تشدنا السيرة الذاتية أو المذكرات إلى ماض ٍ، ماض معين، فثمة من أمضى عمراً يكون مرجعاً حياتياً لها، حيث نلتفت داخلنا إلى الوراء، بينما قراءتها تدفع بنا للنظر إلى الأمام، ولا تعود المسافة الزمانية هذه معتمَدة في حسبان العلاقة البينية بين القارىء والمقروء، إلا لحظة المساءلة عما هو مكتوب، ويجد صدى له في نفوسنا.
يتقدم الزمان النفسي بقواه الحية، في مضمار الارتحال في التاريخ بزمانه ومكانه،ليتشكل حوار عن بُعد، صامت، ولكنه صاخب أحياناً،لأن هذا الآخر الذي يكون موضوع اهتمامنا، هو أليفنا حقيقة، رغم اختلافه عنا واقعاً.
دون ذلك، كيف تسنّى لأندريه ميكيل André Miquel ، المستعرب الفرنسي الشهير، أن يهتم، من بين اهتماماته النوعية، بالأدبيات العربية الإسلامية، ومنها ما هو في الواجهة، بأثره النفسي" جغرافية دار الإسلام " في مجلدات عدة، باسم، وهواسم علَم عربي مسلم، ليس عادياً هنا، وتفصله عنه مسافة زمنية، تتجاوز ثمانية قرون، وفي موضوع لا يخفي فتنة محتواه، وبراعته في آن، وفي أثَر له جانبه الريادي تكويناً، أي : كتاب " الاعتبار" لأسامة بن منقذ، بوصفه تحفة أدبية، تاريخية، حِكَمية، تجمع بين ما هو سِيَري ومذكراتي، وإن كان هناك من يرجّح كفة السّيري الذاتي على المذكرتي؟ كتاب ظهر باسمه الفرنسي:
Ousama, un prince syrien face aux croisés
أي" أمير سوري في مواجهة الصليبيين "، وفي طبعته الفرنسية الأولى " 1986 "، أي قبل قرابة أربعة عقود زمنية، وهو حساب زمني نوعي، لحظة النظر في بنيته، ومغزى عدم الاهتمام به عربياً إلا حديثاً. ليجد نفسه مترجَماً في ضيافة لغة أسامة الأم" العربية " وعلى يد باحث ومترجم بارع هو بدرالدين عرودكي "1 "، إنما مع تغيير في صلب المضاء للعنوان، حيث تحل عبارة " أمير عربي " محل " أمير سوري " والموجودة في النسخة الفرنسية. ربما ذلك لا يؤخَذ بعين الاعتبار كثيراً، لأن أسامة كان ينتمي إلى منطقة جغرافية سورية، كما سنرى، في قراءتنا للكتاب، ولكن الدلالة تبقى مختلفة، مراعاة للزمان والمكان، وبناء على علاقات أسامة هذا مع وسطه الاجتماعي والثقافي والديني في الواجهة، ومن باب الإخلاص للتاريخ، على وجه التحديد ، وجهة ربط الاسم بما يليه، في لقبه " بصفته أميراً " في مواجهة الصليبيين، وهي علاقة تنسيبية لها زمانها وسيستامها العلمي طبعاً.
يطرح الكتاب نفسه خارجاً، بقدْر ما يفعّل نفسه داخلاً: خارجاً من خلال رأسماله الأدبي- التاريخي، بنوعه المسطور: سِيَرياً، كشهادة ذات ٍ ما كانت مألوفة، وهي تلوّح بـ" أناها " بضمير متكلمها، وفي غمرة الانصهار في الذات الجماعية، وبمأثرة الحمّى الدينية" الإسلامية "، وكيفية تلاقي الفردي بالجماعي، وداخلاً،ما يكون لكتابة كهذه من قابلية على تجديد نفسها، في التعبير عما يمنحها أهلية الارتحال في التاريخ، وفي أكثر من لغة، والفرنسية لغة واضع الكتاب هنا" ميكيل " إحداها. أي حيث بقي الكتاب مقروءاً داخلاً بلغته العربية، ليُقرأ بمعايير ذوقية وتقديرات ثقافية على الطرف الآخر: الغربي، من المتوسط، فرنسياً، ولينظَر في أمره، مترجَماً إلى اللغة الأولى، إنما هذه المرة، تبعاً لاعتبار آخر، من نوع ثقافي، يعزّز فضيلة تاريخية، ثقافية في بنيته، وبالتالي، ليؤخَذ الكتاب: كتاب الاعتبار، كما لو أنه مختلف عما عرِف به.. هكذا تمارس القراءات والترجمات المؤثرة" النوعية " دورها في تحرير نصوصها من إطارها الزمكاني المحدد، وجعْلها تحيا بهيئات جديدة..
ثمة الكثير، الممكن قوله على خلفية قراءة كتاب ميكيل، وهو كتاب أسامة، وهو في الحالتين كتاب مترجمه: عرودكي كذلك، وحتى كتابي من خلال طريقة تناولي له، ولكل منهم، لكل منا، نصيبه في إبراز هذه" المأدبة " السّيرية حيث تشهد زخماً تاريخياً فولكلوريّ المقام.
ومن خلال متابعتي لعملية المتابعة هذه، وجدتني داخلاً في نوع من الشراكة البحثية، وعن بعد، قدر المستطاع.
تنوير تاريخي
بالنسبة لأندريه ميكيل، يعتبَر قارئاً موسوعياً، وكاتباً موسوعياً، وعاشق قراءات متنوعة، ولا يخفى موقعه الكبير والمعتبَر كمستعرب، كما يليق به هذا الاسم: اللقب، ويشدد عليه، وليس كمستشرق، جرّاء سوء الصيت للأخير، وهو في علاقته الزمنية الطويلة والمثمرة، مع الثقافة العربية، وعما هو إسلامي، وهو مأخوذ بها " أي الثقافة هذه "في تنوع ألسنة الذين أسهموا في تدشينها وهي من جهتها تسمّي جهات مختلفة فيه.
تتجاوب هذه اللمحة التوصيفية مع شخصية حامل الكتاب ومحموله: أسامة، الذي عرِف بانفتاحه على ثقافات، وعرِف بتنوع علاقاته في مجتمع عربي- إسلامي، وإبان الحروب الصليبية، وصدى كتابه: الاعتبار، ومغزى العنوان/ الاسم، ورهان المحتوى، والمتوخى منه كذلك، وبلوغه إلينا، يتوئم، إن جاز التعبير، هذه العلاقة البينية.
انفتاح يقابل انفتاحاً، ويشدد على انفتاح، وإشعار بمأثرة هذه اللقيا الوجدانية- الذهنية، بأكثر من معنى. واللافت هنا، أن الاثنين، كما يقول سجلهما الشخصي، أمضيا عمراً واحداً، وهو مميَّز بطوله الحسابي، أي " 93 سنة ":
بالنسبة لأسامة بن منقذ " 1095-1188 م "، وبالنسبة لأندريه ميكيل " 1929-2022 م ".
نقرأ على غلاف الوارد عن الكتاب في طبعته الفرنسية لعام : فايار" 1986 ":
إن ملحمة الحروب الصليبية ومملكة الفرنجةة في القدس معروفة لنا بشكل رئيس من خلال قصة الفرسان الذين قدموا من الغرب المسيحي. إن وجهة النظر الشرقية، وجهة النظر العربية والإسلامية، يتم تجاهلها في كثير من الأحيان. كان أسامة بن منقذ الفاعل والشاهد، المحارب والشاعر. ابن أخ أمير شيزر، أمضى جزءاً من حياته في هذه القلعة الواقعة في شمال سوريا على ضفاف نهر العاصي. وُلِد في زمن الحملة الصليبية الأولى، ومات بعد بضعة أشهر من استعادة القدس، بعد أن سحق صلاح الدين الفرنجةة في حطين عام 1187.
حياته مكرسة بالكامل للصيد والحرب والصلاة. ومن شيزر إلى دمشق، ومن دمشق إلى القاهرة، ثم عائداً إلى دمشق، خدم هذا الأمير المسلم ثلاثة قادة عظماء وسادات الإسلام على التوالي: زنكي، ونور الدين، وصلاح الدين. لقد ترك لنا سيرة ذاتية، وهو عمل غير عادي في الأدب العربي الكلاسيكي.
لقد جعل أندريه ميكيل، باعتباره مؤرخًا مثقفًا وكاتبًا موهوبًا، قصة أسامة مِلكًا له لينقل إلينا بشكل أفضل رقعة الشطرنج المعقدة في الشرق الأدنى المقسمة بين الإمارات الإسلامية، والعلاقات المتضاربة بين العرب والأتراك والفرنجةة. لقد جعل أسامة نموذجًا للفروسية الشرقية، بقواعدها، وطقوسها، وإعلائها للحب، والصداقة، والمغامرة، والشرف. وفي الوقت نفسه، يسلط الفيلم الضوء على المواجهة الصارخة بين الإسلام والمسيحية التي ميزت العصور الوسطى لدينا.
وما ورد على غلاف الكتاب في طبعة : تالانديه" 2007 ":
ملحمة الحروب الصليبية، وسيادات الفرنجةة في الأرض المقدسة، والعديد من الأحداث والأماكن التي نعرفها في المقام الأول من خلال قصص الفرسان المسيحيين، الذين قدموا من الغرب أو ولدوا في الولايات اللاتينية. إن هذا الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية للأمير السوري أسامة بن منقذ (1095-1187)، بل يقدم لنا أندريه ميكيل درساً حقيقياً في الكتابة والتأمل. وقد ترك أسامة، على نحو غير معتاد في أدب عصره، سيرة ذاتية ألهمت هذه القصة عن الرؤية العربية للصليبيين. لقد عاش حياة الفارس والمتمرد والحكيم. إن صورته للفرنجة، على الرغم من كرههم وغرابة أطوارهم، أعداء في الإيمان ولكن متساوون في القيمة، تشكل درساً رائعاً في التسامح...
ذلك يشكل تعزيزاً لتاريخ لا يقع خلفنا بتنوع مجتمعاته، إنما يعلّمنا بأصداء علاقاته، ففي صميم ما كان يقال في الفترة الزمنية تلك، عن الخصومات، والحروب، والفتن، والقتل، والدساس..، كان هناك ديمومة حب تتغذى على النظر واسعاً إلى العالم، كان للحب دوره، للصداقة دورها، لكرم الضيافة دوره، لتقدير الآخر اعتباره ودوره..
أي ما يجعل الحرص على الحياة أكثر حضوراً، ودون ذلك، ما كان هذا البقاء النوعي لمن انهموا به وحمَوه.
وما يدخل في باب الطرافة، وتأنيس الموضوع، وتعزيز العلاقة هذه، هو ما تلمسته في تعليقات على تقديم كتاب ميكيل عن أسامة، وهي تفصح عن خلفية هذا الاهتمام، كعلاقات تثاقفية :
مجهول4:54 مساءً
أشكركم جزيل الشكر على تقديم هذا العمل الرائع الذي يعتبر، كما تقول، شهادة حية (وأود أن أضيف أنها دموية، وخاصة عندما تكون في بلاط الفاطميين) من عصر الحروب الصليبية. هناك شيء واحد لم أفهمه تمامًا. هل النص المنشور في مجموعة "تيكستو" هذه هو النص الأصلي الذي كتبه أندريه ميكيل، أم أنه تم مراجعته لجعله أكثر سلاسة؟
إجابة
ساندراين أليكسي 5:06 مساءً
لقد تم تكثيفها وإعادة صياغتها بشكل كبير لجعلها سردًا "سيريًا ذاتيًا" (أقصر)، منظمًا زمنيًا وبنبرة أكثر سهولة في الوصول إلى القارئ المعاصر. كانت المناقشة قصيرة جدًا، وتم حذف العديد من الحكايات. وأضاف أندريه ميكيل أيضًا، كاتبًا بضمير المتكلم، وكأن أسامة يتحدث إلى نفسه، عناصر لا تظهر في النص الأصلي ولكننا نعرفها عن حياته من مصادر أخرى.
من الواضح أن لا شيء يتفوق على الطبعة الأولى التي تعد الترجمة الأمينة والكاملة (التي نشرتها المطبعة الوطنية). لا يزال من الممكن العثور عليه في مكتبات الكتب المستعملة، في بعض الأحيان يكون باهظ الثمن، وفي بعض الأحيان يكون بسعر جيد جدًا. هذا الكتاب مخصص لأولئك الذين لديهم ميزانية أو لأولئك الذين ليسوا على دراية بالأدب في العصور الوسطى؛ أو بالنسبة لأولئك الذين ليسوا على دراية بهذه الفترة، فهي طريقة أسهل.
إجابة
مجهول 9:13 صباحًا
شكراً لكم على جميع تعليقاتكم. قرأت هذا الكتاب في مجموعة "مجهولات التاريخ" في فايار. أتخيل أن هذه هي نفس النسخة التي يجب نشرها في texto. على أية حال، سأحاول الحصول على النسخة "الأصلية".
يوجد في مجموعة "تيكستو" عمل آخر رائع: "سقوط القسطنطينية" بقلم ستيفن رانسيمان. ومن ناحية أخرى، أجد أن الترجمة من اللغة الإنجليزية تترك شيئا مما هو مرغوب فيه. ما لم يكن المترجم يواجه صعوبة في كتابة نص سليم باللغة الفرنسية. ورغم ذلك فإن الكتاب رائع." 2 "
أحسب أن ذلك يثْري الكتاب ومحيطه الاجتماعي في الوقت نفسه .
كتاب أسامة، أهو سِيَري وكيف؟
يطرح السؤال هذا نفسه، من موقع استفساري، ولتحديد علاقة قرائية مع الكتاب. قرَّر في أكثر من تناول له، على أنه كتاب سيرة ذاتية: سيرة ذاتية عربية رائدة في مجالها، وفي حسابها الزماني. أهو هكذا؟ وكيف؟ وثمة ما يدخِل الكتاب في خانة " المذكرات " انطلاقاً من اعتبارات كتابية" طريقة تعبير ومعايشة نفسية. الرهان عالق هنا .
ترجيح السّيري يتأتى من الحمولة الثقافية والدلالية الممنوحة للتسمية. وعلى خلفية ما يقال في مفهوم " السيرة الذاتية " وأرضها الزلقة وصعبة الإقامة فيها، لأنها تتطلب قدْراً معلوماً من المكاشفة الذاتية، حيث الخروج بها إلى " عري الطبيعة " هو حقيقتها، وجعل الذات في أغوارها وما يسمّي المسكوت عنه فيه واضحة وصريحة. المذكرات لا تمتلك ذلك الرنين وصداه النفسي المعتبَر، لأن هناك مجالاً للمناورة حول الذات، بينما في السيرة الذاتية، فالمناورة تبقى دائماً محك اختبار للذات، وتنبّهها إلى أنها محكومة ومأخوذة بما عرَّفت به نفسها، وما عليها إلا أن تكون مخلصة لمثل هذا الإقرار الداخلي، ومن خلال " أنا " ضمير المتكلم فيها. المخاض عسير!
أن تكون السيرة الذاتية، مفتاحاً للنظر في الكتاب وقراءته، يعني أن نحدد زاوية الرؤية، وعملية البحث من خلالها وما في ذلك من وجوب التزام الدقة واليقظة، خصوصاً، وأن لهذا الضمير " ضمير المتكلم المفرد " الفقاعة العائمة على سطح مقول القول جرّاء تداوله، الكثير من الحضورات، ومحل مساءلات، في حصاد " عمله ".
وما يشدّد على مشروعية ملازمة ِ روية كهذه، في سردية العائد إليه، هو جانب المسافة الهائلة، والمنقسمة على نفسها، بين " أنا " ينبّه إلى متكلمه مباشرة، وهو مفرد، و" أنا " بعيد عنه، لأنه يقع في ذمة زمان ومكان غير حاضرين، و" أنا " يتوسطهما، وربما يراوغ في تسريب مؤثرات خاصة به، لمتعة نفسية محجَّبة . لنذكر هنا بمعضلة الذات الأفعوانية أحياناً صحبة أناها.
لنستعن بما برع في هذه المتابعات الأركيولوجية في صميم هذه السيرة، فيليب لوجون، كما في قوله( ليس المؤلف مجرد شخص. إنه شخص يكتب وينشر. ولأنه متواجد خارج- النص وفي النص، فإنه يعتبر صلة بين الاثنين، ويتحدد باعتباره شخصاً واقعياً مسؤولاً اجتماعياً، ومنتجاً لخطاب، في نفس الوقت..) " 3 " .
يتعزز هذا التوضيح بما يمنحه حضوراً محسوساً، وهو أن الموسوم بـ" المؤلف " كائن اجتماعي من لحم ودم، وأنه يجسد شخصية مجتمعية في أصلها، وهو مأهول تقويمات عملية ونظرية، طقوسية وشعائرية ذات مردود اجتماعي وبيئي وتاريخي، وفي الفصل بين الفردي والاجتماعي، توازياً مع ىتاريخ حي، ليس بالأمر السهل. ومن جهة القارىء، فإن الإقبال على قراءة نص موقًّع عليه طي تأشيرة" سيرة ذاتية " يوقظ في القارىء إرادة معرفية لا تخفي تحفظها، وحتى شكها المشروع في مؤتى هذه التأشير، لأنه معني بفعل الأنا، الناطق في النص والمستنطق له في آن، أنا يشد إلى تاريخ كان وأنا يستدعيه في تاريخ قيد التشكل مع قارىء، هو الذي يتولى أمر رعايته، والانشغال بنوعية أدائه، وما إذا كان، كما هو ادعاؤه، أنه مسنود بنفسه كذات قائمة، ومنفتح خارجاً.
بالطريقة هذه، ( يجب أن نفهم من " الضمير النحوي " هنا، ذلك الضمير المستخدم بطريقة متميزة على امتداد الحكي. فمن البديهي أن ؟ ضمير المتكلم ": لا يدرك دون " ضمير مخاطب " ( القارىء)، غير أن هذا الأخير يبقى ضمنياً هو الآخر، كما يمكن للسرد بضمير الغائب أن يتضمن تدخلات للسارد بضمير المتكلم..) " 4 ".
نعم، الرهان على ضمير له عراقته، إنما له " سوابقه " في إضبارة ضخمة تتقدم واجهة الضمائر المستخدمة في السرود المعلومة تاريخياً إلى الآن، وله جانب إغرائي، يسهّل الاستجابة لصوته الداخلي الرنان، لكنه قد يسهّل عملية الوقوع في مصيدة ما يستبطن الأنا، ما يمرر تصورات وأحكاماً، هي من نتاج ضمير آخر، أو ليس وحده، وتحديداً، حين يتعلق الأمر بموضوع مشهود له برحابة المكونات الثقافية، بمجتمعه الحي والتاريخي أيضاً.
هناك أكثر واحد حسي ومجرد وخليط منهما، في بؤرة التوتر السردية، وهو ما تنبغي مراعاته، حيث إن ( وضع المؤلف ("هوية المؤلف (الذي يشير اسمه إلى شخص حقيقي) والراوي") وموقف الراوي ("هوية الراوي والشخصية الرئيسة") يمثلان أسس هذا النوع، وبالتالي فهما "مسألة إما كل شيء أو لا شيء"..) " 5 "
إن الوارد هنا، ليس تحصينات تحجب ما وراءها من بشر وكائنات أخرى، إنما ما يبقي المسطور معروضاً للنطق بما يخفيه، بمؤثره، أو بحامله الخفي. كما في الربط بين هذه المتواليات: المؤلف، الراوي، السارد الضمني، وحتى القارىء المعتبر" المؤلف نفسه هو قارىء آخر، ولنفسه " وهو حساب مكثّف بمعناه .
وهذا التركيز على مثل هذا النوع في الكتاب تماشى حديثاً مع خاصية الفردانية ومنجزاتها المعتبَرة في مجتمعات توليها اهتماماً كبيراً في عهدة الحداثة وما بعدها، أي ما يكون للفرد المعطى حقوقاً تتناسب وقواه الحية وعطاءاته بالتأكيد، وما لضمير " الأنا " من قيمة منوَّه إليها، تسمية مباشرة وغير مباشرة ، وفي تتبعها تعبير عن ظمأ نفسي، توق إلى هذا المتكلم، ومن يكون، وكيف يكون، وما في ذلك من تحد للذات المقابلة. نعم (لقد أصبح الحديث عن النفس، ورواية قصة المرء، وتمثيل نفسه، مع مرور الوقت، قضايا رئيسة في مجتمعنا؛ الجميع، من المجهول إلى نجم السينما أو الرياضة، يروي قصة حياته، طفولته، مرض والده أو والدته، وجوده كعامل مزرعة، عامل منجم... لماذا وكيف يروي قصة حياته؟)
وما يشرع لذلك"
حيث إن (أسباب الشروع في مشروع سيرة ذاتية متعددة ومتنوعة: الحديث عن الذات من أجل الذات أو من أجل الآخرين، معرفة الذات، فهم الشخصية، استرجاع الرحلة الشخصية، الشهادة على تجربة معينة، شرح الذات، شرح خيارات الحياة، الخيارات السياسية، الشهادة على الأحداث المهمة.. إلخ. ) " 6 "
من هذا المعزَّز قاعدياً، يمكن مضاعفة الاهتمام بما يقدَّم في هذا السياق، وذلك التعويل عليه ومآله القيمي.
وعربياً، يسهل تبين هذا التأكيد على محورية " السيرة الذاتية " في عمل أسامة، وعلى صعيد جامعي، بصورة لافتة، وفي ذلك يتقابل تاريخ ما كان ذات يوم، وما يستفاد منه في تاريخ قائم.
من ذلك ، هذه اللائحة من العناوين:
-الاعتبار من كتاب الاعتبار..لسري سمو.
-كتاب "الإعتبار" لأسامة بن منقذ دراسة تحليلية " إعداد الطالبة براءة محمود السقرات- رسالة ماجستير.2011.
" ينظَر ضمناً، فن السيرة- مفهوم فن السيرة " في الفهرس.
-المكونات السردية في السيرة الذاتية: كتاب (الاعتبار) نموذجاً. لعبداتلله محمد الغزالي- جامعة الكويت
-«اعتبار» أسامة بن منقذ: هل هي شهادة التاريخ الذي يعيد نفسه؟" مذكرات أم سيرة ؟ لـ : عبدالله الوراري
حيث نقرأ ما هو مختلف هنا:
الكتاب في الأصل مُذكراتٌ دونها أسامة بضمير المتكلم، وكانت حياته محور فصولها وأحداثها، منذ نشأته في قلعة شَيْزر، إلى أن شب عن الطوق وانخرط، فتيا، في خوض القتال ضد الإفرنج في حربهم على ديار المسلمين؛ فصار قائدا عسكريا أدلى بسيفه قبل قلمه في هذه الحرب التي سماها الأورُبيون «الحروب الصليبية».
-جماليات التشكل في السيرة الذاتية كتاب الاعتبار" لأسامة بن منقذ، نموذجاً، للدكتورة وئام سيد أحمد أنس.
-فن السيرة الذاتية في كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ، د.سامر البارودي، الطبعة الأولى، بيروت: دار التربية الهادفة للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤٤٠هـ/ ٢٠١٩م.
-"كتاب الاعتبار" لأسامة بن منقذ: أول سيرة ذاتية في التاريخ العربي- وليد فخري، 2016.
وما هو جدير بالتذكير:
لا يمكن اختصار قيمة كتاب الاعتبار في كونه "الأول من نوعه" بين السير الذاتية، إنما تكمن القيمة الأكبر في أنه من الأعمال النادرة التي تناولت "المسكوت عنه" في تاريخ الحروب الصليبية، سواء طبيعة حياة الإفرنج في المشرق العربي، أو ما كان يجري في دهاليز القوى الإسلامية المتصارعة، والجانب الإنساني من التفاعل بين العرب المحليين والمستوطنين الإفرنج. كما تناول التأثير الثقافي والاجتماعي العربي في الإفرنج، كمثال أحد أمرائهم الذي كان يفخر أمام مؤلف الكتاب، بأنه يرتدي الزي العربي ويكلف طباخته المصرية أن تصنع له أطعمة شرقية خالية من الدم والخمر ولحم الخنزير. أو كالفارس الفرنسي، الذي أعجب بفكرة حلاقة شعر الأعضاء التناسلية في الحمام العربي، فطلب من الحمامي أن يحلق له عضوه ثم أحضر له زوجته في اليوم التالي ليحلق لها. تلك التفاصيل التي يخطئ البعض باعتبارها مجرد "طرائف"، بينما هي تدوين وحفظ دقيق لجوانب أخرى من التفاعل العربي الأورُبي، قل أن تضمنتها كتابات تلك الفترة...
....إلخ .
إضاءة معتبَرة
قارىء كتاب أسامة بن منقذ، يتلمس مثل هذا الغنى، وهذه الكشوفات المحيطية، في زمان أشكل فيه كل شيء على نفسه: إنساناً وسواه. ويمكن إيراد ما يقرّبنا منه " 7 "
نقرأ لمن قدم للكتاب بداية، وهو زهير الشاويش ( وقد أملى أسامة كتاب " الاعتبار "، في دمشق، في عهد الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، وهو ابن تسعين سنة ( 578هـ)، على ما يقول في خاتمة الكتاب، وأغلب الظن أنه جمعه مما كان يدوّنه من الحوادث والأخبار في جزازات، ودفاتر، فإنه يتعذر على من بلغ التسعين أن يتذكر هذا القدر الهائل من جزئيات تلك الوقائع . ص 9 ..
وهو ما يقبل المناقشة، ويشرعن لأي مساءلة ذات صفة قانونية لجعل الكتاب كتاب تاريخ ومجتمع، أي ما يكون للزمن من دور مركَّب في إنضاج " ثمرة " كاتبه، أو إفسادها، أو تسميمها!
وتم ذلك، لأنه وجد في ظل الملك الناصر هدوءاً وسكينة، وحافزاً لأن يلنملم شتات نفسه، ويستشرف ما كان بعيداً وقريباً، وهو يستشعر دنوّ أجله( فأمَّنني جميل رأيه حادث الحادثات، وأخلف لي إنعامه ما سلبه الزمان بالنكبات المجحفات . ص 264 ) .
وما يقوله الأشتر يسهم في التوضيح لخلفية الكتاب، بالنسبة لمن وجد نفسه في مثل هذا المقام، وهذا العمر المتقدم ( في هذه الأيام إذن، وقد نيَّف أسامة على التسعين، أو بلغها، أخذ يسترجع ماضيه ويستعيد حوادثه وذكرياته، ويستذكر صحبته لرجال العصر من المسلمين والإفرنج، وما قع له معهم في ساحات الحرب، وأيام الهُدَن، فكان من حصيلتها كتاب( الاعتبار ) الذي نحن بصده اليوم.. وقد توفي في دمشق ودفن في سفح جبل قاسيون، شرقي الصالحية على الجانب الأيمن من نهريزيد. ص 18 ).
هكذا يفعل العمر المتقدم في صاحبه، وتمارس الوقائع دورها في تلوينه بصيغ شتى. كما لو أن الذي تم، كان على إقرار نفسي، بأن تاريخاً في انتظاره، أن قارئاً مستقبلياً ما في انتظاره، لأن الذي عاشه، يخول له ذلك . لتكون العبرة في الاعتبار، على قدر الاعتبار للعبرة بالذات. فالمأساة تسخن الذاكرة، وتفيّضها بما يدفّقها ألواناً وأشكالاً.
وفي تنوع مشاهده ما يمنحله قابلية استمرارية في الوجود، إنه كتاب اثنوغرافي كذلك( على أن قيمة الكتاب تبدو في حسن تصويره لمجتمعه الذي يضطرب اضطراباً عنيفاً بما يلقى من كثرة الفتن، وتفرق الأهواء، وغلبة الأطماع، واختلال الأمن، وفشوّ التيارات الفكرية المتطرفة فيه، ثم بوصف ما يرزح تحته من ثقل غزو الإفرنج واتساع أذاه ونهوض الناس له. ص 19) .
أوليس المقروء هنا، يحفّز على المنظور إليه، والمعايش راهناً هنا وهناك؟
ولا شك أن جملة عناوين على تفاعل مباشر مع العقل، والسيرة الذاتية رافعة ثقافية مكشوفة في نسيج قولها، تعلي مكانة أسامة، كما في :
ضرورة العقل في الحرب- وضرورة العقل خارج الحرب- والحاجة إلى العقل في كل موضع- وبـ العقل تعمر البلاد- وبـ العقل تحفظ البلاد وعمرانها ( صص 162-165 ).
ومن الطبيعي في الحالة هذه، وبالنسبة لمن كان أميراً، وله إسهام مباشر في الحرب ضد الغزاة، والسعي إلى التعايش السلمي مع الآخرين، بتنوع انتماءاتهم، ومرونته في علاقاته، وتقبّله لمن حوله، يضفي قيمة اجتماعية وأخلاقية كبيرة على ما أثره ثقافياً في كتابه هذا، ويمنحه قدرة على البقاء بمحتواه ورياديته كثيراً، من الطبيعي أن يعرَف بقائمة المواصفات المعطوفة عليه تلك.
ويكون للاعتبار، اعتباره، بغضّ النظر عن إشكالة التسمية في تحديد نوعيته: سيرة ذاتية أم مذكرات، أم ماذا.
فثمة ما يجدر الوقوف عنده، وما يحفّز فعل الانفتاح عليه، ومكاشفة حتى " مدينته الفاضلة " بالصيغة المقدَّمة!
بناء عليه، تُظهر شعرية كرم المعنى لدى ميكيل، في لقاء الآخر، وما له من خصوصية تستوجب احترامها، للاغتناء بها، وهو لا يعدّ نفسه الآخر إزاء الآخر الغريب،ـ وإنما المطلوب التعرف إليه، والامتلاء باختلافه، ليكون له ما لم يكن له ثقافياً، أي إنسانياً تماماً. وهو في جوهر نشأته خطاب مستنبَت في تربة متخيل مصاب بالطعان القائمة في ثقافات أحادية الجانب، وثمة تاريخ يفنّد هذا المسار الضيق، خطاب الحاضر مدوَّن في ضوء ما كان، ليكون ما هو قائم هو قارئه المنشود، مسقط آماله، ومحط اهتمامه، لجعل الحياة أكثر ثراء .
هكذا يظهر مفهوم " اليُتم " في ظل العنوان الفرعي الأول والذي يستهل به الكتاب" في غياب الأب": الغياب ليس نفياً للأب، تنكراً أو تجاهلاً له، إنما ما يستدعيه في حساب السعي إلى معرفته، وليكون اليتم تعبيراً عن كيفية بناء أحدهم لنفسه، كما لو أنه " آدم " تكوينه الذاتي، محمَّلاً ربما برسالة حددها لنفسه، وهي في عدم تكرار حدث القتل الرمزي في فجر تاريخ مجهول التاريخ حرفياً، إنما ما يكون مجتمعاً بشرياً ( رجل استثنائي ومجهول، ولد مع أول حملة صليبية، الحملة التي دعها إليها البابا أوربان الثاني، في كليرمون، عام 1095، وتوفي عام 1188، أي بعد سنة من استعادة القدس من الإفرنج على يدي صلاح الدين الأيوبي.ص7).
هذه الاستثنائية تفعّل موقعها الحقيقي لا المجازي طبعاً، جرّاء ما عرِف به أسامة، في أساميته" أي تجليه مغايراً لمن حوله كثيراً، وباعتباره جديراً بحمل اسمه في مسماه: أسداً أليفاً مجتمعياً" وفي معمعان الصراعات، وكان نقيض مسلكها عملياً، في الذي أفصح عنه، وفي الذي تحلى به أخلاقياً.
وما العودة إلى الذات، إلا لجعل الذات هذه أكثر من كونها ذاتاً محكومة بأنا أعمى، أو عمياء،إنما ذات مجتمع ضمناً، حيث الصراعات أحالت الواقع إلى ثنائيات متضادة ، انفجارية ، رهيبة، وهو خلافها.( أرد أسامة، وهي ظاهرة فريدة في النثر العربي الكلاسيكي أن يتحدث عن نفسه، لا كما ننتظر، في شكل سيرة ذاتية أو ( اعترافات). لكن بوصفه شاهداً، يحمل درساً يريد نقله، درس مصير أمير سيّد قراراته. من هنا العنوان الذي وضعه للكتاب( الاعتبار) الذي يعني حرفياً التجربة..ص8).
وفي الذي يقبل التوحد والإثمار( كتاب عن البشر، وكتاب واحد منهم..ص9).
يتحدث جمعاً غفيراً، حين يُقرأ، ويكون فرداً أثيراً، حين يعايَن في فصيح قوله، وما في ذلك من جلاء المسئولية، ما في هذا التمييز من تعزيز لوجهيّ الشخصية، من تفاعل يفيض بالآتي، الأكثر تقبلاً للمختلف والمؤتلف .
ميكيل، حين يوسّع عتبة الرؤية، ويبسطها، فإنه تقديراً لما يراه في نموذجه المزكى حديثاً ليكون سليل ما هو أكثر منتسباً إلى مكان وزمان مؤطرين، والثقافة الانقسامية فيهما، ليكون النطق شاهداً على ناطقه، وقد أصبح مكتوباً، والمكتوب بات نزيل تاريخ، أو المسهِم في تلوينه، وفي جعل التاريخ نفسه مرحّباً به.
في التوصيف المقدَّم لنوع الكتاب، ترك الباب أوسع مما قيل فيه: شكل سيرة ذاتية أو اعترافات، ذلك يمنح مرونة في القراءة، مرونة في ترسيخ قيمة قرائية تشاركية، تلغي المسافة الزمنية، وطرح المقروء رصيد قيم مطلوبة.
وراء مقول قوله الفردي ينبض قلب ميكيل، وربما المترجم نفسه. فما يترجم، لا يترك النص على حياد، إنما يمارس فيه تطعيماً، حيث يجعل للأصل أكثر من أصل، وعلى قدْر الوعي بعمقه، يتلقى داخله مدداً نفسياً، لينظر إلى أفق أبعد مما هو مرسوم في بنية الجاري اجتماعياً وثقافياً من حوله، أبعد من الحدود المتقابلة أرضياً:
( أحببت دائماً دمشق، مدينة منافيّ، والمدينة التي سأموت فيها قريباً. الوقت يمضي. هذه اليد التي كانت من قبلُ تقتل الأسد أو العدو، ترتعش اليوم بقوة لم تعد تستطيع معها الكتابة: علي أن أملي ، أن أتذكر. غفرانك ربي، إن كانت أول رغبة تصل إلى ذاكرتي تحيلني إلى هناك، على شواطىء العاصي، نحو شبابي. ص 13).
في الكتابة مغالبة للموجود، وهو في عجزه العضوي، إنما في صحوة إرادة نفسية، تمتلك أرضية انطلاق، وتوثب، حيث الكتابة استعادة لعمر كان، وبناء لعمر يمنحه شرف المقام المحمود في تاريخ قادم. والمأساة هي الضامنة لمعرفة أكثر شفافية لما هو نفسي، واعتماد الحيلة المشروعة، لجعل الذات أكثر غنى هنا. وما هذا الشباب الموسوم، إلا تلك الجهوزية التي أعد لها نفسه، وتمثّلها في انسيابية المسطور ورحابته .
يستدعي هذا القول ما أفصح عنه أسامه هناك في " الاعتبار"( أعجزني وهن السنين عن خدمةالسلاطين،فهجرت مغشيّ أبوابهم، وقطعت أسبابي من أسبابهم،واستقلت من خدمتهم...ص263 ) .
وبين التفكير في الكتابة، وفي الذي بلغه نفسياً بعمره، والتفكير في الموت، تكون الحياة التي عاشها بضروبها، والموت يتنوع في الذي يعرَف به طبيعة، وجهة الذين لهم دور في ذلك في حروبهم وصراعاتهم، وأهوال ذلك.
كما لو أن الكتابة لا تطوى، خلاف جسده حين قضى عمراً، والكتابة حالة تفريق بين كائن وآخر.
تجاربه تشهد على خاصية الخبرة " الموتية " لديه، وكيف تحكم الأقدار( فلا يظن ظان أن الموت يقدّمه ركوب الخطر، ولا يؤخره شدة الحذر، ففي بقائي أوضح معتبَر. فكم لقيت من الأهوال، وتقحمت المخاوف والأخطار، ولاقيت الفرسان، وقتلت الأسود، وضُرِبت بالسيوف، وطُعنت بالرماح، وجرحت بالسهام، والجروخ( من آلات الحرب. المترجم)..ص 261) .
إنها خبرة عملية، وفاعل إثبات لذات يحق لها أن تدلي بشهادتها، وما يقال باسمها، أهل لأن يكون محفّز تفكير.
يتحدث أسامة، وبلسان ميكيل، عن مولده، عن موقعه، ومجتمعه وملابسات واقعه( ص 17-18-19..)، يتحدث بشكل لافت عن شجاعة نساء بيته: جدته لأبيه، إحدى عماته،أمه، الخادمة " لؤلؤة "..( ص27-28 )، ويمكن تبيّن بسالة النساء في كتابه ( ص 209، مثلاً ) . ثمة حديث مؤلم عن " صراع الأشقاء " وليس مع الأعداء( ص 44)، وهو الذي يفصح عن طول مداه وأذاه استمراراً لما سبق، وتنويراً كارثياً لما هو قائم هنا وهناك ..
طبعاً، في السردية المفتوحة، وبلسان أسامة، لا أكثر من الأخبار ومتفرقاتها، وهي تسمّي شخصيات إفرنجية، وصليبية، قادة وجنوداً، ومرافقيهم، وأناساً آخرين في وسطه، رجالاً ونساء في هيئات ىمختلفة، وما في كل ذلك من مفارقات، ومن مباغتات، ومن تداخل قيمي، وفي محك التجارب المفصلية، تذكر بكتابه وعمرانه.
يمكن ، وللنظر، إيراد جانب الفصاحة في الرؤية، من جهة أسامة، حين يقول( إنني أعترف بسهولة بميزتين للإفرنج: الشجاعة والتقدير الذي يختصون به فرسانهم..ص74)، وما يوضح المصرَّح به هنا( هؤلاء الإفرنج أنفسهم، الذين يتحلون بالشجاعة والحماس الحربي، يفتقرون أحياناً إلى أشد ضروب الحكم بساطة..ص75)، ويأتي توضيح ذلك في سرد الواقعة ذات الصلة .
ما يستحق التذكير به، في سياق هذه المتابعة الاثنوغرافية، جانب العادات وهي في بنيان ثقافي إلإرنجي، يخص نظرة " الغربي " حينذاك إلى جسمه، وفي حلاقة شعر عانته، وحتى بالنسبة لزوجته، كما يسرد أسامة ذلك دون تعليق، وعلى المكشوف، وحتى فيما بينهم، كما في موقف إفرنجي من بنته، وهو ينظر" أسفلها" فانزعج أسامة( في حين التفت الإفرنجي نحوي، وبهدوء كامل قال لي: " معك حق، إنها امرا’، وبصورة أدق إنها ابنتي، ماتت أمها، ولم يعد لها أحد من الناس يغسل لها شعرها. أخذتها لذلك إلى الحمّام معي، وغسلت لها شعرها كما كانت تفعل أمها"..ص 86) .
مشهد كهذا، ليس من السهل تنويره، أو الإتيان على وصفه بصراحة غير مسبوقة كهذه، سوى أن ما يدخل في نطاق العادة، يغدو عادياً، وعدم تعليق أسامة، يخبِرنا بمرونته، وتقديره لعادات الآخر .
وربما بناء على مشاهد من هذا النوع، يجد مؤلف " الاعتبار " صدى مبهجاً لدى ميكيل، وحداثة مبهجة بالمقابل، وذلك الشغف في الحديث عنه، بما وكما يستحق .
وفي نطاق التقابلات، كما يمكن تفهّم حركية السرد في الكتاب، في مقدور قارئه أن يبتسم طرباً من الداخل، وهو ينتقل من مشهد إلى آخر، ويتألم على وقْع التقابلات. حيث لا أكثر من الموجعات حيث يكون أهله وأخوته من المسلمين، كما في دمشق، وكيفية النظر إليه سلبياً( كل واحد يريد أن يكون له مكانه، أو بالأحرى ألّا يكون هذا المكان إلا له وحده. في عيون عدد من سادة دمشق وأثريائها كنتُ ما أزال الدخيل القادم من الشمال، الأجنبي، وكانوا لا يكادون يتحملون رؤيتي أشارك ، بفعل علاقاتي بأنُر وحدها، في قضايا الدولة، ثم عادت ضغينة قديمة...إلخ..ص93) .
في خاصية الاعتراف الذاتية، ما يجعل الصورة النفسية لأسامة، تكبر للناظر، وهي تتبع تلك التربية العائلية، والشخصية بالمقابل، فهو ابن أب كريم المتعد، امرء مبدئي، وجدير في أن يكون ابناً لأب يفتخر به، وأب لابن يفتخر به، حال علاقته بابنه مرهف، وهو في جيش صلاح الدين الأيوبي، ورمزاً أبوياً متنوراً، يستأهل كيل مديح لمناقبه، وما في ذلك من إيمان محسوس( حتى الآن تكلمت قليلاً عن إيماني، ولسبب وجيه، ذلك لأن إيماني وأسرتي يتعلقان بهذا الجزء من حياتي الذي لا يعني آخر. يمكن أن أقول ببساطة إنني تلقيت من أبي مبادىء ومثال ما يجب أن تكون عليه النفس المؤمنة، معترفاً أنني، سواء باستعداد شخصي، أو لأن حياة مضطربة لم تتح لي الوقت، كنت أؤدّي واجبات تقوانا بانتظام وتفان بلا شك..ص 142 ) .
ولا بد أن أسامة كان يعيش صراعات تترجم حقيقتها في زمانه، وفي الجهات التي عاش فيها وسبرها بعقله. ولكنها الصراعات التي أثمرت لديه ليس ثماراً مرة أو مسمومة، وإنما ثمار معرفة مشتهاة، لطلابها، ليكون الكتاب محمولاً بيمين من يتنفس قريباً منه، أو وهو يسلك طريقاً يلاصق طريقه، وشعوراً منه أنه في الذي أمله كتابة، إنما رغب في أن يتحول صوته الواهن، وقبل فوات الأوان إلى شاهد إثبات تاريخي على مسئولية تاريخية، وحصاد تجربة حياتية استغرقت عقوداً من الزمن، وضمت أشتات ثقافات وعصاراتها القيمية، بمناسباتها، ووقائعها، وحكاياتها، وخرافاتها وقصصها( قادتني هذه القصص، والتأمل الذي كنت أقوم به حول حياتي الشخصية ، حينئذ، إلى إضفاء شكل نهائي على المشروع الذي كنت أفكر فيه منذ زمن طويل: أن أنقل للآخرين المعرفة والتأملانت والخبرة التي راكمتها طوال حياتي. ص 156) .
إنه ليس حكواتياً ، على نمط السندباد البحري، ليسمِع سندباده البرّي خلاصة تجاربه البحرية وطابعها المغامراتي، إنما هو امرؤ اكتسب من صفات المروءة الكثير، ولم يضن بذكرها على غير أهلها، وهو يتصرف بطريقته، تاركاً النظر في الذي سطَّر لمن يجد في " روحه " هوى صحياً، يوقظه من غلته، أو يفلتر روحه المثقلة بالأقاويل التي تزيد طين المجتمع بلة.
والذي شهِد به بنفسه طوعياً جهة صلاح الدين وسلوكه الحربي والسلمي، يعزز المناقبية الأخلاقية المجردة من البراغماتيكية المعتادة هنا وهناك، لأن المذكور أكبر من أن ينحصر ذكره في خانة جهوية مؤطرة( سيكون هذا الرجل العظيم، بكل تأكيد، العزاء والمصيبة في سنواتي الأخيرة. بوصفي مسلماً كنت أصفّق لنجاحاته، لأنني كنت أعرف أنها مكرّسة أفضل مما كانت مع نورالدين، لإعداد النجاحات النهائية: الهزيمة الحقيقية هذه المرة للإفرنج..ص166).
وليربط انتصار صلاح الدين في حطين بنهاية حياته( عند هذا الانتصار، 583-1187، الذي لا يمكن ألّا يعلن انتصارات أخرى ينتهي تاريخ حياتي. ص 168).
هل يمكن لتنويه كهذا أن يأتي عابراً دون توضيح جدير بالتسمية؟ أليس الانتصار ذاك كان حلمه، مكبوته على مدى عقود من السنين، هاجسه النفسي، حسرته التي اختف إثر ذلك؟ كما لو أن سكينته في ظل الملك الناصر، كانت اعترافاً بما تقدم، وأن انتقاله النهائي إلى العالم الآخر لا ينغصه أبداً، حيث يرحل وملء نفسه رضى !
وأن يسطر بعد ذلك ( لم يعد لدي ما أكتبه ..ص169)، لأن المحقق هو صفاء الكلام، انبلاج الصبح بالذات، ولا يعود الكلام مطلوباً، إلا في ضوء حاجة، في نطاق ملمة، أو حدث صادم، أو مشكل، والكلام وليد مستجده اليومي المختلف، وما ائتنس به، هو الانسكان إلى روحه وقد استقرت، لينفتح على كون كامل تمثّله إنسانياً بعد ذلك.
ثمة شيء وحيد، في مقام المناجاة على طريقة المتصوف، وهو يصل ليلة بأخرى في مختتم الكتاب، الليل الدمشقي، وهو في دمشق، ودمشق في ظل الملك الناصر، والملك الناصر متابعاً كل ما يجري في محيطه الاجتماعي والسياسي، والأهم : السلطاني بامتياز، وفي الأعلى، وقد استقرت الأرض حول محورها، ثمة الخالق، وثمة الصمت الأبلغ من الكلام في دعواه( يا إلهي، ارحمني في مجدك. لا أدري تماماً إن كنت قد خدمتك جيداً، على الأقل، آمنت بك، أنتَ الواحد الأحد الذي لا يتعب من الغفران. لتبق أعمالي الطيبة مكتوبة في كتاب حياتي! وامحُ اللهم ربي، برحمتك، سواها! . ص 173) .
يتوقف أسامة كلاماً وصمتاً، تاركاً المجال لقارئه في توقع ما كان يجري بينه وبين نفسه، بين نفسه ومحيطها، بين أناه، ونوعية الأنا هنا، وما إذا كان هناك تطابق ما، بين ما يقال باسم أناه، وما هو في الواقع، ما إذا كان هناك ما عتَّم عليه في انقسام معين غشيَ أناه، أو تردد في رسم مشهد، وهو مركَّب، أو موقف، لم يعطه حقه ..
ذلك يرجع بنا إلى الوراء، إلى مقام السرد ولعبة الضميرالمتكلم، وصلة الوصل الاعتبارية بينه وبين ما كان يُسمّيه، وما يبقي بوابة الحوار، والمساءلة، وحتى إثارة شبهات معينة، قائمة، ليس لأن أنا أسامة المرفوع محدود الأجْر، أو مصادَر من تلك القيمة المتمثلة في الذي شكل النسيج الحي للكتاب، وإنما لأن في ذلك التعبير الإنساني عما هو إنساني، جهة استحالة التوقيع على قول بوصفه حقيقة مطلقة، وما في ذلك من إمكان لجعلها ملهمة، وفاعلة في سريان فعل البحث عن مكوناتها، ومجتمعها، وأفراد هذا المجتمع سيرورة وصيرورة معاً.
ليكون كتاب أسامة مسمى به، ومشغولاً بالأسئلة التي حاضره بحاضرنا والذين س]اتون معنا.
في متابعة مطلوبة
في ضوء المقروء في الكتاب، يمكن أن نتلمس في ميكيل، ما يحيله إلى إنسان استثنائي، وهو ينوع في كتاباته، وبالصورة التي تبرز فيها الثقافات مكمّلة لبعضها بعغضاً، وأن لكل منها إسهامها الحضاري والثقافي.
وما يخص علاقته بالثقافة العربية الإسلامية، تكون له الصدارة، وفي بنية الدراسات المضاءة بمحتواها.
وما ينسَب إليه قولاً، يركّز على جانب التفاني في مسلك وجداني كهذا، وفي مسرد ثقافي طويل نسبياً( كنتُ قد فهمتُ بالفعل ليس فقط أن الاستشراق كان مفهومًا فارغًا لعقود، بل أيضًا أن هذه البلدان، بدلًا من أن تُبعدني عن الأحداث الجارية، زجّت بي فيها إلى أقصى حد. وهذا أفضل بكثير! كان التاريخ موجودًا، ممزوجًا بالأماكن والثقافات والمناظر الطبيعية. بينما كنتُ أُعدّ كتابي الأول المُخصّص للأساطير الكلاسيكية، زرتُ سوريا ولبنان وجنوب تركيا والعراق... كما اكتشفتُ بالتجربة والخطأ شيئًا سيكون أساسيًا لبقية أعمالي: شعرتُ أنني مُستعرب أكثر من كوني باحثًا في الإسلام. أعني أن الثقافة العربية، مهما تشبعت بالإسلام الذي نشأ هناك، أقدم وأوسع نطاقًا. نكتشف هناك، وتحديدًا في اللفتة الغرامية الواسعة في "مجنون وليلى"، احتجاجًا شعريًا للبدو، وللصحراء، ولتقليد تُناضل ضده المراكز الحضرية. إذا كان الإسلام عربيًا، يُمكننا القول، فإن الثقافة العربية بعيدة كل البعد عن كونها إسلامية تمامًا. ومن هنا جاء اهتمامي بالجغرافيين القدماء. في حين أن كل الأدب العربي الكلاسيكي - بما في ذلك ألف ليلة وليلة - يأتي من علماء ومتخصصين في الثقافة الإسلامية، فإن الرحالة الجغرافيين، سواء كانوا سنة أو شيعة، هم أشخاص متوسطو التعليم وذوو تعليم متوسط، وفي أغلب الأحيان معتدلون، ولا يسعون إلى جعل كل شيء يتناسب بالضرورة مع الصرامة أو المشروع اللاهوتي. "
مفارقة أخرى. هذا المستعرب الذي لا جدال فيه يلعب لعبة القط والفأر مع الإسلام. إنه معجب بكثافتها المفاهيمية، لكنه لا يشاركها في عقلانيتها الروحية الدقيقة. وفي نهاية المطاف، فإن الخلل المزمن في العلاقة بين اليهودية والمسيحية يحتفظ بتفضيلاته إلى حد ما ــ بشكل سري. وهو يعلم أن الناس في العالم العربي لا يمزحون بشأن هذا الموضوع.) " 8 "
ولتنوير ما تقدم، ومن خلال كتاب أسامة، وأسامة في الكتاب كما وصلنا، وكما وصل الأوربيين، وكما وصلنا تالياً بهيئة أخرى عن طريقهم، ومن خلال ميكيل، وجهة الموقف من أكثر الفترات التاريخية صخباً، وجلبة للسجالات، ذات الطابع الديني، وامتدادت ذلك إلى الراهن" الحروب الصليبية بساحاتها ورجالاتها ورهاناتها " وكيف كان ينظَر إلى كل ذلك من قبل الكتاب وقتذاك، أورد، كنموذج مختلف، من نوع مميَّز، لحقيقة ما جرى، ومكانة أسامة بن منقذ في الذي أدلى به في " الاعتبار " في مقال لا يخفي طوله وعمقه وسوية طرحه لباحث، أوجز الكثير مما كان يقال سابقاً ولاحقاً، تاركاً التعليق أو تحديد الموقف للقارىء في مختتم هذا المقال:
في تاريخ العنف الحربي في البحر الأبيض المتوسط، تظل الحروب الصليبية، حتى يومنا هذا، مدينة بمنظور ومعالجة خاصين: فالحروب وأعمال العنف، الدامية والدموية على حد سواء، كانت متكررة وطويلة ومدمرة منذ ما قبل التاريخ وحتى عام 1096، بداية الحملة الصليبية الأولى، ومنذ عام 1291، تاريخ نهاية الحملة الصليبية الثامنة، وحتى أيلول 2003 وحرب العراق الثانية، التي نشهدها كل يوم.
وفي الخطاب نفسه عن الحرب وعن الحرب، نكتشف استثناءً لا يصدق إلى حد ما، حيث لا يُستثنى منه العنف القاتل ـ بل على العكس من ذلك، لأنه حاضر بكثافة ـ ولكنه يختلف، في الشكل كما في المضمون، عن كل السجلات. هذا هو كتاب الاعتبار للمؤلف السوري أسامة بن منقذ2 في القرن الثاني عشر، ترجمة أندريه ميكيل. وُلِد هذا الأمير من وادي العاصي في عام 1095 وتوفي في عام 1188، عن عمر يناهز مائة عام تقريبًا، بعد حياة من الحرب والصيد، ولكن أيضًا الدبلوماسية والكتابة: ترك اثني عشر عملاً في مواضيع مختلفة، بالإضافة إلى سيرته الذاتية، والتي تم اكتشاف النسخة الوحيدة المعروفة منها في عام 1880 من قبل ديرينبورغ في مكتبة الإسكوريال. إنها، ما لم يكن هناك اكتشاف جديد، أول سيرة ذاتية في تاريخ الأدب العربي.
كما هو الحال مع أي علم أنثروبولوجيا، فإن عمل أسامة يتعامل مع الحياة الاجتماعية بطريقة منطقية، ويميزها إلى أجزاء. وهذه هي طبيعة أي وصف للآخر؛ وهذا الآخر، له اسم واحد فقط، مهما كانت عاداته ولغاته، طالما أنه أوربي وليس عربياً مسيحياً: الإفرنجيون، الفرنجةة، مصحوبون حتماً، في كل من استحضاراتهم، بالخلود: لعنهم الله، أذلهم الله، وغيرها من اللعنات من هذا النوع التي تعبر عن طقوس صيغة، والتي لا تنتهي إلى أكثر من دال يُنسى معناه. كان الفرنجةة ــ ولكن أيضاً الروم (البيزنطيون)، الذين لم يكونوا حاضرين كثيراً وكان من الممكن أن يكونوا حلفاء محتملين للمسلمين منذ أن استولى الصليبيون على القسطنطينية ونهبوها في عام 1253 ــ قد طوروا نفس الأسلوب الصيغي في لغة نمطية لوصم المسلمين.
يبدو لي أن استعادة صورة الفرنجة (المختلفة تمامًا عن المسيحي العربي الذي يُعتبر عربيًا في البداية وعاش دائمًا بين العرب الآخرين) في السجلات العربية للحروب الصليبية، ترقى إلى قراءة السجلات المسيحية بطريقة متناظرة ومتجانسة في بعض الأحيان وحتى متجانسة، وفي جميع الحالات، غامضة: "إن الفرنجة، الذين يرفض الله مساعدتهم، ليس لديهم أي من مزايا الجنس البشري، باستثناء الشجاعة.
ولكن عدالة الفرنجة هي أيضًا تلك التي قدمها ملك القدس، فولك الخامس من أنجو، الذي اشتكى إليه أسامة من سرقة قطيع من الأغنام. بعد وصف إجراءات القانون الفرنجةي، حيث نكتشف أن المحلفين، في جمعية مداولة، يحكمون ويدينون بسيادة، يتم الحكم على اللص المسيحي بغرامة باهظة تأخذ في الاعتبار عواقب السرقة والتكاليف القانونية التي يجب على الطرف المذنب دفعها. وليس للملك سلطة أخرى سوى التصديق.
يضرب الغموض أعماقَ فهم المجتمع الفرنجةي، لأن أسامة لا يُعمّم، إذ يلاحظ أن الفرنجةة ليسوا متشابهين: يروي أسامة حادثةً بينه وبين فرنجيٍّ وافدٍ حديثًا من أوربا، برفقة فرنجيٍّ مقيمٍ منذ زمنٍ طويلٍ في القدس، فيكتشف ما يلي: "جميع الوافدين الجدد إلى بلاد الفرنجةة يتحلّون بسلوكٍ أكثر وحشيةً من أولئك الذين تأقلموا وترددوا على المسلمين. ويُلاحَظ هذا حتى في فنون الطهي، إذ عندما دُعي ليكون رفيقًا لأحد أصدقائه الفرنجة من أنطاكية في الطعام، اكتشف أن هذا الأخير لديه طهاةٌ مصريون، وأن لحم الخنزير لا يدخل بيته أبدًا. وبعد أن أصبح رفيقًا لفارس فرنجي، نجا من الإعدام شنقًا على يد مضيفه، الذي كذب على أبناء دينه، وصوّره على أنه تاجر، في حين كان الفرنجة يعرفون أن أسامة كان محاربًا مسلمًا هائلاً، وعلاوة على ذلك، كان أميرًا. يختتم هذه الحادثة بهذه الكلمات: "وهاجم الفارس، بصيحات عالية، الناس الذين تجمعوا. تفرقوا بينما اقتادني بعيدًا، ويدي في يده. هذه كانت عواقب تناول وجبة طعام معًا: لقد نجوت من الموت. "
الحرب هي الموضوع الوحيد في سجلات كلا الجانبين. نحن نتحدث عن عنف الحرب باعتباره عنفًا رمزيًا لأن الحرب هي حرب دينية. في هذه الظروف، تصبح السجلات بمثابة حرب تُحمل بالكلمات، وبالكلمات. اللغة بحد ذاتها حرب. نحن لا نكتب لكي يقرأنا الآخر، بل من أجل "الذاكرة المستقبلية"، للقراء المستقبليين. لقد تم تقديس الحرب في المسيحية منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية وتأسيس مؤسسة البابوية المبنية على سيادة أسقف روما." 9 ".
مصادر وإشارات
1-أندريه ميكيل: أسامة": أمير عربي في مواجهة الصليبيين "، ترجمة: بدالدين عرودكي، دار المحيط،الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2025، في " 176 " صفحة من القطع الوسط، وتجليد أني، وكل الإحالات المرجعية بخصوص الكتاب، في المتن، تخص هذه الطبعة .
2-ينظر:
novembre 10, 2008
Ousâma : un prince syrien face aux croisés
sohrawardi.blogspot.com
3-فيليب لوجون: السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة وتقديم: عمر حلي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1994، ص 35 .
4-المصدر نفسه، ص 27
-5 Chloé Vettier
ostérité du Pacte autobiographique
كلوي فيتييه: إرث الميثاق، السيرة الذاتية
6- قصص السيرة الذاتية
7- أحيل القارىء هنا إلى : كتاب الاعتبار، لأسامة بن منقذ الكتاني الشيرزي ( 488-584 هـ/ 1095-1188 م)، مذكرات أسامة بن منقذ في الحروب الصليبية مع ملحقها في أخبار الصالحين ومشاهد الصيد والنص. دقق نصوصها وفصَّل فقرها، وقدَّم لها، وعلَّق عليها د. عبدالكريم الأشتر، المكتب الإسلامي، ط2، كاملة ومنقحة، 2003 . والإحالات المرجعية تخص هذا الطبعة .
-8 Jean-Maurice de Montremy : Le bon plaisir d'André Miquel
جان موريس دي مونتريمي: متعة أندريه ميكيل
-9Ahmed Ben Naoum: Figures de la Chrétienté dans une chronique arabe des Croisades
أحمد بن نعوم: شخصيات مسيحية في سجل عربي للحروب الصليبية
يتقدم الزمان النفسي بقواه الحية، في مضمار الارتحال في التاريخ بزمانه ومكانه،ليتشكل حوار عن بُعد، صامت، ولكنه صاخب أحياناً،لأن هذا الآخر الذي يكون موضوع اهتمامنا، هو أليفنا حقيقة، رغم اختلافه عنا واقعاً.
دون ذلك، كيف تسنّى لأندريه ميكيل André Miquel ، المستعرب الفرنسي الشهير، أن يهتم، من بين اهتماماته النوعية، بالأدبيات العربية الإسلامية، ومنها ما هو في الواجهة، بأثره النفسي" جغرافية دار الإسلام " في مجلدات عدة، باسم، وهواسم علَم عربي مسلم، ليس عادياً هنا، وتفصله عنه مسافة زمنية، تتجاوز ثمانية قرون، وفي موضوع لا يخفي فتنة محتواه، وبراعته في آن، وفي أثَر له جانبه الريادي تكويناً، أي : كتاب " الاعتبار" لأسامة بن منقذ، بوصفه تحفة أدبية، تاريخية، حِكَمية، تجمع بين ما هو سِيَري ومذكراتي، وإن كان هناك من يرجّح كفة السّيري الذاتي على المذكرتي؟ كتاب ظهر باسمه الفرنسي:
Ousama, un prince syrien face aux croisés
أي" أمير سوري في مواجهة الصليبيين "، وفي طبعته الفرنسية الأولى " 1986 "، أي قبل قرابة أربعة عقود زمنية، وهو حساب زمني نوعي، لحظة النظر في بنيته، ومغزى عدم الاهتمام به عربياً إلا حديثاً. ليجد نفسه مترجَماً في ضيافة لغة أسامة الأم" العربية " وعلى يد باحث ومترجم بارع هو بدرالدين عرودكي "1 "، إنما مع تغيير في صلب المضاء للعنوان، حيث تحل عبارة " أمير عربي " محل " أمير سوري " والموجودة في النسخة الفرنسية. ربما ذلك لا يؤخَذ بعين الاعتبار كثيراً، لأن أسامة كان ينتمي إلى منطقة جغرافية سورية، كما سنرى، في قراءتنا للكتاب، ولكن الدلالة تبقى مختلفة، مراعاة للزمان والمكان، وبناء على علاقات أسامة هذا مع وسطه الاجتماعي والثقافي والديني في الواجهة، ومن باب الإخلاص للتاريخ، على وجه التحديد ، وجهة ربط الاسم بما يليه، في لقبه " بصفته أميراً " في مواجهة الصليبيين، وهي علاقة تنسيبية لها زمانها وسيستامها العلمي طبعاً.
يطرح الكتاب نفسه خارجاً، بقدْر ما يفعّل نفسه داخلاً: خارجاً من خلال رأسماله الأدبي- التاريخي، بنوعه المسطور: سِيَرياً، كشهادة ذات ٍ ما كانت مألوفة، وهي تلوّح بـ" أناها " بضمير متكلمها، وفي غمرة الانصهار في الذات الجماعية، وبمأثرة الحمّى الدينية" الإسلامية "، وكيفية تلاقي الفردي بالجماعي، وداخلاً،ما يكون لكتابة كهذه من قابلية على تجديد نفسها، في التعبير عما يمنحها أهلية الارتحال في التاريخ، وفي أكثر من لغة، والفرنسية لغة واضع الكتاب هنا" ميكيل " إحداها. أي حيث بقي الكتاب مقروءاً داخلاً بلغته العربية، ليُقرأ بمعايير ذوقية وتقديرات ثقافية على الطرف الآخر: الغربي، من المتوسط، فرنسياً، ولينظَر في أمره، مترجَماً إلى اللغة الأولى، إنما هذه المرة، تبعاً لاعتبار آخر، من نوع ثقافي، يعزّز فضيلة تاريخية، ثقافية في بنيته، وبالتالي، ليؤخَذ الكتاب: كتاب الاعتبار، كما لو أنه مختلف عما عرِف به.. هكذا تمارس القراءات والترجمات المؤثرة" النوعية " دورها في تحرير نصوصها من إطارها الزمكاني المحدد، وجعْلها تحيا بهيئات جديدة..
ثمة الكثير، الممكن قوله على خلفية قراءة كتاب ميكيل، وهو كتاب أسامة، وهو في الحالتين كتاب مترجمه: عرودكي كذلك، وحتى كتابي من خلال طريقة تناولي له، ولكل منهم، لكل منا، نصيبه في إبراز هذه" المأدبة " السّيرية حيث تشهد زخماً تاريخياً فولكلوريّ المقام.
ومن خلال متابعتي لعملية المتابعة هذه، وجدتني داخلاً في نوع من الشراكة البحثية، وعن بعد، قدر المستطاع.
تنوير تاريخي
بالنسبة لأندريه ميكيل، يعتبَر قارئاً موسوعياً، وكاتباً موسوعياً، وعاشق قراءات متنوعة، ولا يخفى موقعه الكبير والمعتبَر كمستعرب، كما يليق به هذا الاسم: اللقب، ويشدد عليه، وليس كمستشرق، جرّاء سوء الصيت للأخير، وهو في علاقته الزمنية الطويلة والمثمرة، مع الثقافة العربية، وعما هو إسلامي، وهو مأخوذ بها " أي الثقافة هذه "في تنوع ألسنة الذين أسهموا في تدشينها وهي من جهتها تسمّي جهات مختلفة فيه.
تتجاوب هذه اللمحة التوصيفية مع شخصية حامل الكتاب ومحموله: أسامة، الذي عرِف بانفتاحه على ثقافات، وعرِف بتنوع علاقاته في مجتمع عربي- إسلامي، وإبان الحروب الصليبية، وصدى كتابه: الاعتبار، ومغزى العنوان/ الاسم، ورهان المحتوى، والمتوخى منه كذلك، وبلوغه إلينا، يتوئم، إن جاز التعبير، هذه العلاقة البينية.
انفتاح يقابل انفتاحاً، ويشدد على انفتاح، وإشعار بمأثرة هذه اللقيا الوجدانية- الذهنية، بأكثر من معنى. واللافت هنا، أن الاثنين، كما يقول سجلهما الشخصي، أمضيا عمراً واحداً، وهو مميَّز بطوله الحسابي، أي " 93 سنة ":
بالنسبة لأسامة بن منقذ " 1095-1188 م "، وبالنسبة لأندريه ميكيل " 1929-2022 م ".
نقرأ على غلاف الوارد عن الكتاب في طبعته الفرنسية لعام : فايار" 1986 ":
إن ملحمة الحروب الصليبية ومملكة الفرنجةة في القدس معروفة لنا بشكل رئيس من خلال قصة الفرسان الذين قدموا من الغرب المسيحي. إن وجهة النظر الشرقية، وجهة النظر العربية والإسلامية، يتم تجاهلها في كثير من الأحيان. كان أسامة بن منقذ الفاعل والشاهد، المحارب والشاعر. ابن أخ أمير شيزر، أمضى جزءاً من حياته في هذه القلعة الواقعة في شمال سوريا على ضفاف نهر العاصي. وُلِد في زمن الحملة الصليبية الأولى، ومات بعد بضعة أشهر من استعادة القدس، بعد أن سحق صلاح الدين الفرنجةة في حطين عام 1187.
حياته مكرسة بالكامل للصيد والحرب والصلاة. ومن شيزر إلى دمشق، ومن دمشق إلى القاهرة، ثم عائداً إلى دمشق، خدم هذا الأمير المسلم ثلاثة قادة عظماء وسادات الإسلام على التوالي: زنكي، ونور الدين، وصلاح الدين. لقد ترك لنا سيرة ذاتية، وهو عمل غير عادي في الأدب العربي الكلاسيكي.
لقد جعل أندريه ميكيل، باعتباره مؤرخًا مثقفًا وكاتبًا موهوبًا، قصة أسامة مِلكًا له لينقل إلينا بشكل أفضل رقعة الشطرنج المعقدة في الشرق الأدنى المقسمة بين الإمارات الإسلامية، والعلاقات المتضاربة بين العرب والأتراك والفرنجةة. لقد جعل أسامة نموذجًا للفروسية الشرقية، بقواعدها، وطقوسها، وإعلائها للحب، والصداقة، والمغامرة، والشرف. وفي الوقت نفسه، يسلط الفيلم الضوء على المواجهة الصارخة بين الإسلام والمسيحية التي ميزت العصور الوسطى لدينا.
وما ورد على غلاف الكتاب في طبعة : تالانديه" 2007 ":
ملحمة الحروب الصليبية، وسيادات الفرنجةة في الأرض المقدسة، والعديد من الأحداث والأماكن التي نعرفها في المقام الأول من خلال قصص الفرسان المسيحيين، الذين قدموا من الغرب أو ولدوا في الولايات اللاتينية. إن هذا الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية للأمير السوري أسامة بن منقذ (1095-1187)، بل يقدم لنا أندريه ميكيل درساً حقيقياً في الكتابة والتأمل. وقد ترك أسامة، على نحو غير معتاد في أدب عصره، سيرة ذاتية ألهمت هذه القصة عن الرؤية العربية للصليبيين. لقد عاش حياة الفارس والمتمرد والحكيم. إن صورته للفرنجة، على الرغم من كرههم وغرابة أطوارهم، أعداء في الإيمان ولكن متساوون في القيمة، تشكل درساً رائعاً في التسامح...
ذلك يشكل تعزيزاً لتاريخ لا يقع خلفنا بتنوع مجتمعاته، إنما يعلّمنا بأصداء علاقاته، ففي صميم ما كان يقال في الفترة الزمنية تلك، عن الخصومات، والحروب، والفتن، والقتل، والدساس..، كان هناك ديمومة حب تتغذى على النظر واسعاً إلى العالم، كان للحب دوره، للصداقة دورها، لكرم الضيافة دوره، لتقدير الآخر اعتباره ودوره..
أي ما يجعل الحرص على الحياة أكثر حضوراً، ودون ذلك، ما كان هذا البقاء النوعي لمن انهموا به وحمَوه.
وما يدخل في باب الطرافة، وتأنيس الموضوع، وتعزيز العلاقة هذه، هو ما تلمسته في تعليقات على تقديم كتاب ميكيل عن أسامة، وهي تفصح عن خلفية هذا الاهتمام، كعلاقات تثاقفية :
مجهول4:54 مساءً
أشكركم جزيل الشكر على تقديم هذا العمل الرائع الذي يعتبر، كما تقول، شهادة حية (وأود أن أضيف أنها دموية، وخاصة عندما تكون في بلاط الفاطميين) من عصر الحروب الصليبية. هناك شيء واحد لم أفهمه تمامًا. هل النص المنشور في مجموعة "تيكستو" هذه هو النص الأصلي الذي كتبه أندريه ميكيل، أم أنه تم مراجعته لجعله أكثر سلاسة؟
إجابة
ساندراين أليكسي 5:06 مساءً
لقد تم تكثيفها وإعادة صياغتها بشكل كبير لجعلها سردًا "سيريًا ذاتيًا" (أقصر)، منظمًا زمنيًا وبنبرة أكثر سهولة في الوصول إلى القارئ المعاصر. كانت المناقشة قصيرة جدًا، وتم حذف العديد من الحكايات. وأضاف أندريه ميكيل أيضًا، كاتبًا بضمير المتكلم، وكأن أسامة يتحدث إلى نفسه، عناصر لا تظهر في النص الأصلي ولكننا نعرفها عن حياته من مصادر أخرى.
من الواضح أن لا شيء يتفوق على الطبعة الأولى التي تعد الترجمة الأمينة والكاملة (التي نشرتها المطبعة الوطنية). لا يزال من الممكن العثور عليه في مكتبات الكتب المستعملة، في بعض الأحيان يكون باهظ الثمن، وفي بعض الأحيان يكون بسعر جيد جدًا. هذا الكتاب مخصص لأولئك الذين لديهم ميزانية أو لأولئك الذين ليسوا على دراية بالأدب في العصور الوسطى؛ أو بالنسبة لأولئك الذين ليسوا على دراية بهذه الفترة، فهي طريقة أسهل.
إجابة
مجهول 9:13 صباحًا
شكراً لكم على جميع تعليقاتكم. قرأت هذا الكتاب في مجموعة "مجهولات التاريخ" في فايار. أتخيل أن هذه هي نفس النسخة التي يجب نشرها في texto. على أية حال، سأحاول الحصول على النسخة "الأصلية".
يوجد في مجموعة "تيكستو" عمل آخر رائع: "سقوط القسطنطينية" بقلم ستيفن رانسيمان. ومن ناحية أخرى، أجد أن الترجمة من اللغة الإنجليزية تترك شيئا مما هو مرغوب فيه. ما لم يكن المترجم يواجه صعوبة في كتابة نص سليم باللغة الفرنسية. ورغم ذلك فإن الكتاب رائع." 2 "
أحسب أن ذلك يثْري الكتاب ومحيطه الاجتماعي في الوقت نفسه .
كتاب أسامة، أهو سِيَري وكيف؟
يطرح السؤال هذا نفسه، من موقع استفساري، ولتحديد علاقة قرائية مع الكتاب. قرَّر في أكثر من تناول له، على أنه كتاب سيرة ذاتية: سيرة ذاتية عربية رائدة في مجالها، وفي حسابها الزماني. أهو هكذا؟ وكيف؟ وثمة ما يدخِل الكتاب في خانة " المذكرات " انطلاقاً من اعتبارات كتابية" طريقة تعبير ومعايشة نفسية. الرهان عالق هنا .
ترجيح السّيري يتأتى من الحمولة الثقافية والدلالية الممنوحة للتسمية. وعلى خلفية ما يقال في مفهوم " السيرة الذاتية " وأرضها الزلقة وصعبة الإقامة فيها، لأنها تتطلب قدْراً معلوماً من المكاشفة الذاتية، حيث الخروج بها إلى " عري الطبيعة " هو حقيقتها، وجعل الذات في أغوارها وما يسمّي المسكوت عنه فيه واضحة وصريحة. المذكرات لا تمتلك ذلك الرنين وصداه النفسي المعتبَر، لأن هناك مجالاً للمناورة حول الذات، بينما في السيرة الذاتية، فالمناورة تبقى دائماً محك اختبار للذات، وتنبّهها إلى أنها محكومة ومأخوذة بما عرَّفت به نفسها، وما عليها إلا أن تكون مخلصة لمثل هذا الإقرار الداخلي، ومن خلال " أنا " ضمير المتكلم فيها. المخاض عسير!
أن تكون السيرة الذاتية، مفتاحاً للنظر في الكتاب وقراءته، يعني أن نحدد زاوية الرؤية، وعملية البحث من خلالها وما في ذلك من وجوب التزام الدقة واليقظة، خصوصاً، وأن لهذا الضمير " ضمير المتكلم المفرد " الفقاعة العائمة على سطح مقول القول جرّاء تداوله، الكثير من الحضورات، ومحل مساءلات، في حصاد " عمله ".
وما يشدّد على مشروعية ملازمة ِ روية كهذه، في سردية العائد إليه، هو جانب المسافة الهائلة، والمنقسمة على نفسها، بين " أنا " ينبّه إلى متكلمه مباشرة، وهو مفرد، و" أنا " بعيد عنه، لأنه يقع في ذمة زمان ومكان غير حاضرين، و" أنا " يتوسطهما، وربما يراوغ في تسريب مؤثرات خاصة به، لمتعة نفسية محجَّبة . لنذكر هنا بمعضلة الذات الأفعوانية أحياناً صحبة أناها.
لنستعن بما برع في هذه المتابعات الأركيولوجية في صميم هذه السيرة، فيليب لوجون، كما في قوله( ليس المؤلف مجرد شخص. إنه شخص يكتب وينشر. ولأنه متواجد خارج- النص وفي النص، فإنه يعتبر صلة بين الاثنين، ويتحدد باعتباره شخصاً واقعياً مسؤولاً اجتماعياً، ومنتجاً لخطاب، في نفس الوقت..) " 3 " .
يتعزز هذا التوضيح بما يمنحه حضوراً محسوساً، وهو أن الموسوم بـ" المؤلف " كائن اجتماعي من لحم ودم، وأنه يجسد شخصية مجتمعية في أصلها، وهو مأهول تقويمات عملية ونظرية، طقوسية وشعائرية ذات مردود اجتماعي وبيئي وتاريخي، وفي الفصل بين الفردي والاجتماعي، توازياً مع ىتاريخ حي، ليس بالأمر السهل. ومن جهة القارىء، فإن الإقبال على قراءة نص موقًّع عليه طي تأشيرة" سيرة ذاتية " يوقظ في القارىء إرادة معرفية لا تخفي تحفظها، وحتى شكها المشروع في مؤتى هذه التأشير، لأنه معني بفعل الأنا، الناطق في النص والمستنطق له في آن، أنا يشد إلى تاريخ كان وأنا يستدعيه في تاريخ قيد التشكل مع قارىء، هو الذي يتولى أمر رعايته، والانشغال بنوعية أدائه، وما إذا كان، كما هو ادعاؤه، أنه مسنود بنفسه كذات قائمة، ومنفتح خارجاً.
بالطريقة هذه، ( يجب أن نفهم من " الضمير النحوي " هنا، ذلك الضمير المستخدم بطريقة متميزة على امتداد الحكي. فمن البديهي أن ؟ ضمير المتكلم ": لا يدرك دون " ضمير مخاطب " ( القارىء)، غير أن هذا الأخير يبقى ضمنياً هو الآخر، كما يمكن للسرد بضمير الغائب أن يتضمن تدخلات للسارد بضمير المتكلم..) " 4 ".
نعم، الرهان على ضمير له عراقته، إنما له " سوابقه " في إضبارة ضخمة تتقدم واجهة الضمائر المستخدمة في السرود المعلومة تاريخياً إلى الآن، وله جانب إغرائي، يسهّل الاستجابة لصوته الداخلي الرنان، لكنه قد يسهّل عملية الوقوع في مصيدة ما يستبطن الأنا، ما يمرر تصورات وأحكاماً، هي من نتاج ضمير آخر، أو ليس وحده، وتحديداً، حين يتعلق الأمر بموضوع مشهود له برحابة المكونات الثقافية، بمجتمعه الحي والتاريخي أيضاً.
هناك أكثر واحد حسي ومجرد وخليط منهما، في بؤرة التوتر السردية، وهو ما تنبغي مراعاته، حيث إن ( وضع المؤلف ("هوية المؤلف (الذي يشير اسمه إلى شخص حقيقي) والراوي") وموقف الراوي ("هوية الراوي والشخصية الرئيسة") يمثلان أسس هذا النوع، وبالتالي فهما "مسألة إما كل شيء أو لا شيء"..) " 5 "
إن الوارد هنا، ليس تحصينات تحجب ما وراءها من بشر وكائنات أخرى، إنما ما يبقي المسطور معروضاً للنطق بما يخفيه، بمؤثره، أو بحامله الخفي. كما في الربط بين هذه المتواليات: المؤلف، الراوي، السارد الضمني، وحتى القارىء المعتبر" المؤلف نفسه هو قارىء آخر، ولنفسه " وهو حساب مكثّف بمعناه .
وهذا التركيز على مثل هذا النوع في الكتاب تماشى حديثاً مع خاصية الفردانية ومنجزاتها المعتبَرة في مجتمعات توليها اهتماماً كبيراً في عهدة الحداثة وما بعدها، أي ما يكون للفرد المعطى حقوقاً تتناسب وقواه الحية وعطاءاته بالتأكيد، وما لضمير " الأنا " من قيمة منوَّه إليها، تسمية مباشرة وغير مباشرة ، وفي تتبعها تعبير عن ظمأ نفسي، توق إلى هذا المتكلم، ومن يكون، وكيف يكون، وما في ذلك من تحد للذات المقابلة. نعم (لقد أصبح الحديث عن النفس، ورواية قصة المرء، وتمثيل نفسه، مع مرور الوقت، قضايا رئيسة في مجتمعنا؛ الجميع، من المجهول إلى نجم السينما أو الرياضة، يروي قصة حياته، طفولته، مرض والده أو والدته، وجوده كعامل مزرعة، عامل منجم... لماذا وكيف يروي قصة حياته؟)
وما يشرع لذلك"
حيث إن (أسباب الشروع في مشروع سيرة ذاتية متعددة ومتنوعة: الحديث عن الذات من أجل الذات أو من أجل الآخرين، معرفة الذات، فهم الشخصية، استرجاع الرحلة الشخصية، الشهادة على تجربة معينة، شرح الذات، شرح خيارات الحياة، الخيارات السياسية، الشهادة على الأحداث المهمة.. إلخ. ) " 6 "
من هذا المعزَّز قاعدياً، يمكن مضاعفة الاهتمام بما يقدَّم في هذا السياق، وذلك التعويل عليه ومآله القيمي.
وعربياً، يسهل تبين هذا التأكيد على محورية " السيرة الذاتية " في عمل أسامة، وعلى صعيد جامعي، بصورة لافتة، وفي ذلك يتقابل تاريخ ما كان ذات يوم، وما يستفاد منه في تاريخ قائم.
من ذلك ، هذه اللائحة من العناوين:
-الاعتبار من كتاب الاعتبار..لسري سمو.
-كتاب "الإعتبار" لأسامة بن منقذ دراسة تحليلية " إعداد الطالبة براءة محمود السقرات- رسالة ماجستير.2011.
" ينظَر ضمناً، فن السيرة- مفهوم فن السيرة " في الفهرس.
-المكونات السردية في السيرة الذاتية: كتاب (الاعتبار) نموذجاً. لعبداتلله محمد الغزالي- جامعة الكويت
-«اعتبار» أسامة بن منقذ: هل هي شهادة التاريخ الذي يعيد نفسه؟" مذكرات أم سيرة ؟ لـ : عبدالله الوراري
حيث نقرأ ما هو مختلف هنا:
الكتاب في الأصل مُذكراتٌ دونها أسامة بضمير المتكلم، وكانت حياته محور فصولها وأحداثها، منذ نشأته في قلعة شَيْزر، إلى أن شب عن الطوق وانخرط، فتيا، في خوض القتال ضد الإفرنج في حربهم على ديار المسلمين؛ فصار قائدا عسكريا أدلى بسيفه قبل قلمه في هذه الحرب التي سماها الأورُبيون «الحروب الصليبية».
-جماليات التشكل في السيرة الذاتية كتاب الاعتبار" لأسامة بن منقذ، نموذجاً، للدكتورة وئام سيد أحمد أنس.
-فن السيرة الذاتية في كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ، د.سامر البارودي، الطبعة الأولى، بيروت: دار التربية الهادفة للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤٤٠هـ/ ٢٠١٩م.
-"كتاب الاعتبار" لأسامة بن منقذ: أول سيرة ذاتية في التاريخ العربي- وليد فخري، 2016.
وما هو جدير بالتذكير:
لا يمكن اختصار قيمة كتاب الاعتبار في كونه "الأول من نوعه" بين السير الذاتية، إنما تكمن القيمة الأكبر في أنه من الأعمال النادرة التي تناولت "المسكوت عنه" في تاريخ الحروب الصليبية، سواء طبيعة حياة الإفرنج في المشرق العربي، أو ما كان يجري في دهاليز القوى الإسلامية المتصارعة، والجانب الإنساني من التفاعل بين العرب المحليين والمستوطنين الإفرنج. كما تناول التأثير الثقافي والاجتماعي العربي في الإفرنج، كمثال أحد أمرائهم الذي كان يفخر أمام مؤلف الكتاب، بأنه يرتدي الزي العربي ويكلف طباخته المصرية أن تصنع له أطعمة شرقية خالية من الدم والخمر ولحم الخنزير. أو كالفارس الفرنسي، الذي أعجب بفكرة حلاقة شعر الأعضاء التناسلية في الحمام العربي، فطلب من الحمامي أن يحلق له عضوه ثم أحضر له زوجته في اليوم التالي ليحلق لها. تلك التفاصيل التي يخطئ البعض باعتبارها مجرد "طرائف"، بينما هي تدوين وحفظ دقيق لجوانب أخرى من التفاعل العربي الأورُبي، قل أن تضمنتها كتابات تلك الفترة...
....إلخ .
إضاءة معتبَرة
قارىء كتاب أسامة بن منقذ، يتلمس مثل هذا الغنى، وهذه الكشوفات المحيطية، في زمان أشكل فيه كل شيء على نفسه: إنساناً وسواه. ويمكن إيراد ما يقرّبنا منه " 7 "
نقرأ لمن قدم للكتاب بداية، وهو زهير الشاويش ( وقد أملى أسامة كتاب " الاعتبار "، في دمشق، في عهد الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، وهو ابن تسعين سنة ( 578هـ)، على ما يقول في خاتمة الكتاب، وأغلب الظن أنه جمعه مما كان يدوّنه من الحوادث والأخبار في جزازات، ودفاتر، فإنه يتعذر على من بلغ التسعين أن يتذكر هذا القدر الهائل من جزئيات تلك الوقائع . ص 9 ..
وهو ما يقبل المناقشة، ويشرعن لأي مساءلة ذات صفة قانونية لجعل الكتاب كتاب تاريخ ومجتمع، أي ما يكون للزمن من دور مركَّب في إنضاج " ثمرة " كاتبه، أو إفسادها، أو تسميمها!
وتم ذلك، لأنه وجد في ظل الملك الناصر هدوءاً وسكينة، وحافزاً لأن يلنملم شتات نفسه، ويستشرف ما كان بعيداً وقريباً، وهو يستشعر دنوّ أجله( فأمَّنني جميل رأيه حادث الحادثات، وأخلف لي إنعامه ما سلبه الزمان بالنكبات المجحفات . ص 264 ) .
وما يقوله الأشتر يسهم في التوضيح لخلفية الكتاب، بالنسبة لمن وجد نفسه في مثل هذا المقام، وهذا العمر المتقدم ( في هذه الأيام إذن، وقد نيَّف أسامة على التسعين، أو بلغها، أخذ يسترجع ماضيه ويستعيد حوادثه وذكرياته، ويستذكر صحبته لرجال العصر من المسلمين والإفرنج، وما قع له معهم في ساحات الحرب، وأيام الهُدَن، فكان من حصيلتها كتاب( الاعتبار ) الذي نحن بصده اليوم.. وقد توفي في دمشق ودفن في سفح جبل قاسيون، شرقي الصالحية على الجانب الأيمن من نهريزيد. ص 18 ).
هكذا يفعل العمر المتقدم في صاحبه، وتمارس الوقائع دورها في تلوينه بصيغ شتى. كما لو أن الذي تم، كان على إقرار نفسي، بأن تاريخاً في انتظاره، أن قارئاً مستقبلياً ما في انتظاره، لأن الذي عاشه، يخول له ذلك . لتكون العبرة في الاعتبار، على قدر الاعتبار للعبرة بالذات. فالمأساة تسخن الذاكرة، وتفيّضها بما يدفّقها ألواناً وأشكالاً.
وفي تنوع مشاهده ما يمنحله قابلية استمرارية في الوجود، إنه كتاب اثنوغرافي كذلك( على أن قيمة الكتاب تبدو في حسن تصويره لمجتمعه الذي يضطرب اضطراباً عنيفاً بما يلقى من كثرة الفتن، وتفرق الأهواء، وغلبة الأطماع، واختلال الأمن، وفشوّ التيارات الفكرية المتطرفة فيه، ثم بوصف ما يرزح تحته من ثقل غزو الإفرنج واتساع أذاه ونهوض الناس له. ص 19) .
أوليس المقروء هنا، يحفّز على المنظور إليه، والمعايش راهناً هنا وهناك؟
ولا شك أن جملة عناوين على تفاعل مباشر مع العقل، والسيرة الذاتية رافعة ثقافية مكشوفة في نسيج قولها، تعلي مكانة أسامة، كما في :
ضرورة العقل في الحرب- وضرورة العقل خارج الحرب- والحاجة إلى العقل في كل موضع- وبـ العقل تعمر البلاد- وبـ العقل تحفظ البلاد وعمرانها ( صص 162-165 ).
ومن الطبيعي في الحالة هذه، وبالنسبة لمن كان أميراً، وله إسهام مباشر في الحرب ضد الغزاة، والسعي إلى التعايش السلمي مع الآخرين، بتنوع انتماءاتهم، ومرونته في علاقاته، وتقبّله لمن حوله، يضفي قيمة اجتماعية وأخلاقية كبيرة على ما أثره ثقافياً في كتابه هذا، ويمنحه قدرة على البقاء بمحتواه ورياديته كثيراً، من الطبيعي أن يعرَف بقائمة المواصفات المعطوفة عليه تلك.
ويكون للاعتبار، اعتباره، بغضّ النظر عن إشكالة التسمية في تحديد نوعيته: سيرة ذاتية أم مذكرات، أم ماذا.
فثمة ما يجدر الوقوف عنده، وما يحفّز فعل الانفتاح عليه، ومكاشفة حتى " مدينته الفاضلة " بالصيغة المقدَّمة!
بناء عليه، تُظهر شعرية كرم المعنى لدى ميكيل، في لقاء الآخر، وما له من خصوصية تستوجب احترامها، للاغتناء بها، وهو لا يعدّ نفسه الآخر إزاء الآخر الغريب،ـ وإنما المطلوب التعرف إليه، والامتلاء باختلافه، ليكون له ما لم يكن له ثقافياً، أي إنسانياً تماماً. وهو في جوهر نشأته خطاب مستنبَت في تربة متخيل مصاب بالطعان القائمة في ثقافات أحادية الجانب، وثمة تاريخ يفنّد هذا المسار الضيق، خطاب الحاضر مدوَّن في ضوء ما كان، ليكون ما هو قائم هو قارئه المنشود، مسقط آماله، ومحط اهتمامه، لجعل الحياة أكثر ثراء .
هكذا يظهر مفهوم " اليُتم " في ظل العنوان الفرعي الأول والذي يستهل به الكتاب" في غياب الأب": الغياب ليس نفياً للأب، تنكراً أو تجاهلاً له، إنما ما يستدعيه في حساب السعي إلى معرفته، وليكون اليتم تعبيراً عن كيفية بناء أحدهم لنفسه، كما لو أنه " آدم " تكوينه الذاتي، محمَّلاً ربما برسالة حددها لنفسه، وهي في عدم تكرار حدث القتل الرمزي في فجر تاريخ مجهول التاريخ حرفياً، إنما ما يكون مجتمعاً بشرياً ( رجل استثنائي ومجهول، ولد مع أول حملة صليبية، الحملة التي دعها إليها البابا أوربان الثاني، في كليرمون، عام 1095، وتوفي عام 1188، أي بعد سنة من استعادة القدس من الإفرنج على يدي صلاح الدين الأيوبي.ص7).
هذه الاستثنائية تفعّل موقعها الحقيقي لا المجازي طبعاً، جرّاء ما عرِف به أسامة، في أساميته" أي تجليه مغايراً لمن حوله كثيراً، وباعتباره جديراً بحمل اسمه في مسماه: أسداً أليفاً مجتمعياً" وفي معمعان الصراعات، وكان نقيض مسلكها عملياً، في الذي أفصح عنه، وفي الذي تحلى به أخلاقياً.
وما العودة إلى الذات، إلا لجعل الذات هذه أكثر من كونها ذاتاً محكومة بأنا أعمى، أو عمياء،إنما ذات مجتمع ضمناً، حيث الصراعات أحالت الواقع إلى ثنائيات متضادة ، انفجارية ، رهيبة، وهو خلافها.( أرد أسامة، وهي ظاهرة فريدة في النثر العربي الكلاسيكي أن يتحدث عن نفسه، لا كما ننتظر، في شكل سيرة ذاتية أو ( اعترافات). لكن بوصفه شاهداً، يحمل درساً يريد نقله، درس مصير أمير سيّد قراراته. من هنا العنوان الذي وضعه للكتاب( الاعتبار) الذي يعني حرفياً التجربة..ص8).
وفي الذي يقبل التوحد والإثمار( كتاب عن البشر، وكتاب واحد منهم..ص9).
يتحدث جمعاً غفيراً، حين يُقرأ، ويكون فرداً أثيراً، حين يعايَن في فصيح قوله، وما في ذلك من جلاء المسئولية، ما في هذا التمييز من تعزيز لوجهيّ الشخصية، من تفاعل يفيض بالآتي، الأكثر تقبلاً للمختلف والمؤتلف .
ميكيل، حين يوسّع عتبة الرؤية، ويبسطها، فإنه تقديراً لما يراه في نموذجه المزكى حديثاً ليكون سليل ما هو أكثر منتسباً إلى مكان وزمان مؤطرين، والثقافة الانقسامية فيهما، ليكون النطق شاهداً على ناطقه، وقد أصبح مكتوباً، والمكتوب بات نزيل تاريخ، أو المسهِم في تلوينه، وفي جعل التاريخ نفسه مرحّباً به.
في التوصيف المقدَّم لنوع الكتاب، ترك الباب أوسع مما قيل فيه: شكل سيرة ذاتية أو اعترافات، ذلك يمنح مرونة في القراءة، مرونة في ترسيخ قيمة قرائية تشاركية، تلغي المسافة الزمنية، وطرح المقروء رصيد قيم مطلوبة.
وراء مقول قوله الفردي ينبض قلب ميكيل، وربما المترجم نفسه. فما يترجم، لا يترك النص على حياد، إنما يمارس فيه تطعيماً، حيث يجعل للأصل أكثر من أصل، وعلى قدْر الوعي بعمقه، يتلقى داخله مدداً نفسياً، لينظر إلى أفق أبعد مما هو مرسوم في بنية الجاري اجتماعياً وثقافياً من حوله، أبعد من الحدود المتقابلة أرضياً:
( أحببت دائماً دمشق، مدينة منافيّ، والمدينة التي سأموت فيها قريباً. الوقت يمضي. هذه اليد التي كانت من قبلُ تقتل الأسد أو العدو، ترتعش اليوم بقوة لم تعد تستطيع معها الكتابة: علي أن أملي ، أن أتذكر. غفرانك ربي، إن كانت أول رغبة تصل إلى ذاكرتي تحيلني إلى هناك، على شواطىء العاصي، نحو شبابي. ص 13).
في الكتابة مغالبة للموجود، وهو في عجزه العضوي، إنما في صحوة إرادة نفسية، تمتلك أرضية انطلاق، وتوثب، حيث الكتابة استعادة لعمر كان، وبناء لعمر يمنحه شرف المقام المحمود في تاريخ قادم. والمأساة هي الضامنة لمعرفة أكثر شفافية لما هو نفسي، واعتماد الحيلة المشروعة، لجعل الذات أكثر غنى هنا. وما هذا الشباب الموسوم، إلا تلك الجهوزية التي أعد لها نفسه، وتمثّلها في انسيابية المسطور ورحابته .
يستدعي هذا القول ما أفصح عنه أسامه هناك في " الاعتبار"( أعجزني وهن السنين عن خدمةالسلاطين،فهجرت مغشيّ أبوابهم، وقطعت أسبابي من أسبابهم،واستقلت من خدمتهم...ص263 ) .
وبين التفكير في الكتابة، وفي الذي بلغه نفسياً بعمره، والتفكير في الموت، تكون الحياة التي عاشها بضروبها، والموت يتنوع في الذي يعرَف به طبيعة، وجهة الذين لهم دور في ذلك في حروبهم وصراعاتهم، وأهوال ذلك.
كما لو أن الكتابة لا تطوى، خلاف جسده حين قضى عمراً، والكتابة حالة تفريق بين كائن وآخر.
تجاربه تشهد على خاصية الخبرة " الموتية " لديه، وكيف تحكم الأقدار( فلا يظن ظان أن الموت يقدّمه ركوب الخطر، ولا يؤخره شدة الحذر، ففي بقائي أوضح معتبَر. فكم لقيت من الأهوال، وتقحمت المخاوف والأخطار، ولاقيت الفرسان، وقتلت الأسود، وضُرِبت بالسيوف، وطُعنت بالرماح، وجرحت بالسهام، والجروخ( من آلات الحرب. المترجم)..ص 261) .
إنها خبرة عملية، وفاعل إثبات لذات يحق لها أن تدلي بشهادتها، وما يقال باسمها، أهل لأن يكون محفّز تفكير.
يتحدث أسامة، وبلسان ميكيل، عن مولده، عن موقعه، ومجتمعه وملابسات واقعه( ص 17-18-19..)، يتحدث بشكل لافت عن شجاعة نساء بيته: جدته لأبيه، إحدى عماته،أمه، الخادمة " لؤلؤة "..( ص27-28 )، ويمكن تبيّن بسالة النساء في كتابه ( ص 209، مثلاً ) . ثمة حديث مؤلم عن " صراع الأشقاء " وليس مع الأعداء( ص 44)، وهو الذي يفصح عن طول مداه وأذاه استمراراً لما سبق، وتنويراً كارثياً لما هو قائم هنا وهناك ..
طبعاً، في السردية المفتوحة، وبلسان أسامة، لا أكثر من الأخبار ومتفرقاتها، وهي تسمّي شخصيات إفرنجية، وصليبية، قادة وجنوداً، ومرافقيهم، وأناساً آخرين في وسطه، رجالاً ونساء في هيئات ىمختلفة، وما في كل ذلك من مفارقات، ومن مباغتات، ومن تداخل قيمي، وفي محك التجارب المفصلية، تذكر بكتابه وعمرانه.
يمكن ، وللنظر، إيراد جانب الفصاحة في الرؤية، من جهة أسامة، حين يقول( إنني أعترف بسهولة بميزتين للإفرنج: الشجاعة والتقدير الذي يختصون به فرسانهم..ص74)، وما يوضح المصرَّح به هنا( هؤلاء الإفرنج أنفسهم، الذين يتحلون بالشجاعة والحماس الحربي، يفتقرون أحياناً إلى أشد ضروب الحكم بساطة..ص75)، ويأتي توضيح ذلك في سرد الواقعة ذات الصلة .
ما يستحق التذكير به، في سياق هذه المتابعة الاثنوغرافية، جانب العادات وهي في بنيان ثقافي إلإرنجي، يخص نظرة " الغربي " حينذاك إلى جسمه، وفي حلاقة شعر عانته، وحتى بالنسبة لزوجته، كما يسرد أسامة ذلك دون تعليق، وعلى المكشوف، وحتى فيما بينهم، كما في موقف إفرنجي من بنته، وهو ينظر" أسفلها" فانزعج أسامة( في حين التفت الإفرنجي نحوي، وبهدوء كامل قال لي: " معك حق، إنها امرا’، وبصورة أدق إنها ابنتي، ماتت أمها، ولم يعد لها أحد من الناس يغسل لها شعرها. أخذتها لذلك إلى الحمّام معي، وغسلت لها شعرها كما كانت تفعل أمها"..ص 86) .
مشهد كهذا، ليس من السهل تنويره، أو الإتيان على وصفه بصراحة غير مسبوقة كهذه، سوى أن ما يدخل في نطاق العادة، يغدو عادياً، وعدم تعليق أسامة، يخبِرنا بمرونته، وتقديره لعادات الآخر .
وربما بناء على مشاهد من هذا النوع، يجد مؤلف " الاعتبار " صدى مبهجاً لدى ميكيل، وحداثة مبهجة بالمقابل، وذلك الشغف في الحديث عنه، بما وكما يستحق .
وفي نطاق التقابلات، كما يمكن تفهّم حركية السرد في الكتاب، في مقدور قارئه أن يبتسم طرباً من الداخل، وهو ينتقل من مشهد إلى آخر، ويتألم على وقْع التقابلات. حيث لا أكثر من الموجعات حيث يكون أهله وأخوته من المسلمين، كما في دمشق، وكيفية النظر إليه سلبياً( كل واحد يريد أن يكون له مكانه، أو بالأحرى ألّا يكون هذا المكان إلا له وحده. في عيون عدد من سادة دمشق وأثريائها كنتُ ما أزال الدخيل القادم من الشمال، الأجنبي، وكانوا لا يكادون يتحملون رؤيتي أشارك ، بفعل علاقاتي بأنُر وحدها، في قضايا الدولة، ثم عادت ضغينة قديمة...إلخ..ص93) .
في خاصية الاعتراف الذاتية، ما يجعل الصورة النفسية لأسامة، تكبر للناظر، وهي تتبع تلك التربية العائلية، والشخصية بالمقابل، فهو ابن أب كريم المتعد، امرء مبدئي، وجدير في أن يكون ابناً لأب يفتخر به، وأب لابن يفتخر به، حال علاقته بابنه مرهف، وهو في جيش صلاح الدين الأيوبي، ورمزاً أبوياً متنوراً، يستأهل كيل مديح لمناقبه، وما في ذلك من إيمان محسوس( حتى الآن تكلمت قليلاً عن إيماني، ولسبب وجيه، ذلك لأن إيماني وأسرتي يتعلقان بهذا الجزء من حياتي الذي لا يعني آخر. يمكن أن أقول ببساطة إنني تلقيت من أبي مبادىء ومثال ما يجب أن تكون عليه النفس المؤمنة، معترفاً أنني، سواء باستعداد شخصي، أو لأن حياة مضطربة لم تتح لي الوقت، كنت أؤدّي واجبات تقوانا بانتظام وتفان بلا شك..ص 142 ) .
ولا بد أن أسامة كان يعيش صراعات تترجم حقيقتها في زمانه، وفي الجهات التي عاش فيها وسبرها بعقله. ولكنها الصراعات التي أثمرت لديه ليس ثماراً مرة أو مسمومة، وإنما ثمار معرفة مشتهاة، لطلابها، ليكون الكتاب محمولاً بيمين من يتنفس قريباً منه، أو وهو يسلك طريقاً يلاصق طريقه، وشعوراً منه أنه في الذي أمله كتابة، إنما رغب في أن يتحول صوته الواهن، وقبل فوات الأوان إلى شاهد إثبات تاريخي على مسئولية تاريخية، وحصاد تجربة حياتية استغرقت عقوداً من الزمن، وضمت أشتات ثقافات وعصاراتها القيمية، بمناسباتها، ووقائعها، وحكاياتها، وخرافاتها وقصصها( قادتني هذه القصص، والتأمل الذي كنت أقوم به حول حياتي الشخصية ، حينئذ، إلى إضفاء شكل نهائي على المشروع الذي كنت أفكر فيه منذ زمن طويل: أن أنقل للآخرين المعرفة والتأملانت والخبرة التي راكمتها طوال حياتي. ص 156) .
إنه ليس حكواتياً ، على نمط السندباد البحري، ليسمِع سندباده البرّي خلاصة تجاربه البحرية وطابعها المغامراتي، إنما هو امرؤ اكتسب من صفات المروءة الكثير، ولم يضن بذكرها على غير أهلها، وهو يتصرف بطريقته، تاركاً النظر في الذي سطَّر لمن يجد في " روحه " هوى صحياً، يوقظه من غلته، أو يفلتر روحه المثقلة بالأقاويل التي تزيد طين المجتمع بلة.
والذي شهِد به بنفسه طوعياً جهة صلاح الدين وسلوكه الحربي والسلمي، يعزز المناقبية الأخلاقية المجردة من البراغماتيكية المعتادة هنا وهناك، لأن المذكور أكبر من أن ينحصر ذكره في خانة جهوية مؤطرة( سيكون هذا الرجل العظيم، بكل تأكيد، العزاء والمصيبة في سنواتي الأخيرة. بوصفي مسلماً كنت أصفّق لنجاحاته، لأنني كنت أعرف أنها مكرّسة أفضل مما كانت مع نورالدين، لإعداد النجاحات النهائية: الهزيمة الحقيقية هذه المرة للإفرنج..ص166).
وليربط انتصار صلاح الدين في حطين بنهاية حياته( عند هذا الانتصار، 583-1187، الذي لا يمكن ألّا يعلن انتصارات أخرى ينتهي تاريخ حياتي. ص 168).
هل يمكن لتنويه كهذا أن يأتي عابراً دون توضيح جدير بالتسمية؟ أليس الانتصار ذاك كان حلمه، مكبوته على مدى عقود من السنين، هاجسه النفسي، حسرته التي اختف إثر ذلك؟ كما لو أن سكينته في ظل الملك الناصر، كانت اعترافاً بما تقدم، وأن انتقاله النهائي إلى العالم الآخر لا ينغصه أبداً، حيث يرحل وملء نفسه رضى !
وأن يسطر بعد ذلك ( لم يعد لدي ما أكتبه ..ص169)، لأن المحقق هو صفاء الكلام، انبلاج الصبح بالذات، ولا يعود الكلام مطلوباً، إلا في ضوء حاجة، في نطاق ملمة، أو حدث صادم، أو مشكل، والكلام وليد مستجده اليومي المختلف، وما ائتنس به، هو الانسكان إلى روحه وقد استقرت، لينفتح على كون كامل تمثّله إنسانياً بعد ذلك.
ثمة شيء وحيد، في مقام المناجاة على طريقة المتصوف، وهو يصل ليلة بأخرى في مختتم الكتاب، الليل الدمشقي، وهو في دمشق، ودمشق في ظل الملك الناصر، والملك الناصر متابعاً كل ما يجري في محيطه الاجتماعي والسياسي، والأهم : السلطاني بامتياز، وفي الأعلى، وقد استقرت الأرض حول محورها، ثمة الخالق، وثمة الصمت الأبلغ من الكلام في دعواه( يا إلهي، ارحمني في مجدك. لا أدري تماماً إن كنت قد خدمتك جيداً، على الأقل، آمنت بك، أنتَ الواحد الأحد الذي لا يتعب من الغفران. لتبق أعمالي الطيبة مكتوبة في كتاب حياتي! وامحُ اللهم ربي، برحمتك، سواها! . ص 173) .
يتوقف أسامة كلاماً وصمتاً، تاركاً المجال لقارئه في توقع ما كان يجري بينه وبين نفسه، بين نفسه ومحيطها، بين أناه، ونوعية الأنا هنا، وما إذا كان هناك تطابق ما، بين ما يقال باسم أناه، وما هو في الواقع، ما إذا كان هناك ما عتَّم عليه في انقسام معين غشيَ أناه، أو تردد في رسم مشهد، وهو مركَّب، أو موقف، لم يعطه حقه ..
ذلك يرجع بنا إلى الوراء، إلى مقام السرد ولعبة الضميرالمتكلم، وصلة الوصل الاعتبارية بينه وبين ما كان يُسمّيه، وما يبقي بوابة الحوار، والمساءلة، وحتى إثارة شبهات معينة، قائمة، ليس لأن أنا أسامة المرفوع محدود الأجْر، أو مصادَر من تلك القيمة المتمثلة في الذي شكل النسيج الحي للكتاب، وإنما لأن في ذلك التعبير الإنساني عما هو إنساني، جهة استحالة التوقيع على قول بوصفه حقيقة مطلقة، وما في ذلك من إمكان لجعلها ملهمة، وفاعلة في سريان فعل البحث عن مكوناتها، ومجتمعها، وأفراد هذا المجتمع سيرورة وصيرورة معاً.
ليكون كتاب أسامة مسمى به، ومشغولاً بالأسئلة التي حاضره بحاضرنا والذين س]اتون معنا.
في متابعة مطلوبة
في ضوء المقروء في الكتاب، يمكن أن نتلمس في ميكيل، ما يحيله إلى إنسان استثنائي، وهو ينوع في كتاباته، وبالصورة التي تبرز فيها الثقافات مكمّلة لبعضها بعغضاً، وأن لكل منها إسهامها الحضاري والثقافي.
وما يخص علاقته بالثقافة العربية الإسلامية، تكون له الصدارة، وفي بنية الدراسات المضاءة بمحتواها.
وما ينسَب إليه قولاً، يركّز على جانب التفاني في مسلك وجداني كهذا، وفي مسرد ثقافي طويل نسبياً( كنتُ قد فهمتُ بالفعل ليس فقط أن الاستشراق كان مفهومًا فارغًا لعقود، بل أيضًا أن هذه البلدان، بدلًا من أن تُبعدني عن الأحداث الجارية، زجّت بي فيها إلى أقصى حد. وهذا أفضل بكثير! كان التاريخ موجودًا، ممزوجًا بالأماكن والثقافات والمناظر الطبيعية. بينما كنتُ أُعدّ كتابي الأول المُخصّص للأساطير الكلاسيكية، زرتُ سوريا ولبنان وجنوب تركيا والعراق... كما اكتشفتُ بالتجربة والخطأ شيئًا سيكون أساسيًا لبقية أعمالي: شعرتُ أنني مُستعرب أكثر من كوني باحثًا في الإسلام. أعني أن الثقافة العربية، مهما تشبعت بالإسلام الذي نشأ هناك، أقدم وأوسع نطاقًا. نكتشف هناك، وتحديدًا في اللفتة الغرامية الواسعة في "مجنون وليلى"، احتجاجًا شعريًا للبدو، وللصحراء، ولتقليد تُناضل ضده المراكز الحضرية. إذا كان الإسلام عربيًا، يُمكننا القول، فإن الثقافة العربية بعيدة كل البعد عن كونها إسلامية تمامًا. ومن هنا جاء اهتمامي بالجغرافيين القدماء. في حين أن كل الأدب العربي الكلاسيكي - بما في ذلك ألف ليلة وليلة - يأتي من علماء ومتخصصين في الثقافة الإسلامية، فإن الرحالة الجغرافيين، سواء كانوا سنة أو شيعة، هم أشخاص متوسطو التعليم وذوو تعليم متوسط، وفي أغلب الأحيان معتدلون، ولا يسعون إلى جعل كل شيء يتناسب بالضرورة مع الصرامة أو المشروع اللاهوتي. "
مفارقة أخرى. هذا المستعرب الذي لا جدال فيه يلعب لعبة القط والفأر مع الإسلام. إنه معجب بكثافتها المفاهيمية، لكنه لا يشاركها في عقلانيتها الروحية الدقيقة. وفي نهاية المطاف، فإن الخلل المزمن في العلاقة بين اليهودية والمسيحية يحتفظ بتفضيلاته إلى حد ما ــ بشكل سري. وهو يعلم أن الناس في العالم العربي لا يمزحون بشأن هذا الموضوع.) " 8 "
ولتنوير ما تقدم، ومن خلال كتاب أسامة، وأسامة في الكتاب كما وصلنا، وكما وصل الأوربيين، وكما وصلنا تالياً بهيئة أخرى عن طريقهم، ومن خلال ميكيل، وجهة الموقف من أكثر الفترات التاريخية صخباً، وجلبة للسجالات، ذات الطابع الديني، وامتدادت ذلك إلى الراهن" الحروب الصليبية بساحاتها ورجالاتها ورهاناتها " وكيف كان ينظَر إلى كل ذلك من قبل الكتاب وقتذاك، أورد، كنموذج مختلف، من نوع مميَّز، لحقيقة ما جرى، ومكانة أسامة بن منقذ في الذي أدلى به في " الاعتبار " في مقال لا يخفي طوله وعمقه وسوية طرحه لباحث، أوجز الكثير مما كان يقال سابقاً ولاحقاً، تاركاً التعليق أو تحديد الموقف للقارىء في مختتم هذا المقال:
في تاريخ العنف الحربي في البحر الأبيض المتوسط، تظل الحروب الصليبية، حتى يومنا هذا، مدينة بمنظور ومعالجة خاصين: فالحروب وأعمال العنف، الدامية والدموية على حد سواء، كانت متكررة وطويلة ومدمرة منذ ما قبل التاريخ وحتى عام 1096، بداية الحملة الصليبية الأولى، ومنذ عام 1291، تاريخ نهاية الحملة الصليبية الثامنة، وحتى أيلول 2003 وحرب العراق الثانية، التي نشهدها كل يوم.
وفي الخطاب نفسه عن الحرب وعن الحرب، نكتشف استثناءً لا يصدق إلى حد ما، حيث لا يُستثنى منه العنف القاتل ـ بل على العكس من ذلك، لأنه حاضر بكثافة ـ ولكنه يختلف، في الشكل كما في المضمون، عن كل السجلات. هذا هو كتاب الاعتبار للمؤلف السوري أسامة بن منقذ2 في القرن الثاني عشر، ترجمة أندريه ميكيل. وُلِد هذا الأمير من وادي العاصي في عام 1095 وتوفي في عام 1188، عن عمر يناهز مائة عام تقريبًا، بعد حياة من الحرب والصيد، ولكن أيضًا الدبلوماسية والكتابة: ترك اثني عشر عملاً في مواضيع مختلفة، بالإضافة إلى سيرته الذاتية، والتي تم اكتشاف النسخة الوحيدة المعروفة منها في عام 1880 من قبل ديرينبورغ في مكتبة الإسكوريال. إنها، ما لم يكن هناك اكتشاف جديد، أول سيرة ذاتية في تاريخ الأدب العربي.
كما هو الحال مع أي علم أنثروبولوجيا، فإن عمل أسامة يتعامل مع الحياة الاجتماعية بطريقة منطقية، ويميزها إلى أجزاء. وهذه هي طبيعة أي وصف للآخر؛ وهذا الآخر، له اسم واحد فقط، مهما كانت عاداته ولغاته، طالما أنه أوربي وليس عربياً مسيحياً: الإفرنجيون، الفرنجةة، مصحوبون حتماً، في كل من استحضاراتهم، بالخلود: لعنهم الله، أذلهم الله، وغيرها من اللعنات من هذا النوع التي تعبر عن طقوس صيغة، والتي لا تنتهي إلى أكثر من دال يُنسى معناه. كان الفرنجةة ــ ولكن أيضاً الروم (البيزنطيون)، الذين لم يكونوا حاضرين كثيراً وكان من الممكن أن يكونوا حلفاء محتملين للمسلمين منذ أن استولى الصليبيون على القسطنطينية ونهبوها في عام 1253 ــ قد طوروا نفس الأسلوب الصيغي في لغة نمطية لوصم المسلمين.
يبدو لي أن استعادة صورة الفرنجة (المختلفة تمامًا عن المسيحي العربي الذي يُعتبر عربيًا في البداية وعاش دائمًا بين العرب الآخرين) في السجلات العربية للحروب الصليبية، ترقى إلى قراءة السجلات المسيحية بطريقة متناظرة ومتجانسة في بعض الأحيان وحتى متجانسة، وفي جميع الحالات، غامضة: "إن الفرنجة، الذين يرفض الله مساعدتهم، ليس لديهم أي من مزايا الجنس البشري، باستثناء الشجاعة.
ولكن عدالة الفرنجة هي أيضًا تلك التي قدمها ملك القدس، فولك الخامس من أنجو، الذي اشتكى إليه أسامة من سرقة قطيع من الأغنام. بعد وصف إجراءات القانون الفرنجةي، حيث نكتشف أن المحلفين، في جمعية مداولة، يحكمون ويدينون بسيادة، يتم الحكم على اللص المسيحي بغرامة باهظة تأخذ في الاعتبار عواقب السرقة والتكاليف القانونية التي يجب على الطرف المذنب دفعها. وليس للملك سلطة أخرى سوى التصديق.
يضرب الغموض أعماقَ فهم المجتمع الفرنجةي، لأن أسامة لا يُعمّم، إذ يلاحظ أن الفرنجةة ليسوا متشابهين: يروي أسامة حادثةً بينه وبين فرنجيٍّ وافدٍ حديثًا من أوربا، برفقة فرنجيٍّ مقيمٍ منذ زمنٍ طويلٍ في القدس، فيكتشف ما يلي: "جميع الوافدين الجدد إلى بلاد الفرنجةة يتحلّون بسلوكٍ أكثر وحشيةً من أولئك الذين تأقلموا وترددوا على المسلمين. ويُلاحَظ هذا حتى في فنون الطهي، إذ عندما دُعي ليكون رفيقًا لأحد أصدقائه الفرنجة من أنطاكية في الطعام، اكتشف أن هذا الأخير لديه طهاةٌ مصريون، وأن لحم الخنزير لا يدخل بيته أبدًا. وبعد أن أصبح رفيقًا لفارس فرنجي، نجا من الإعدام شنقًا على يد مضيفه، الذي كذب على أبناء دينه، وصوّره على أنه تاجر، في حين كان الفرنجة يعرفون أن أسامة كان محاربًا مسلمًا هائلاً، وعلاوة على ذلك، كان أميرًا. يختتم هذه الحادثة بهذه الكلمات: "وهاجم الفارس، بصيحات عالية، الناس الذين تجمعوا. تفرقوا بينما اقتادني بعيدًا، ويدي في يده. هذه كانت عواقب تناول وجبة طعام معًا: لقد نجوت من الموت. "
الحرب هي الموضوع الوحيد في سجلات كلا الجانبين. نحن نتحدث عن عنف الحرب باعتباره عنفًا رمزيًا لأن الحرب هي حرب دينية. في هذه الظروف، تصبح السجلات بمثابة حرب تُحمل بالكلمات، وبالكلمات. اللغة بحد ذاتها حرب. نحن لا نكتب لكي يقرأنا الآخر، بل من أجل "الذاكرة المستقبلية"، للقراء المستقبليين. لقد تم تقديس الحرب في المسيحية منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية وتأسيس مؤسسة البابوية المبنية على سيادة أسقف روما." 9 ".
مصادر وإشارات
1-أندريه ميكيل: أسامة": أمير عربي في مواجهة الصليبيين "، ترجمة: بدالدين عرودكي، دار المحيط،الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2025، في " 176 " صفحة من القطع الوسط، وتجليد أني، وكل الإحالات المرجعية بخصوص الكتاب، في المتن، تخص هذه الطبعة .
2-ينظر:
novembre 10, 2008
Ousâma : un prince syrien face aux croisés
Amêdî
4-المصدر نفسه، ص 27
-5 Chloé Vettier
كلوي فيتييه: إرث الميثاق، السيرة الذاتية
6- قصص السيرة الذاتية
7- أحيل القارىء هنا إلى : كتاب الاعتبار، لأسامة بن منقذ الكتاني الشيرزي ( 488-584 هـ/ 1095-1188 م)، مذكرات أسامة بن منقذ في الحروب الصليبية مع ملحقها في أخبار الصالحين ومشاهد الصيد والنص. دقق نصوصها وفصَّل فقرها، وقدَّم لها، وعلَّق عليها د. عبدالكريم الأشتر، المكتب الإسلامي، ط2، كاملة ومنقحة، 2003 . والإحالات المرجعية تخص هذا الطبعة .
-8 Jean-Maurice de Montremy : Le bon plaisir d'André Miquel
جان موريس دي مونتريمي: متعة أندريه ميكيل
-9Ahmed Ben Naoum: Figures de la Chrétienté dans une chronique arabe des Croisades
أحمد بن نعوم: شخصيات مسيحية في سجل عربي للحروب الصليبية