تحدث أمس محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal لإذاعته " أجيال " حكى عما يتفوه به الناس واصفين ما يجري :
- هذه نكبة النكبات .
ونكبات الفلسطينيين افتتحت بنكبة العام ١٩٤٨ ؛ النكبة الأم .
إلياس خوري الذي تمر اليوم الذكرى السنوية الأولى لرحيله رأى فيما يعيشه الفلسطينيون استمرارا لنكبة ١٩٤٨ ، وكان عنون آخر كتبه بعبارة يرددها هي " النكبة المستمرة " .
وأنا أشاهد أمس أشرطة فيديو تري نزوح أهل مدينة غزة منها إلى الجنوب تذكرت ما قرأته في رواية الكاتبة الايرلاندية ( ايثيل مانين ) " الطريق إلى بئر سبع " ( ١٩٦٣ / ١٩٧٨ ) التي وصفت فيها خروج أهل مدينة اللد منها في تموز ١٩٤٨ ؛ الوصف الذي قال عنه المرحوم جورج حبش عندما قرأه ، وكان أحد الخارجين :
- كأن ايثيل مانين كانت تعيش الحدث .
وكنت كتبت عن تأثر إلياس خوري في روايته " أولاد الغيتو : إسمي آدم " (٢٠١٦ ) برواية مانين المذكورة ، فقد كانت إحدى المراجع التي اعتمد عليها . ( عادل الأسطة ، أسئلة الرواية العربية ٢٠١٨ ) .
هل عشت شخصيا نزوحا مثل هذا ؟
لا أستطيع إجراء مقارنة ولا أزعم ، ولكني أتذكر أنني شاهدت النازحين من مدينة قلقيلية في حرب ١٩٦٧ في مدينة نابلس ، وفي تلك الحرب عدت وأمي وإخوتي من نابلس إلى مخيم عسكر القديم مشيا على الأقدام نجر أنفسنا جرا ونشاهد قوات الاحتلال الإسرائيلي في شوارع المدينة ، وهو ما كتبته في بعض قصصي وفي " حزيران الذي لا ينتهي " .
النكبة مستمرة وحزيران لا ينتهي و ... وغزة تهاجر ثانية إلى الجنوب كما هاجرت بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ . واقرأوا ما كتبه أمس د . سعيد محمد الكحلوت حيث ينقل فقرات مما كتبه له بعض أهل مدينة غزة عن نزوحهم .
ذكرى شاتيلا وصبرا على الأبواب. .
خربشات ١٥ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 711 : الفقدان والألم والحسرة والتوحش والتهجير
ما كتبه ناشطو غزة وما أدرجوه أمس في صفحاتهم يعبر عن مشاعر الفقدان والألم والحسرة ويصور التوحش الإسرائيلي الذي يهدف إلى التهجير بعد أن تغدو الحياة في القطاع مستحيلة ، ولا يخلو أحيانا من سخرية وطرافة .
إنه ليل غزة الطويل وليل الاحتلال الإسرائيلي المتوحش ، فالأبراج تقصف وتتهاوى وسكانها ينزحون نحو الجنوب طوابير طوابير ، ويعترف قادة الجيش الإسرائيلي ، ممن شاركوا في القتال وأقيلوا ، مثل ( هارتسي هاليفي ) ، يعترفون بذلك :
" نحن نقاتل في غزة بقوة كبيرة جدا ونأسف أننا لم نقم بذلك مسبقا . لا أحد يعمل بلطف في غزة " .
ولا عجب أن تقرأ عن مسح عائلات بالكامل مثل عائلة لبد ؛ المعلمة إيمان عبدالله لبد والطبيب بلال ناصر لبد والطبيبة بنان ناصر لبد والشابة ريتال ناصر لبد والطفل اسماعيل ناصر لبد . شباب وشابات مثل الورد .
ونقرأ عن قناص في لواء " ناحال " يكشف خلال تحقيق بصحيفة " هارتس " أن قادته صرخوا عليه أن يقتل الفلسطينيين قرب مراكز توزيع المساعدات . أحيانا كان يتردد فيصرخ عليه أن يطلق النار " وكان الكثير منهم أطفال " و " أشتم اليوم رائحة جثث الأطفال ولا أعرف النوم ليلا وأتبول على نفسي من الخوف " .
في صفحة تيسير عبد Taysir Abd الذي ينقل غالبا عن الصحف العبرية يورد رسالة صادرة عن القيادة الميدانية والقيادة العليا للجيش الإسرائيلي نصها :
" لم يخف وزير الدفاع وبعض أعضاء الحكومة أن هدفنا ليس لواء غزة فحسب ، بل تدمير وتسوية أكبر عدد ممكن من المباني بالأرض لدفع ثمن استمرار الحرب ومنع عودة الغزيين إلى المدينة " .
ويدرج دكتور Dr-Bassam Said شريط فيديو يري تدمير برج الغفرى الذي يعتبر قبلة للصحفيين والأدباء والكتاب ووكالات الأنباء ويمثل ذاكرة للجميع وذاكرة خصبة له بشكل خاص ..
أما ام ايمن الصوص فتكتب شيئا طريفا عما يعانيه المواطن الغزاوي في استخدامه للعملة الورقية وتبدأ كتابتها بالسؤال :
- هل سمعت عن تصليح العملة الورقية من قبل ؟!
وتجيب :
- لا أظن
وتخبرنا حكاية أقرب إلى الخيال ، ولك أن تقرأها في صفحتها .
وتكتب الناشطة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri عن إصابة محمد أبو الأمل التي تحولت إلى مأساة ، تكتب تحت عنوان " حين تصبح الإصابة # مأساة : قصة محمد في غزة " . لقد أصيب محمد في ١٣ / ٨ / ٢٠٢٥ بكسر شديد في عظم يده واختلف الأطباء في تشخيصه ، ولما كانت المشافي تعاني فقد دفع مبلغ ١٧ ألف دولار ليتعالج في مشفى خاص ، وهو يحتاج إلى متابعة طبية دقيقة لمدة عامين .
وعن الفقدان والألم كتب محمد الذهبي ، قبل ثلاث ساعات من كتابتي ، عن حرب الإبادة التي " سرقت أغلى وأعز ما لدينا " " خطفت اليوم فادي ، شقيق أخي وحبيبي ورفيق دربي خالد أحمد جراد... " .
والكتابات كثيرة وأكثر منها أشرطة الفيديو التي نشاهدها وتبعث على الاكتئاب والحسرة وتشعرنا بمزيد من العجز
" أمانة والله أخوي زرعينة زراعة . أمانة أمانة . طيب وين ماما . وين أخوي التاني . بس أخوي مات . أمانة صحوه . أمانة . كنا قاعدين أجا الصاروخ علينا " تبكي طفلة فتمزق نياط القلب .
حالة تعبانة يا الله !
خريشات ١٦ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 712 : محرقة ( شواه ) :
على الرغم من أن دولة الاحتلال الإسرائيلي طلبت من أهل مدينة غزة أن يخلوا بيوتهم وينزحوا إلى الجنوب ، طلبا للسلامة والأمان ، فإن النازحين لم يسلموا ؛ من كانوا في طريقهم إلى الجنوب وبعض من كانوا في خيامهم في المناطق المزعوم أنها آمنة .
أشرطة فيديو عديدة أرت سيارات تتجه نحو الجنوب وقد احترقت ومن فيها . ( شواه ) ولا كلمة أخرى . وفي بعض الخيام كان الأطفال على أرض الخيمة ، من إصابتهم ، يئنون ويبكون ويصرخون ، وأما جثث الموتى فحدث ولا حرج . وفي صفحة رامي شبات نقرأ نعيه لأخيه وزوجته وشقيقته وأطفالهما الثلاثة وقد قتلوا في خيمة في دير البلح .
أمس ادعت إسرائيل أنها قتلت ٩١ إرهابيا في غزة و١٥ في مناطق أخرى ، وأما الصديق جمال زقوت Jamal Zakout فقد أدرج ٢٣ اسما من أفراد عائلة زقوت قتلوا هناك ؛ بينهم نساء وأطفال وعواجيز ، وقد يكون هؤلاء من بين الإرهابيين الذين قتلوا .
في صفحة الشاعر عثمان حسين تقرأ :
" حين تذبح غزة أمام بحرها عارية وعزلاء ، يفقد الكلام معناه ، ويخرج الصمت متسخا ، يلقى مزيدا من القبح في وجه العالم القبيح " .
ما أقبح عالمنا !
هل نوجه النصائح من بعيد لأهل مدينة غزة ؟
عندما أدرجت شريطا لامرأة تحكي عن النزوج وأنها ستنزح ، وشاهدت في الوقت نفسه شريطا ثانيا لشاب يتحدى مصرا على البقاء رافضا النزوح ، عقبت :
" يجب أن نشاهد أشرطة متنوعة ونصغي لوجهات النظر "
ومن أشرطة النزوح أدرجت ، نقلا عن صفحة بيسان عدوان Bisan GA Edwan ، شريط نزوح عجوز غزاوية محنية الظهر تتجاوز الثمانين ، تسير في الطريق فتتعب وتجلس على الرصيف .
ما أقبح العالم !
النكبة مستمرة ومتفاقمة وكذلك شاتيلا وصبرا التي صادف أمس ذكرى ارتكابها في العام ١٩٨٢ .
خربشات ١٧ / ٩ / ٢٠٢٥
***
-- غزة 713 : إنها مطحنة
الدبابات الإسرائيلية تقتحم بعض أحياء مدينة غزة ، وجثث الغزاويين في المناطق المقتحمة في الطرقات ، كما بدا في صورة أدرجها محمد العرجا Mohammed Alarja وكتب مقدما لها :
" والله يعز علي أن أنقل مشاهد سقوط مدينة غزة .
رسميا احتلال غزة قد بدأ
الدبابات تتوغل الآن في شارع الجلاء وسط مدينة غزة ، والجثث في الطرقات على مرأى العالم بأكمله .
حسبنا الله ونعم الوكيل . "
وفي منشور آخر له تحت عنوان " النداء الأخير " كتب عن انقطاع شامل في خدمات الانترنت والاتصالات الأرضية وعزل غزة تماما وغرقها في الظلام ، لطمس الحقيقة ومواصلة الجرائم " كونوا أنتم أيها الأحرار صدى لأصواتهم يملأ العالم . إنهم يبادون بصمت . يا الله ! اللهم إني قد بلغت " .
في شريط فيديو يحكي شاب واصفا النزوح ، ومما قاله :
تشعر إنه يوم الحشر . كل غزة على شارع الرشيد نحو الجنوب .
هل تحرك العرب ؟ هل شافنا العرب ؟ هل فعلوا شيئا ؟ لا .
طيب شو الحل ؟ هناك حل وحيد . أبيدونا كلنا أو شوفوا لنا حلا لهذه الأزمة " .
وفي شريط من الولايات المتحدة الأمريكية ، نقلته عن صفحة الكاتب سعد القرش ، تصرخ طيارة أمريكية وزميلها وهما يعتقلان :
- إنها إبادة .
اعتقل الطياران لرفضهما قيادة طائرات محملة بالأسلحة إلى الكيان الإسرائيلي .
وبعض صفحات التواصل أدرجت مقطعا من قصيدة محمود درويش " مديح الظل العالي " وهو المقطع الذي يأتي على أمريكا :
" أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا "
ولطالما أدرجته في المطحنة من قبل .
الناشط مراسل إذاعة أجيال محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal سأل أمس إن كانت هناك كلمة أخرى غير إبادة أو مقتلة . هل تصح كلمة " مطحنة "؟ ، فغزة بين فكي الرحى / الطاحون ، والموت فيها في كل مكان ، ولا هدف له إلا دفع سكانها إلى الهجرة .
الله المستعان .
خربشات ١٨ / ٩ / ٢٠٢٥
***
-غزة 714 : أدب المقاومة في غزة
أدب المقاومة في غزة يكتبه المقاتلون فقط ؛ هؤلاء الذين لا نصغي إلى ألسنتهم تتكلم ولا وقت لديهم للقراءة والكتابة .
ما نقرؤه من كتابات أبناء قطاع غزة يصف قسوة حياة الشعب الذي يهيم على وجهه ويدعو إلى وقف الحرب ؛ لأن الحياة في غزة في ظل الحرب - إن كان هناك ظل يستظل به - هي الجحيم ، والجحيم هو ما يسرد ويكتب .
إن كان هناك دعوة للمقاومة فيما يكتب فهي موجهة لغير العدو . للأسف لن تجد في أكثر الكتابات ما يدعو إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ، وستقرأ دعوات لحماس تطلب منها أن تغادر ولو رفعت الرايات البيض .
من يكتبون أدب مقاومة . شعر مقاومة . قصص مقاومة . روايات مقاومة .من يكتبون هذا اللون من الأدب هم من يقيمون في خارج قطاع غزة ، وغالبا ما يهاجم ناشطو قطاع غزة هؤلاء ساخرين منهم ناعتينهم ب " المشتبكين " ومقاومي " الكيبوورد " .
هل كتبت هذا أمس لناقد عربي طلب مني أن أكتب دراسة عن أدب المقاومة لنشرها في كتاب ؟
أظن ذلك .
الأدب المكتوب في غزة هو أدب يائس يصف الواقع البائس . يصف حياة النزوح وفقدان البيت والجوع والفقدان والموت الجماعي ويوجه سهام نقده لمن بدأ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ - طوفان الأقصى .
أعرف أن هذه الكتابة قد تجر علي ردود فعل عنيفة ، ولكن لا بد من كتابتها ؛ لأنني لا بد من أن أكون صادقا مع نفسي على الأقل .
أقرأ ما استطعت مما يكتبه أدباء الداخل وأدباء الخارج ؛ داخل غزة وخارجها ، ويمكن أن أسمي الأدباء هنا وهناك ، ومرة كتبت تحت عنوان " نص غزة الغائب الذي لم نكتبه " وهو النص الذي يصور بطولات المقاومين ..
خربشات ١٩ / ٩ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة عادل الاسطة
( أرفق مع الكتابة منشورا ل أمل الأعرج عما يعانيه الشعب الفلسطيني هناك . إنه نموذج أدب نكبة . أدب نزوح . أدب لا ينطبق عليه قول الشاعر محمود درويش :
لماذا تكون القصيدة بيضاء والأرض سوداء جدا ؟! ")
***
- غزة 715 : لا أحد ناج :
في غزة لا أحد على ما يبدو ناج . الكل مدان مسبقا ، فالسكان كلهم ، في نظر الدولة الإسرائيلية ، مؤيدون لحماس .
قبل أيام تذكرت ما قال به بعض الناظرين في شأن ألمانيا إبان الحكم النازي : إن الفوهرر الألماني هتتتتلللر لم يكن حالة فردية ، فالشعب الألماني كان يصغي إلى خطاباته ويرفع يده وصوته :
- هايل هتتتتللللر .
ولذلك فكل ألماني مدان .
هل تقيس إسرائيل على ما سبق وتأخذ أهل قطاع غزة بجريرة انتخاب حماس ؟
أمس لفت انتباهي الرسالة التي وجهها أشرف نصر إلى كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي ( نتنياهو ) ووزير دفاعه ورئيس أركان حربه ( كاتس ) و ( زامير ) ومنها :
" الناس اللي قاعدة بغزة مش قاعدة من مبدأ صمود وثبات ؛ الناس اللي قاعدة بغزة وأنا منهم مش ملاقيين مكان نقعد فيه .. ولا معنا حق النزوح ولا الإيجار الشهري للخيام.. أكيد أنتم عارفين بهيك ..
افرزونا عن حماس ...... المهم افرز الأبرياء اللي بدهم يعيشوا .. " .
في نظر الصهيونية فإن العربي الجيد هو العربي الميت والمطلوب هو أرض بلا عرب ، ولطالما أشرت إلى ما كتبه المؤرخ الإسرائيلي ( إيلان بابيه ) في كتابه " التطهير العرقي " عما فعلته العصابات الصهيونية في العام ١٩٤٨ بأهل القرى المسالمة التي كانت تتعايش مع المستوطنات اليهودية . انظروا ما كتبه في صفحة ١٢٥ تحت عنوان " إنجاز المهمة في الشرق " ، ولا بد من التوسع فيه .
حالة تعبانة وأكثر
خربشات ٢٠ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 716 : ما هي مهمة الكاتب الفلسطيني في هذه " المفرمة "؟
وفي هذه اليوميات غالبا ما أفكر في الكلمة التي يمكن أن تنطبق على ما يجري ، وغيري أيضا يفكر مثلي ويرى أن الكلمات التي استخدمت تعجز حقا عن التعبير .
مقتلة وملحمة وحرب إبادة ومحرقة " شواه " ومطحنة ، والأخيرة أفدت فيها من معلقة زهير بن أبي سلمى التي اقتبست منها من قبل :
" أمن أم أوفى دمنة لم تكلم " ، ثم وجدتني أتذكر دال " مفرمة " ، فآلاف الغزيين فرمت بعض أطرافهم وهرست كما يهرس فص ثوم . ربما يجب استخدام " مهرسة " في الكتابة عن قصف البيوت والأبراج والمباني كالمشافي والمدارس . لقد هرست هرسا .
قراء عديدون كتبوا إلي إنني لم أكتب شيئا ضد حماس ، مع أن كتابات ناشطي قطاع غزة تحفل بهذا النقد ، وغالبا ما تحاورنا حول مسؤولية حماس فيما يجري .
هل وظيفة الكاتب منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ أن يقف مع جهة ما ويهاجم طرفا آخر ؟
وماذا لو حملنا مسؤولية ما يجري لحماس أو لحماس وفتح اللتين تحاورتا منذ ١٧ عاما ولم تتوصلا إلى اتفاق ؟
أظن أن لا أحد من الأطراف المتصارعة والمتحارية يصغي إلينا نحن الكتاب ، بل وأرجح أننا حين ننتقد طرفا ما نهاجم منه ويضيق علينا وقد يسجن قسم منا ويحقق مع آخر وتمنع كتاباته و .. و .. .
إن مهمتنا الآن هي تصوير معاناة أهلنا بالدرجة الأولى والكتابة عن العذاب الفلسطيني . نعم هذه مهمتنا ، فنحن لا نملك قرار وقف الحرب ، إن قرأت الجهات المتقاتلة والمختلفة ما نكتب .
إن مهمتنا أن نصور ما يجري وأن نكون شهودا عليه نفضح القتل والقسوة والتوحش ونضع إصبعنا على سبب الجرح .
نحن ضد الاحتلال وضد طردنا من أرضنا وضد هجرة آبائنا من ديارهم في العام ١٩٤٨ ، ونحن ضد الظلم .
في بداية المقتلة كتبت مقالا عنوانه " ما بين دجاجة الحسيني وخزان كنفاني وخازوق حبيبي " ؛ الدجاجة التي نعتها صاحبها بالحكيمة دعت إلى الهجرة وإصلاح العالم فاتهمت بالخيانة ( فاروق وادي ) ، وكنفاني سأل على لسان شخصيته " لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ فرددنا سؤاله منذ ١٩٦٣ " ، وحبيبي فضل الجلوس على الخازوق والمواجهة بالبقاء في الأرض والصمت من أجل البقاء وعدم التهجير ومات ليدفن في حيفا وكثيرا ما اتهم وهوجم .
هل أنا دجاجة الحسيني ؟
حتى اللحظة لم آخذ بما دعت إليه .
هل أنا أتبنى طرح كنفاني ؟
لطالما توقفت أمام تجاربنا في دق جدران الخزان ، وكلما طرق الفلسطينيون الجدران اتسعت المنافي .
هل أحذو حذو حبيبي وأجلس على الخازوق ؟
منذ ولدنا ونحن جالسون عليه .
في أحد أشرطة فيديو يتكلم يحيى السسسنوار ويأتي على ما سيقدم عليه ، هو و " مجانين غزة " ، والوصف له .
الرئيس محمود عباس يحذو حذو إميل حبيبي ، والضفة الغربية في طريقها إلى الضم و ... و ... ومع سطر محمود درويش " لست أنا النبي لأدعي وحيا " ، بل ولست ...
وكلام القرايا غير كلام السرايا .
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ٢١ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 717 : الطفولة الفلسطينية في النزوح
مرة أخرى تتكرر لازمة ، في كتابات ناشطي أبناء قطاع غزة ، لازمة الطفل الفلسطيني ضحية النزوح ، ومرة أخرى وأخرى وأخرى تتكرر في حياة الفلسطينيين ، فتظهر هذه المرة في أشرطة الفيديو وعلى الهواء مباشرة ، بعد أن كنا قرأنا عنها قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ في أديباتهم أو شاهدناها في مسلسلاتهم أو قرأنا عنها في الأدبيات العربية .
من " عائد إلى حيفا " ١٩٦٩ إلى " الدرب الطويل " ١٩٩٨ / " التغريبة الفلسطينية " في نسخة أخرى ، إلى " بينما ينام العالم / صباحات جنين ، إلى ما لست أدري في حكايات قصت ولم أسمعها . من غسان كنفاني إلى وليد سيف إلى سوزان أبو الهوى .
قبل ثلاثة أربعة أيام التقط مصور صورة لطفل فلسطيني يحمل أخته الأصغر منه على ظهره ويبكي . ينادي على أمه ويبكي ، ويبدو أنه فقد أسرته ، متخلفا عنها في النزوح من الشمال إلى الجنوب .
انتشرت الصورة وانتشر مقطع الفيديو في وسائل التواصل الاجتماعي كما لم تنتشر صورة أو مقطع فيديو آخر ، ووضعت الصورة إلى جانب صورة الطفل الفيتنامي الذي يحمل ، على ظهره ، جثة أخيه ، وحين يسأله جندي أمريكي إن كان لا يتعب ، يجيبه :
- إنه أخي !
وأمس قرأت منشورا كتب فيه صاحبه إن الطفل صاحب الصورة وأخته اختفيا .
هل سيكون مصيرهما مصير الطفلين في رواية كنفاني ورواية سوزان أبو الهوى ؟ أم أن أسرتهما وجدتهما ؟
من يريد أن يقرأ عن معاناة الأطفال في النزوح في العام ١٩٤٨ ، فليقرأ رواية الكاتب الفلسطيني محمد الأسعد " أطفال الندى " ١٩٩٣.
وأمس كتب عن أطفال قطاع غزة الناشط محمد العطار ؛ كتب عن الأطفال في غزة معتمدا على إحصائيات ؛ أعدادهم ومعاناتهم و ... .
قبل أيام قرأنا قصة طفلين من شمال قطاع غزة ظلا في بيتهما أسبوعين دون طعام وأهل ، ولا أحد يعلم عنهما ، فالقصف شديد ومتواصل ، وأمس شاهدت صورة طفل أمام جدار وقد فقد أسرته ، وفقدان الأطفال أهاليهم في أيام النزوح الأخير من مدينة غزة تصدرت المنشورات ، كما تصدرها ، في الفترة الأخيرة ، فيلم هند جودة الفائز بجائزة عالمية .
صار الفلسطيني كما كتب عنه إميل حبيبي في روايته " المتشائل " إنسانا فذا ، فلم تبق صحيفة ذات وذات وذات وذات " قرون " لم تكتب عنه .
لسان حال مواطني قطاع غزة يقول :
ليتنا بقينا نكرات وبقينا في بيوتنا .
حالة تعبانة وأكثر !
خريشات ٢٢ / ٩ / ٢٠٢٢ .
***
- غزة 718 : هل سيؤول طوفان الأقصى مآل انتفاضة ١٩٨٧ ؟
ربما يتذكر من عاش الانتفاضة الأولى مآلها في آخر أعوامها . انقلبت صورتها المشرقة في بداياتها إلى نقيضها . صارت الصورة مظلمة قاتمة ، ما جعلني أكتب نص " ليل الضفة الطويل " ١٩٩٣ .
يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي أراد أن تكون نهايات طوفان الأقصى مثل نهايات الانتفاضة الأولى . " اضرب المنتفضين ببعضهم وانه الانتفاضة بالانتفاضة " قال ( إسحق رابين ) ، وقد دفع ( بنيامين نتنياهو ) أهل غزة إلى الاتجاه نفسه . ضيق وضيق وضيق فبدأت سرقات المساعدات وبدأ تشكيل جماعات مناهضة وبدأ وبدأ .
ما عليك إلا أن تتصفح صفحة " امسك مبادر " وتقرأ التعليقات على منشوراتها لتعرف أي ليل آخر يعيشه أهل غزة ، ويبدو أننا لم ننج منه أيضا ، فقد انتقل إلينا وبدأنا نعيش " ليل الضفة الطويل " ثانية ، ونقرأ عن تشويه هذا لذاك بقدر من النذالة لا حدود له . وعلينا الا ننسى مشهد قتل ثلاثة قيل إنهم عملاء .
أمس أصغيت إلى محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal يحكي عن نوم بعض النازحين إلى الجنوب قرب المزابل وفوقها ، وذلك لضيق المكان في الجنوب . من نزح في ٢٠٢٣ وعاد إلى الشمال لم ينزح ثانية لأنه عاش جحيم النزوح ، ومن لم يجرب ، من قبل ، النزوح نزح ليعيش جحيمه هربا من القتل .
وأمس عثر الطفل وأخوه على أمهما ، وكنت أمس أخطأت في كتابة اسم الطفلة هند رجب ، فوجب التصويب .
حالة تعبانة وأكثر !
حالة خريانة !
خريشات ٢٣ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 719 : عن ضيق الصدر والنرفزة و ...
أمس ، وأنا أبدي رأيا حول قصيدة كتبها الشاعر عبد الناصر صالح ، تجادل معي فيه أدباء من غزة وخارجها ، تذكرت المقطع الآتي من قصة غسان كنفاني " أرض البرتقال الحزين " ( ١٩٥٥ ) :
" وعندما وصلنا صيدا ، في العصر ، صرنا لاجئين .. "
" احتوتنا الطريق فيمن احتوت .. كان أبوك قد كبر عن ذي قبل ، وبدا كأنه لم ينم منذ زمن طويل ... كان واقفا في الشارع أمام الأمتعة الملقاة على الطريق ، وكنت أتخيل تماما أنني إذا سعيت إليه لأقول له شيئا ما سينفجر في وجهي :
- يلعن أبوك ... يلعن ...
كانت هاتان الشتيمتان تلوحان على وجهه بوضوح ، بل إنني أنا أيضا ، الطفل الذي نشأ في مدرسة دينية متعصبة ، كنت ساعتذاك أشك في أن الله يسمع كل شيء .. ويرى كل شيء .. " ( واستغفر الله لي ولغسان ولأهل غزة ) ..
مرة كتبت إن الحالة النفسية لأهل قطاع غزة " واصلة معهم لرؤؤس مناخيرهم " .
ويبدو أن الحالة وصلت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ، بعد اعتراف دول أوروبية غربية عديدة بالدولة الفلسطينية ، إلى رأس أنفه أيضا ، ولذلك تصرف بغضب فأعطى أوامره بإغلاق الجسر ، ليظل الوزراء الفلسطينيون خارج الضفة ، وهدد بأن ما ينوي فعله سيظهر بعد عودته من زيارة الولايات المتحدة الأمريكية .
خير اللهم اجعله خيرا .
هل أكرر بيت الشعر :
" اشتدي أزمة تنفرجي
قد أذن ليلك بالبلج "
أم ... ؟
حالة تعبانة يا ليلى وأكثر والله المستعان !
خريشات ٢٤ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 719 / 2 : شعراء يمجدون المقاومة والمقاوم :
لفتت الكاتبة عبلة جابر ( Abla Jaber ) نظري إلى أن هناك شاعرات من غزة مجدن المقاوم ورثين بعض القادة ، ومنهم يحيى السسسنوار ، وأرسلت إلي بعض قصائدهن ، وأخبرتني أنها تعكف على إعداد دراسة في الموضوع ، وذكرت لي ثلاثة أسماء هن :
- سمية وادي
- سمية أبو عيطة ( غادرت في الحرب غزة )
- د.آلاء القطراوي
أنتظر أن تنجز عبلة دراستها لنقرأ عن صورة المقاوم وصورة السسسسنوار في شعرهن .
عدت إلى صفحة سمية وادي وقرأت فيها ، و لأنني من أنصار الشعر الغنائي ، فقد رأيت فيما كتبته مقطوعات نثرية . بخصوص سمية أبو عيطة لم أقرأ لها ، وفوجئت بأن آلاء نشرت أشعارها لا على صفحتها بل في ديوان .
يجب النظر في الأمر ولعل دراسة عبلة تصحح من رأيي .
٢٤ / ٩ / ٢٠٢٥
سمية وادي
كنّا نُريدك للنهاية،
بطلًا على كتفيك
تكتملُ الحكاية..
كنّا نريدك
أن تظلَّ
تقول ما لم نستطع تفسيره،
تمشي كأيِّ فتيً يُحبُّ
يغارُ، يغضبُ
يشتهي نكتًا،
يعود لبيتِه متأخِّرًا،
ويضلُّ معناه النبيلْ
كّنا نريدك لا تموتُ
كأنّ موتَك
من بناتِ المستحيلْ
كنا نريدكَ
كالبلادِ
تمصُّ من دمنا
وتكبرُ..
مثل عنقاءِ الرّمادِ
كنّا نريدك
أن تعودَ
وتحرسَ المعنى الوحيدَ
كنا نُريدك
يا شهيدًا
قبل لحظتك الأخيرة
كنّا نريدك يا حبيبي
يا بقايانا
ويا كلَّ الذخيرة!!
***
- غزة 720 : شر البلية ما يضحك
آخر الأخبار تقول إن الرئيس الأمريكي ( دونالد ترامب ) اقترح أن يكون رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ( توني بلير ) حاكم قطاع غزة في اليوم التالي لنهاية الحرب .
هل كان ( ترامب ) ينكت أم يتظارف ؟
عندنا مثل يقول " شر البلية ما يضحك " ، ولكن لماذا نضحك ؟ ألم يردد بعض الجزائريين في تسعينيات القرن العشرين عبارة " إن عربت خربت " ؟ لقد سمعت العبارة وأنا في ألمانيا من الطالب الجزائري عزيز ، وإن لم تخني الذاكرة فقد أوردتها في روايتي " تداعيات ضمير المخاطب " ١٩٩٣ .
في غزة اختلفت الآراء اليوم حول خبر إطلاق صاروخ مضاد للطائرات على طيارة هيلوكابتر إسرائيلية . هناك من هلل للخبر وهناك من سخر منه قائلا إن غزة ينقصها المضادات الحيوية ، فمن أين أتت بالمضادات الجوية ؟
ما زالت صفحات التواصل الاجتماعي تحفل بمنشورات يهاجم فيها مبادرون مبادرين وتقرأ فيها تعليقات نارية تتهم صاحب المنشور أو تدافع عنه ، ولا يقوم صاحب المنشور بحذف الشتائم التي توجه إليه بحجة حرصه على الشفافية .
في غزة بدأت المقاومة تلقي القبض على مواطنين لتحقق معهم بدعوى تخابرهم مع العدو الإسرائيلي وتزويده بمعلومات حساسة وخطيرة ، ويبدو أن الأوضاع بدأت تدخل في نفق مظلم . هل سينبثق الضوء عما قريب ، فللشاعر الفلسطيني المرحوم علي الخليلي رواية عنوانها " ضوء في النفق الطويل " ؟
مدينة نابلس انشغلت في اليومين الأخيرين بشريط الفيديو الذي أدرجه غسان خضر في صفحته ويحكي فيه منصور عن مشكلة المحامي الكبير في السن يوسف البخاري ، وحين تقرأ التعليقات تتساءل إن كنا في المدينة نتابع ما يجري في غزة متابعتنا لقضية اجتماعية . كان الله في عون أهل قطاع غزة وفي عوننا أيضا .
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ٢٥ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 721 :: غزة في كتابات أبنائها
مؤمن مقداد عرفناه من خلال ترجماته عن الصحف والمواقع العبرية ، وقليلا ما يكتب منشورات تصف الواقع الذي يعيشه . ربما كتب عبارات قليلة جدا .
في الحرب افدنا من صفحته الكثير الكثير وأشرنا إليها مصدرا نعتمد عليه . اكتفى بمهمة مترجم الخبر العبري إلى القاريء العربي . لم يحلل ولم يعقب ويبدو أنه ترك هذه المهمة لذوي الاختصاص مثل الدكتور تيسير عبد Taysir Abd .
اقرأوا ما كتبه عما يفعله الإسرائيليون في غزة منذ اليوم التالي لطوفان الأقصى وقد بلغ ذروته في " عربات جدعون " .
ما زلنا ننتظر معجزة ، فهل سيبعث الله لغزة " عصا موسى " لتشق الأرض وتبتلع الدبابات ؟
أيلول يقترب من نهايته والتوقعات قالت إن شيئا ما سيحدث ، علما بأن بعض أبناء قطاع غزة قالوا إن ليلى عبد اللطيف المتنبئة وقارئة الفنجان / الورق كانت وفايز الدويري وقناة الجزيرة الفضائية " خربوا بيت غزة " .
حالة تعبانة وأكثر !
Adel Al-osta
خربشات ٢٦ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 722 : في انتظار البرابرة . كتابة ثالثة
في قراءتها الأولية في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) في الجمعية العامة للأمم المتحدة مساء ٢٦ / ٩ / ٢٠٢٥ أوردت الكاتبة غانية ملحيس الآتي على لسانه :
" لست نبتا شيطانيا كما يصورني الإعلام ، بل مرآة عاكسة لحقيقة يهود إسرائيل ؛ ف ٩٠ ٠ / ٠ ... يؤيدون محو الوجود الفلسطيني في فلسطين الانتدابية ، فقد عارض ٩٩ عضو كنيست ( من مجموع ١٠٩ أعضاء يهود - أي ٨ ، ٩٠ ٠/٠ ) إقامة دولة فلسطينية على أي جزء من أرض فلسطين الانتدابية " .
و
" ٩٠ ٠ / ٠ من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة مؤيدون لحماس ولطوفان الأقصى ، ما يعني انهم يشكلون خطرا وجوديا ويستحقون بذلك الإبادة "
ولنلاحظ العبارة الأخيرة " ويستحقون بذلك الإبادة " - يعني ، يا أهل الضفة الغربية ، قربت .
لم أخرج اليوم ، على غير العادة ، من شقتي ، ويبدو أنني تسممت من طعام ما أو أنها البازيلا والجزر بلحم الخاروف رفعت نسبة السكر في الدم أو أنه التوتر والقلق من الأخبار التي لا تسر .
أتمنى أن أكون مثل الأستاذ سليم في رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " - أي أن أموت قبل ليلة واحدة من إبادة أهل الضفة الغربية .
في كتابتي يوميات الكورونا تساءلت إن لم يكن هناك إمكانية لاختراع لقاح يتكيء على فصيلة الدم ؛ دم يهودي ودم غير يهودي ، ينجي الأول ويقتل الثاني ، ثم شاعت قصة اللقاحات منتهية الصلاحية .
ترى ألا يمكن اختراع قنابل إبادة تميز بين دم ودم .
قسم من أهل قطاع غزة ناشدوا " أبو يائير " أن يلقي عليهم قنبلة نووية ويريحهم مرة واحدة .
حالة تعبانة يا ليلى !
( مش ليلى عبد اللطيف ، وإنما ليلى زياد الرحباني )،.
خربشات ٢٧ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 723 : فاض بينا وتعبنا بكفي
عندما قرأ الدكتور بسام سعيد الذي يقيم في غزة ويكتب ، منذ بداية طوفان الأقصى ، كتابة شبه يومية ، عندما قرأ مقالي في جريدة الأيام الفلسطينية " كأني أعود إلى ما مضى " ( ٢٨ / ٩ /٢٠٢٥ ) عقب :
" فاض بينا وتعبنا بيكفي " .
وأنا رددت عليه : معك حق والله ، وأنا تعبت لتعبكم . عسى أن تنتهي الحرب مع اقتراب عامها الثاني من نهايته . كان الله في عونكم " .
وفي الفترة الأخيرة طلب مني غير شخص أن أتوقف عن كتابة يوميات غزة ، وحتى الجريدة طلبت مني أن أنوع في الكتابة بحكم طبيعة زاويتي التي تتطلب التنويع والكتابة الوجدانية التي تتكيء على " ما تيسر " .
وأنا أقرأ عبارة الدكتور بسام تذكرت ديوان محمود درويش " محاولة رقم 7 " ١٩٧٣ وقصيدته " طوبى لشيء غامض " التي رثى فيها شهداء عملية فردان في بيروت في نيسان ١٩٧٣ .
" تعب الرثاء من الضحايا "
وأنا تعبت من السفر .
أنا شخصيا تعبت من الكتابه في موت أهل قطاع غزة .
أتمنى أن تضع الحرب أوزارها مع نهاية عامها الثاني ، كي ألبي - إن استطعت - طلب الدكتور والجريدة ، أو أن أتوقف عن الكتابة نهائيا ، وأتمنى أن لا يكون حالي حال الزمار .
عندنا مثل يقول " بموت الزمار واصابعه بتعزف " .
تقاعدت من الجامعة مع نهاية أيلول ٢٠١٩ ، ولم أتوقف عن القراءة والكتابة .
حالة تعبانة يا ليلى !
خربشات ٢٨ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 724 : بمختصر العبارة
ففي ليل كهذا تكثر الضوضاء والجمل
وما نظروا هذا الحضيض ، وتلكم الحيل
قضيتنا ، وإن عجنوا وإن صعدوا وإن نزلوا
لها شرح بسيط واحد حق لم الهبل؟
لماذا ألف تنظير ويكثر حولها الجدل
قضيتنا لنا وطن ، كما للناس في أوطانهم نزل
وأحباب وأنهار وجيران
وكنا فيه أطفالا وفتيانا وبعضا صار يكتهل
وهذا ، كل هذا ، الآن مغتصب ومحتل ومعتقل
قضيتنا سنرجع أو ... .
مظفر النواب ، المسلخ الدولي
خربشات ٢٩ / ٩ / ٢٠٢٥
***
- غزة 725 : الحنين إلى حديقة المنزل
منذ شهور وأنا أفكر في الكتابة عن حنين الغزازوة ، ممن يملكون في بيوتهم حديقة ، إلى الحديقة . وكلما جلست ، في أيام الصيف الحارة ، في حديقة منزلي ، تذكرت من أهل غزة من فقد حدبقته وحنينه إليها ، وأتذكر أنني في بداية طوفان الأقصى كتبت ثماني حلقات تحت عنوان " في غزة لي أصدقاء وذكريات " أتيت فيها على حديقة بيت أبو لطفي رزق ، في حي الرمال ، حيث أقمت في البيت أياما لحضور حفل زفاف ابنة عمي .
أمس قرأت نصا نثريا للكاتبة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri عنوانه "#الخيمة ... وطن مؤقت " أتت فيه على نزوحاتها العديدة وبدأته بالآتي :
" لم أكن أتخيل يوما أن أعد مرات نزوحي كما أعد سنوات عمري . لكنها الحقيقة القاسية : أنا الآن نازحة للمرة السادسة " .
وفي نصها أتت غير مرة على حديقة منزلها وحنينها إليها . وتنهي الكاتبة نصها بالفقرة الآتية :
" لكن يبقى السؤال الأكبر معلقا بلا جواب : إلى متى سأبقى من نزوح قسري إلى آخر ؟ وإلى متى سأظل أشتاق لمنزلي ولفنجان قهوة في حديقة بيت لاهيا ، حيث شعرت بأمان لأول مرة ؟ " .
وعندما أدرجت مع كتابتها صورة اختارت صورة خيمتها إلى جانب شجرة زيتون .
وليست كاتبة النص الوحيدة التي كتبت عن حنينها إلى الحديقة .
أمس واصل الجيش الإسرائيلي قصفه أحياء مدينة غزة ، وأمس ارتقى شهداء بالعشرات أيضا كما في كل يوم ، وأمس كان صيد الآليات الإسرائيلية وفيرا .
الله المستعان والحالة تعبانة على الرغم من مقترحات الرئيس الأمريكي ( ترامب ) لوقف الحرب والتبشير بذلك .
خربشات ٣٠ / ٩ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة