سعيد غيدَّى - (12 سؤالاً إلى القاص والشاعر والطبيب النفساني عبدالقادر وساط (أبو سلمى)...

عبد القادر وساط: لا أشاهد الأفلام الروائية ولا أطيق أن تصير للشخصيات وجوه ممثلين معروفين (12 سؤالاً | ح14)


12 سؤالا، فقرة ثقافية نعرضها يوميا خلال شهر رمضان، على موقع القناة الثانية، حيث تتيح لكم فرصة التعرف عن قرب، على مبدعين وكتاب وقراء، عبر نقل آرائهم وانطباعاتهم حول مجموعة من الكتب والمؤلفات.

ضيف الحلقة الرابعة عشر، القاص والشاعر والطبيب النفساني عبد القادر وساط (أبو سلمى)

1742260132813.png

- ما هو آخر كتاب قرأتَه وشعرتَ بعظمته؟

هو كتاب "من كل الآفاق" للمغربي إدريس الشرايبي. إنه ليس آخر كتاب قرأتُه، ولكنه آخر كتاب أعَدتُ قراءتَه. ذلك أني أعود إليه باستمرار، منذ أن اكتشفتُه أولَ مرة، قَبْل ثلاثين سنة أو أكثر. يتعلق الأمر بالمجموعة القصصية الوحيدة لإدريس الشرايبي، حسب علمي. وقد كان عنوان هذه المجموعة، في طبعتها الأولى، هو "أصوات أخرى"، لكنّ المؤلف اختار لها عنوان "من كل الآفاق" في الطبعات اللاحقة.

تتكون المجموعة من ستّ قصص متفاوتة الطول، ولكنها جميعها غاية في الإبداع، وفيها تتجلى الموهبة الكبيرة لهذا الكاتب المغربي الرائد، الذي طوّف بالآفاق كلها وقضى حياتَه متنقّلاً من بلد لآخر، لكنه ظَلّ يحمل معه بلدَه، المغرب، ومسقطَ رأسه- مدينة الجديدة- حيثما حل وارتحل.

في قصة "شرق الأزمنة الماضية" تَحضر مدينة الجديدة ويَحضر شاطئها بشكل رائع، ونكاد نسمع هبوبَ الريح في ذلك الشاطئ (في تلك الظهيرة التي كان لها عزيف الريح ورائحة البحر، ولعلنا كنا نحلم أكثر مما كنا نحيا، بل لعلنا لم نكن موجودين أصلاً، وها نحن اليوم، بعد انصرام حياة بكاملها، لا نزال نلتقي تارةً في منزل هذا وتارةً في منزل ذاك...لنبتكر ذريعةً لوجودنا، لنحصي الربح والخسارة، بعد أن تحولنا إلى كائنات محنّطة، منقذفة نحو شيخوخة لا ريب فيها)

لن أتحدث هنا بالتفصيل عن هذه المجموعة، حتى لا أفسد على القراء متعة قراءتها، بل سأكتفي بالإشارة إلى هذه العبارة المدهشة التي يفتتح بها إدريس الشرايبي قصةَ "الحيوانات الأليفة":

"إنّ لكمةً يتلقّاها المرءُ، في لحظة ما، قد تُغير حياتَه إلى الأبد."

- هل يمكن لكتاب عظيم أن يكون مكتوباً بشكل سيئ؟

يقول بعض المختصين إنّ الكاتب الروسي العظيم دوستويفسكي كان يكتب بشكل سيئ، فهو لم يكن يهتمّ بتركيب الجُمل ولم يكن يأبه بتكرار الكلمات. هذا ما يؤكده، مثلاً، المترجم المختص أندري ماركوفيتش. وماركوفيتش هذا فرنسي من أصول روسية وبولونية، قضى طفولته في مدينة لينينغراد، ثم استقر بعد ذلك في فرنسا. وقد قرر إعادةَ ترجمة الأعمال الكاملة لدوستويفسكي إلى الفرنسية، لأن الترجمات السابقة لم تكن موفقة في نظره. لماذا؟ لأن لغتها أنيقة وسليمة وفصيحة، بينما كان دوستويفسكي يكتب أعماله، وهو في حالة من الزخم الجنوني، دون إيلاء أي اهتمام لجمال الأسلوب أو لمسألة السلامة اللغوية. ثم إنه كان يكتب بسرعة شديدة، في غالب الأحيان، لأنه كان في حاجة دائمة إلى المال، بسبب الديون.

أنا لم أقرأ ترجمات أندري ماركوفيتش للأسف، بل قرأتُ الترجمات الفرنسية التي سبقَتها، والتي قد يلمس فيها القارئ شيئاً مما ذكره ماركوفيتش، رغم الجهد الذي بذله أولئك المترجمون الأوائل "لتجميل" أسلوب دوستويفسكي!

كما أني لم أقرأ الترجمات العربية لأعمال هذا الروائي الروسي العظيم، وليست لديّ أية فكرة عن الأسلوب الذي صيغت به هذه الترجمات.

- ما هو كتابك المفضل، الذي لم يسمع به أحد غيرك؟

لطالما تمنيتُ أنْ أزورَ مكتبة سحريةً، غير محدودة، أعثرُ فيها على موسوعة ضخمة، تتكون من عدد لانهائي من المجلدات. هذه الموسوعة، كما أتخيّلها، تضمّ أحلامَ الناس البسطاء، منذ القرون الأولى. تلك الأحلام التي كانوا يرونها في منامهم، ثم يستيقظون بعد ذلك وينسونها وينصرفون إلى حياتهم اليومية. ثم تمضي السنوات ويرحلون عن هذه الدنيا، كما سنرحل جميعاً، ويتوقفون عن الحلم، لأن الموتى لا يحلمون. بَيْدَ أنّ الأحلام الكثيرة التي رأوها في منامهم وهم أحياء، ستبقى خالدةً في هذه الموسوعة الضخمة.

يُخيل إلي الآن، وأنا أكتب هذا الجواب، أنّ الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس قد تحدث ربما عن موسوعة كهذه، أو لعله شخص آخر غير بورخيس، لا أدري، لكن الفكرة تبدو جديرة بالاهتمام. فأيّ عنوان يا تُرى، يليق بهذه الموسوعة اللانهائية؟

- من هم الروائيون الذين تعجبك حواراتهم؟

هم كثيرون في الحقيقة، وعلى رأسهم نجيب محفوظ، ببساطته في الحديث، بتواضعه، بذكائه الكبير وبسعة صدره الأسطورية.

أتابع بإعجاب كبير أيضاً حوارات أدونيس، سواء أكانت مكتوبة أم مرئية.

أحب أيضاً تلك الكتب التي هي عبارة عن حوارات طويلة مع مبدعين كبار، ومنها، على سبيل المثال، كتاب "الملك يأتي حين يشاء" لبيير ميشون Pierre Michon، وكتاب "سيكون الليل هادئاً" لرومان گاري Romain Gary، وكتاب "لقد أقسَمْتُ" للفرنسي فريديريك دار Frédéric Dard، الشهير باسم سان أنطونيو.

أحب أيضاً حوارات أحمد بوزفور، التي ينعكس فيها ذكاؤه الكبير وموسوعيته المدهشة، علاوة على روح المرح والفكاهة، التي لا تتخلى عنه ولا يتخلى عنها.

كما أني من المعجَبين بالحوارات التلفزيونية للكاتب المصري، الحَكّاء العظيم سعيد الكفراوي.

وهناك أسماء أخرى كثيرة بطبيعة الحال، لكنها لا تحضرني الآن.

- ما هي الرواية التي تودّ لو تحولَت إلى فيلم، ولماذا؟

معظم الروايات التي أحببتُها تحولَت إلى أفلام سينمائية أو تلفزيونية، لكني لا أشاهد أبداً تلك الأفلام المستمَدّة من رواياتي المفضلة. أحب أن تحتفظ ذاكرتي بأشخاص الروايات كما أتخيلهم، ولا أطيق أن تصير لهم وجوه ممثلين معروفين، أو حتى غير معروفين. ثم إن الأفلام المستمَدة من هذه الروايات تُغير الأحداثَ وتضيف لها الكثير مما لم يكتبه المؤلف، وهذا سبب آخر من الأسباب التي تجعلني أعرض عن رؤية الأفلام المذكورة.

ثمة أمثلة كثيرة يمكن إيرادها في هذا السياق، فأنا، مثلاً، لم أرَ الفيلم المقتبس من رواية "بيدرو بارامو" ولا ذلك المأخوذ من رواية "مائة عام من العزلة." وقبل فترة، اقترح علي أحد الأصدقاء مشاهدة الفيلم المستمَدّ من الرواية الرائعة "بلد صغير" للكاتب والملحن ومغني الراب المعروف غاييل فاي Gaël Faye، لكني لم أفعل، للأسباب التي أشرتُ إليها أعلاه.

تتحدث رواية "بلد صغير" عن الحرب الأهلية بين التوتسي والهوتو، وعن انعكاساتها المؤلمة على الطفل غابرييل، الذي يعيش في بوروندي. ورغم أنها الرواية الأولى لهذا الكاتب الفرنسي، ذي الأصول الرواندية، فإنها مكتوبة بطريقة مدهشة، لا يمكن في اعتقادي أن نلمسها في الفيلم، مهما كانت براعة المخرج وكيفما كان أداء الممثلين.

في مطلع هذه الرواية، يسأل الطفلُ الصغير أباه:

-هل الحرب القائمة بين التوتسي والهوتو هي بسبب الحدود؟

-كلا، يجيب الأب، إنهم ينتمون للبلد نفسه.

-فهل سبب الحرب، إذن، هو اختلاف اللغة؟

-أبداً، يجيب الأب، فالهوتو والتوتسي يتكلمون اللغةَ نفسَها.

-فهل يقتتلون، يا تُرى، لأنهم لا يعبدون نفس الإله؟

-ليس هذا صحيحاً، فهم يعبدون إلهاً واحداً.

-فلماذا يتحاربون إذن؟ يسأل الطفل.

-إنهم يتحاربون، لأن أنوف التوتسي مختلفة في شكلها عن أنوف الهوتو!

حين أقرأ حواراً مثل هذا، فأنا أتخيله في كل مرة بشكل مختلف، وأتصور الأب، عند كل قراءة، مختلفاً عما كان عليه خلال القراءة السابقة، وكذلك الشأن بالنسبة للطفل، لذلك أفضل عدم رؤية الفيلم، الذي سيفرض عليّ مظهراً معيناً وثابتاً لكل من الأب والابن.

- تحدث لنا عن كتاب قرأتَه وجعلك تضحك

هو كتاب "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" للفلسطيني إميل حبيبي. إنها رواية مليئة بالسخرية السوداء، وبطلها الفلسطيني لا يَعرف هل هو في الحقيقة متشائم أم متفائل، ولذلك يُسمى بالمتشائل، وهذه لفظة لا توجد في المعاجم وإنما نحَتَها إميل حبيبي. تبدأ هذه الرواية برسالة من سعيد أبي النحس، يزعم فيها أنه التقى بمخلوقات من الفضاء السحيق: (أما بعد، فقد اختفيتُ ولكني لم أمت. ما قُتلتُ على حدود، كما توهّمَ ناسٌ منكم، وما انضممتُ إلى فدائيين، كما تَوجّسَ عارفُو فضلي، ولا أنا أتعفَّنُ منسياً في زنزانة...)

إن السخرية، في هذه الرواية، سوداء سوداء، ولكنها مضحكة إلى حد بعيد.

- تحدث لنا عن كتاب قرأتَه وأصابك بالحزن أو جعلك تبكي.

كان هذا يحدث لي بكيفية متكررة في سنوات الطفولة والمراهقة. ومن بين الكتب التي جعلَتني أبكي، في تلك الفترة البعيدة، هناك "سيرة الأميرة ذات الهمة وولدها عبد الوهاب" لقد قرأته وأنا في العاشرة أو الحادية عشرة من العمر. وأذكر جيدا كم بكيت حين مات البطل الصحصاح بطريقة مأساوية، إذ افترسه نمر في غابة. هذا ما احتفظَت به ذاكرتي، وأرجو ألا تكون قد اختلطَت علي الأمور مع كتاب آخر أو مع سيرة أخرى، فالذاكرة خائنة بطبيعتها، وهي تزداد خيانةً مع مرور الزمن

- ما هو آخر كتاب أغضبك؟

هو مزيج من الغضب وخيبة الظن في آن. ذلك ما يحس به عاشق الكتب، حين يشتري كتاباً، ويعود للبيت مسروراً، ثم يكتشف أن دار النشر التي أصدرَته غيرُ جدية إطلاقاً، وأن الكتاب مليء بالأخطاء التي تُنَفّره من قراءته. يَحدث لي هذا كثيراً، خاصة فيما يتعلق بالكتب المترجمة إلى العربية، حين أكتشف أن المترجم لا يلمّ باللغة التي تَرجم منها ولا باللغة التي تَرجمَ إليها، ويصير واضحاً عندئذ أنّ دار النشر، التي أصدرت الكتاب، ليست لها لجنة قراءة لمراجعة الكتب قبل نشرها، وهذه مشكلة حقيقية. وآخرُ ما حدث لي، في هذا السياق، هو أنني اشتريت الترجمة العربية لرواية فرنسية معروفة، فوجدت فيها هذه العبارة: "لقد خرج الوليد إلى الدنيا بعد ثلاثة أيام كاملة من العمل." ومن الواضح أن المترجم قد اختلط عليه الأمر. فإذا كانت الكلمة الفرنسية travail تعني العمل، فهي تعني المخاض كذلك، والمعنى المقصود في العبارة المشار إليها هو أنّ الوليد قد خرج إلى الدنيا بعد ثلاثة أيام من المخاض، وليس بعد ثلاثة أيام من العمل. ومثل هذا كثير.

- هل سبق لكتاب أن قرّبك من شخص أو تسبب في تباعد بينكما؟

قد يَحدث أنْ يستعير منك بعضُهم كتاباً ما، ثم لا يعيده إليك أبداً. هذا أمر يخلق لدي استياءً عميقاً في حقيقة الأمر. ويتعاظم هذا الشعور بالاستياء إذا تعلق الأمر بطبعة نادرة لم تعد موجودة في السوق. أتذكر بالمناسبة تلك الحكاية المنسوبة لونستون تشرشل، وما أكثر الحكايات المنسوبة لونستون تشرشل! فقد زعموا أنّ صديقاً لهذا الزعيم الإنجليزي استعار منه جزءاً من موسوعة ثقافية ولم يُعده له بعد ذلك. فلما يئس تشرشل من استرجاع ذلك الجزء، بعث الأجزاء التسعة الباقية إلى صديقه، ومعها عبارة: "حتى لا تبقى موسوعتك الجميلة ناقصة. مع احترامي."

- هل هناك نهايات لروايات قرأتها وتمنيت لو عدلتها أو غيرتها؟

نعم، حدث لي ذلك كثيراً في فترة الشباب. من بين هذه الروايات، أتذكر الآن رواية "آنّا كارينين" للكاتب الروسي تولستوي، والتي تبدأ بهذه العبارة الشهيرة: "إنّ العائلات السعيدة تتشابه كُلُّها في سعادتها، أما العائلات التعيسة، فلِكُلِّ واحدة منها طريقتها الخاصة في التعاسة."

لكنّ نهاية هذه الرواية كانت صادمة، بالنسبة إلي، لأنّ البطلة آنّا كارينين وضعَت حدّاً لحياتها، بالارتماء تحت عجلات القطار. صحيح أن هذه المرأة هجرت زوجها الضابط الطيب الوفي، وهجرت طفلها الصغير، كي تهرب مع عشيقها، بيد أني كنت أتوقع لها مع ذلك نهايةً أقلّ مأساوية. وحتى مدير المجلة- التي كانت تنشر هذه الرواية في حلقات- لم يقبل بهذه النهاية التي اختارها المؤلف لبطلته، وكان ذلك سبب خلاف شديد بينه وبين تولستوي.

هناك رواية أخرى شهيرة، قرأتُها في مطلع شبابي، وأصابتني نهايتُها بالذهول والحزن. إنها رواية "مدام بوفاري"، للفرنسي غوستاف فلوبير. فالسيدة إيمّا بوفاري تعيش مع زوجها الطبيب في إحدى القرى، ولكنها غير راضية إطلاقاً عن حياتها في تلك القرية الكئيبة مع ذلك الزوج الفاتر، ولهذا تهرب إلى عالم الأوهام، وتحلم بالثروة وتحلم بالحب وتقيم علاقات خارج الزواج وتستدين وتَغرق في الديون، ممّا يؤدي إلى الحجز على ممتلكات زوجها، وفي النهاية تنتحر بسُمّ الزرنيخ. لقد لازمني الحزن أياماً وأياماً، بعد قراءتي لهذه النهاية التعيسة، وأنا في العشرين من العمر، وكم تمنيتُ يومئذ ألا تموت مدام بوفاري منتحرة بذلك السم القاتل.

من بين الروايات الأخرى التي تمنيتُ لو كانت نهايتها مختلفة، هناك زقاق المدق لنجيب محفوظ. لقد أحزنني كثيراً مقتلُ الحلاق عباس الحلو، على يد الجنود الإنجليز. كنت في السادسة عشرة من العمر حين قرأت زقاق المدق، وكانت النهاية المأساوية للحلاق الطيب صادمةً بالنسبة إلي، ولكنّ لكل شيء نهاية، على أية حال، وهو ما يذكّرني بتلك العبارة الخالدة التي نطقَ بها الشيخ درويش في السطور الأخيرة من زقاق المدق: "يا ستّ السّتّات، يا قاضية الحاجات، الرحمة، الرحمة يا آل البيت، والله لأصبرَنَّ ما حَييت، أليس لكل شيء نهاية؟ بلى لكل شيء نهاية، ومعناه بالإنجليزي end وتهجيتها e n d."

ثمة بالطبع روايات أخرى عديدة، كان يمكن الحديث عنها في هذا السياق، لولا ضيق المجال. وعلى أية حال، فقد تغيرت الأمور اليوم، ولم يعد يستبد بي الحزن في الوقت الحالي، حين أقرأ نهايات من هذا الصنف. لقد صار لسان حالي، فيما يتصل بأبطال الروايات، هو هذا البيت الشهير لأبي العلاء المعري:

وطال اعترافي بالزمان وصرفه // فلست أبالي مَنْ تَغُول الغوائلُ

- هل أنت مع أن يضع كاتب آخر تقديماً للرواية؟ ولماذا؟

بكل صدق، لا أرتاح لذلك. الرواية ينبغي أن تقدم نفسها بنفسها للقارئ، مع بعض الاستثناءات طبعا، فيما يتعلق بالروايات المستغلقة، التي يصعب الدخول إلى عوالمها دون مقدمة مستفيضة، مثل رواية يوليسس لجيمس جويس أو الصخب والعنف لويليام فولكنر.

- إذا نظمتَ حفلة عشاء أدبية، من هم الكتّاب الثلاثة -أحياء أم أموات- الذين ستدعوهم إليها؟ ولماذا؟

ثلاثة كتّاب فقط؟ لمَ لا نجعل الدعوة مفتوحة لعدد أكبر؟ طيب، مادام الأمر محصوراً في ثلاثة ضيوف، فسوف أدعو إلى حفلتي هذه كلّاً من: أحمد بوزفور والطيب صالح وخوان رولفو.

أحمد بوزفور لأنه كاتب أصيل متفرد، متجدد، خبير بتلك الكيمياء المدهشة التي تُحول الحياة إلى فن. وقد سألتُه مرة عن السبب الذي جعله يجيء في قصصه بالجديد وغير المألوف، مع أنه تتلمذَ على كبار الكتّاب الكلاسيكيين، فأجابني بروحه الفكاهية المعهودة:"أليس الفقهاء ينجبون الزنادقة؟"

أما الطيب صالح فلأني كبرتُ مع روائعه، أقرأها وأعيد قراءتها منذ كنت في العشرين من العمر. شدتني "موسم الهجرة إلى الشمال" بشكل لا يوصف، ليس بأحداثها فقط وإنما بلُغَتها أيضاً، بأسلوبها العذب، الذي لا يضاهى، بفنيتها العالية، ثم اكتشفت لاحقاً أن أعماله الأخرى لا تقلّ روعة عن موسم الهجرة، خصوصاً "ضوّ البيت" ، ذات النكهة العجائبية الفريدة، ثم "مريود" بشاعريتها الرفيعة الحالمة، ولكن رواية "موسم الهجرة" غطت بشهرتها على باقي الأعمال وحجبتها للأسف، وهذا أمر طالما اشتكى منه الطيب صالح نفسه.

وأما المكسيكي خوان رولفو، فسوف تكون دعوتي له اعترافاً بأياديه البيضاء علي. لقد قضيت أوقاتاً رائعة حقاً في قراءة روايته العظيمة- والوحيدة- "بيدرو بارامو"، وهي تحفة أدبية خالدة، أعود إليها باستمرار، وأذكر من بين مشاهدها المؤثرة، مشهد الحصان الذي "جُنّ" بمعنى من المعاني، بعد أن سقط صاحبه من ظهره سقطة قاتلة، فصار يقضي لياليه في العدْو الجنوني، عبر أزقة القرية. تلك القرية الغريبة، التي يتعايش فيها الأحياء والموتى.

وقد ترك خوان رولفو كذلك مجموعة قصصية مدهشة بعنوان "السهل المحترق" ولم ينشر شيئاً باستثناء هذين العملين الأدبيين، وهذا دليل على أن المهم ليس هو عدد الكتب التي يؤلفها الأديب.

هؤلاء إذن ضيوفي الثلاثة، لكني كنت أتمنى أن يتسع الحفل للمزيد، حتى يَحضرَه كتّاب آخرون أحبّهم، مثل نجيب محفوظ وإدريس الشرايبي وكاتب ياسين وسعيد الكفراوي وإبراهيم أصلان وكثيرون غيرهم، ممّن يضيق المجال عن ذكرهم.



عبد القادر وساط في سطور:
حصل على شهادة الباكالوريا في يونيو 1975 ، قُبل في كلية الطب، بالدار البيضاء سنة 1975.

بالموازاة مع دراسة الطب، عمل على تكوين نفسه في اللغة والأدب، فاطلع على أمهات الكتب (الكامل للمبرد، الأغاني للأصبهاني، الأمالي لأبي علي القالي..) وكذلك على الشعر الحديث والرواية والقصة القصيرة، باللغتين العربية والفرنسية. نشر محاولاته الشعرية الأولى بجريدة المحرر ثم بعدها في جريدة الاتحاد الاشتراكي.

اهتم أيضا بكتابة القصة وبالترجمة، ونشر قصصا عديدة وترجمات في مجالي الشعر والقصة، في جرائد ومجلات مغربية ومشرقية. نال شهادة الدكتوراه في الطب العام، سنة 1984، والتحق بعدها بأقاليمنا الجنوبية في إطار الخدمة العسكرية. -بعد الخدمة، عاد لاستئناف دراسته الجامعية للتخصص في الأمراض النفسية والعقلية، وأشرف بعد ذلك، طيلة ثلاثة عقود، على تسيير مؤسسة الأمراض العقلية بالمحمدية. -صدرت له مجموعة شعرية )طبول من حجر) عن منشورات بيت الشعر، وله مجموعتان قيد النشر.

صدرت له عن دار أثر ثلاث مجموعات قصصية:

"النمر العاشب"، "عيون واسعة"، "مستشفى مارثا".

صدر له كتاب حواري مع القاص الأستاذ أحمد بوزفور حول القصة والفن والحياة، بعنوان "الخيول لا تموت تحت السقف"

اشتغل في الوقت نفسه في الصحافة، فأشرف على صفحة طبية أسبوعية في جريدة الاتحاد الاشتراكي، إضافة إلى أنشطة صحافية ثقافية.

أصدر موسوعة طبية بالعربية من ثمانية مجلدات، كما أشرف على إصدار موسوعة المعارف الحديثة في عشرين مجلدا، وموسوعة الصفوة للناشئة في ثمانية مجلدات. -وهو اليوم متفرغ للكتابة والعمل الثقافي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى