استشرت ظاهرة الحنين إلى الماضي واقبال الكثيرين على تداول صور أو أفكار تعود إلى عقودٍ كنا نحسبها بالقريبة لكنها في الواقع تزداد بعداً عنا يوماً بعد آخر، فيرجع البعض ذلك إلى سوء الأحوال التي نعيشها وسط غياب الدفىء والأمان عن العلاقات الإنسانية والأسرية، فيما يرجع البعض الآخر ذلك إلى شعوره بالإغتراب عن إيقاع الحياة التي نعيشها اليوم عدا عن شعوره بالخواء رغم زحام الأحداث على مدار الساعة، فلا شيء يعلق في الذاكرة ولا شيء يسكن في القلب وهو ما لا يستثني أيضًا عودة الكثيرين إلى متابعة الأعمال الكلاسيكية وإعادة مشاهدتها وقراءتها مرةً بعد مرة، حيث تبث هذه الأعمال شيئًا من الراحة في نفوس محبيها حيث يتمتع من قدموها بمصداقية لدى المتلقي بفضل العلاقة المتينة التي نسجوها معه لسنوات، كما تضعهم في حالةٍ من الطمأنينة المؤقتة التي يستعيدون معها زمناً بأكمله.. بكل عناصره وطقوسه وأجوائه بدءاً من تفاصيل المنزل البسيطة مروراً بعادات الناس و(لغتهم) ومظهرهم البعيد عن التكلف وصولاً إلى صور الشوارع وشكل الحياة في ذلك الوقت بين ذهولٍ وفرح وحزنٍ يغلف كل هذه المشاعر التي تتداخل معاً في وقتٍ قصير نسبياً..
كما نلاحظ اليوم عبر مواقع التواصل الإجتماعي تداول مقاطع أو حوارات من بعض الأعمال البارزة في نوعٍ من المقارنة والإشارة المبطنة إلى ما نعيشه الآن.. ولعل تفشي هذه الظاهرة تحديداً يشير إلى حالة الإحباط الدفين الذي يعيشه الكثيرون خاصةً في ظل غياب القيمة والمعنى عن غالبية أعمال المرحلة الحالية التي أفضل أن أتركها بلا اسم.. وبالعودة إلى بعض الأعمال وعلاقتها بالحاضر وبما نعيشه من أزمات عاطفية وانسانية وأخلاقية وتربوية تتغلغل في عمق مجتمعاتنا نجد في عمل مثل مسلسل (ضمير أبلة حكمت) للأيقونة الراحلة فاتن حمامة والذي أذيع لأول مرة عام ١٩٩١ الكثير من المشكلات التي لم تجد حلاً بل وتفاقمت بشكلٍ هائل ليس فقط على صعيد الإنسان بل أيضًا على الصعيد الإجتماعي والفكري والأخلاقي الذي تغير بشكل جذري، فتوحشت معه النفوس وتغيرت بسببه الأولويات والمبادىء والأحلام وغابت معها أبسط وأهم مقومات السعادة كالصدق والحب والأمان، والتي قد يجد البعض معها مشاكل (ذلك الزمن) نوعاً من الرفاهية أو الترف مقارنةً بالتحديات التي نعيشها اليوم، لكننا نحصد ثمرة ما تجاهلناه بالأمس، ولعل أصعب ما يمكن للمرء أن يمارسه في كل مكان وزمان هو الثبات على المبدأ حتى أمام أقرب الناس إليه وسط تغيير الوجوه والمسميات تحت عناوين براقة تخفي أكثر مما تظهر، بحيث لا تتأثر بعاطفة أو تضعف إمام إغراءٍ ما.. حتى لو كان هذا الإغراء هو الحب الوحيد الذي لم نعرف بعده حباً آخر..
فالعمل ليس مجرد سرد يومي لحياة مديرة إحدى المدارس الثانوية بل هو صورةٌ مصغرة عن مشاكل المجتمع والتداخل بين عدة أجيال واستحداث ثقافات لم تكن موجودة بهذا القدر من (التوحش) حتى الأمس القريب، كما تظهر الجانب الإنساني للعديد من المعلمين والمعلمات الذين يمرون بإحباطاتهم وصراعاتهم الخاصة خارج عباءة المثالية مما يؤثر على دورهم في تعليم الأجيال وهي نقطة بالغة الحساسية.. وصولاً إلى الشخصية المحورية التي تواجه هذه التحديات بشكلٍ أكثر تعقيداً سواءاً كان ذلك على صعيد مهني أو شخصي، ليشكل اختباراً لمدى صلابة وثبات المبادىء التي نادت وظلت تنادي بها عندما توضع عواطفها وذكرياتها كإنسانة في الميزان مع علاقتها بخطيبها السابق والذي عاد ليطرق أبوابها بعد حوالي ٢٨ عاماً..
الحديث هنا ليس عن قصة حب ولكن عن مبدأ رفض أن يتلون أو يلتوي لأجل الحبيب الذي عاد في مرحلة حساسة لأي إنسان، هذا الحبيب الذي كان يناقض مبادئها لكنها تحبه.. وبرغم حبها لها (لم تعمى يوماً عن عيوبه) كما قالت، هذا الحبيب الذي عاد لأجل رهان أو تحدي أو عقدة بشكل أكثر وضوحاً ليحاول أن يثبت لنفسه أن قيمه (العملية) انتصرت على ما كان يظنه (شعارات) فشل.. فشل في أن يقنع أهم انسانة بالنسبة إليه أن مجده الذي بني على أسس ملتوية سيمحي الماضي وسيمحي (آثار) الرحلة التي تلوثت بما يخالف (الضمير).. تلك الكلمة التي كانت تثير جنونه لإعتباره أنها تنتمي إلى فصيلة الشعارات الرنانة والكلمات الخطابية التي لا جدوى منها.. وما أشبه اليوم بالأمس..
وهي نقطة جوهرية نعاني منها كثيرًا حيث تنظر الأغلبية إلى النتيجة أو الصورة بمعزل عن الرحلة التي سبقتها، وكأنها قررت أن تغمض عينيها وتسكت قلبها لترتاح من أسئلة الضمير التي تشكل محور هذا العمل قبل أي شيء آخر، والذي نستعيده لتقاطع الكثير من أفكاره مع ما نعيشه من تحديات..تلك الأسئلة التي يواجهها كلٌ منا كل يوم وتتركنا في حالة من الصراع المستمر مع الذات ومع الغير، مع خياراتنا وتسمياتنا لما نراه ونتعامى عنه، مع ما نعرف حقيقته وننكره طوال الرحلة هرباً من صوت الضمير.. على اعتبار أن الماضي ذهب في حال سبيله وأن (ما فات مات)، حيث يقوم الحاضر البراق بمحو آثار الماضي المظلم ويمحو معه كل خطاياه.. وهو ما لا يمكن أن يكون مهما بلغت البشرية من (تطور) حقيقي كان أم زائفاً، وستظل الرحلة دليل الضمير ومعياره مهما تغيرت علينا الوجوه والأسماء ومهما دار بنا الزمن.. فالقلب قد يضعف، قد يخاف، قد يتوجع، قد يمرض لكنه لا يموت إلا بقرارٍ من صاحبه..
#خالد_جهاد
كما نلاحظ اليوم عبر مواقع التواصل الإجتماعي تداول مقاطع أو حوارات من بعض الأعمال البارزة في نوعٍ من المقارنة والإشارة المبطنة إلى ما نعيشه الآن.. ولعل تفشي هذه الظاهرة تحديداً يشير إلى حالة الإحباط الدفين الذي يعيشه الكثيرون خاصةً في ظل غياب القيمة والمعنى عن غالبية أعمال المرحلة الحالية التي أفضل أن أتركها بلا اسم.. وبالعودة إلى بعض الأعمال وعلاقتها بالحاضر وبما نعيشه من أزمات عاطفية وانسانية وأخلاقية وتربوية تتغلغل في عمق مجتمعاتنا نجد في عمل مثل مسلسل (ضمير أبلة حكمت) للأيقونة الراحلة فاتن حمامة والذي أذيع لأول مرة عام ١٩٩١ الكثير من المشكلات التي لم تجد حلاً بل وتفاقمت بشكلٍ هائل ليس فقط على صعيد الإنسان بل أيضًا على الصعيد الإجتماعي والفكري والأخلاقي الذي تغير بشكل جذري، فتوحشت معه النفوس وتغيرت بسببه الأولويات والمبادىء والأحلام وغابت معها أبسط وأهم مقومات السعادة كالصدق والحب والأمان، والتي قد يجد البعض معها مشاكل (ذلك الزمن) نوعاً من الرفاهية أو الترف مقارنةً بالتحديات التي نعيشها اليوم، لكننا نحصد ثمرة ما تجاهلناه بالأمس، ولعل أصعب ما يمكن للمرء أن يمارسه في كل مكان وزمان هو الثبات على المبدأ حتى أمام أقرب الناس إليه وسط تغيير الوجوه والمسميات تحت عناوين براقة تخفي أكثر مما تظهر، بحيث لا تتأثر بعاطفة أو تضعف إمام إغراءٍ ما.. حتى لو كان هذا الإغراء هو الحب الوحيد الذي لم نعرف بعده حباً آخر..
فالعمل ليس مجرد سرد يومي لحياة مديرة إحدى المدارس الثانوية بل هو صورةٌ مصغرة عن مشاكل المجتمع والتداخل بين عدة أجيال واستحداث ثقافات لم تكن موجودة بهذا القدر من (التوحش) حتى الأمس القريب، كما تظهر الجانب الإنساني للعديد من المعلمين والمعلمات الذين يمرون بإحباطاتهم وصراعاتهم الخاصة خارج عباءة المثالية مما يؤثر على دورهم في تعليم الأجيال وهي نقطة بالغة الحساسية.. وصولاً إلى الشخصية المحورية التي تواجه هذه التحديات بشكلٍ أكثر تعقيداً سواءاً كان ذلك على صعيد مهني أو شخصي، ليشكل اختباراً لمدى صلابة وثبات المبادىء التي نادت وظلت تنادي بها عندما توضع عواطفها وذكرياتها كإنسانة في الميزان مع علاقتها بخطيبها السابق والذي عاد ليطرق أبوابها بعد حوالي ٢٨ عاماً..
الحديث هنا ليس عن قصة حب ولكن عن مبدأ رفض أن يتلون أو يلتوي لأجل الحبيب الذي عاد في مرحلة حساسة لأي إنسان، هذا الحبيب الذي كان يناقض مبادئها لكنها تحبه.. وبرغم حبها لها (لم تعمى يوماً عن عيوبه) كما قالت، هذا الحبيب الذي عاد لأجل رهان أو تحدي أو عقدة بشكل أكثر وضوحاً ليحاول أن يثبت لنفسه أن قيمه (العملية) انتصرت على ما كان يظنه (شعارات) فشل.. فشل في أن يقنع أهم انسانة بالنسبة إليه أن مجده الذي بني على أسس ملتوية سيمحي الماضي وسيمحي (آثار) الرحلة التي تلوثت بما يخالف (الضمير).. تلك الكلمة التي كانت تثير جنونه لإعتباره أنها تنتمي إلى فصيلة الشعارات الرنانة والكلمات الخطابية التي لا جدوى منها.. وما أشبه اليوم بالأمس..
وهي نقطة جوهرية نعاني منها كثيرًا حيث تنظر الأغلبية إلى النتيجة أو الصورة بمعزل عن الرحلة التي سبقتها، وكأنها قررت أن تغمض عينيها وتسكت قلبها لترتاح من أسئلة الضمير التي تشكل محور هذا العمل قبل أي شيء آخر، والذي نستعيده لتقاطع الكثير من أفكاره مع ما نعيشه من تحديات..تلك الأسئلة التي يواجهها كلٌ منا كل يوم وتتركنا في حالة من الصراع المستمر مع الذات ومع الغير، مع خياراتنا وتسمياتنا لما نراه ونتعامى عنه، مع ما نعرف حقيقته وننكره طوال الرحلة هرباً من صوت الضمير.. على اعتبار أن الماضي ذهب في حال سبيله وأن (ما فات مات)، حيث يقوم الحاضر البراق بمحو آثار الماضي المظلم ويمحو معه كل خطاياه.. وهو ما لا يمكن أن يكون مهما بلغت البشرية من (تطور) حقيقي كان أم زائفاً، وستظل الرحلة دليل الضمير ومعياره مهما تغيرت علينا الوجوه والأسماء ومهما دار بنا الزمن.. فالقلب قد يضعف، قد يخاف، قد يتوجع، قد يمرض لكنه لا يموت إلا بقرارٍ من صاحبه..
#خالد_جهاد