د. أحمد الحطاب - من التَّكريمات الإلهية للحياة البشرية

ما يفرضُه علينا عنوانُ هذه المقالة، هو : تعريفُ الحياة البشرية وتوضيح ما هو المقصود بالتَّكريمات (جمعُ تكريم) الإلهية.

تعريف الحياة البشرية، بالمعنى البيولوجي، يتمثَّل في الظاهرة le phénomène التي يتوفَّر عليها جسم الكائن الحي البشري والمتجلِّية في القدرة على تبادل المادة والطاقة مع وسط العيش. لكن العلماء البيولوجيين اختلفوا في تعريفها. فمنهم من يُفسِّر "الحياةَ البشرية" بالتَّعقيد البنيوي anatomique والوراثي génétique الذي يتميَّز به الكائن الحي البشري. وآخرون يعتقدون أن "الحياةَ البشرية" مرادفةٌ للتَّعقيدات الكيميائية la complexité des réactions chimiques التي تدور داخلَ الأجسام les organismes. والبعض الآخر فسَّر "الحياة البشرية" بوجود الحمض النووي Acide DésoxyriboNucléique ADN في الكروموزومات أو الصِّبغيات les chromosomes داخلَ نواة الخلايا. علماً أن الحمض النووي يحمل الجينات les gènes. والجينات هي المسئولة، وراثياً، عن كل ما يدور من ظواهر كيميائية chimiques، فيزيائية physiques، أَيْضِية métaboliques، حيوية vitales، وراثية héréditaires أو génétiques…لكن هذه الظواهر التي تتمُّ داخلَ الأجسام الحية البشرية، ليست إلا مظاهر للحياة des aspects de la vie أو des manifestations de la vie، لا تُفسِّر كُنهَ "الحياة" أو جوهرَها. وهذا يجرُّنا إلى طرح السؤال الفلسفي الذي هو : "ما هو كنهُ الحياة أو جوهرُها؟

وهذا السؤال مطروح منذ القدم. ولا أحدَ، سواءً الفلاسفة أو علماء البيولوجيا والكيمياء والكيمياء الحيوية biochimie والفيزياء وخبراء علم تطوُّر الجنس البشري le genre humain وعلماء البيولوجيا الجزيئية la biologie moléculaire…، تمكَّن من تفسير جوهر الحياة، وخصوصا، أن العلوم الدنيوية، بجميع تخصُّصاتها، تدرس ما تُبديه "الحياةُ البشرية" من مظاهر ظاهرة visibles à l'œil nu أو باطنة non visibles à l'œil nu.

وكل ما له علاقة بجوهر "الحياة"، فهو متروكٌ لعلم الغيب أو ما هو متعارفٌ عليه ب"علم ما وراءَ الطبيعة" la métaphysique الذي كلُّه تخمينُ وتفكير وتأمل.

والآن، سأحاول أن أُوضِّحَ ما أقصده بالتكريمات الإلهية. والتَّكريمات هي، نحوياً، جمعُ تكريم. والتَّكريم الإلهي هو عبارة عن مجموعة الصفات les qualités والخصائص les propriétés والهٍبات les dons التي وهبها الله، سبحانه وتعالى، للكائن الحي البشري ليتميَّزَ، بفضلها، عن جميع الكائنات الحية الأخرى. ولعلَّ أسمى وأرقى وأحسنَ هِبتين منحهما اللهُ، عزَّ وجلَّ، للكائن الحي البشري، هي العقل والنُّطق. والعقل هو الذي مكَّن ويُمكِّن الكائنَ الحي البشري من أن يكونَ واعِياً بوجوده وبوجود الأشياء، مادية أو معنوية، المُحيطة به في وسط عيشه. أما النُّطقُ، فهو القدرة على تحويل ما يدور في العقل من أفكارٍ إلى كلام منطوق يمكِّن الكائن الحي البشري من التواصل مع أنداده. فإذا كانا هذان التَّكريمان المُتمثِّلأن في العقل والنُّطق أساسيين وحيويين في حياة الكائن الحي البشري، فهناك تكريماتٌ أخرى، قليلا ما ننتبه لها.

وهنا، لا بد من التَّذكير أن الله، سبحانه وتعالى، خلق بني آدم وأمرهم أن يعمِّروا الأرضَ إعمارا يضمن استمرارَ الحياة بجميع أشكالها وتجلياتها. وهذا يعني أن الكائن الحي البشري، المأمور بإعمار الأرض، يجب أن يضمنَ استمرار حياته ليقوم بهذه المهمة. فكيف يضمن الكائن الحي البشري استمرارَ حياته ليقوم بمهمة التَّعمير؟ أو بعبارة أخرى، ما هي الوسائل les moyens أو الوظائف les fonctions التي تضمن استمرارَ الحياة في جسم الكائن الحي البشري؟

من حِكمة الله أن الوظائف التي تضمن استمرارَ الحياة داخل جسم الكائن الحي البشري، كلها لاإرادية involontaires. بمعنى أن هذه الوظائف تتمُّ داخل جسم الكائن الحي البشري باستقلالٍ تام عن إرادة هذا الكائن. بمعنى أن هذا الأخير، حينما يكون منهمكاً في إعمار الأرض، فإنه لا يفكر هل قلبُه مستمرٌّ في النبض، وهل رئتاه مستمرتان في التَّنفس، وهل معدتُه وأمعاءُه مستمرون في الهضم، وهل غددُه ses glandes مستمرة في إفراز الهرمونات les hormones و الانزيمات les enzymes، هل كِليتاه مستمرتان في تنقية الدم…؟

لا أبدا! كل اهتمام الكائن الحي البشري منصبٌّ على عمليات إعمار الأرض لأن كل الوظائف التي تضمن أستمرارَ الحياة عند الكائن الحي البشري تشتغل بكيفية تلقائية d'une manière spontanée أو بكيفية آلِية automatique، وباستقلالية autonomie تامة عن الجهاز العصبي المركزي الذي يتحكَّم في كل ما هو إرادي volontaire.

أكثر من هذا، إن حياة الكائن الحي البشري مُصانه ضد الأخطار التي قد تُهدِّدُ استمرارَها. من بين هذه الأخطار، أذكر، على سبيل المثال: الخوف أو الفرح المفاجئان، ارتفاع أو انخفاض درجة الحرارة، سقوط مفاجىء، أو كثافة الضوء، لمس الأشياء المُفرِطة السخونة… كل هذه الأخطار يقابلها ردود أفعال لاإرادية des réactions involontaires، الهدف منها هو استمرار الحياة بالمعنى البيولوجي وحِمايتُها. وهذا لا يعني أن حماية حياة الكائن الحي البشري تكون دائما لا إرادية. هناك كثيرا من الأخطار يمكن تجنُّبُها إراديا volontairement.

وهنا يظهر لنا، بجلاءٍ كبيرٍ، التَّكريمُ الذي خصَّ به، سبحانه وتعالى، بني آدم حيث ميَّزهم تمييزاً واضحاً عن جميع المخلوقات الحيَّة بالنفخ والتَّسوية والتفضيل. نفخ فيهم جزأً من روحه ليكونوا واعِين، عبر العقل، بوجودهم وبوجود كل ما يُحيط بهم من أشياء. وسواهم في أحسن صورة وفضَّلهم عن جميع المخلوقات الحيَّة الأخرى وعلى الملائكة.

قد يقول قائلٌ إن كثيرا من الحيوانات تستطيع، هي الأخرى، أن تتجنَّبَ الأخطار. أقول نعم وبكل تأكيد، تحمي استمرارَ حياتها، لكن دائما بكيفية غريزية d'une manière instinctive. لماذا؟

لأن الحياة، بصفة عامة، لها قيمةٌ عاليةٌ عند الله، سبحانه وتعالى. وهذه القيمة تتجلَّى في منحِه لجميع الكائنات الحية، بدون استثناء، بما فيها الإنسان العاقل Homo Sapiens، جميع الوسائل الفطرية أو الغريزية les moyens innés ou instinctifs التي تضمن لها البقاءَ على قيد الحياة qui garantissent la survie.

وهذه الوسائل هي التي تُحافظ ذاتياً autoconservation ou instinct de conservation على الحياة وتضمن استمرارَها. علماً أن كل نوع espèce من الكائنات الحية له وسائلٌ خاصة به يُقاوم بها كل ما قد يهدِّد بقاءِه sa survie.

والغريزة، بالنسبة للكائن الحي البشري، تتمثَّل في إظهار سلوكٍ معيَّن، إرادي أو لاإرادي، الهدف منه هو اجتناب خطر قد يُلحق أضراراً بجسم هذا الكائن أو قد يهدِّد حياتَه. ولهذا، قلتُ أعلاه أن العلمَ الحديثَ، وخصوصا، العلوم البيولوجية لم تستطع، إلى حد الآن، إيجادَ تعريف مُقنعٍ، une définition convaincante للحياة من الناحية البيولوجية. لماذا؟

لأنه، ما دام كُنْهُ أو جوهَرُ الحياة، بصفة عامة، والحياة البشرية، بصفة خاصة، يندرج في علم الغيب، لن يستطيعَ العلمُ الحديثُ أن يفكَّ لُغزَها، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" (الحجر، 29).

والقرآن الكريم يتحدَّث، في كثيرٍ من آياته، عن الروح. لكن هذه الآيات، لم تحدِّد ما هو جوهر أو كُنْهُ هذه الروح. وهذا دليلٌ قاطع على أن جوهرُها أو كُنْهُها يبقى مندرجاً في علم الغيب. والله، سبحانه وتعالى، لا يعجزه أي شيء.

وحتى لما سأل اليهودُ، الرسولَ (ص) عن ماهية الروح، وهم يعرفون أنها من علم الغيب، أوحى له، سبحانه وتعالى، بهذه الآية الكريمة: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" (الإسراء، 85).

في هذه الآية الكريمة، واضحٌ كلَّ الوضوح، أن الروحَ أمرٌ اختص به الرحمان، جلَّت قدرتُه، أي هي من علمِ الغيب. وما يُؤكِّد أنها من علم الغيب، قال، سبحانه وتعالى :"...وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى