بسمة الصباح - النهر الابدي... رؤية نقدية حول قصيدة (النهر الخالد) للشاعر كاظم حسن سعيد

(( هذا النصّ البديع لا يمرّ القارئ به كما يمرّ بالسطور العابرة، بل هو طواف في تاريخ موجع، وتجلٍّ للمأساة المتكررة، وحكمة أبدية تنساب بين ثنايا الكلمات كما ينساب النهر الذي أراد له الشاعر أن يكون شاهداً لا ينسى، وقاضياً لا يهادن، وسِفْراً مفتوحاً تملأه الذكريات والصور.

الشاعر هنا ليس راوياً، بل هو مؤبِّن عظيم، يكتب قصيدة رثاء لا لنهرٍ فقط، بل لحضارةٍ سُلبت، ومدينةٍ انكمشت أطرافها تحت وطأة التغيّر القاسي، ولأرواحٍ هامت في رحاب الماضي، فوجدت الحاضر جثةً هامدة.

يبدأ النص بحركة دائمة: "يجري .. يجري"، كأنما يلحّ الشاعر على ديمومة الزمن الذي لا يكترث، أو النهر الذي يظلّ شاهداً على كل ما جرى ويجري.
لكنه ليس جريان الماء وحده، بل جريان التاريخ، وجريان الذكريات، والأشياء التي تترك أثرها، ثم تُطمس تحت سطوة الحداثة المبتورة.

النهر في النص ليس مجرد نهر، بل هو كائن حيّ، حافظٌ للأسرار، يختزن في جوفه أشياء لا تُنسى:
رسائل العشّاق، ودراجات الطفولة، وحبات المشمش، وبنود الخصوص، وحتى الأسماك التي لم تنجُ من تلوّثه. وكأنه أراد أن يكون مقبرة حيّة، يطفو فيها الماضي، بينما الحاضر يمضي غير عابئ بما تحته.

لكن الشاعر لا يرثي النهر فقط، بل يرثي المدن والأمكنة، والأحياء الذين غابوا، وأولئك الذين اعتقدوا أن لهم مكانًا في مجرى الحياة، فلم يكن لهم إلا الحزن والفقدان.

يتلاعب الشاعر ببراعة في نصه بصور مركّبة تنزاح عن المألوف، فالنهر عنده ليس مجرد ماء، بل أرشيف يحمل سجلات غير مكتوبة، وأثر لم يندثر رغم تغيّر المعالم.
نقرأ في النص صوراً تجمع بين الطبيعة والتاريخ والإنسان:
"توضأ في مياهك الفراهيدي" ، صورة تجعل النهر مقامًا مقدّسًا اغتسل فيه العالِم الكبير، ليكون ماءه طهورًا للمعرفة.

"فيك تدوي خفية خطبة الحجاج" ، وكأن النهر لم ينسَ أصداء الطغاة، وصوتهم العابر للتاريخ.

"بساطيل الجنود الهنود حين غزاك الإنكليز" ، صورة تجعل النهر ساحة معركة لا تزال محتفظة ببقايا من سقطوا فيها.

هذه الصور كلها ليست وصفاً مجرداً، بل هي فلسفة ترى أن المكان هو ذاكرة، وأن الماضي لا يختفي بل يتوغل في الحاضر بأشكال مختلفة.

ورغم طول النص، لكنه ليس مترهلاً، بل هو جريان كما أراده الشاعر: لا يتوقف، ولا يسمح للقارئ بالتقاط أنفاسه، بل يتركه غارقًا في تداعياته، وكأنه نفسه ينساب مع النهر، يلمس الأشياء الغارقة، يسمع صراخ الأب المفجوع، ويرى أصداء الحروب، ويحس بطعم الملح الذي بدأ يأكل النهر ببطء.

اعتمد الشاعر على تراكم الصور والأحداث بطريقة توحي بالتاريخ المتواصل، فيجد القارئ نفسه في دوامة:
الماضي يمتزج بالحاضر، والحروب تتداخل مع الحب، والطفولة تمتزج بالموت، فكل شيء حاضر، وكل شيء يتداعى في آنٍ واحد.

النهر في هذا النص ليس فقط استعارة عن الزمن، بل هو استعارة عن الحقيقة نفسها، تلك التي لا يمكن محوها مهما تغيرت المظاهر.

هناك إحساس دفين بالعبث، وبالحتمية، والعجز عن إيقاف التحولات التي يفرضها الزمن أو السلطة أو الخراب الذي تتركه الحروب.

لكن رغم كل هذا، النص ليس مجرد نحيب، بل هو احتجاج وغضب مكتوم، وهو شهادة أخيرة قبل أن يُعلن الشاعر الحداد على ما تبقى.

كاظم حسن سعيد شاعر يكتب بحبر التاريخ وألم المدن، نصّه ليس مجرد كلمات، بل هو وثيقة إنسانية تجتمع فيها الفلسفة مع الشعر والسرد ،ومع النقد الاجتماعي والسياسي.
إنه شاعر لا يقف على الضفاف، بل يغوص في عمق الأحداث، ولا يكتفي بالرؤية، بل يعيد تشكيل العالم بلغته.

إنه شاعر يكتب ليس لمتعة الأدب، بل لحقيقته ،التي تجعل القارئ يشعر أنه أمام شيء لا يُمحى، بل يُنقش في الذاكرة كما يُنقش الحجر.)).

برؤية بسمة الصباح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى