قصيدة *أبو مسلم الخرساني الزهروي للأديب كاظم حسن سعيد برؤية بسمة الصباح

تدور فكرة النص حول استحضار صورة جماعة مقاتلة، تسير على خيط رفيع بين الأسطورة والواقع، وبين العقيدة والجوع، والحرب والإيمان.

ينسج الكاتب لوحة شعرية تصور رجالًا حفاة، وملثمين، مسلحين بأدواتهم البدائية، يواجهون قوة عسكرية جبارة (البوارج)، في مشهد يتكرر عبر التاريخ، حيث تصطدم العقيدة بالإمبراطورية، والجوع بالإرادة، والهامش بالمركز.

يتجلى البعد الحربي الأسطوري في النص، حيث تتشكل صورة جيش قادم من العدم، والأنفاق، والجذوع، والظلال، وكأنه جيش شبحي متجدد، لا يهلك بل يتكاثر مع كل ضربة.
هذا التناسل الدائم للقوة رغم القهر يعكس فكرة ديمومة المقاومة حتى وإن كانت عبثية أو محكومة بالفشل.

وهؤلاء المقاتلين كأنهم عالقون في الماضي، لم يعبروا "القرون الوسطى"، ويعيدون مشاهد "حرب البسوس"، متمسكين بأوهامهم كما يمضغون العقائد، في إشارة إلى صراع بين فكر قديم يرفض الانقراض وعالم حديث يسحقه بلا رحمة.

يعكس النص رؤية مأساوية لرجال يعيشون في فقر مدقع، ويملكون عقائد قوية لكنها لا تُطعمهم، وأمامهم قوة عاتية لا يملكون حيالها سوى أسلحة بدائية وإيمان غامض.
وحتى حين يوصفون بأنهم "زوهريون"، أي ذوو قدرة على جذب الكنوز، فإنهم في النهاية "جياع في انتظار جحيم القاذفات".

المفارقة الكبرى هي أنهم يملكون ما يُفترض أنه قوة، لكن هذه القوة لا تغير واقعهم، بل تتركهم فريسة للموت القادم من السماء.

يتأرجح النص بين التمجيد والسخرية، وبين الإشادة بهذه الشخصيات بوصفها أسطورية، والتهكم على عجزها عن مجاراة العصر، مما يجعله نصاً مفتوحاً على تأويلات متعددة، بين البطولة والمأساة، وبين الحلم والوهم.

يعتمد النص على لغة مشحونة بالإيقاع الحربي، ممتزجة بقوة تعبيرية تصنع صورًا حادةً ومكثفة.

ينحى الأسلوب نحو الجمالية الفخمة، حيث نجد توظيفًا للجملة الخبرية التي تحمل طابعًا ملحميًا، مما يمنح النص إيقاعًا سرديًا محكمًا، وكأنه شهادة تاريخية تخرج من قلب المعركة.

يستخدم الكاتب تراكيب قوية،
ليست مجرد وصف، بل هي ضربات لغوية تشكل تصعيدًا دراميًا للحدث، مما يجعل اللغة تتماهى مع فوضى الحرب وارتباك المصير.
النص غني بالاستعارات التي تمنحه طابعًا تصويريًا مكثفًا.
وجاء تصوير الجنود وكأنهم أشباح، يختفون في الطبيعة ويتواصلون عبر رموزها، مما يمنح المشهد بعدًا أسطوريًا.

يقوم النص على تناقضات قوية تصنع توترًا داخليا.
واعتمد على الإيقاع الخطابي الذي يشبه بيانات الحروب، مدعومًا بالتكرار لتعزيز الإيقاع الملحمي.
وتراكم الألفاظ الحربية يمنح النص نبرة قتال عنيفة.

ختاماً:
النص يتجاوز كونه وصفًا لمشهد حربي، ليصبح رؤية فلسفية متوترة بين الإيمان والصراع،والقوة والوهم، وبين الماضي والحاضر.
لغته قوية، مشبعة بالصور الاستعارية والمفارقات، مما يمنحه طابعًا ملحميًا ذا دلالات تتجاوز اللحظة التاريخية إلى أفق أوسع من التأمل في مصير الجماعات التي تعيش على الحد الفاصل بين البقاء والعدم.

بسمة الصباح.
++++++++++++

ابو مسلم الخرساني الزوهري
( ان الامير نثر كنانه فوجدني امرها عودا واصلبها مكسرا).
تعالوا ايها الحفاة الملثمون بخناجركم كافاعي تتلوى باحزمتكم.
بدشداشاتكم الحربية،
ليس لدينا سوى بطون جائعة
وهذه البوارج امامكم ان لم نستطع اخمادها،
فلنصبها بحكة الجلد.
اصطفت الخيول تحت الارض في انفاق شبكية.
هيأوا المنجنيق والرماح والحسام اليماني،
والعصي الصلبة،
تلثموا وقرؤوا ( ان ينصركم فلا غالب لكم).
وتقدموا جيشا شبحيا، يطل من بين الجذوع، وعبر مجاري الصرف، وتراسلوا عبر القطا.
كان الجوع ينخرهم والعقيدة تتخمهم
وكلما سحق جيشهم تناسل منه آخر.
لم يعودوا مركز التوابل والسيوف المجربة
المتحكمين بطرق القوافل.
كانوا يمضغون العقائد ويتمسكون بالوهم.
لم يعبروا القرون الوسطى،
وليسوا بعيدين عن حرب البسوس.
الرجال الحفاة بوجوههم المصفرة
متعلقين بالسماء.
كان اغلبهم بصفاتن الزوهري
ولدوا في البروج الهوائية،
وقدرتهم على جذب الكنوز هائلة.
لكنهم جياع في انتظار جحيم القاذفات.

25 مارس 2025
كاظم حسن سعيد



1742991011051.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى