مقتطف محمد الدويمي - من رواية "مينورْ شَرْبونْ"

استلقيت على فراشي أتصفح مشاهد وصور عدة التقطتها مخيلتي في المنجم. بدت لي أسماء العمال والأماكن الباطنية والآلات المنجمية مثل متاهة لا حصر لها... أيقنت بأن الأيام المقبلة كفيلة بفك شفيرة كل هذه المكونات...
انتظرت أول "كانْزينَة" على أحر من الجمر. كنت أعد الأيام التي تفصلني عنها.. عشرة أيام... تسعة... ثمانية...
إن الأيام تتمدد أكثر.. تعاكسنا حين نريد منها أن تمر بسرعة فتسير بطيئة مثل سيارة قديمة مهترئة.
ثلاثة أيام... يومان...يوم واحد.
كان الجو باردا ذاك الصباح، ورغم الضباب الذي غطى وجه القرية، فإنها استيقظت مرحة وهي تتأهب لخلع قناع الألوان الشاحبة وتستقبل هذا اليوم استقبالا يليق به.
ليوم "الكانْزينَة" نكهة خاصة.. لم يكن كسائر الأيام.. تكثر فيه الحركة والزحام في الحافلات العمومية وعند مختلف نقط التبضع، كما أنه يصبغ مسحة فرح وبسمة على وجوه عائلات العمال خاصة لدى الأطفال، كما يترك انطباعا جميلا في نفوس الكبار أيضا.
تناولت فطوري بخفة وسرور كبير يخالجني. أخذت "الكارْطا دْيالْ لْخَدْمَة" والتحقت ب"ليزايي" بحاسي بلال حيث مكتب صرف أجور عمال الآبار التابعة لهذه القرية. ألفيت طابورا طويلا من العمال ينتظرون دورهم لاستلام رواتبهم نصف الشهرية. انتظرنا مدة طويلة...
صاح أحد العمال بعصبية مبديا سخطه وهو يومئ ببصره الذابل إلى الصف الطويل:
ـ يعاملوننا وكأننا نستجدي الصدقات، أو كأننا خدما في بيوتهم أو في ضيعاتهم... يعطوننا ما فضُل من فتات موائدهم... حتى الخدم في بعض الأسر الكريمة يتقاسمون أكلهم مع مشغليهم .يُسلَّم لنا الفتات من عائدات ما استخرجته أيدينا.. أما هم فيتسلمون رواتبهم الشهرية بمكاتبهم المكيفة مخبأة في ظروف بريدية مغلقة، أو تحول إلى حسابهم البنكي.

من رواية"مينورْ شَرْبونْ"، مع خالص تحيات محمد الدويمي

1740471499143.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى