نص الشهادة
شعـر بوعـلام دخيسـي
حدائـق غَنـاء تستحـق الغِنـاء
بوعلام دخيسي شاعر مسكون بهاجس الشعر، أحبه فمنحه بعضا من روحه وأورده حياض الجنون ما جعله ينبض بالحياة والحيوية والدينامية.
مبدع مشدود إلى أنين أعالي الشعر، شغوف بهمس أقاصي القصيدة ولا يقبل المراوحة في ''المابين''.
كان ومازالَ الشِّعرُ عصايَ
إذا قصُرَتْ ساقي
كان الصّاحبَ في الرِّحلةِ
كان الزّادَ
تتبعثر حروفه على عتبة قصيدة تعدّ نحيبه الداخلي إذ وجد فيها ضالته، وفرصته لبوح يتدفق سلسبيلا. وعلى صفحتها يطرز من حبر الدموع قحط الجسد، ويرسم إحساس إنسان مسكون بالوجع والألم قبل أن يبلغ حلمه وهج غد مشرق لم يأت بعد. وفي واحة الشعر يبث أوجاعه ويشكو مآسيه، ويشذب قلمه بمبراة الأمل، ويصوّر عالما جديدا على مقاس تطلعاته وطموحاته وأحلامه.
ولأجل ذلك أشعل قناديل رغبته وأنار دهاليز الكلام فارتجف من شدّة عشق الغرق في لجج بحوره حتى تملكت زمام قلبه القصيدة وأضحى: ''بالشعر يتقي الشوقَ''
لي في العشق ثلاثُ شواهدْ:
- عِشْقٌ الطّفل بريءِ الذمّهْ
لا يَعرف محبوبًا إلا أمّهْ
- عِشقُ القادر يبحث عن أُنْس العشقِ
يُداري الحبّ ويلعن حربَهْ
- حبُّ الشيخِ...
هو آخِر ما حزتُ
فقيرٌ في زاوية يَذكر ربَّهْ...
فحين يلفظ (هديل السحر) آخرَ أسراره؛ يرسم (الحرف الثامن) بمكر لوحاتٍ تشكيليةً ترمّم صورة الإنسان الذي أنته أو كنته وتوقظ شهوة الشرود فيك، (كي أشبه ظلي)، و(عطفا على خصر الكمان) يبني جسر القصيدة مقربا المسافة بين ضفة الماضي بذكرياته غير يائسة ولا منهزمة ويجعلك تكتشف بكل بساطة أنه (وحده قلبك في المرآة)، حينها يغمرك صوت (الصدى والنون) ويعيدك سيرتك الأولى كي تعيش غوايتك الأولى.
وعطفا على ما سبق تتميز تجربة الشاعر بوعلام دخيسي الشعرية بمقاربتها لموضوعات متنوعة بأساليب مختلفة ممتدة في تربة الإنساني الهشّ ما يجعلها على قدر عال من الوعي في الكتابة. تترقرق فيها شذرات مرتبطة بالسمو والطهارة ذات بعد صوفي، منبثقة من تسابيح الروح، ومتوهجة بابتهالات القلب ومفعمة بلآلئ الحكمة، ''فكلما شطح صوت الجسد أينعت أنوثة الحكمة'' .
ويواصل شاعرنا عبوره المدهش في أرخبيل الإبداع بقلب مفتوح نحو المعنى، عبور متجدد في دروب الجمال بكل تجلياته؛ فيمزج بين شعرية اللغة وشعرية التشكيل والصورة. ويجترح أفقا شعريا يصطلي بلغة شعرية لاهبة، ولافحة، وغاضبة لنداء الوجود. فهو دائم البحث عن اللغة المشرئِبَّة والمستعرة بنار الألم لتقول كينونته وتقول واقعه اليومي، ديدنه في ذلك، خلق الدهشة وتفجير متخيل شعري عذب يغرق القارئ في صور شعرية موحية.
كما أولى بوعلام دخيسي اهتماما كبيرا للإيقاع الخارجي باعتباره تميمة عشق وليست المعشوقة إلا القصيدة وهذا ما يليق بها، فكان شعره كلّه موزونا مقفى، يتأرجح بين العمودي والتفعيلي بشكل مستقل أو مزاوج بينهما، ما ينمّ عن قدرته في تنويع إيقاعاته الخارجية بحسب ما تقتضيه تجربته الشعرية.
يَعود إلى الشِّعر أهل الصّبا الرّاسخونَ
يَهيمون في البحر حينًا
وفي الكسر حينًا...
ولا يَذْكُرون القصيدهْ
القصيدةُ غيرُ الحروف تُضَمُّ إلى بعضها
غير كلّ البحورِ
وما بعدها مِنْ سواحل لا تنتهي
فلا غرو أن يصير الإيقاع في تجربة شاعرنا بحق ماء الشعر الذي يجري بالتوازي أو بالمزاوجة مع مؤثثات شعرية أخرى مدهشة، فبين ثنيات قصائده تتوارى مجازات وكنايات نسج منها بساط شعره، ليحلق به فوقَ السحاب ويرتشف رحيقَ حلم عتَّقته رهافة مشاعره. ولم يفته في منجزه الشعري استدعاء التراث الشعري العربي حتى كدنا نشم ريح شعراء سابقين عنه أو معاصرين له، وكذا الاستعانة بمرجعيات متعددة ومتنوعة فعجّت قصائده بالموسيقى الروحية؛ واللحن اللغوي السليم بلاغيا وتركيبيا. فتَمضِي قصائده عن ناظرنا كسنا البرق.
هو ذا بوعلام دخيسي شاعر مكّن نهر شعره الزاخر من حفر مجراه بإصرار وهدوء، صنع على أعين الدهشة زورقا من قصيدته ليمتطي صهوة أمواج البهاء.
أنا... عندي حنينٌ... إنما
عِندي اليَقينْ
أنّ الّذينَ تَمَكَّنوا
مِنْ ضرْبِ أوتاري
أرَتِّبُهُمْ:
حروفٌ تُتْقِنُ الذّكرى
ولَحْنٌ ناعِمٌ يُخفي الأنينْ
وجمالُ لَوحَةِ آخرِ المستَبْشِرينْ
وما أختم به: اعتصموا بحبل الشعر هو الأبهى هو الأشهى إليه القلب يرتحل، وتدثّروا بقصيدة من قميص البهاء قدّت.
فـ"خير الشعر عاجله"، والشّعرُ من وراء القصد.
د. جميلة رحماني
شعـر بوعـلام دخيسـي
حدائـق غَنـاء تستحـق الغِنـاء
بوعلام دخيسي شاعر مسكون بهاجس الشعر، أحبه فمنحه بعضا من روحه وأورده حياض الجنون ما جعله ينبض بالحياة والحيوية والدينامية.
مبدع مشدود إلى أنين أعالي الشعر، شغوف بهمس أقاصي القصيدة ولا يقبل المراوحة في ''المابين''.
كان ومازالَ الشِّعرُ عصايَ
إذا قصُرَتْ ساقي
كان الصّاحبَ في الرِّحلةِ
كان الزّادَ
تتبعثر حروفه على عتبة قصيدة تعدّ نحيبه الداخلي إذ وجد فيها ضالته، وفرصته لبوح يتدفق سلسبيلا. وعلى صفحتها يطرز من حبر الدموع قحط الجسد، ويرسم إحساس إنسان مسكون بالوجع والألم قبل أن يبلغ حلمه وهج غد مشرق لم يأت بعد. وفي واحة الشعر يبث أوجاعه ويشكو مآسيه، ويشذب قلمه بمبراة الأمل، ويصوّر عالما جديدا على مقاس تطلعاته وطموحاته وأحلامه.
ولأجل ذلك أشعل قناديل رغبته وأنار دهاليز الكلام فارتجف من شدّة عشق الغرق في لجج بحوره حتى تملكت زمام قلبه القصيدة وأضحى: ''بالشعر يتقي الشوقَ''
لي في العشق ثلاثُ شواهدْ:
- عِشْقٌ الطّفل بريءِ الذمّهْ
لا يَعرف محبوبًا إلا أمّهْ
- عِشقُ القادر يبحث عن أُنْس العشقِ
يُداري الحبّ ويلعن حربَهْ
- حبُّ الشيخِ...
هو آخِر ما حزتُ
فقيرٌ في زاوية يَذكر ربَّهْ...
فحين يلفظ (هديل السحر) آخرَ أسراره؛ يرسم (الحرف الثامن) بمكر لوحاتٍ تشكيليةً ترمّم صورة الإنسان الذي أنته أو كنته وتوقظ شهوة الشرود فيك، (كي أشبه ظلي)، و(عطفا على خصر الكمان) يبني جسر القصيدة مقربا المسافة بين ضفة الماضي بذكرياته غير يائسة ولا منهزمة ويجعلك تكتشف بكل بساطة أنه (وحده قلبك في المرآة)، حينها يغمرك صوت (الصدى والنون) ويعيدك سيرتك الأولى كي تعيش غوايتك الأولى.
وعطفا على ما سبق تتميز تجربة الشاعر بوعلام دخيسي الشعرية بمقاربتها لموضوعات متنوعة بأساليب مختلفة ممتدة في تربة الإنساني الهشّ ما يجعلها على قدر عال من الوعي في الكتابة. تترقرق فيها شذرات مرتبطة بالسمو والطهارة ذات بعد صوفي، منبثقة من تسابيح الروح، ومتوهجة بابتهالات القلب ومفعمة بلآلئ الحكمة، ''فكلما شطح صوت الجسد أينعت أنوثة الحكمة'' .
ويواصل شاعرنا عبوره المدهش في أرخبيل الإبداع بقلب مفتوح نحو المعنى، عبور متجدد في دروب الجمال بكل تجلياته؛ فيمزج بين شعرية اللغة وشعرية التشكيل والصورة. ويجترح أفقا شعريا يصطلي بلغة شعرية لاهبة، ولافحة، وغاضبة لنداء الوجود. فهو دائم البحث عن اللغة المشرئِبَّة والمستعرة بنار الألم لتقول كينونته وتقول واقعه اليومي، ديدنه في ذلك، خلق الدهشة وتفجير متخيل شعري عذب يغرق القارئ في صور شعرية موحية.
كما أولى بوعلام دخيسي اهتماما كبيرا للإيقاع الخارجي باعتباره تميمة عشق وليست المعشوقة إلا القصيدة وهذا ما يليق بها، فكان شعره كلّه موزونا مقفى، يتأرجح بين العمودي والتفعيلي بشكل مستقل أو مزاوج بينهما، ما ينمّ عن قدرته في تنويع إيقاعاته الخارجية بحسب ما تقتضيه تجربته الشعرية.
يَعود إلى الشِّعر أهل الصّبا الرّاسخونَ
يَهيمون في البحر حينًا
وفي الكسر حينًا...
ولا يَذْكُرون القصيدهْ
القصيدةُ غيرُ الحروف تُضَمُّ إلى بعضها
غير كلّ البحورِ
وما بعدها مِنْ سواحل لا تنتهي
فلا غرو أن يصير الإيقاع في تجربة شاعرنا بحق ماء الشعر الذي يجري بالتوازي أو بالمزاوجة مع مؤثثات شعرية أخرى مدهشة، فبين ثنيات قصائده تتوارى مجازات وكنايات نسج منها بساط شعره، ليحلق به فوقَ السحاب ويرتشف رحيقَ حلم عتَّقته رهافة مشاعره. ولم يفته في منجزه الشعري استدعاء التراث الشعري العربي حتى كدنا نشم ريح شعراء سابقين عنه أو معاصرين له، وكذا الاستعانة بمرجعيات متعددة ومتنوعة فعجّت قصائده بالموسيقى الروحية؛ واللحن اللغوي السليم بلاغيا وتركيبيا. فتَمضِي قصائده عن ناظرنا كسنا البرق.
هو ذا بوعلام دخيسي شاعر مكّن نهر شعره الزاخر من حفر مجراه بإصرار وهدوء، صنع على أعين الدهشة زورقا من قصيدته ليمتطي صهوة أمواج البهاء.
أنا... عندي حنينٌ... إنما
عِندي اليَقينْ
أنّ الّذينَ تَمَكَّنوا
مِنْ ضرْبِ أوتاري
أرَتِّبُهُمْ:
حروفٌ تُتْقِنُ الذّكرى
ولَحْنٌ ناعِمٌ يُخفي الأنينْ
وجمالُ لَوحَةِ آخرِ المستَبْشِرينْ
وما أختم به: اعتصموا بحبل الشعر هو الأبهى هو الأشهى إليه القلب يرتحل، وتدثّروا بقصيدة من قميص البهاء قدّت.
فـ"خير الشعر عاجله"، والشّعرُ من وراء القصد.
د. جميلة رحماني