توطئة:
لم أجد ناقدا عربيّا أستطيع ان أُقرنَه أو أقارنَه بكل من جاك دريدا و رولان بارث بالثقافة الفرنسية و الغربية بشكل عام، غير الدكتور عبد الله الغذامي، بدقة تحليلاته وسعة أطلاعه و أصالة ثقافته و روعة كتاباته و دقة تشخيصاته و غزارة علمه، و أخيرا روعة طروحاته و أهميّة كتبه؛ فأذا كانت الأمة الفرنسية تتباهى بعلمائها و فلاسفتها، فأنّ للأمة العربية كل الحق ان تتباهى بما قدمّه الدكتور عبد الله الغذامي من طروحات نقدية و فكرية و فلسفية، من هنا جاءت فكرة ان أضع كتابا يجمع بين النقاد الفلاسفة الثلاثة لأسقاط الضوء على أهمية هذه المقارنة و المقاربة بين الفكرين العربي و الغربي في النقد و الذي يعني فيما يعني، ليس فقط نقد النص بل مفهوم فلسفة النص ، حيث ألتقى هؤلاء النقاد الثلاثة في رؤيا واحدة تقوم على إقصاء المؤلف، حيث نظّرت طروحاتُهم من خلال هذه الفلسفة او هذا المفهوم الى معالجة للنص من زاوية أقصاء المؤلف، نعرف أنّ مفهوم أقصاء المؤلف قد أرتبط بمدارس النقد التي جاءت ما بعد الحداثة، حيث ركز النقاد الثلاثة الكبار على مفهوم واحد هو الأحتكام الى النص دون صاحبه و من هنا جاءت فلسفة جاك دريدا بأقصاء المؤلف يعني فيما يعني فكَّ الأرتباطِ بين لغويّة المفرداتِ و كلِّ ما يؤّولُ خارجَها، من جهة أخرى نرى ان رولان بارث قد أفرد مقالا مشهورا حول موت المؤلف و ليس فقط أقصائه كما فعل دريدا او الغذاميّ، حيث شكّل مقال رولان بارث هذا منعطفا تأريخيا في مسيرة النقد الحديث، ليعلن بشكل رسمي عن موت المؤلف، هذا المؤلف الذي أرسله عبد الله الغذاميّ بدوره الى المتحف بأطلاقه رصاصة الرحمة عبر فلسفة النقد الثقافي، و التي نقلت النقد العالمي من عصر الى عصر آخر، بما جاءت به من مفاهيهم جريئة و متجددة تواكب روح العصر و أيقاعاته و تطوراته السريعة، وتستجيب الى تطلعاته، و في هذا الكتاب الذي أنا بدأت بتأليفه، وقفتُ على تجارب هؤلاء النقاد الثلاثة الكبار، كان لا بد من تحليل أهم كتبهم و التي كانت تجاربا عميقة في هذه الفلسفة، مثل كتاب رولان بارث درس السيميولوجيا، و كتابيّ د عبد الله الغذامي الخطيئة والتكفير، و ثقافة الأسئلة و أخيراً كتابيّ جاك دريدا في علم الكتابة و الكتابة والأختلاف
نهاية عصر الحداثة
بنهاية البنيوية أنتهى عصر الحداثة فلسفة و نقدا، هذه المدرسة و أقصد البنيوية التي أخذت من طروحات عالم اللسانيات السويسري سوسير و الشكلانيين الروس منطلقا لها و فيما بعد الناقد الذي تمرد على البنيوية التي كان من أنصارها رولان بارث، نراها قد أغلقت النص على أيّة عوامل خارجية و أكتفت بتحليل الناقد و رؤياه للنص فقط من خلال ألفاظه و دلالاتها، حيث تبلورت فكرتها بالتزامن مع ما طرحه الشكلانيون الروس الذين دعوا إلى استبعاد دور المؤلف في العمل ، حتى جاءت حركات ما بعد الحداثة مثل التفكيك لتفتح النص أمام التأويلات التي يتوصل اليها الناقد التفكيكي و القارئ، اي تحوّلت السلطة من سلطة النص الى سلطة القارئ، و من أغلاق النصوص الى انفتاحها، و هذه تعتبر نبوءة او قراءة متقدمة لما حدث بعد هذه الخطوة و اقصد من وصولنا الى النقد الثقافي، و الكيفية التي تعمل بها آلية النقد الثقافي، والتي يعتبر د الغذامي رائدا حقيقيا لهذه المدرسة و وارثا شرعيا لمدرسة برننجهام و هو أول من أسقط مفهوم النقد الثقافي عمليا و تطبيقيا على الأدب، حيث ألتقى الثلاثة الكبار على :
أقصاء المؤلف و أعطاء سلطة مطلقة للقارئ
فتح النص على التأويلات الخارجية
موت المؤلف حسب رولان بارث
موت المؤلف الذي جاء كتطبيق عملي لنظرية المنهج البنيوي التي ظهرت في القرنين التاسع عشر و العشرين، حيث جاء الناقد الأدبي الفرنسي رولان بارت ودعا إلى موت المؤلف تمامًا، عبر مقال له عام 1968م، وذلك في كتابه "درس السيميولوجيا"، دعوة بارت جاءت بعد ان بدأ عصر ما قبل الحداثة و من خلال الأنتقادات التي وجهت للبنيوية و المأزق الذي وصلت اليه، حيث دعا بارث الى موت المؤلف ليفتح الباب الى تحديث النص في كل مرة، مما يعيد للقارئ دوره في تشكيل رؤياه في قراءة النص، حيث يتحوّل القارئ الى الفضاء الذي يطلق الاقتباسات التي يتكون منها النص، فوحدة النص ليست في أصله بل في الجهة التي يتوجه اليها و هذا يعني الجمهور، تميز بارث برؤية نقدية ثاقبة وثقافة دقيقة واسعة، حيث ان دعوته إلى موت المؤلف في النص الأدبي كانت جادة و ليست طارئة او عبثيةً، في محاول منه الى نقل الوعي الأوروبي من التقليد إلى المعرفة والبحث، وحظيت دعوته هذه باهتمام واسع في الوسط الأدبي والثقافي، جاءت هذه الدعوة كثورة ضد النقد التقليدي، الذي أعتبر العمل الأدبي يقوم على ثلاثة عناصر وهي المؤلف النص والمتلقي، و أية دراسة للعمل الأدبي يجب ان تتضمن دراسة حياة الأديب والسبب وراء تأليف هذا العمل، وهو ما لم تسلم به البنيوية حيث دعت إلى موته، و يسند تأويل وتحليل العمل الأدبي إلى اللغة من حيث الألفاظ والتراكيب التي استخدمها المؤلف للتعبير عن أفكاره وآرائه، كان رولان بارث العراب الحقيقي لهذه الدعوة، و التي بنى جاك دريدا نظريته التفكيك على أساسها مع التوسع و التطور الذي أحدثه فيها
إقصاء المؤلف حسب رؤيا دريدا
جاءت هذه النظرية كردة فعل عنيفة ضد البنيوية التي أبعدت أي دور للقارئ تماما في قراءته للنص، يرتكز التفكيك على اختراق المجهول من خلال الولوج إلى خفايا النص باعتباره أداة نقدية أو فضاءٍ فكريٍ مستجدٍ مختلفٍ في الأسلوب والرؤية الموجودة في النص المقروء، و هذا يحيلنا الى اللجوء فقط الى النص وحده فأيُّ أشكالٍ او تفسيراو لبس يعترضنا يجب العودة به الى النص وحده لتفسير هذا اللبس، و ليس الى صاحب النص و بذلك نتخلصُ من صاحبِ النصِ و من شرحهِ وأعذارهِ و ظروفهِ والتي سوف يقوم النصُ وحده بشرحِها لنا دونَ صاحبِهِ بمعنى أكثرَ دقةٍ نبدأ بملاحظةِ التناقضاتِ والطرقِ المسدودة في النص دون مساعدة خارجية،
يجب ان نبتعد عن القراءة التقليدية والتأريخية وما تتضمنه من تقسيم للعصور لأنّها تبحثُ في مؤثراتٍ غير لغويّةٍ ممّا يؤدي الى أبعاد الباحث عن الاختلافات اللغوية في النصوص؛ حسب هذه الرؤيا أنّ كل شيء يوجد في المغايرة والتأجيل وسلسلة الاختلافات أي أنّ النصَ يخلقُ واقعَه ويفرضُ نفسه ويُكوِّن مجاله و عوالمه و صوره و جمالياته من خلال اللغة المكتوبة؛ و بالتالي نقوم بتفكيك آلياتهِ من داخلهِ عبر وسيلة واحدة هي اللغة المكتوبة فقط غير مسندة الى المؤلف او الظروف الخارجيُة التي أحاطتْ بالنصِ، كلُّ هذا ممكن تعويضه و الأستغناء عنه من خلال طاقة اللغة المضمنة في النص، القراءة التفكيكية ليست ما يُفهم بشكل بسيط من النص بل هي أشياء لم تُذكر في ألفاظ النص المكتوبة وهذا يعني إنّ النصّ يحتوي على فراغات فالنص في حقيقته مكّونٌ من متاهات وهذا ما يُبنى عليه الغياب والنسيان وبذلك فالتفكيك يعطي السلطة للقارئ وليس للمؤلف ويركز بشكل أساسي على الكتابة بمنح القارئ سلطة القراءة و الأستنباط ليكون أكثر قدرة على فك شيفرات النص وتركيبه وفقاً لما يريده ولما يمنحه إياه النصُّ من اشارات و عوالم يتمّ فكّ رموزها،
عبد الله الغذامي و أقصاء المؤلف
يعتبر الغذامي الوريث الشرعي لجماعة برننجهام التي جاءت بالنقد الثقافي من غير ان ينتمي اليها، هذه الجماعة دعت الى إمكانية تطبيق النقد الثقافي على العمل الأدبي، و لكن دعوتها توقفت عند مفهوم الدعوة فقط، حتى جاء ناقد فذّ يحمل ثقافة واسعة أصيلة ليعيد تفكيك هذه النظرية الجديدة في النقد الثقافي، و يقوم بأسقاطها عمليّا على العمل الأدبي، حيث قام بما لم يقم به جماعة برننجهام و الذين أعتقدوا بأمكانية حدوث مثل هكذا تطبيق، وهذا الناقد هو د عبد الله الغذامي، حيث تقوم فلسفة النقد الثقافي على تكريس دور القارئ في عملية التلقي الى أعادة النص اليه، من خلال أنتزاع اللغة و البلاغة و النظر اليهما من خلال أنساقها و ذلك في مقولته الشهيرة ( لقد ان الآون لكي نبحث عن العيوب النسقية للشخصية العربية المتشعرنة والتي يحملها ديوان العرب، وتتجلى في سلوكنا الاجتماعي والثقافي بعامة، لقد أدى النقد الأدبي دورا هاما في الوقوف على جماليات النصوص، وفى تدريبنا على تذوق الجمالي وتقبل الجميل النصوصي، ولكن النقد الأدبي مع هذا وعلى الرغم من هذا أو بسببه، أوقع نفسه وأوقعنا في حالة من العمى الثقافي التام عن العيوب النسقية المختبئة من تحت عباءة الجمالي) و ما حديثه في كتابه النقد الثقافي عن جمالية النصوص و دراستها من خلال أنساقها بعيدا عن المؤلف الا دلالة واضحة انّ الرجل يؤمن بفلسفة النص، و النص وحده دون مؤلفه، حيث أتخذ د عبد الله الغذامي منهج أقصاء المؤلف منذ كتابه الخطيئة والتكفير و الذي صرفه الى تحليل نظريات النقد الحديثة كالبنيوية و السيميولوجية و التشريحية، ثم قام بتطبيقات عملية مثيرة لهذه النظريات في قراءة النص قراءة تستند إلى الشفرات الدلالية، وتفكيك وحدات النص وتشريحها ثم إعادة تركيبها، وفي كل ذلك كان أحتكامه الى النص بعيدا عن مؤلفه، حيث قام بتحليل و تفكيك و تشريح هذه النصوص ثم أعادتها سيرتها الأولى، في اسلوب علمي مثير و رؤيا عالم خبر علومه بدقة و ثقة عالية بالنفس، استند في هذا الكتاب على أسس مناهج النظرية النقدية الغربية، وأُخر من التراث البلاغي والنقدي العربي، في عملية مقاربة دقيقة و رائعة، و ربط بين التراث و الحداثة و ما بعد الحداثة و ما كان تحليله الى شعر حمزة شحاتة، من خلال أستحداث زوايا جديدة للدخول الى قراءة النص من خلال عملية التلقي، ثم قاربه مع نصوص نثرية، و من بعد قام بدراسة الأثر الذي يصل الى القارئ، ثم وصف الوصول إليه بأنه فعالية إبداعية للقارئ الناقد، و في هذه القراءة بالذات ألتقى بكل من رولان بارث في مفهوم إقصاء المؤلف و جاك دريدا في أعطاء القارئ الدور الأول في قراءة النص، و مما يحسب للغذامي انّه ابتكر في هذا الكتاب منهجًا يدخل في عمق النص، وهو منهج جديد في نظرية و عملية التلقي أختلف أختلافا كليا عما كان سائدًا في الدراسات البلاغية والأدبية، حيث أرسى هذا المنهج قراءة للنص وفق آفاق جديدة، وظيفتها دراسة و تحليل العلاقات بين عناصر النص من خلال تتبع الأثر، أمّا كتابه الثاني ثقافة الأسئلة و هو كتاب يتضمن مقالات نقدية وتشريحية و تفكيكية لبعض النصوص والأشعار المختارة، وطرح أسئلة تحت كل مقال، والجزء الأخير عبارة عن مراسلات متبادلة بين الدكتور وبعض النقاد وإجابة على بعض من أسئلة القرّاء، و من النصوص التي قام بتحليلها و تشريحها بعد ان أقصى مؤلفها هما قصيدتان لمحمود درويش مثلا، حيث دخل الى بُنا هاتين القصيدتين و أسقط عليهما مفهومه للتشريح و قام بعمل جداول توضيحية لأعطاء فكرة عن كل جملة بين الحالة اللغوية و الصياغية و البلاغية و ما يقابلها من نقيض، مبررا ذلك بقوله ( أقول هذا قاصدا ربط موضوعاتي ببعضها حيث نلامس ما أشرنا إليه من قبل من كون قصيدة محمود درويش عابرون في كلام عابر تتحرك بأتجاه الوظيفة التنبيهي في اللغة ) ثم يعمد الى ربطها دلاليا بمقولة أبن سينا في وجهها الأول حيث تأثيرها الواقع في النفس كما يراه من خلال النص بقوله ( في النفس أمرأ من الأمور تعد به نحو فعل او أنفعال )، بهذا الكيفية يتعامل الغذامي مع النص، أنّه لا يكتفي بتحليله او حتى تشريحيه، بل يعمد الى ربطه دلاليا في رؤيا نقدية فلسفية تراثية، و هكذا يقصي المؤلف و ظروفه تماما و يفسر النص، وفق دلالاته و سياقاته اللغوية و من خلال بُناهُ المكوّنه له ثم يربطها بالمفهوم التراثي ربطا مقطعيّا و كأنّه يستخدم تقنية التقطيع السينمائي، في كل جملة من جمل القصيدة، و بهذا أقصى المؤلف و دخل الى النص عبر سياقاته اللغوية و ما يقابلها من نقائض؛ و بهذا أعاد مفهوم الأستنباط لدى جاك دريدا ليعمل على فك شيفرات النص وتركيبه وفقاً لما يريده ولما يمنحه إياه النصُّ من اشارات و عوالم يتمّ فكّ رموزها و دلالاتها،
الخاتمة
يتحوّل الناقد في كتابه هذا و كأنّه في حالة من التفاعل المستمر مع النصوص، إذ يمتزج لديه الإبداع بالقلق النقدي والرغبة الدائمة في تحسين ما كتبه، فالناقد، بوصفه مبدعاً، لا يرى النصوص كنتاج نهائي مكتمل، بل كمشروع مستمر للنقد والتجديد، فالاقتناع بالكمال في النقد يُعد أحد أكبر التحديات التي تواجه النقاد، إذ إنَّ الركون الى نتائج التحليل و الرضا الكامل عن النص يعوق النمو الإبداعي ويحد من قدرة الكاتب على التطور، و هنا ألتقى كل من الغذامي وجاك دريدا بأنهما كلمّا توصلا الى معنى يسارعان الى نقضه و لا يثبتان على معنى بعينه ، ولا يقفان او يصلان الى مركز او مسار إلا ليبعداه عن مكانه وينأيان به بعيدا به عن خطه و يحوّلاه من دائرة الى أخرى، و كأنّهما في أنهماك دائم عن النأي عن معنى ما ، وترك الأشياء بعيدة عن ذواتها متشظية بلا هوية حتى تتحوّل تدريجيا الى تراكمات من التحولات ولا حدود نهائية، يأخذان من فلسفة بارث موت المؤلف سياقا او منهجاً تحليليا يمكنّهما من التوصل الى عوالم أبعد و أماكن غير متكتشفة بالنص، و كأنّهما في بحث دوؤب عن معاني متجددة من خلال إحالات النص، و كأنهما في حالة من القلق الأبداعي ليكون محرضا لهما على التجريب في مواصلة التفكير في طرق و أساليب جديدة للوصول الى مجاهيل النص و كشفها و أضاءتها، حيث ألتقى النقاد الثلاثة في ان التحليل النقدي لا يقف عند نقطة بعينها، بل هو عملية تجدد دائمة عبر كشف و تقييم النصوص
لم أجد ناقدا عربيّا أستطيع ان أُقرنَه أو أقارنَه بكل من جاك دريدا و رولان بارث بالثقافة الفرنسية و الغربية بشكل عام، غير الدكتور عبد الله الغذامي، بدقة تحليلاته وسعة أطلاعه و أصالة ثقافته و روعة كتاباته و دقة تشخيصاته و غزارة علمه، و أخيرا روعة طروحاته و أهميّة كتبه؛ فأذا كانت الأمة الفرنسية تتباهى بعلمائها و فلاسفتها، فأنّ للأمة العربية كل الحق ان تتباهى بما قدمّه الدكتور عبد الله الغذامي من طروحات نقدية و فكرية و فلسفية، من هنا جاءت فكرة ان أضع كتابا يجمع بين النقاد الفلاسفة الثلاثة لأسقاط الضوء على أهمية هذه المقارنة و المقاربة بين الفكرين العربي و الغربي في النقد و الذي يعني فيما يعني، ليس فقط نقد النص بل مفهوم فلسفة النص ، حيث ألتقى هؤلاء النقاد الثلاثة في رؤيا واحدة تقوم على إقصاء المؤلف، حيث نظّرت طروحاتُهم من خلال هذه الفلسفة او هذا المفهوم الى معالجة للنص من زاوية أقصاء المؤلف، نعرف أنّ مفهوم أقصاء المؤلف قد أرتبط بمدارس النقد التي جاءت ما بعد الحداثة، حيث ركز النقاد الثلاثة الكبار على مفهوم واحد هو الأحتكام الى النص دون صاحبه و من هنا جاءت فلسفة جاك دريدا بأقصاء المؤلف يعني فيما يعني فكَّ الأرتباطِ بين لغويّة المفرداتِ و كلِّ ما يؤّولُ خارجَها، من جهة أخرى نرى ان رولان بارث قد أفرد مقالا مشهورا حول موت المؤلف و ليس فقط أقصائه كما فعل دريدا او الغذاميّ، حيث شكّل مقال رولان بارث هذا منعطفا تأريخيا في مسيرة النقد الحديث، ليعلن بشكل رسمي عن موت المؤلف، هذا المؤلف الذي أرسله عبد الله الغذاميّ بدوره الى المتحف بأطلاقه رصاصة الرحمة عبر فلسفة النقد الثقافي، و التي نقلت النقد العالمي من عصر الى عصر آخر، بما جاءت به من مفاهيهم جريئة و متجددة تواكب روح العصر و أيقاعاته و تطوراته السريعة، وتستجيب الى تطلعاته، و في هذا الكتاب الذي أنا بدأت بتأليفه، وقفتُ على تجارب هؤلاء النقاد الثلاثة الكبار، كان لا بد من تحليل أهم كتبهم و التي كانت تجاربا عميقة في هذه الفلسفة، مثل كتاب رولان بارث درس السيميولوجيا، و كتابيّ د عبد الله الغذامي الخطيئة والتكفير، و ثقافة الأسئلة و أخيراً كتابيّ جاك دريدا في علم الكتابة و الكتابة والأختلاف
نهاية عصر الحداثة
بنهاية البنيوية أنتهى عصر الحداثة فلسفة و نقدا، هذه المدرسة و أقصد البنيوية التي أخذت من طروحات عالم اللسانيات السويسري سوسير و الشكلانيين الروس منطلقا لها و فيما بعد الناقد الذي تمرد على البنيوية التي كان من أنصارها رولان بارث، نراها قد أغلقت النص على أيّة عوامل خارجية و أكتفت بتحليل الناقد و رؤياه للنص فقط من خلال ألفاظه و دلالاتها، حيث تبلورت فكرتها بالتزامن مع ما طرحه الشكلانيون الروس الذين دعوا إلى استبعاد دور المؤلف في العمل ، حتى جاءت حركات ما بعد الحداثة مثل التفكيك لتفتح النص أمام التأويلات التي يتوصل اليها الناقد التفكيكي و القارئ، اي تحوّلت السلطة من سلطة النص الى سلطة القارئ، و من أغلاق النصوص الى انفتاحها، و هذه تعتبر نبوءة او قراءة متقدمة لما حدث بعد هذه الخطوة و اقصد من وصولنا الى النقد الثقافي، و الكيفية التي تعمل بها آلية النقد الثقافي، والتي يعتبر د الغذامي رائدا حقيقيا لهذه المدرسة و وارثا شرعيا لمدرسة برننجهام و هو أول من أسقط مفهوم النقد الثقافي عمليا و تطبيقيا على الأدب، حيث ألتقى الثلاثة الكبار على :
أقصاء المؤلف و أعطاء سلطة مطلقة للقارئ
فتح النص على التأويلات الخارجية
موت المؤلف حسب رولان بارث
موت المؤلف الذي جاء كتطبيق عملي لنظرية المنهج البنيوي التي ظهرت في القرنين التاسع عشر و العشرين، حيث جاء الناقد الأدبي الفرنسي رولان بارت ودعا إلى موت المؤلف تمامًا، عبر مقال له عام 1968م، وذلك في كتابه "درس السيميولوجيا"، دعوة بارت جاءت بعد ان بدأ عصر ما قبل الحداثة و من خلال الأنتقادات التي وجهت للبنيوية و المأزق الذي وصلت اليه، حيث دعا بارث الى موت المؤلف ليفتح الباب الى تحديث النص في كل مرة، مما يعيد للقارئ دوره في تشكيل رؤياه في قراءة النص، حيث يتحوّل القارئ الى الفضاء الذي يطلق الاقتباسات التي يتكون منها النص، فوحدة النص ليست في أصله بل في الجهة التي يتوجه اليها و هذا يعني الجمهور، تميز بارث برؤية نقدية ثاقبة وثقافة دقيقة واسعة، حيث ان دعوته إلى موت المؤلف في النص الأدبي كانت جادة و ليست طارئة او عبثيةً، في محاول منه الى نقل الوعي الأوروبي من التقليد إلى المعرفة والبحث، وحظيت دعوته هذه باهتمام واسع في الوسط الأدبي والثقافي، جاءت هذه الدعوة كثورة ضد النقد التقليدي، الذي أعتبر العمل الأدبي يقوم على ثلاثة عناصر وهي المؤلف النص والمتلقي، و أية دراسة للعمل الأدبي يجب ان تتضمن دراسة حياة الأديب والسبب وراء تأليف هذا العمل، وهو ما لم تسلم به البنيوية حيث دعت إلى موته، و يسند تأويل وتحليل العمل الأدبي إلى اللغة من حيث الألفاظ والتراكيب التي استخدمها المؤلف للتعبير عن أفكاره وآرائه، كان رولان بارث العراب الحقيقي لهذه الدعوة، و التي بنى جاك دريدا نظريته التفكيك على أساسها مع التوسع و التطور الذي أحدثه فيها
إقصاء المؤلف حسب رؤيا دريدا
جاءت هذه النظرية كردة فعل عنيفة ضد البنيوية التي أبعدت أي دور للقارئ تماما في قراءته للنص، يرتكز التفكيك على اختراق المجهول من خلال الولوج إلى خفايا النص باعتباره أداة نقدية أو فضاءٍ فكريٍ مستجدٍ مختلفٍ في الأسلوب والرؤية الموجودة في النص المقروء، و هذا يحيلنا الى اللجوء فقط الى النص وحده فأيُّ أشكالٍ او تفسيراو لبس يعترضنا يجب العودة به الى النص وحده لتفسير هذا اللبس، و ليس الى صاحب النص و بذلك نتخلصُ من صاحبِ النصِ و من شرحهِ وأعذارهِ و ظروفهِ والتي سوف يقوم النصُ وحده بشرحِها لنا دونَ صاحبِهِ بمعنى أكثرَ دقةٍ نبدأ بملاحظةِ التناقضاتِ والطرقِ المسدودة في النص دون مساعدة خارجية،
يجب ان نبتعد عن القراءة التقليدية والتأريخية وما تتضمنه من تقسيم للعصور لأنّها تبحثُ في مؤثراتٍ غير لغويّةٍ ممّا يؤدي الى أبعاد الباحث عن الاختلافات اللغوية في النصوص؛ حسب هذه الرؤيا أنّ كل شيء يوجد في المغايرة والتأجيل وسلسلة الاختلافات أي أنّ النصَ يخلقُ واقعَه ويفرضُ نفسه ويُكوِّن مجاله و عوالمه و صوره و جمالياته من خلال اللغة المكتوبة؛ و بالتالي نقوم بتفكيك آلياتهِ من داخلهِ عبر وسيلة واحدة هي اللغة المكتوبة فقط غير مسندة الى المؤلف او الظروف الخارجيُة التي أحاطتْ بالنصِ، كلُّ هذا ممكن تعويضه و الأستغناء عنه من خلال طاقة اللغة المضمنة في النص، القراءة التفكيكية ليست ما يُفهم بشكل بسيط من النص بل هي أشياء لم تُذكر في ألفاظ النص المكتوبة وهذا يعني إنّ النصّ يحتوي على فراغات فالنص في حقيقته مكّونٌ من متاهات وهذا ما يُبنى عليه الغياب والنسيان وبذلك فالتفكيك يعطي السلطة للقارئ وليس للمؤلف ويركز بشكل أساسي على الكتابة بمنح القارئ سلطة القراءة و الأستنباط ليكون أكثر قدرة على فك شيفرات النص وتركيبه وفقاً لما يريده ولما يمنحه إياه النصُّ من اشارات و عوالم يتمّ فكّ رموزها،
عبد الله الغذامي و أقصاء المؤلف
يعتبر الغذامي الوريث الشرعي لجماعة برننجهام التي جاءت بالنقد الثقافي من غير ان ينتمي اليها، هذه الجماعة دعت الى إمكانية تطبيق النقد الثقافي على العمل الأدبي، و لكن دعوتها توقفت عند مفهوم الدعوة فقط، حتى جاء ناقد فذّ يحمل ثقافة واسعة أصيلة ليعيد تفكيك هذه النظرية الجديدة في النقد الثقافي، و يقوم بأسقاطها عمليّا على العمل الأدبي، حيث قام بما لم يقم به جماعة برننجهام و الذين أعتقدوا بأمكانية حدوث مثل هكذا تطبيق، وهذا الناقد هو د عبد الله الغذامي، حيث تقوم فلسفة النقد الثقافي على تكريس دور القارئ في عملية التلقي الى أعادة النص اليه، من خلال أنتزاع اللغة و البلاغة و النظر اليهما من خلال أنساقها و ذلك في مقولته الشهيرة ( لقد ان الآون لكي نبحث عن العيوب النسقية للشخصية العربية المتشعرنة والتي يحملها ديوان العرب، وتتجلى في سلوكنا الاجتماعي والثقافي بعامة، لقد أدى النقد الأدبي دورا هاما في الوقوف على جماليات النصوص، وفى تدريبنا على تذوق الجمالي وتقبل الجميل النصوصي، ولكن النقد الأدبي مع هذا وعلى الرغم من هذا أو بسببه، أوقع نفسه وأوقعنا في حالة من العمى الثقافي التام عن العيوب النسقية المختبئة من تحت عباءة الجمالي) و ما حديثه في كتابه النقد الثقافي عن جمالية النصوص و دراستها من خلال أنساقها بعيدا عن المؤلف الا دلالة واضحة انّ الرجل يؤمن بفلسفة النص، و النص وحده دون مؤلفه، حيث أتخذ د عبد الله الغذامي منهج أقصاء المؤلف منذ كتابه الخطيئة والتكفير و الذي صرفه الى تحليل نظريات النقد الحديثة كالبنيوية و السيميولوجية و التشريحية، ثم قام بتطبيقات عملية مثيرة لهذه النظريات في قراءة النص قراءة تستند إلى الشفرات الدلالية، وتفكيك وحدات النص وتشريحها ثم إعادة تركيبها، وفي كل ذلك كان أحتكامه الى النص بعيدا عن مؤلفه، حيث قام بتحليل و تفكيك و تشريح هذه النصوص ثم أعادتها سيرتها الأولى، في اسلوب علمي مثير و رؤيا عالم خبر علومه بدقة و ثقة عالية بالنفس، استند في هذا الكتاب على أسس مناهج النظرية النقدية الغربية، وأُخر من التراث البلاغي والنقدي العربي، في عملية مقاربة دقيقة و رائعة، و ربط بين التراث و الحداثة و ما بعد الحداثة و ما كان تحليله الى شعر حمزة شحاتة، من خلال أستحداث زوايا جديدة للدخول الى قراءة النص من خلال عملية التلقي، ثم قاربه مع نصوص نثرية، و من بعد قام بدراسة الأثر الذي يصل الى القارئ، ثم وصف الوصول إليه بأنه فعالية إبداعية للقارئ الناقد، و في هذه القراءة بالذات ألتقى بكل من رولان بارث في مفهوم إقصاء المؤلف و جاك دريدا في أعطاء القارئ الدور الأول في قراءة النص، و مما يحسب للغذامي انّه ابتكر في هذا الكتاب منهجًا يدخل في عمق النص، وهو منهج جديد في نظرية و عملية التلقي أختلف أختلافا كليا عما كان سائدًا في الدراسات البلاغية والأدبية، حيث أرسى هذا المنهج قراءة للنص وفق آفاق جديدة، وظيفتها دراسة و تحليل العلاقات بين عناصر النص من خلال تتبع الأثر، أمّا كتابه الثاني ثقافة الأسئلة و هو كتاب يتضمن مقالات نقدية وتشريحية و تفكيكية لبعض النصوص والأشعار المختارة، وطرح أسئلة تحت كل مقال، والجزء الأخير عبارة عن مراسلات متبادلة بين الدكتور وبعض النقاد وإجابة على بعض من أسئلة القرّاء، و من النصوص التي قام بتحليلها و تشريحها بعد ان أقصى مؤلفها هما قصيدتان لمحمود درويش مثلا، حيث دخل الى بُنا هاتين القصيدتين و أسقط عليهما مفهومه للتشريح و قام بعمل جداول توضيحية لأعطاء فكرة عن كل جملة بين الحالة اللغوية و الصياغية و البلاغية و ما يقابلها من نقيض، مبررا ذلك بقوله ( أقول هذا قاصدا ربط موضوعاتي ببعضها حيث نلامس ما أشرنا إليه من قبل من كون قصيدة محمود درويش عابرون في كلام عابر تتحرك بأتجاه الوظيفة التنبيهي في اللغة ) ثم يعمد الى ربطها دلاليا بمقولة أبن سينا في وجهها الأول حيث تأثيرها الواقع في النفس كما يراه من خلال النص بقوله ( في النفس أمرأ من الأمور تعد به نحو فعل او أنفعال )، بهذا الكيفية يتعامل الغذامي مع النص، أنّه لا يكتفي بتحليله او حتى تشريحيه، بل يعمد الى ربطه دلاليا في رؤيا نقدية فلسفية تراثية، و هكذا يقصي المؤلف و ظروفه تماما و يفسر النص، وفق دلالاته و سياقاته اللغوية و من خلال بُناهُ المكوّنه له ثم يربطها بالمفهوم التراثي ربطا مقطعيّا و كأنّه يستخدم تقنية التقطيع السينمائي، في كل جملة من جمل القصيدة، و بهذا أقصى المؤلف و دخل الى النص عبر سياقاته اللغوية و ما يقابلها من نقائض؛ و بهذا أعاد مفهوم الأستنباط لدى جاك دريدا ليعمل على فك شيفرات النص وتركيبه وفقاً لما يريده ولما يمنحه إياه النصُّ من اشارات و عوالم يتمّ فكّ رموزها و دلالاتها،
الخاتمة
يتحوّل الناقد في كتابه هذا و كأنّه في حالة من التفاعل المستمر مع النصوص، إذ يمتزج لديه الإبداع بالقلق النقدي والرغبة الدائمة في تحسين ما كتبه، فالناقد، بوصفه مبدعاً، لا يرى النصوص كنتاج نهائي مكتمل، بل كمشروع مستمر للنقد والتجديد، فالاقتناع بالكمال في النقد يُعد أحد أكبر التحديات التي تواجه النقاد، إذ إنَّ الركون الى نتائج التحليل و الرضا الكامل عن النص يعوق النمو الإبداعي ويحد من قدرة الكاتب على التطور، و هنا ألتقى كل من الغذامي وجاك دريدا بأنهما كلمّا توصلا الى معنى يسارعان الى نقضه و لا يثبتان على معنى بعينه ، ولا يقفان او يصلان الى مركز او مسار إلا ليبعداه عن مكانه وينأيان به بعيدا به عن خطه و يحوّلاه من دائرة الى أخرى، و كأنّهما في أنهماك دائم عن النأي عن معنى ما ، وترك الأشياء بعيدة عن ذواتها متشظية بلا هوية حتى تتحوّل تدريجيا الى تراكمات من التحولات ولا حدود نهائية، يأخذان من فلسفة بارث موت المؤلف سياقا او منهجاً تحليليا يمكنّهما من التوصل الى عوالم أبعد و أماكن غير متكتشفة بالنص، و كأنّهما في بحث دوؤب عن معاني متجددة من خلال إحالات النص، و كأنهما في حالة من القلق الأبداعي ليكون محرضا لهما على التجريب في مواصلة التفكير في طرق و أساليب جديدة للوصول الى مجاهيل النص و كشفها و أضاءتها، حيث ألتقى النقاد الثلاثة في ان التحليل النقدي لا يقف عند نقطة بعينها، بل هو عملية تجدد دائمة عبر كشف و تقييم النصوص