ياسر أنور - من أسرار الحروف المقطعة في القرآن

تحدثنا في أكثر من منشور عن الخلاف بين المفسرين حول معنى تلك الحروف، وقلنا إن اجتهادهم قد يكون مقبولا في عصرهم، لكن مع تنامي ظاهرة الإلحاد والتشكيك ، أصبح من السهل إلقاء شبهات واهية وسطحية ،لكنها قد تخدع كثيرا ممن لا يملكون بعضا من المناعة الثقافية والإيمانية. وقد بلغت جرأة هؤلاء المشككين للدرجة التي تجعلهم يسخرون من فواتح السور، وخاصة كهيعص، ويقلدونها فيقولون مثلا جسع، أو م ن و، وغير ذلك.
وقد قلنا من قبل إن أهم أسرار الحروف المقطعة هي إثبات فكرة الوحي اللفظي للقرآن، فالقرآن أوحي حرفا ولفظا، فهو ليس وحيا بالمعنى، كما أن هذه الحروف تثبت كذلك فكرة تواتر القرآن و تناقله دون تدخل بشري، فمثلا حم، تنطق كما هي على الرغم من غياب النقط، فلا تنطق خم، أو جم، وكذلك الحال في طس. فلا تنطق ظش، ولا صش، فهذه الحروف علامة وحي الكتاب، ولذلك تتبع غالبا بقوله تعالى :تلك آيات الكتاب، لكن هناك سرا آخر لا يقل أهمية، وهي فكرة التحدي ، فالحروف الافتتاحية هي إلزام من قائل القرآن بأن يستعمل كلمات في السورة تحوي تلك الحروف الافتتاحية ، فمثلا سورة نون، نجد كلمات مثل : انت، نعمة مجنون ، ممنون ،وكذلك سورة ق، نجد كلمات مثل : القرآن، فقال، تنقص، الحق، فوقهم ،و ألقينا، باسقات، وهكذا في بقية السور التي تبدا بحروف مقطعة، ونجد أن كل كلمة من هذه الكلمات التي تحوي الحروف المقطعة جاءت في مكانها بدقة متناهية دون إقحام أو تكلف، وهو أمر لا بستطيعه البشر.
ولكي تتضح الصورة أكثر ، فلنفترض أن شاعرا ما ألزم نفسه بحروف مثل عين را قاف
هيا لنرى ماذا يمكن أن يقول:
عيني وقلبي في هواك أقاما
رفقا بصب في الصبابة هاما
فلتقربي مني قليلا إنني
ما عدت أقدر أن أقول كلاما
فأنا أعاني منذ عينك صوبت
سهما لقلبي فاشتعلت ضراما

وهكذا نجد الأمر في غاية الصعوبة ، ونجد الأبيات مفككة دون معنى متماسك

إن الحروف المقطعة في بداية بعض السور، هي التحدي الأكبر لأمة البلاغة والفصاحة، و فيه استخفاف بالخصم و (استعراض إعجازي) إن صح التعبير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى