تيريرَا تيريرَا
هذا عَام لحريرَة ..
في البوَادي قديماً كان يُنعت الشّهر الفَضيل ، بشهر الحريرَة ..لا مكان فيه للعبادة والتراويح سوى ليلة سبعة وعشرين ، حيث نتراشق بالوقيد ، قصد إحراق أسمال بعضنا البعض ، وأكل الكسكس ، وتكحيل العيون اتباعاً للسنّة النّبوية الشّريفة ، مع إطلاق رائحة الجّاوي المكّاوي والفاسُوخ والبخور ..كي تفرّ عفاريت سيدنا سليمان التي سلسلها بعناية شديدة وبإحكام وثيق ومتين ، بأعماق المَرامد ، ومَطارح الأزبال وبدَاديز المَازير ..لكنه يحرّرها ويتركها مَطلوقة ومتسيّبة في تلك الليلة المباركة !
قبل ذلك تزرع مامّا القزبر خلف الخيمة وتحيطه بالأشواك كي لا تعبث به طيور الدّجاج ، كانت الأمطار غزيرة فينبت ويصبح جاهزاً بعد شهر ، كي لا نعتمد كلّيةً على السوق ، وكذلك يرقّد الحُمّص ويفسّخ ..يشترون من السّوق وقية قرفة بريال وجوج ريالات بزار وجوج ريالات قهوة الطيّارة وأتاي ولد لݣشور من الصّحّارية ، وبطّة زيت صَغيرة مغلوقة بخيزّوّة أو بعظَم الذرة ، تكون كل أواني السّنة الماضية قد تكسّرت ، لأنهم يريدونها أن تتكسّر ، بل قد يكسّرونها عمداً إذ ما ثمّاش تدوّر العام ، فكل رمضان يأتي برزقه وبمواعينه التي يسهل شراؤها من السوق : حَمّاس طيني عملاق ، وزلايف لعݣابَة الطينية الطبيعية الرخيصة ، تُصنع بالجوار ، تبدو لنا دخاخينهم السّوداء الدّاكنة يوم الأحد يطيّبون الطين استعداداً ليوم الغد أي يوم السوق ..أو فخار آسفي بزلايف مزوقة ومجلّجة وراقية شيئاً ما ، مع مغارف من الخشب يعشق البدو استعمالها ، بينما كنا لخلفيتنا الأيّيرية نستعمل محاير بوزروݣ وتيمسكارَة وقواقع البحر المختلفة ، أما الآباء الهلاليون الأشداء فلم تكن تفارق شكايرهم الجلدية المراكشية المزركشة والجميلة ، محارة الݣرن العملاقة التي كانت تصنع من قرون الأكباش أو الحوالا بسوق ثلاث سيدي بنور ، مثل الكابوس بالنسبة للويستيرن الأمريكيين ..فكلما كانت مناسبة طارئة للحصَاد وصَيكوك والعصيدة ، والسّميدة يكون الرجل جاهزاً للأكل لأن الانتظار ممنوع في البوادي ، والماكلة يتحطّوا عليها اللّواح ، والتفتيفة يطيح عليها اللجام.. قبل الغروب بساعات يشرع العيّل بالأذان بكل أرجاء الدوار ، وفوق أكوام المازير وبكل حدب وصوب مستعجلين حلول وقت الإفطار ، بسبب الجوع الذي يتسلط على غير الصّائمين ، في اعتقاد شائع أنهم يتراكم عليهم ، ويُضاف لجوعهم الأبدي المستوطن بشكل دائم ومستمرّ ، جوع كلّ الصّائمين في ذلك اليوم ..عندما تشتكي لهم بالجوع يرمونك بدعوة جاهزة :
سير الله يعطَك جوع المُغرف اللّي تحرّك ما تّاكُل !
لا تسمع سوىٰ الّله كبار
عيّن الفلاح
تنبعث من كل فجّ عميق !
ههههههههههه..
قبل غروب الشّمس بدَقائق يصعد سي عبسلام فوق سطح منزله على ربوة مرتفعة ، يراه بوضُوح الجَميع من بعيد ..يطوف متثاقلاً مختالاً على خاطرو يتعنݣر ، ناظراً لسَاعته اليدوية من حين لآخر ، غير آبه لحالنا ! يُعلم أولادَه بالفطور أولاً، وهذا امتياز يتمتعون به علينا ، نغبطهم عليه حسب اعتقادنا الطفولي :
وا فطري آرقية !
هههههههه
يتكلّم مدفع آسفي ..يتفرق الأطفال عبر دروب الدوار المتعرّجة ، رَاكضين فرحين ، مثيرين خَلفهم الغُبّارَة ، مردّدين جَماعةً وبصَخَب شديد :
أوووووووووووووه..
فجأةً يسود صَمت رهيب إلّا من صَرير المغارف والمعالق والمحَاير ، وصَوت بومة حزين يخلو لها الجو في تلك الأثناء ، بعد ولوج الجَميع للخيام والأكواخ ..
لا زلت أتذكر آخر حريرة في سنة 1962 طاح لينا فركوس في الحمّاس الضّخم حيّدناه واستأنفنا الجّغيم بدون حرج ، من منطلق مبدأ إيد الفلّاح نقية ، وصَفحة مَا (ء) كتصَفّيها المَلائكة ، ودودو من عودو ، وعَا غمّض عينيك وكول ..ويا دار ما دخلك شرّ ونبينا عليه السّلام !
حسَن الرّحيبي
هذا عَام لحريرَة ..
في البوَادي قديماً كان يُنعت الشّهر الفَضيل ، بشهر الحريرَة ..لا مكان فيه للعبادة والتراويح سوى ليلة سبعة وعشرين ، حيث نتراشق بالوقيد ، قصد إحراق أسمال بعضنا البعض ، وأكل الكسكس ، وتكحيل العيون اتباعاً للسنّة النّبوية الشّريفة ، مع إطلاق رائحة الجّاوي المكّاوي والفاسُوخ والبخور ..كي تفرّ عفاريت سيدنا سليمان التي سلسلها بعناية شديدة وبإحكام وثيق ومتين ، بأعماق المَرامد ، ومَطارح الأزبال وبدَاديز المَازير ..لكنه يحرّرها ويتركها مَطلوقة ومتسيّبة في تلك الليلة المباركة !
قبل ذلك تزرع مامّا القزبر خلف الخيمة وتحيطه بالأشواك كي لا تعبث به طيور الدّجاج ، كانت الأمطار غزيرة فينبت ويصبح جاهزاً بعد شهر ، كي لا نعتمد كلّيةً على السوق ، وكذلك يرقّد الحُمّص ويفسّخ ..يشترون من السّوق وقية قرفة بريال وجوج ريالات بزار وجوج ريالات قهوة الطيّارة وأتاي ولد لݣشور من الصّحّارية ، وبطّة زيت صَغيرة مغلوقة بخيزّوّة أو بعظَم الذرة ، تكون كل أواني السّنة الماضية قد تكسّرت ، لأنهم يريدونها أن تتكسّر ، بل قد يكسّرونها عمداً إذ ما ثمّاش تدوّر العام ، فكل رمضان يأتي برزقه وبمواعينه التي يسهل شراؤها من السوق : حَمّاس طيني عملاق ، وزلايف لعݣابَة الطينية الطبيعية الرخيصة ، تُصنع بالجوار ، تبدو لنا دخاخينهم السّوداء الدّاكنة يوم الأحد يطيّبون الطين استعداداً ليوم الغد أي يوم السوق ..أو فخار آسفي بزلايف مزوقة ومجلّجة وراقية شيئاً ما ، مع مغارف من الخشب يعشق البدو استعمالها ، بينما كنا لخلفيتنا الأيّيرية نستعمل محاير بوزروݣ وتيمسكارَة وقواقع البحر المختلفة ، أما الآباء الهلاليون الأشداء فلم تكن تفارق شكايرهم الجلدية المراكشية المزركشة والجميلة ، محارة الݣرن العملاقة التي كانت تصنع من قرون الأكباش أو الحوالا بسوق ثلاث سيدي بنور ، مثل الكابوس بالنسبة للويستيرن الأمريكيين ..فكلما كانت مناسبة طارئة للحصَاد وصَيكوك والعصيدة ، والسّميدة يكون الرجل جاهزاً للأكل لأن الانتظار ممنوع في البوادي ، والماكلة يتحطّوا عليها اللّواح ، والتفتيفة يطيح عليها اللجام.. قبل الغروب بساعات يشرع العيّل بالأذان بكل أرجاء الدوار ، وفوق أكوام المازير وبكل حدب وصوب مستعجلين حلول وقت الإفطار ، بسبب الجوع الذي يتسلط على غير الصّائمين ، في اعتقاد شائع أنهم يتراكم عليهم ، ويُضاف لجوعهم الأبدي المستوطن بشكل دائم ومستمرّ ، جوع كلّ الصّائمين في ذلك اليوم ..عندما تشتكي لهم بالجوع يرمونك بدعوة جاهزة :
سير الله يعطَك جوع المُغرف اللّي تحرّك ما تّاكُل !
لا تسمع سوىٰ الّله كبار
عيّن الفلاح
تنبعث من كل فجّ عميق !
ههههههههههه..
قبل غروب الشّمس بدَقائق يصعد سي عبسلام فوق سطح منزله على ربوة مرتفعة ، يراه بوضُوح الجَميع من بعيد ..يطوف متثاقلاً مختالاً على خاطرو يتعنݣر ، ناظراً لسَاعته اليدوية من حين لآخر ، غير آبه لحالنا ! يُعلم أولادَه بالفطور أولاً، وهذا امتياز يتمتعون به علينا ، نغبطهم عليه حسب اعتقادنا الطفولي :
وا فطري آرقية !
هههههههه
يتكلّم مدفع آسفي ..يتفرق الأطفال عبر دروب الدوار المتعرّجة ، رَاكضين فرحين ، مثيرين خَلفهم الغُبّارَة ، مردّدين جَماعةً وبصَخَب شديد :
أوووووووووووووه..
فجأةً يسود صَمت رهيب إلّا من صَرير المغارف والمعالق والمحَاير ، وصَوت بومة حزين يخلو لها الجو في تلك الأثناء ، بعد ولوج الجَميع للخيام والأكواخ ..
لا زلت أتذكر آخر حريرة في سنة 1962 طاح لينا فركوس في الحمّاس الضّخم حيّدناه واستأنفنا الجّغيم بدون حرج ، من منطلق مبدأ إيد الفلّاح نقية ، وصَفحة مَا (ء) كتصَفّيها المَلائكة ، ودودو من عودو ، وعَا غمّض عينيك وكول ..ويا دار ما دخلك شرّ ونبينا عليه السّلام !
حسَن الرّحيبي