سعيد فرحاوي - إمضاءات شعرية في ديوان (القادم من جهة الريح) لمحمد زين.

خير ما أستهل به قراءتي لديوان محمد زين ( القادم من جهة الريح) ، هو عدم ترك مساحات فارغة بين القصائد والعتبات التي تسهم بوعي متفاوت الدرجات لإنتاج كتابة لها ما لها من خصوصيات تسعى بكل الوسائل تأكيدها بصيغ متعددة.لعل أهم صيغة هو الوقوف عند خطاب الهوامش أو النصوص الموازية لها ،التي تريد أن تقول ما أخفاه عنا الشاعر ، أو ما تركه الشاعر منسيا مقصودا ليدخله في مسار كتابته حتى يمارس بذلك أسلوبا إبداعيا يحسب له.من هذه النصوص الموازية الفاعلة والهادفة نص التقديم الذي لن نتركه يتكلم وحده في معزل عن قراءتنا. هنا /في التقديم ،استهل نورالدين ضرار تقديمه بمقولة جد مهمة قال فيها *1:
(خذ نَفسا أيها القارئ العزيز ،
ستصير مثلي
منهك الأحلام
ككل مساء حزين) .
هذا ما يلتمسه منا الشاعر محمد زين، بين ثنايا هذا الديوان، في معرض تهويماته بأحد مقاطع نصه *أقنعة محنطة » مما يهيئنا لمجاراته بأنفاسنا المتلاحقة عبر هذه المسافة المتعرجة تبعا لتقلبات الأحوال وأهواء الرياح، حيث لا حظ للأحلام المنهكة أن تستكين إلا عند (كل مساء حزين* على صارية قصيدة واردة.). ص7 .

1740131630832.png

لا أريد أن أقرأ الديوان على ضوء العتبات ، خاصة التقديم ،كما فعلت في الديوان الأول( يقظة الظل )*2 بقدر ما أرغب سد الفراغات واعتماد كل الإشارات الدالة التي تسهم بأشكال مختلفة في صناعة الجمال ، كما يحلم به الشاعر ، لهذا فمقولة نورالدين ضرار مهمة ، نعتبرها متميزة بخصوصية بنائية دالة بعمق عن وعي مقصدي شاءه الشاعر لعبة يمارس بها شكلا من أشكال الكتابة ، خاصة إذا ما بحثنا فيها في علاقتهما مع كل نقطة ضوء يريد محمد زين بها إنارة طريق ديوانه ، بعمق يؤهله للتفرد والاختلاف.، كما يجعل من بوحه شكلا تعبيريا مختلفا عن ذاك الذي نصادفه في كل مكان مشتتا كأوراق الخريف.
هذا الطرح هو ما جعلنا نبحث عن ماهية الكتابة عند محمد زين ، خاصة بعد تجاوز الديوان الأول ، والذي خلصنا فيه إلى مجموعة من الاستنتاجات زاد تأكيدها ديوانه الثاني لكن بعمق أكثر دلالة بالمقارنة مع ماخلص إليه وهو يبني عوالمه الشعرية ، وحتى لا نسقط في التكرار سنترك للقارئ حق المقارنة بين الديوانين ، سنترك له الاختيار أن يقارن بين المقاربتين ، وطبعا ، بصفته قارئا تشاركيا ، فله من الكفاءة ما تكفي أن يحدد موقفه وموقعه الموضعي والقرائي بالصيغة التي تستجيب وشكل قناعته.

1740132925499.png

إذا عدنا إلى ديوان ( القادم من جهة الريح) ، سيظهر أول سؤال مشروع هو : من هو ، هذا الذي تكلم عنه الشاعر وحدد من خلاله الوجهة التي اختارها مجالا خاصا ومحددا في موقع جغرافي نجها هويته بشكل مطلق ، أو فرضت عليه إرادة معرفية ما ، ليقصدنا ، أو يقصد وجهة أخرى ، والتي جعلت الشاعر يؤسس خطابه الشعري بتمفصلات مختلفة ، ويجعل منها وفيها وجهته الخاصة في الكتابة ؟، أم أن هذا القادم ليس سوى الشعر عينه ، الذي اختاره الشاعر شكلا تعبيريا بوجهة خاصة ، من خلاله يرانا وبه يلج العالم ، ليصبح بذلك هذا النوع من التعبير شكلا من أشكال الوعي بالكتابة وفي نفس الوقت يشكل خطابا يحدد طبيعة الشكل التعبيري الذي به يرى الشاعر العالم : مرة يرفضه ومرات عديدة يعيد صياغته؟..وهي الأطروحة التي دفعت بصاحب التقديم نورالدين ضرار بأن يؤكد أن محمد زين( يهيئنا لمجاراته بأنفاسنا المتلاحقة عبر هذه المسافة المتعرجة تبعا لتقلبات الأحوال وأهواء الرياح.) ، فتصبح بذلك صياغة الشاعر نورالدين ضرار في التقديم مشفرة ودالة عن أبعاد كثيرة فهمها فساهم بدوره ، رفقة الشاعر محمد زين ، الكشف عنها ليترك مساحة التأويل مفتوحة .بعدها يستمر الديوان في طرح أبعاده الدلالية منغلقا حول ذاته بأسئلته اللا محددة. هذا المعطى نلمسه في كل قصائد ديوان (القادم من جهة الريح) ، بعدة صيغ تسعفنا لفهم المقدمات الصغرى الأخرى التي استهل بها الديوان مدخله ، منها مقولة المفكر الصيني كونفيشيوس ومقولة الشاعر المغربي إدريس الملياني و ماعمق أكثر هذا الإشكال الابستمولوجي الذي أطر المدخل الأول للديوان هو مقولة أبوحيان التوحيدي التي جاء فيها : (في الشعر نثر من وجه وفي النثر شعر من وجه ، ولولا ذلك ما حلا وحسن) ص 5. هذا الطرح سيجعلنا أمام موضوع مهم وعميق جدا أساسه ضرورة الانتباه منذ البداية أن ما سيجمعنا بعالم ديوان( القادم من جهة الريح) يحتاج إلى عدة وقفات تلزمنا الحذر واليقظة بوعي كبير يطالبنا أن نتسلح منذ البداية بأكبر قسط ممكن من الاحتياطات تلزمنا عدم ترك لا صغيرة ولا كبيرة تمر مرور الكرام ، لهذا يلزم قارئ ديوان القادم من جهة الريح أن يتخبط في أمواج هذه الريح الجارفة بكل ضجيجها وصداعها غير العادي.
هذا التعدد في بناء شفرات الديوان ستظهر منذ أول علامة افتتح بها الشاعر قصائده ، نجده في النص الأول من الديوان الذي سماه ( رغيف المقابر) يحدد المكان / المقابر ليدفن من يريد ومتى يريد ، لهذا كانت المقابر اختيارا فضائيا يستجيب وطبيعة العالم الذي يشاءه ليقتل أو يدفن من يراه ملائما لشهيته الغريبة ، فكانت اللذة أكثر عندما أرفق كلمة مقابر بشهية الرغيف ليصبح الأكل في روح المقابر ممكنا ومستجيبا لاختيارات الرجل ، لهذا جاء المعجم ثريا في وجبة الشاعر أو في مطبخ القصيدة بملذات خاصة ، زاد من الجمال عذوبة عندما صاحب المقابر الرغيف في زمن العاصفة والملح وجنح الليل ، لهذا كان الشرط منطقيا إن قلنا أن متعة المقابر تصاحبها عذوبة العاصفة في لذة شعرية فريدة ، ليفتح المجال الزمني لليل البارد الذي زاد من جمال اللوحة وهي تكتب صيغ استعاراتها المرتبة بذوق خاص ، فكانت الجثة والنعش شهوة الهيجان ، كما كانت صورا تصنع الشهية والملذات التي أرادها الشاعر اختيارات لكتابة متجهة من جهة الريح حاملة كل انجرافاتها الهادئة في ضجيج الهيجان. فأصبحنا أمام علامات دالة عن طبيعة ما قاله نورالدين ضرار في تقديه وما أكده محمد زين في قصائده.سنحدد وجهات نظر الكاتبين حسب الصياغات التالية :
يقول نورالدين ضرار : ( في هذا البوح ما يؤكد أن هذا القادم من *جهة الريح * لا وجهة محددة سلفا لمساراته ، ولا سقف لمجازاته ، إذ كلما اصطدم بحد اللغة استعار اللون والنوتة ليشق في ممشاه الشعري امتدادا مجازيا محايثا في إطار لوحة مفتوحة على أفق المدى ، أو رجع مقطوعة موسيقية موقعة على مقام الروح بأكثر من صدى ...وعلى هذا النحو ، تكتمل لوحة الحياة في مشهد خاطف كحلم زاه كأننا برفقة*حوريات الشمس*من وصيفات* أفروديت* على ضفاف *بحيرة البجع * بخلفية موسيقية تصلنا نبراتها المخدرة مثل*وقع صدر عازف قيثارة مجهول*..ص 14.
وهي نبرات عميقة الفواصل تحيل على دلالة الفن الأصيل الذي جعل من البوح وجهة محددة سلفا* كما قال ضرار- أصولها منغرسة في جذور تختفي كلما اقتربنا من الإمساك ببداية تشكلها وتختفي وكأنها لم تظهر أبدا.هذا ما أكده الشاعر محمد زين عندما خرج منا ليبقى أسير وجهته التي جاء منها ريحا بلا سقف ولا جدران، يقول في ص 18 /19 :
يقتات من كهف ذاته ..
ساديا ،
يوقد القلب شموع مغارة الجسد المنخور..
صرخات أفواه جائعة
حبلى بحبات*لحدج*
تنقلب الصور برمتها ليتشكل السيلان الشعري بإرادة يتحكم فيها الشاعر ، يحدد الاتجاهات ، كما يوزع الصرخات بالصيغة التي تلائم مجرى ريحه القادمة من الجهة الأخرى ، طبعا الجهة الشعرية التي وزعت شرود القلب وتمحورات الروح التي تتكلم بلسان مبدع لا يهمه سوى التحرر من كل أنواع المغامرات التي جعلت منه كائنا يقتات من كهف ذاته ، الموضوع الوحيد المسموح له فيها بالتحرك كلما وجد نفسه في وضع قال عنه بلغة جد مشفرة / ص 20:
العيش هنا.. فاحم
على طبق من فضة ونحس
على شفا *رفيسة*
عشاء للأسافل الفقاقيع ..
لم يخف المخاطب في قصصه العابرة ، مرة يجعل من ذاته موضوعا للحكايات المؤجلة ، ومرة أخرى يستحضر مخاطبا مقصودا معلنا عنه باعتماد بعض التسنينات النحوية ، كالضمير مثلا :
أيها المارون في صمت،
أيها المقهورون علنا ،
بؤساء الزمن الحاضر ..
ولآخرون من دونكم
لا نعلمهم ..
الله يعلمهم ،
إليكم حملي ينتصر ...ص 21.
خطاب يستحضر فيه المرسل إليه المعني في رسالته ليشاركه قصص البؤس ومرارة العبور المؤسس على خاصية القهر ، فيتحرر بذلك من دوامة الألم الفردي ، ومن وجع البكاء الطللي ألتنميقي فيجعل من موضوع الكتابة رحلة في غصون لا يتوقف امتداداتها الفلسفية ، التي تؤسس إشكالية الحياة الممنهج المبني على أسس واعية ، خاصة عندما يخرج من المجال الضيق ليكتب الحياة كلها في مسافات غير واضحة عنوانها ريح قادمة من الجهة التي يعرفها الشاعر وحده بشكل تام وجيد.
لهذا كان نورالدين ضرار منطقيا في خطاب يكتب عن اللامنطق عندما قال :
(هل للريح أصلا جهة معينة مؤشرة على وجهة محددة ، بل إنها العنصر الطبيعي المفتوح أبدا على الحركة والتحرر ؟ ..فلا استقصاء معها في الجهة ولا استقرار معها في الوجهة ، هي التي لا تستكين باستمرار إلا لدوام السفر والترحل ،حتى في غياب بوصلة مضبوطة أو خارطة مسبوقة ..وهذا ما يجعل الاشتغال عليها كتيمة في حد ذاتها يحول التجربة الإبداعية برمتها لإطار يستمد خاصيته الثابتة من تحولاته الممكنة ،تبعا لطبيعة الأجناس وخصوصية الأشكال...)..ص 12/13.
تشكل معالم قصيدة (رغيف المقابر) ، بصفتها القصيدة المفتاح لديوان (القادم من جهة الريح )، على خاصية البناء الازدواجي ، أو تتشكل في مجال الصراع الجدلي المتنافر ، سنبين ذلك حسب الشكل التالي :
عاصفة القيظ المالح تقابلها جنح الليل البارد .كما تتقابل بشكل تنافري الشهوة مع لغة الدم والنعش وتيار الهيجان ، فتكتب أحداث القصة بمداد سكين خصصه الشاعر أسلوبا لجرح يسيل ذكريات تخرج من شقوق صخر مارد ومتمرد ، يزرع الشوك والفراغ ، يرجم الدهر ، يكتم الأنفاس ، فيتحول في صيرورة الحياة رغيفا للمقابر ، أوربما ذاك ما ننتظره قادما من الجهة الأخرى ليعلمنا ما أبعده عنا الزمن فتحول إلى وقت ممزق متشظي وزائل ، يقول محمد زين :
الوقت مضغة في الألسن ،
الوقت لعاب كلب
يسيل .. ص 20.
فيصبح العيش هنا ، في زمن متقطع ، في مكان بلا خرائط ، في عالم الشاعر ،مجرة من مجرات القهر الذي تلزم التغيير وتفرض حياة أخرى مادام الشاعر مؤمنا حتى الثمالة بأن الريح ستأتي من الجهة الأخرى لتعيد النظر فيما مضى ، مادام :
مصير يتأوه ويلتوي قدرا
ظننته قارب نجاة
لكنه كان دوي كومة
جليدية.. ص 21.
وتستمر الحياة ، كما يستمر تدفق الدم بوتيرة الشعر ، لكن هذه المرة تتغير النبرة وتتعدد حركات اللهجة الداخلية في عمق شاعر يتحرك بترتيب خاص ، كل مرة تتغير موسيقى القلق ، كما تتحول صيحة نبضات القلب بثبات متحول ، وهذا ما جعل القصائد تكتب بحرقة متعددة الدلالات.من هذه الدلالات دلالة القبض على أجراس المعنى بإيقاع كله حركات مختلفة الشفرات والرموز ، هذه الإشارات تشكل علامات ترميزية تحدد الوجهة الغامضة في الكتابة عند شاعرنا ، لذلك وجدناه يحبر و بانقباض خاص ليعيد صيغ التأويل حسب انبساط التشريح فينتج معالم المعاني والمحتويات بمعان خارج المألوف ، مادامت تسيل من جرحه وتتدفق من دمه ، فتشكلت الكلمات في علاقتها ببعضها البعض لتخرج من ألغار المستور عارية الوجه على جسد مادي مازال في طور النشأة والتكوين ، فأصبح المعطى العام في الكتابة الشعرية عند محمد زين بوابة أو نافذة منها يرانا الشاعر ليغلق الشاسع في وجود مغلق محدود، فيتحول الممكن في سراب نظراتنا أفقا مسدودا ، لتضيق الرؤيا وتتوقف المساحات كلما انغلق مجال النظر وقصر بعد الفهم والاستيعاب ، يطول ويتقوى الإدراك ليصنع حركات الشاعر وهو يؤسس بلاغة الكتابة بمنطق خاص لا يفهم شفرات فك رموزها سوى شاعر يعي جيدا بوصلة القادم من جهة الريح ريحا أو وعيا أو تصورا ، جارفا معه ما يراه أمامه غير قابل للانصهار، فذكرني بكلام زهير بن أبي سلمى الذي قال : (...رأيت المنايا خبط عشواء...).
تشكل قصيدة ( انقباض وانسداد ) نموذجا حيا يقربنا أكثر من دلالة ما تكلمنا عنه في رؤية محمد زين ، التي حاول من خلالها تحديد موقع رسم لوحة بصيرته المليئة بالأسرار ، من هذه الأسرار يبوح لنا عن بعض تجليات الحياة بمعرفة يتحكم الوعي الحدسي المؤسس على العمق الفلسفي ، خاصة منه الصوفي الوجداني الغارق في التفسير القلبي والحواسي المتعالي بشكل ترونزيدونطالي ، لذلك كان النقر مباحا ، قاصدا اتجاهات مختلفة ، تظهر فتختفي ، حسب درجات الحرارة التي تتغير في كل وجبة شعرية ، منها قائلا :
سبع نقرات على جدار الروح
تكفي.. ص 23.
يحدد هنا العدد الكافي لنقرات الروح ، جاءت سبعة لتدخلنا في ثقافة السبع المعروفة في ثقافتنا الشفاهية ، منها سبعة رجال ، ومنها سبعة أمواج ، كما يقربنا من العدد ستة الذي خلق فيه الله السماوات والأرض ، بعدها استوى على العرش. لن ننظر إلى كلمة سبع نقرات نظرة عابر غير مبال لقيمة وأهمية العدد المرافق لوقع النقر ، مما دفع بنا أن نتعمق أكثر في ماهية هذا النقر من خلال ما سيأتي لاحقا ، فكانت النفس تختر وتذوب ، كما تفر الكلمات فلم يبق سوى الانكسار ، فكانت النتيجة طبيعية عندما وجدنا الأرواح طليقة حرة ، بلا حسيب ولا رقيب ، تكتب حظها وترسم طيفها ، ذاك ماجعل الذات تفيض صداعا ، فعاد الشاعر مخاطبا أناه بقوة لتأكيد أساس منطلقاته قائلا :
أنا ..أيها الأنا :
- ناهضا ..
ضمدت مصلي من مسالخ الإبادة ... ص 25.
يزيد من توكيد هذه الصرخة المحددة طبيعة الذات المتهالكة التي تسعى بكل جهدها إيجاد الأسلوب الخلاص في الزمن الخطأ باستعارة عدة حلول ، يرها الشاعر ممكنة في المجال الشعري ، يقول في الصفحة 29 :
أنا إنسان أولا وآخرا
أشجاني لا تخبو
عتراتي التي على أكتافي
اهتزت وربت..
هكذا وجد نفسه في الموقع الحقيقي ليخرج من كل ما يراه غير ملائم لمسيرة مليئة بالتمزقات التي جعلت الشاعر يرى أن القادم من الجهة الأخرى ليس سوى ومضة بنور ضئيل تكتب قدره ، وتحدد أجله ، فجاء الاختيارمرقوقا بريح لا نعرف هويتها.مع ذلك بقي مؤمنا، رغم غدرات الظلم ، بأنه ، كما يقول :
سأظل منتصبا راتلا... ص 31.
والخلاصة مات الشاعر وعاشت القصيدة ، لأنها السبيل الوحيد الذي جعله يحيا مرتين ، كما يقول في قصيدة (كدت أحيا مرتين) ص 34.
يمكننا تحديد معالم هذه الذات التي وزعها الشاعر شظايا شظايا في كل قصائده ، تارة مبعثرة وتارة أخرى مرتبة ، فكانت ذاتا منتصبة مرتلة ترتيلا ، حاضرة بكل أبعادها الوجودية والفلسفية ، وأحيانا كثيرة موزعة ، مشتتة في تجربة شعرية مؤطرة ومضبوطة ، ربما ذاك ما جعله ينتج ديوانين متلازمين في الرؤية وفي الزمن :
- في مجال الرؤيا : ضروري استحضار ما قاله أدونيس بأن الشعر هو البحث عن المجهول في المعلوم اللامنتهي. كما أن الشعر هو الكتابة الساعية نحو إدراك الغائب المحصور في الحاضر المحدد.
- أما الزمن الخارج عن الصيرورة فذاك الذي علمنا الشعر عندما كنا صغارا أن الحياة قصة أبطالها أبديون لا يموتون أبدا، عندما كبرنا أدركنا أن تعليمنا الشعري أوهمنا بحقيقة مغلوطة أساسها واقع مادي ماكر لا علاقة له أبدا بأثر ما نلمسه على الورق.
فكانت المعنى تبلورات تمفصل ذاتها بشكل غير عادي لتنسج كينونتها العابرة والأخرى المجسدة طموح بقائها ، في صيرورة الحياة ، بصيغ متفاوتة الدلالات ، هادفة ودالة عن وعي الشاعر في رسم خطاطة كل قصيدة بشكل يرى فيه محمد زين نوع وطبيعة القادم من الجهة الأخرى حسب الأطروحة التي نرى معاتبا ، وحسب النمط الفكري الذي جعل من الشاعر شكلا واعيا مختلفا عنها في فهمه وتأويله ، فيعلو ويتعالى عنا ، خاصة عندما يتدخل الشاعر بأساليب مختلفة ومتفاوتة الأبعاد ليحدد من جديد نوع وشكل إدراكاته ، التي من خلالها يحدد جغرافية القادم من الجهة الأخرى ، فكان موزعا توزيعا في قصيدة من قصائد الديوان ، ذاك ما سنراه في المرافقات القادمة من دراستنا.
في القصيدة الموالية التي اختار لها من الأسماء ( كدت أحيا مرتين) ، يتمظهر العنوان المنظم للقصيدة بإيحالات مشفرة مضمرة وخفية ،من خلال المعجم يتضح أن الشاعر مات مرتين ، وفي كل موت ينجلي بظهور مبني على الاعتقاد بالعودة إلى الحياة . على مستوى الظاهر هو اعتقاد ، أما في العمق مازال الموت حاضرا ، مما يعني أن الشاعر يخاطبنا خارج إرادة الحياة ، وكأننا نعيش في قصيدة موضوعها باث ميت يخاطب قارئا حيا ، مما يجعلنا نطرح السؤال التالي : عن أي موت يتكلم الشاعر وما شكل أوماهي ما هية هذه الحياة التي تكلم عنها بمظهر مبني على الاعتقاد والشك.؟ ذاك ما سنبحث عنه عندما نقرأ القصيدة في عمقها.
يخاطب الشاعر المرسل إليه أو المتلقي بصوت مباشر ، بلغة مبنية على الأمر والتوكيد ، يقول في الصفحة 34 :
ارفع سوطك عاليا
حتى يلمع لسانك
القلم عطافك وإباطك
اجلد الأرض ثمانين جلدة
اقطع يدها ورجلها
على خلاف
يعود مرة أخرى في الصفحة 35 ليزيد من توكيد طلبه بلغة عنيفة ، وبإلحاح أساسه شخصيتة قوية غابرة في الخبر اليقين ، يقول :
لا تعد الخسارات ..
لا تعد الخسارات ..
قلت..لا تعد الخسارات..
هذه الإحالات النصية تؤكد شكل وطبيعة الموت الأولي الذي عاشه الشاعر، كما توضح أساس الرحلة نحو الشك الغامض الذي قتل رمزيا الشاعر. فطبيعة الموت الأول تحدد صيغة الخسارات التي طالب الشاعر بتجاوزها :
قلت ..لا تعد الخسارات ...
لكن عندما استمر الأخر / المتلقي في عدها أصبح الشاعر في وضع لا يرحم ، سماه في العبارة التالية ، وحدد أسسه عندما قال:
قلت..لا تعد الخسارات.
أما موضوع الموت الثاني تحيل عليه :
من أكون ؟
ماذا يحدث لباطن عقلي الواقعي ؟
مالذي يبقيني حيا ؟
بداخلي تكتوي لغتي ..أنا كائن جمالي..
أستطيع صنع ذاتي..
سأصرخكي تتشكل بقياي
الحياة حقيقة تنكريىة ،
جون إشعار ..بتر حبل السرة
يصبح السؤال حول الكينونة يشكل محور البحث الدائم عن يقين هارب ، أي مجرد مجال فارغ من كل الأفكار ،فتتحول قصة الكتابة إلى صراع يسابق الزمن لتأكيد الذات الفردية والأخرى الجماعية ، بصفتهما معا أساس الرؤية ومنطلق البحث عن الفراغ الذي جعل من الشاعر يخرج من زمننا ليعيش زمنا آخر يهمه وحده ، مادام هو القادر على إدراك كنه الريح التي تتحرك من الجهة الأخرى فتصبح موضوع حقيقة الكتابة الشعرية ، التي أراد الشاعر توكيدها بلغة أكثر توكيدا وإلحاحا ، وهي القصة التي جعلت من الشعر صياغة لوجود جديد ، كاد فيها أن يحيا بعدما أصبح الموت رفيقا أبديا وصديقا حميميا له، أقنعه أن يتخلى عن كل ما تخفيه كينونته من أسرار الأنا الساعية إلى التحرر والعيش في فضاء شاسع ، فضاء القصيدة التي تريد أن تحيا عدة مرات ، في كل مرة يتزين الشاعر ليقنعنا بخشونة العالم وجنون قضيته.
هما ، إذن ، موتان وحياتان ورؤيتان للحياة ، معا يؤهلان الشاعر أن يقتنع بأن القادم من الجهة الأخرى يكاد أن يكون ريحا بلا محددات ولا فواصل.
تظهردوامة الموت عدة مرات مرفقة بإشكالية الخروج منا ليصبح كائنا خارج زمننا ، جعلت منه الكتابة طرفا متراميا في كل الاتجاهات ، لم يعد يتذكر شيئا ،يحلق في السماء كطائر حر متورط في جحيم الكلمة ، رجل غارق في طواف روحي متحرر ،فوجد نفسه منعزلا في فضاءات مغلقة يناشد فيها الغروب ويطوف بالأطياف القريبة منه ، لعلها تكون قادرة على جعله :
لوحة تمرق بسرعة
كحلم يصعد سلم
مدرج موسيقي ...ص 45
فيتحول إلى كائن (مثل ملاح لا يتذكر) ***،
يشتغل على كتابة ألوانها *أقنعة محنطة* ، لا يغرب أن يكلمه أحد ، لأنه يعرف طقوس الكتابة التي تفرض عليه نمطا حياتيا خاصا لتوزيع أسرار ما جعله حرا طليقا.
خاتمة ، عبارة عن استنتاجات :
يمكننا أن نخلص من ديوان ( القادم من جهة الريح ) ما يلي :
- أن الشاعر محمد زين أسس معالم كتابته وفق كل رآه ملائما لصناعته ، لذلك جاء بكتابة تشكل امتدادا لديوانه السابق ( يقظة الظل )، ساعيا نحو أفق محدد أساسه بناء مشروع إبداعي متحرر من كل أشكال الكتابة ،وفي نفس الوقت لم ينعزل عن الخط الذي رسمه كل البشر ليصبح الشاعر رقما شعريا مغربيا يحسب له حساب.
-نلمس عمق العلاقة الجدلية بين التقديم والتأخير( تقديم الموت وتأجيل الحياة ) لبناء كتابة هادفة ، تسير نحو صياغة كتابة جديدة تشهد لأصحابها بالجودة والتفرد.
-يشكل ، كل من ديوان (القادم من جهة الريح) وديوان( يقظة الظل) ، تجربتان متميزتان للمثقف محمد زين ، القادم من مدينة غارقة في أصالتها التاريخية /مدينة أسفي ، لينخرط بقوة في نسيج الشعر المغربي ، رغم وعيه التام أن العمل الجاد والكتابة الهادفة تتطلب مجهودا كبيرا وصبرا لا يستهان به ، حسب أمبرطو إيكو أن من مواصفات العمل الجاد والمسؤول ضرورة حضور عامل الذكاء والصبر
و أخيرا ما نتفق حوله هو أن تجربة محمد زين تدخل في إطار الكتابة التي تشهد لصاحبها بالتفوق والنجاح ، كما يمكن حصرها ضمن المرجعيات الشعرية المشهود لها بالإتقان والبناء الجاد والحسن.


المراجع والمصادر :
- ديوان القادم من جهة الريح لمحمد زين. الطبعة الأولى. 2023. مطبعة سليكي أخوين. مدينة طنجة.
- ديوان يقظة الظل .محمد زين .الطبعة الأولى سنة 2021 مطبعة سليكي أخوين. طنجة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى