نص الشهادة
بوعـلام دخيسـي... المرايـا والظـلال
ليس من اليسير الكتابة عن الشعر، أو عن شاعر يداعب الكلمات ويصوغ منها عوالم خاصة به، فلا يملك قارئ الشعر أو بالأحرى المستمع له إلا أن يبحث عن عوالمه هُو عبر كلمات الشاعر، وتُنسب الى الشاعر الهندي الكبير طاغور تلك المقولة التي أوجز فيها تلقي الشعر: "هل يمكن أن تَشتم عطر زهرة لتقول لقد فهمته؟" الشعر يُستنشق ولا يُفهم. هذه المقولة التي أستحضرُها بمعناها، وأنى لي أن أتذكر متى قرأتها وأين جعلتني أحاول أن أفصل شعر الأستاذ بوعلام دخيسي عن شخصه، وبالمناسبة فهو صديق ودود وذو حس مرهف، ولذلك سأحاول - من باب الجرأة - أن أكتب عن تجربتي مع شعره، فأنا لست ناقدا ولا مشتغلا بالأدب، وكل ما في الأمر أن ظروف عملي بوجدة وجهة الشرق جعلتني أنفتح على تجارب شعرية لجيل من الشعراء الشباب، أماطوا اللثام عما يختلج في صدور الكثيرين، وكانوا موفقين في الوفاء لنبض وآهات المستضعفين، مصلين في محاريب الجمال، ملتزمين بقواعد الشعر الضرورية دون تكلف أو صناعة (أو هكذا تبين لي)، ومن هؤلاء الشاعرة البتول محجوبي والطيب هلو وعبد الإله مهداد والزبير خياط وبوعلام دخيسي.
عندما كنت استمع لبوعلام دخيسي يلقي شعره (سواء في اليوتوب أو حتى في بعض اللقاءات)، كنت أحاول تتبع الصور التي يرسمها ثم أسهو لأتتبع الموسيقى والتفعيلة أو القافية، فقررت حينها أن أقرأ له بصوت جهوري، فالشعر موجه إلي أنا القارئ، وكم من بيت استوقفني فقلت: هذا لي، فلو أن ظروف الحياة تمهلت قليلا لسبقته إليه، بل يكاد الأمر يبدو كتلك المشاهدة التي نراها في الواقع فنعتقد بها أنها مرت علينا في الأحلام، ونتوهم معها أننا صرنا من أهل الكرامات، ثم ما نلبث أن نثوب إلى رشدنا.
ينتابني شعور أن بوعلام دخيسي ليس الوحيد المسؤول عن شعره، هناك طرف ثانٍ، يختبئ غير بعيد، مرة في المرآة، مرة في الظل ومرة في الصدى... وكأن هناك خيالًا يطاردهُ بلا هوادة، فها هو يترصد ذلك الخيال عندما يكتب في " كان حلما" من ديوان (وحده قلبك في المرآة) ما نصه:
اِمنعْ خيالَك عن عيوني حين أغفو أو أنامْ...
أو دُلَّني عن آيةٍ مِنْ وِرْد ليلِكَ
قلتَ لي
لا طيفَ يَخْطُر حين تَقرأ سورةَ العُتْبى
وقلتَ بأنَّ حُلمك مِنْ حديدٍ بابُهُ
وجدارهُ صخرٌ مِنَ الصّمت العنيدِ...
الخيال انعكاس، الخيال طيف يراود الشاعر حين يهم بإغفائه فيَنهض ليبحث عنه، لكنه لا يجدهُ، ثم يتجه إلى المرآة في كثير من الأحيان مخادعة وقد تكون مُقَعرة أو مُحَدبة، فبعض المؤرخين يرون أن استخدام المرآة في القرن السادس عشر علامة بارزة على بداية كتابة فن السيرة الذاتية بصيغتها الحديثة المتداولة، نظرا لكون المرآة تستطيع أن تحيل الذات - عن طريق الصورة فيها - من ذات يمكن فصلها عن تأثير الآخرين إلى ذات مجردة عن الطبيعة، فكيف لهذا القلب أن استقر وحيدا في المرآة؟ فهل فصل ما لا يُفصل؟ أم لزم ما لا يلزم؟ هذا الخيال أم الصدى أم ساكن المرآة يسبح في بحور الشعر؟ وربما يكون قد لاطم الأمواج العالية، فتخرج القصيدة في حلة بهية، أو تختفي في اليم.
يستعين بوعلام دخيسي على ثورة الشعر في داخله بلغته المتينة، فلا يمكن أن نتصور أن "العطف على خصر الكمان" هو عطف من باب الشفقة على كائن موسيقي لا يتوقف عن بث الألحان، وربما فهمنا أن العطف هو انحناءة أو تثنية لطيفة، فيتذكر القارئ قول علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: " لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها".
ولا يمر هذا العطف مرور الكرام، إذ إن الكائنات تُفصح عن مقاصدها ومصائرها،
فـ
الحوتُ قَبْرُ الأنْبياءِ...
و
الظِّلّ آخِرُ ما تَبَقّى
للنّهارِ مِنَ الدَّليلِ
وآخِرُ الأصحابِ
هَلْ تأويهِ
إذ تأوي الصّديقَ
يَدُ التّرابْ...
وبوعلام دخيسي فوق هذا وذاك بحار خبير، تقودهُ بوصلته إلى النجاة بجلده، فتقرأ:
والحبّ قال الفيلسوفُ
وقد تقدّمَ سِنّه في العلمِ
خارطةُ النجاةْ.
هي انطباعات وارتسامات تتركها محفورة في نفسي أشعار بوعلام دخيسي، شاعر آمن بالحب ملاذا وتلذذ بالحلم دون أن يلمسه زمامه.
الحُلم أكبرُ كاذبٍ
لكنّهُ ما زال يَنعَم بالبراءةِ
لم يُقاوِمْهُ النّيامُ
فجاء يجتاح العيونَ الصّاحيهْ
لا شك أن تجربة بوعلام دخيسي قد مرت بالعديد من الامتحانات، ولا مناص أمام الاستمرار، وهو استمرار يقود معه الشاعر قارئَهُ إلى ظلال ومرايا، فيجد ذاته في شعر دخيسي، ويحس بأن الرجل قد اطلع على ما يختلج في قلبه من لواعج فأحسن تصويرها بلغته الغنية، ولا يملك حينئذ سوى أن يقول: "لا بد وأن لنا قرابة خاصة في مكان ما، هذا الشعر لي، لكنك سبقتني إلى قوله".
دكتور المنتصر الوكيلي (مدير جهوي سابق لقطاع الثقافة بوجدة)
بوعـلام دخيسـي... المرايـا والظـلال
ليس من اليسير الكتابة عن الشعر، أو عن شاعر يداعب الكلمات ويصوغ منها عوالم خاصة به، فلا يملك قارئ الشعر أو بالأحرى المستمع له إلا أن يبحث عن عوالمه هُو عبر كلمات الشاعر، وتُنسب الى الشاعر الهندي الكبير طاغور تلك المقولة التي أوجز فيها تلقي الشعر: "هل يمكن أن تَشتم عطر زهرة لتقول لقد فهمته؟" الشعر يُستنشق ولا يُفهم. هذه المقولة التي أستحضرُها بمعناها، وأنى لي أن أتذكر متى قرأتها وأين جعلتني أحاول أن أفصل شعر الأستاذ بوعلام دخيسي عن شخصه، وبالمناسبة فهو صديق ودود وذو حس مرهف، ولذلك سأحاول - من باب الجرأة - أن أكتب عن تجربتي مع شعره، فأنا لست ناقدا ولا مشتغلا بالأدب، وكل ما في الأمر أن ظروف عملي بوجدة وجهة الشرق جعلتني أنفتح على تجارب شعرية لجيل من الشعراء الشباب، أماطوا اللثام عما يختلج في صدور الكثيرين، وكانوا موفقين في الوفاء لنبض وآهات المستضعفين، مصلين في محاريب الجمال، ملتزمين بقواعد الشعر الضرورية دون تكلف أو صناعة (أو هكذا تبين لي)، ومن هؤلاء الشاعرة البتول محجوبي والطيب هلو وعبد الإله مهداد والزبير خياط وبوعلام دخيسي.
عندما كنت استمع لبوعلام دخيسي يلقي شعره (سواء في اليوتوب أو حتى في بعض اللقاءات)، كنت أحاول تتبع الصور التي يرسمها ثم أسهو لأتتبع الموسيقى والتفعيلة أو القافية، فقررت حينها أن أقرأ له بصوت جهوري، فالشعر موجه إلي أنا القارئ، وكم من بيت استوقفني فقلت: هذا لي، فلو أن ظروف الحياة تمهلت قليلا لسبقته إليه، بل يكاد الأمر يبدو كتلك المشاهدة التي نراها في الواقع فنعتقد بها أنها مرت علينا في الأحلام، ونتوهم معها أننا صرنا من أهل الكرامات، ثم ما نلبث أن نثوب إلى رشدنا.
ينتابني شعور أن بوعلام دخيسي ليس الوحيد المسؤول عن شعره، هناك طرف ثانٍ، يختبئ غير بعيد، مرة في المرآة، مرة في الظل ومرة في الصدى... وكأن هناك خيالًا يطاردهُ بلا هوادة، فها هو يترصد ذلك الخيال عندما يكتب في " كان حلما" من ديوان (وحده قلبك في المرآة) ما نصه:
اِمنعْ خيالَك عن عيوني حين أغفو أو أنامْ...
أو دُلَّني عن آيةٍ مِنْ وِرْد ليلِكَ
قلتَ لي
لا طيفَ يَخْطُر حين تَقرأ سورةَ العُتْبى
وقلتَ بأنَّ حُلمك مِنْ حديدٍ بابُهُ
وجدارهُ صخرٌ مِنَ الصّمت العنيدِ...
الخيال انعكاس، الخيال طيف يراود الشاعر حين يهم بإغفائه فيَنهض ليبحث عنه، لكنه لا يجدهُ، ثم يتجه إلى المرآة في كثير من الأحيان مخادعة وقد تكون مُقَعرة أو مُحَدبة، فبعض المؤرخين يرون أن استخدام المرآة في القرن السادس عشر علامة بارزة على بداية كتابة فن السيرة الذاتية بصيغتها الحديثة المتداولة، نظرا لكون المرآة تستطيع أن تحيل الذات - عن طريق الصورة فيها - من ذات يمكن فصلها عن تأثير الآخرين إلى ذات مجردة عن الطبيعة، فكيف لهذا القلب أن استقر وحيدا في المرآة؟ فهل فصل ما لا يُفصل؟ أم لزم ما لا يلزم؟ هذا الخيال أم الصدى أم ساكن المرآة يسبح في بحور الشعر؟ وربما يكون قد لاطم الأمواج العالية، فتخرج القصيدة في حلة بهية، أو تختفي في اليم.
يستعين بوعلام دخيسي على ثورة الشعر في داخله بلغته المتينة، فلا يمكن أن نتصور أن "العطف على خصر الكمان" هو عطف من باب الشفقة على كائن موسيقي لا يتوقف عن بث الألحان، وربما فهمنا أن العطف هو انحناءة أو تثنية لطيفة، فيتذكر القارئ قول علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: " لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها".
ولا يمر هذا العطف مرور الكرام، إذ إن الكائنات تُفصح عن مقاصدها ومصائرها،
فـ
الحوتُ قَبْرُ الأنْبياءِ...
و
الظِّلّ آخِرُ ما تَبَقّى
للنّهارِ مِنَ الدَّليلِ
وآخِرُ الأصحابِ
هَلْ تأويهِ
إذ تأوي الصّديقَ
يَدُ التّرابْ...
وبوعلام دخيسي فوق هذا وذاك بحار خبير، تقودهُ بوصلته إلى النجاة بجلده، فتقرأ:
والحبّ قال الفيلسوفُ
وقد تقدّمَ سِنّه في العلمِ
خارطةُ النجاةْ.
هي انطباعات وارتسامات تتركها محفورة في نفسي أشعار بوعلام دخيسي، شاعر آمن بالحب ملاذا وتلذذ بالحلم دون أن يلمسه زمامه.
الحُلم أكبرُ كاذبٍ
لكنّهُ ما زال يَنعَم بالبراءةِ
لم يُقاوِمْهُ النّيامُ
فجاء يجتاح العيونَ الصّاحيهْ
لا شك أن تجربة بوعلام دخيسي قد مرت بالعديد من الامتحانات، ولا مناص أمام الاستمرار، وهو استمرار يقود معه الشاعر قارئَهُ إلى ظلال ومرايا، فيجد ذاته في شعر دخيسي، ويحس بأن الرجل قد اطلع على ما يختلج في قلبه من لواعج فأحسن تصويرها بلغته الغنية، ولا يملك حينئذ سوى أن يقول: "لا بد وأن لنا قرابة خاصة في مكان ما، هذا الشعر لي، لكنك سبقتني إلى قوله".
دكتور المنتصر الوكيلي (مدير جهوي سابق لقطاع الثقافة بوجدة)