علي شمس الدين - حسين جرود والثرثرة في الاحتباس... قراءة في اصدار الشاعر حسين جرود "سوق الاحد"

في ديوانه "سوق الاحد" وبإصدار ذاتي إلكتروني عام ٢٠٢٣ يقدّم لنا الشاعر السوري حسين جرود مقترحاً عن الشعر يبدو كأنّه تجريب في الكتابة في الانسدادات. جرود يرى معالم اللّحظة الشعريّة ترتسم كتقليب للعيش في جيف المكان المتحلّل والإقامة في بهتانه. فالضمور المفتوح على الاهتراء المستعر دائماً ما يزيد ألوانه سمتاً في النص. فاللّغة هنا تتألّفُ في شبكةٍ برَتْها السُبُلُ يعيد رميها الشاعر في كل قصيدة ويسحبها ليرى ما علِقَ فيها من يوميّات المكان ثم يلحَظُ أنّهُ "لا يبحث عن شيء مع أنَّ الطرقات مرمّيَة على الأشياء". وصوته في النص يُراكم نثراً مبعثراً بكثافة قشر الطلاء في البناء المهمل ولكنّ حركته تعتمل بغزارة تُصدر صداها في المكان. صدى وجوم فراغ اللحظة في مناخ شعري ترسمه عشوائيّة النهايات التي تؤجّج الرثاثة في النظر. فالمكان هذا سوق فقد كلّ ميزة الأسواق وأدوارها ولم يبق منه الاّ وجوده على الخريطة وتلقائيّة الذهاب اليه فليس من أماكن آخرى تصلحُ للتفاعل. الأحداث قد حدثت ودُمّرت الأواصر ولم يبق الاّ إرادة بلهاء تقي جنون الوحدة تدفعُ الكائن للذهاب يوم الأحد. وهذا البله قد ينفجر طاقة زومبيّة مبرمجة ليس لشيء إلاّ لأنّ هناك جاذبيّة حصريّة لهذا السوق في ظلّ موت الاجتماع وأماكنه الأخرى ف "جميع الناس يلبسون ثياب العام الماضي وفي العام الماضي فعلوا الشيء نفسه".

1740300851384.png

وفي كل هذا يُخرج جرود شِعره ثرثرة في حطام الأشياء. ليست مناجاةً ولا تفجّعاً فغنائيّته تبدو تبرّماً يخرُجُ في تمتمات رجل يتسكّع بين الأشياء يعاين انتهاء الصلاحيّة، و التحلّل مستشري وقد يصيب الجسم الحي ايضاً ف "لون عيونك عسلي في النهاية، قد يأكلك الذباب" وهذه الفداحة العميمة تتأزم في تكثيف الثرثرة لتصبح مجازا كونيّا "لن ينفعك الندم ستموت وحيداً" و"كل ذكرى طريق ضيق". غير أنّ ذاتيّة الشاعر تتدرج في الظهور وتتقلّب في سخرية يوظّفها لتعينه على امتصاص الفداحة وخسارات الحبّ والأصدقاء. فهو حبيب فاقد الصلاحيّة وقد يغامر في المساومة على الحبّ بقطع الحلوى. وهذه المساومة في ثقافة السوق ويوميّاته تتصعّد دراميّا لتصل إلى النسيان ف"كل شيئ يتحول إلى نكتة ويُنسى" ثم تتأجّج في لحظات وجوديّة يلمُسُ فيها الشاعر آثارالزمن الباهظة ف" في أوكتوبر طفلين بلا مطر، في نوفمبر عجوزين ننتظر المطر الأوّل ولا كلمات بيننا". غير أنّ ما يربط كلّ هذا الاهتراء في شبكة الشاعر هو تأزّم الرغبة وانسحابها إلى الداخل وإقامتها في تساؤل تتوسّع دائريّته في النص لتصنع مناخ مراوحة تتيبّس فيها هذه الرغبة وتنغلق مستنكفة عن الأقدام والمباشرة في الفعل، فالنكوص صار هو المحرك وطوق النجاة فأكلاف المساومات كبيرة ومرهقة والمراوحة تصير في هذا كلّه انتظارا يؤخّر الموت ويجعل الحياة ممكنة فالشاعر يبوح"اذهبي واتركيني استمتع بأغنيات الحب بحريّة".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى